الحجة الأولى: قوله : ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا )). وفي حديث آخر: ((وترابها طهوراً)) ولا شك أن اسم الفعول من الأسماء المتعدية على معنى أن يستعمل فيما كان مطهراً لغيره كما مر تقريره في الماء كقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً }[الفرقان:48]. فإذا كان الماء مطهرا لغيره فهكذا حال التراب يكون مطهراً لغيره فإذا أصاب التراب البول أو غيره من سائر النجاسات ثم كوثر بالتراب الطاهر حتى يغلبه فإنه يكون طاهراً كالماء إذا خالطته النجاسة ثم كوثر بالماء الطاهر فزالت أوصاف النجاسة المتصلة به فإنه يعود طاهرا فهكذا حال التراب لأنهما جميعاً مطهران لغيرهما كما أشرنا إليه.
الحجة الثانية: قوله : ((التراب طهور المؤمن ما لم يجد الماء )). كما قال تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ }[الأنفال:11]. فقد استويا في التطهير فيجب أن يكون حال التراب كالماء في اعتبار الغلبة للنجاسة.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: اشترط اللّه الطيب في الصعيد والمراد به الطهارة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا نقول بموجب الآية فإن التراب إذا كان غالباً للنجاسة فإنه يوصف بالطيب لا محالة.
وأما ثانياً: فلأن الغرض باشتراطه حذراً عما يظهر من النجاسة فيكون غالباً للتراب، ومثله يمنع من التيمم به لنجاسته، فأما ما كان من النجاسة مغلوباً بالتراب فإنه يكون طاهراً.
قالوا: طهارة تراد للصلاة فلا يجوز فعلها بالنجس كالوضوء.
قلنا: نحن نقول بموجب هذا القياس، فإنه لا يجوز التيمم بالتراب النجس ولكن كلامنا في تراب خالطته النجاسة وكان الطاهر غالباً لما هو نجس منه فإن ما هذا حاله لا يعد نجساً.

قالوا: الماء له قوة ترفع النجاسة عن نفسه بخلاف التراب فإنه لا قوة له على دفعها فإذا تنجس بالمخالطة كان نجساً، بخلاف الماء فإن له قوة على دفع ما وقع فيه من النجاسات إذا كان غالباً لها.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا لا نسلم أن ليس له قوة بل له قوة كقوة الماء، وأمارة ذلك: أنه يغلب النجاسة الواقعة فيه كما كان الماء غالباً لها.
وأما ثانياً: فلأن الرسول سماه طهوراً في قوله: ((التراب طهور المؤمن ما لم يجد الماء )). واسم الفعول من الألفاظ المتعدية إلى غيرها كما مر تقريره في أبواب الطهارة، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن التراب طهور بنص صاحب الشريعة صلوات اللّه عليه وإذا كان طهوراً جاز أن يكون مبيحاً لما منع منه الحدث وأن يكون غالباً لما وقع فيه من النجاسة وأن تؤدى به الصلاة في أول وقتها وتؤدى به أكثر من صلاة واحدة كما سنوضح القول في هذه المسائل بمعونة اللّه تعالى.
الفرع الثاني: وإن تيمم بتراب المقابر نظرت، فإن كانت تلك المقبرة على حالها لم تنبش جاز التيمم منها لأنه صعيد طيب طاهر، فجاز كغيرها مما هو طاهر، وإن كانت المقبرة قد نبشت حتى اختلط ما على ظهرها بما قد اتصل به الصديد والقيح والبلة النجسة نظرت فإن كان ما اتصل بالصديد والقيح منها غالباً للطهار لم يجز التيمم به لما مر بيانه من أعتبار الطهارة في التراب. وإن كان الطاهر هو الغالب حتى صار[النجس] مستهلكاً بالطاهر، جاز التيمم به لأنه بالغلبة صار طاهراً، وإن جهل الأمر في التراب فلم يعلم حاله بعد نبشها هل هو الغالب أو هو النجس فهل يجوز التيمم بما هذا حاله أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يجوز التيمم به لأن الظاهر نبشها ومع النبش يكون الأغلب هو النجاسة.
وثانيهما: أنه يجوز لأن الظاهر من التراب الطهارة إلا لعارض ولا عارض ههنا.

الفرع الثالث: وإن أصاب التراب بول أو كان ملوثاً بماء السرقين أو غير ذلك من الأمور المائعة النجسة ثم إنه جف بالشمس نظرت، فإن كان التراب قد ظهرت عليه أحد أوصاف النجاسة لم يجز التيمم به لنجاسته وإن كانت النجاسة غير ظاهرة عليه أوصافها بأن كان كثيراً فغلبها أو كان قليلاً خلا أنه كوثر بتراب طاهر جاز التيمم به لأنه بالمكاثرة صار طاهراً كالماء كما أوضحناه من قبل.
مسألة: ولا بد من اشتراط كون التراب حلالاً(1)
فلا يجوز التيمم بالتراب المغصوب لأن التيمم قربة، ولهذا كان مفتقراً إلى النية فلا تضام المعصية، ولأنه مأمور به لقوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً} فلا يجوز أن يكون مغصوباً لأنه منهي عن متاع الغير لقوله :((لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه )). والشيء الواحد لا يكون مأموراً به منهياً عنه للتضاد فيه.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول منها: الغصب في التراب يتصور وقوعه على أوجه ثلاثة:
أما أولاً: فبأن يكون التراب له قيمة كالطين الأرمني والطين الخراساني فإن هذا يباع في العادة وتكون له قيمة فيعقل غصبه بأخذه من مالكه على جهة الإكراه.
وأما ثانياً: فبأن لا يكون مأكولاً ولا له قيمة ولكن صاحبه أحرزه في جوالقه وفي قفصه لغرض من الأغراض، فما هذا حاله يعقل أخذه من غير إذن صاحبه ولا رضاه.
وأما ثالثاً: فبأن يكون في أرضه ويكره أخذه.
الفرع الثاني: وإذا كان غصبه يعقل على هذه الأوجه فهل يجوز التيمم بالتراب المغصوب أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا يجوز التيمم به وهذا هو رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ }[البقرة:188].
ووجه تقرير الحجة من هذه الآية: هو أن اللّه تعالى نهى عن استهلاك مال الغير وأكله والنهي دال على فساد المنهي عنه ومانع منه ومن اجزائه وهذا هو مطلوبنا.
__________
(1) يقصد: مباحاً.

المذهب الثاني: أنه يجزي وهذا هو رأي الفقهاء والمعتزلة.
والحجة على ذلك: قوله : ((التراب طهور المؤمن إذا لم يجد الماء )). ولم يفصل في ذلك بين أن يكون مغصوباً أو حلالاً. وقوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا }. والمراد بالطيب: الطاهر وليس المراد به الحلال لأن الطيب لا يستعمل في الحلال.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة ومن تابعهم من فقهائهم، وهو محكي عن داؤد من أصحاب الظاهر.
والحجة على ذلك: ما نقلناه عنهم ونزيد ههنا حجتين:
الحجة الأولى: قوله : ((لا يحل مال امرء مسلم إلا بطيبة من نفسه)). وإذا كان لا يحل استعماله لم يكن مجزياً له.
الحجة الثانية: أنه مأمور بالتيمم إذا كان عادماً للماء ومنهي عن الغصب فيلزم أن يكون مأموراً منهياً لوجوزنا التيمم به، وهو محال.
ومن وجه أخر: وهو أنه مطيع بالتيمم عاص بالغصب فلو جوزناه لكان مطيعاً عاصيا بأمر واحد وهو محال.
ومن وجه آخر: وهو أنه مراد لله تعالى من أجل ما فيه من تأدية العبادة ومكروه من أجل [كونه] مغصوباً فلو سوغناه لكان مراداً مكروهاً وهذا فيه تناقض فيجب القضاء ببطلانه وفساده.
الانتصار: يكون بإبطال ماجعلوه عمدة لهم.
قالوا: الظواهر الشرعية كلها الدالة على وجوب استعمال التيمم لم تفصل بين أن يكون مغصوباً أو غير مغصوب.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن ما ذكرتموه من هذه الظواهر لم يتناول ما قلناه بل قد خرج بما أوردناه من الدلالة كما خرج التراب النجس وغير ذلك مما لا يجوز التيمم به.
وأما ثانياً: فلأنه معارض بقياس مثله، وهو أن يقال: عبادة تقررت بأصل الشرع فلا يجوز أن تؤدى بالمغصوب كالزكوات والكفارات.
قالوا: صعيد مطلق فجاز التيمم به كما لو لم [يكن] مغصوباً.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فبالفرق وهو أن المعنى في الأصل أنه غير ممنوع منه شرعاً وهذا قد منع منه الشرع.

وأما ثانياً: فبالمعارضة وهو أن يقال: شرط من شروط الصلاة المشترطة في أدائها فلا يجوز تأديته بما هو ممنوع منه كالصلاة في الثوب النجس، والوضوء بالماء المغصوب.
قالوا: عبادة تدخلها النيابة فأشبه الذبح بالسكين المغصوب والطواف على جمل مغصوب.
قلنا: عما ذكروه أجوبة أربعة:
أما أولاً: فلأن ما ذكروه من القياس فاسد الوضع من جهة[أنه] وارد على مخالفة نص الكتاب والله تعالى يقول: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا }[النساء:43] والطيب هو الحلال، ولهذا قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ }[المؤمنون:51]. يعني: المأكولات الحلالية، فلما كان مصادماً لنص الكتاب على المناقضة كان باطلاً.
وأما ثانياً:فلأن ما ذكرتموه من الوصف الجامع ممنوع فلا نسلم جواز النيابة فيه لأن حقيقة النيابة هو أن يتيمم عنه غيره ولا قائل بهذا.
وأما ثالثاً: فبمنع الحكم في الأصل وهو أنا لا نسلم الإجزاء بالذبح بالسكين المغصوب في الأضحية والهدايا(1)
ونمنع من الإجزاء في الطواف على جمل مغصوب.
وأما رابعاً: فبالفرق وهو أن المعصية لم تضام القربة نفسها في الذبح بالسكين والوقوف على الجمل. لأن القربة إنما هي بنفس الأضحية وبنفس الوقوف والسكين والجمل وصلتان إليها فلهذا جازا لما كانا منحرفين عن مقصود القربة بخلاف التيمم بالتراب المغصوب والمسروق فإن استعماله هو نفس القربة، وقد ضام المعصية، فلهذا لم يكن مجزياً فافترقا، ونظير ما ذكروه من السكين والجمل أنه لو غصب حبلاً ودلواً واستقى بهما أو وضع التراب الحلال في إناء مغصوب فإنه يكون مجزياً لا محالة فبطل ما توهموه.
الفرع الثالث: إذا تيمم بتراب من أرض مغصوبه فهل يجزيه أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أنه يكون مجزياً له وهذا هو رأي المنصور بالله.
__________
(1) في حاشية الأصل: المذهب جوازه، ولعله ذهب إلى مقالة المهدي أحمد بن الحسين في أنه يقول بذلك.

والحجة على ذلك: هو أن المقصود بالغصب إنما هو الضرار وما يكون هذا حاله فليس فيه ضرر على المالك فلهذا كان باقياً على الإباحة كأخذ الخلا(1)
من الأرض المغصوبة.
وثانيهما: أن ذلك غير جائز وهذا هو رأي المؤيد بالله.
والحجة على ذلك: هو أن الأرض إذا كانت مغصوبة فكل ما فيها فهو ممنوع لحق صاحبه فلا يجوز كما لو غصبه نفسه على صاحبه.
والمختار: ما قاله الإمام المنصور بالله أن المفهوم من الغصب هو منع صاحب الأرض من الإنتفاع بها، وأخذ التراب غير ممنوع منه فلهذا لم يكن داخلاً في ماهية الغصب وحقيقته لما ذكرناه، فلا جرم جاز التيمم به ولأن الرسول دخل أرض اليهودي مع كراهته لدخوله فيها وقال: ((ما ضررناك يا يهودي )) فعلل المنع بالضرار دون الكراهة، فهكذا ههنا من غير فرق.
الفرع الرابع: لو تيمم بتراب مباح في الإناء المغصوب جاز التيمم لأن العبادة إنما هي باستعمال التراب، ووضعه في الإناء المغصوب لا ينافي القربة كما لو توضأ بماء مباح في إناء مغصوب جاز التوضي ولا يضره ذلك.
مسألة: ولابد من اشتراط كون التراب منبتاً في جواز التيمم به، نحترز به عما لا يكون منبتاً كالنورة والزرنيخ والرماد والشب وغير ذلك مما ليس تراباً ينبت، وعن الرمل الذي لا تراب فيه، والأحجار الصغار، فما هذا حاله لا يجوز التيمم به لما كان لا ينبت شيئاً.
__________
(1) هكذا في الأصل، ولعل المقصود بها قضاء الحاجة والاستجمار من الأرض المغصوبة.

واعلم أن صفة الإنبات في التراب قد وقعت في بعض كتب المذهب، وظاهر أمرها: أنه لابد من اعتبارها في جواز التيمم. والأقرب أنه لا حاجة بنا إلى اعتبارها لأنه إن كان الغرض بإيرادها هو الإحتراز عن النورة والزرنيخ والرماد والكحل وغير ذلك فقد خرج ما ذكرناه باعتبار صفة كونه تراباً لأن هذه الأمور لا تعد تراباً، وإن كان الغرض باعتبارها الإحتراز عن الرمل والحصى الصغار فقد اندرجت في ضمن التراب، وإن كان الغرض هو إخراج السبخ من التراب فالتيمم جائز به إذا لم يكن ثرياً وأيضاً فإنه منبت وإن ضعف نباته، وإن كان الغرض من المنبت هو الإحتراز عن المخلوط بالذريره والنورة أو عن التراب المستعمل فهو فاسد، لأن هذه الأمور سنذكرها بقيود تخصها ونفصل ما فيها من المسائل فلا تكون مندرجة تحت قيد الإنبات، فظهر بما قررناه أنه لا حاجة إلى اعتبار هذا القيد وأنه مستغنى عنه بصفة التربية، وإن أرادوا أنه مستقل بالاعتبار في نفسه من غير أن يضاف إلى غيره فهو فاسد لأن التراب النجس والتراب المسروق والتراب المستعمل كل هذه منبتة ومع ذلك فإنه لا يجوز التيمم بها، فحصل من هذا أنه لا حاجة إلى ذكره سواء كان ذكره على جهة الإستقلال أو على جهة الإنضمام إلى غيره من الأوصاف.
مسألة: ولابد من اعتبار كونه خالصاً، نحترز به عما إذا خالطه ما يزيل حكم التطهر به، وليس يخلو الحال فيما يخالطه إما أن يكون طاهراً أو يكون نجساً، فإن كان المخالط له نجساً فقد قدمنا الكلام على التراب النجس وفصلنا ما فيه فأغنى عن الإعادة، وإن كان المخالط له طاهراً فإما أن يكون مما يتطهر أو مما لا يتطهر به فعنه تفصيل نشير إليه تفريعا.
التفريع لهذه القاعدة:

الفرع الأول: إذا اختلط التراب الأرمني بالتراب الخرساني أو اختلط هاذان الترابان بسائر أنواع التراب الطيبة جاز التيمم بها لأنها كلها مشتركة في كونها ترابات طاهرة طيبة لا يعرض لها شيء سوى الإختلاط وهو غير مغير لأجزائها، كما لو كانت الأمواء مختلطة عذبها بمالحها واختطلت العذبة بعضها ببعض فإنها كلها مطهرة ولا يضرها الإختلاط.
الفرع الثاني: وإن خالطه ما ليس بمطهر نحو أن يخالطه الدقيق والنورة والذريرة وغير ذلك مما يكون مخالطاً للتراب نظرت، فإن كان المخالط للتراب هو الغالب له لم يجز التيمم به لأنه يكون غير تراب فأشبه الدقيق والنورة والذريرة وإن كان التراب هو الغالب فهل يجوز التيمم به أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن ذلك غير جائز وهذا هو رأي أئمة العترة وهو قول الأكثر من أصحاب الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أن المخالط للتراب من الذريرة والنورة يمنع من وصول التراب إلى العضو لكونه جامداً فلا يكون على [ذلك] متيمماً بالتراب وحده، فلهذا لم يكن مجزياً، ويفارق الماء إذا خالطه غيره وكان الغالب هو الماء كماء الورد إذا خالط الماء من جهة أن الماء رقيق فيكون المخالط يستهلكه الماء فلا يمنع من وصول الماء إلى الأعضاء لما فيه من الرقة بخلاف التراب فإنه جامد كما أشرنا إليه فافترقا.
وثانيهما: أنه يجوز التيمم به إذا كان التراب هو الغالب وهذا هو المحكي عن الشيخ أبي حامد من أصحاب الشافعي.

والحجة على ذلك: هو أنه مطهر، فإذا كان غالباً لما خالطه جاز التيمم به كالماء وهذا هو المختار، ويدل عليه قوله : ((التراب طهور المؤمن )). فسماه طهوراً كما قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا }[الفرقان:48] فنزله منزلته في كونه مطهراً تطهير غيره، فإذا تقرر هذا فنقول: إذا صار ما خالطه مخلوط به صار التراب مستهلكاً له غالباً له، فلا جرم جاز التيمم كما كان ذلك في حق الماء كما مر تقريره من أن الماء إذا خالطه شيء من المغيرات كمآء وردٍ انقطعت رائحته أو قطرة من زعفران أو لبن أو خل وكان غالباً لها جاز التطهر به، فهكذا يجب أن يكون حال التيمم.
الفرع الثالث: التراب إذا خالطه شيء من الأمور الطاهرة كالذريرة والزرنيخ والنورة أو من الأمور النجسة، فالعلماء فيه فريقان:
الفريق الأول: لا يجيزون التيمم به على أي وجه سواء كان التراب غالباً أو غير غالب ويفرقون بينه وبين الماء، وتلك التفرقة من وجهين:
أحدهما: أن التراب غير رافع للحدث عند هؤلاء بخلاف الماء فإنه رافع للحدث الأكبر والأصغر جميعاً بلا خلاف في ذلك.
وثانيهما: أن للماء خاصة في نفسه وقوة ورقة تمنع من أن تكون الأجزاء المخالطة متصلة بالعضو بخلاف التراب فإنه لا يختص برقة وصقالة وصفاء جوهر فلا يمتنع أن تكون تلك الأجزاء المخالطة غير متصلة بالعضو الميمم فلأجل هذا بطل التيمم به عندهم.

الفريق الثاني: الذين جوزوا التيمم بالتراب الذي خالطه غيره إذا كان غالباً له فإذا خالطه ما هو طاهر فالمعتبر عندهم بغلبة التراب له لأنه إذا كان مستهلكاً له جاز التيمم به كما مر شرحه فأما إذا خالطه النجس فمنهم من اعتبر القلتين في التراب كما يعتبرهما في الماء إذا خالطه نجاسة، فكما كانت القلتان من الماء لا تحملان خبثاً فهكذا القلتان من التراب لا تحملان خبثاً لأنهما جميعاً مطهران، ومنهم من لا يعتبرهما ولكن يعتبر بالغلبة واستهلاك النجاسة بالتراب كما تكون مستهلكة بالماء عند تكاثره فيجريه مجرى الماء من غير تفرقة بينهما.
والمختار: إلحاقه بالماء لما ذكرناه من الدليل على كون التراب مطهراً بدلالة الخبر، فلا جرم كان حكمه حكمه.
مسألة: ولابد من اشتراط كون التراب مطلقاً، نحترز[به] عما يكون مستعملاً، فإذا كان مستعملاً فهل يجوز التيمم به أم لا؟ فيه نظر نذكره بمعونة اللّه تعالى.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: الإستعمال في التراب يكون على وجهين:
أحدهما: أن يبقى على أعضاء التيمم شيء من غبار التيمم فيتيمم به هو أو غيره.
وثانيهما: أن يتساقط من أعضاء التيمم غبار فيتيمم به أو غيره، فما هذا حاله يكون مستعملاٌ باستعمال الأول لأنه قد سقط به الفرض، واستعمال الثاني من جهة أنه تساقط من التراب الذي وقع به التيمم فكان مستعملاً كما لو تساقط من الماء من أعضاء الطهارة، فأما ما يفضل في الإناء من أثر التيمم فلا يكون مستعملاً كما قررناه من قبل من جهة أن ما فضل لم يتغير حكمه في التطهير ولا أسقط به فرض، فلهذا لم يكن مستعملاً كالماء الذي يفضل في الإناء من أثر المتوضي، ولا يقع التردد بين من أثبت الإستعمال بالتراب في الوجه الأول، وإنما وقع التردد في الوجه الثاني هل يكون مستعملاً أم لا؟ والذي يأتي على رأي من أثبت الاستعمال من أئمة العترة، أنه يكون مستعملاً وهو أحد قولي الشافعي، وله قول آخر أنه لا يكون مستعملاً.

108 / 279
ع
En
A+
A-