والمختار: ما عول عليه الأكثر من أئمة العترة من أنه يجب عليه غسل ما قل من بدنه إذا كان صحيحاً.
والحجة على ذلك: هو أنه مقدور على غسله من غير ضرر فلا يجوز له تركه كما لو كان الأكثر صحيحاً.
والحجة على ذلك والجامع بينهما: هو ما ذكرناه من القدرة على غسله.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: لو أوجبنا عليه الغسل لكان في ذلك الجمع بين البدل والمبدل منه وهو باطل.
قلنا: التيمم ليس بدلا عما غسل وإنما هو بدل عما لم يغسل، فلهذا لم يكن ما قلناه جمعاً بين البدل والمبدل منه.
الفرع العاشر: وإذا وجد جماعة من المسلمين ماء مباحاً أو كان ملكاً لرجل فقال: قد أبحته لكم، نظرت فإن كان الماء لا يكفي واحداً منهم لم يبطل تيممهم لأنهم غير واجدين للماء فلا يبطل ما فعلوه من الطهارة بالتراب، وإن كان يكفي واحداً منهم بطل عليهم التيمم لأن كل واحد منهم بصدد أن يكون مستحقاً له وهو يكفيه، فصار كما لو قال: هو له على التعيين، وإن قال: قد جعلته لكم لم ينتقض عليهم ما فعلوه من التيمم لأنه قد صار لكل واحد منهم جزء منه على جهة التمليك وهو غير كافٍ له، فلأجل ذلك لم يبطل عليهم ما قد تلبسوا به من الطهارة البدلية، فهذا ما أردنا ذكره في الأسباب الموجبة للتيمم وما يتعلق بها.
.

---
الفصل الثاني في بيان ما يجوز التيمم به وما لا يجوز وما يستباح به من العبادات
قال الإمامان القاسم بن إبراهيم وولده الهادي يحيى بن الحسين: ولا يجوز التيمم إلا بالتراب الطاهر ولا يجوز بالرمل والنورة والزرنيخ وما أشبهها.
واعلم أن الذي يجوز التيمم به هو التراب الطاهر الحلال المنبت الخالص المطلق، فما هذا حاله من التراب لا يعرف خلاف في جواز التيمم به وإنما يقع التردد فيما خالف هذه الأمور كما سنوضح القول فيه، والأصل في ذلك قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا }[المائدة:6] فذكر الصعيد تنبيهاً على جنسه وذكر الطيب تنبيهاً على وصفه، وقد وقع الخلاف والنزاع بين العلماء من حملة الشريعة فيما يعتبر من أجناسه وأوصافه وما لا يعتبر مع اتفاقهم على جواز التيمم بما كان مختصاً بهذه الصفات التي ذكرناها، ونحن نوردها واحداً واحداً ونوضح المختار وننصره بمعونة اللّه تعالى.
مسألة: لا يجوز التيمم إلا بالتراب الذي له غبار كما [هو] مفهوم من ظاهر الآية والخبر.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول منها: جنسية التراب لا بد من اعتبارها في جواز التيمم عند أئمة العترة، القاسمية والناصرية، وهو محكي عن الشافعي و أحمد بن حنبل وداؤد من أهل الظاهر.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً}. والصعيد في اللغة هو التراب لقوله تعالى: {فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا }[الكهف:40]. يعني تراباً أملساً لا نبات عليه وقوله تعالى: {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزً }[الكهف:8]. أي: تراباً لا نبت فيه، وحكي عن ثعلب أنه قال: يطلق على التراب وعلى وجه الأرض، وعن غيره: أنه يقع أيضاً على الطريق. وتقرير الدلالة من الآية: هو أن اللّه تعالى قصر الإجزاء على ما كان تراباً طيباً وفي هذا دلالة على أن غيره لا يجزي في التيمم. وهل يجوز بغيره أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:

المذهب الأول: أنه يجوز التيمم بكل ما كان على وجه الأرض من شجر أو حجر أو مدرمتصلاً بها كان أو غير متصل، وهذا أعم المذاهب وأشملها، وهو محكي عن الثوري والأوزاعي.
والحجة على ذلك: ما روى أبو هريرة عن الرسول أن رجلاً أتاه فقال: يا رسول اللّه إنا نكون بأرض رمل فتصيبنا الجنابة والحيض والنفاس ولا نجد الماء أربعة أشهر، فقال: ((عليكم بالأرض فتمسحوا بها فإنها بكم برة ))(1)
ولم يفصل في ذلك بين جنس وجنس متصل أو غير متصل.
المذهب الثاني: أخص منه وهو أنه يجوز التيمم بالأرض وما كان متصلاً بها كالأشجار والملح وغيرهما، ولا يجوز بالذهب والفضة والرصاص والحديد والنحاس.
والحجة على ذلك: ما روى أبو ذر عن رسول اللّه أنه قال: ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ))(2)
فما جاز أن يسجد عليه جاز أن يكون طهوراً إلا ما خصه الدليل.
المذهب الثالث: أنه يجوز بكل ما كان من جنس الأرض كالرمل والجص والكحل والزرنيخ والشب وغير ذلك من جميع الأجناس التربية ولا يشترط أن يكون فيه غبار بل لو ضرب بيده على صخرة ملساء أو على حائط أملس أجزأه ذلك، وهذا هو رأي أبي حنيفة وأصحابه ومالك إلا الذهب والفضة والأشجار كلها فإنها غير مجزية عندهم.
والحجة على ذلك: ما روي عن الرسول أنه قال: ((فضلت على الأنبياء من قبلي بخصال )) (3)
وذكر من جملتها أن الأرض كانت له مسجداً وطهوراً ولم يفصل هناك بين جنس وجنس إلا ما قامت عليه دلالة في المنع.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم.
والحجة لهم: ما ذكروه ونزيد ههنا حجتين:
الحجة الأولى: ما روى حذيفة عن الرسول قال: ((جعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً )) فخص التراب من بين سائر ما على وجهها من الأشجار والأحجار، وفي هذا دلالة على أن التراب مقصود بالإجزاء من بين سائر الأجناس الأرضية.
__________
(1) قال في (الجواهر): تخريج (البحر) ج1/118: حكاه في الانتصار وضعفه إلخ.
(2) تقدم.
(3) تقدم.

والحجة: أن اللّه تعالى خص الصعيد بالإجزاء وأن ما سواه لا يسمى صعيداً، وروي عن أمير المؤمنين وابن عباس أنهما قالا: الصعيد هو التراب. وروي عن النبي أنه قال: ((التراب كافيك ولو إلى عشر حجج)) وقوله : ((الصعيد الطيب طهور لمن لم يجد الماء )) فهذه الأمور كلها دالة على أنه لا بد من اعتبار التراب في التيمم كما أشرنا إليه.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: الخبر الذي رواه أبو هريرة والخبر الذي رواه أبو ذر وغيره من الأخبار كلها مشعرة بالعموم في جواز التيمم بما على الأرض فإنهالم تفصل بين شجر ومدر سواء كان متصلاً بالأرض أو منفصلاً عنها فمن خص شيئاً من ذلك فعليه الدلالة، فظاهر هذه الأخبار متمسكنا حتى تقوم دلالة على خلاف ظاهرها.
قلنا: عما ذكروه أجوبة ثلاثة:
أما أولاً: فلأن الأخبار التي رويناها ظاهرة في النقل وما رووه أخبار ضعيفة فخبر أبي هريرة يرويه المثنى بن الصباح (1)
وهو ضعيف الرواية عند أهل النقل يروي المناكير من الأحاديث عن عمرو بن شعيب، فلا جرم ضعف التمسك به.
__________
(1) المثنى بن الصباح اليماني الأبناوي، ويقال: أبو يحيى المكي، أصله من أبناء فارس، روى عن طاووس ومجاهد وابن أبي مليكة وغيرهم، وعنه: ابن المبارك وعيسى بن يونس، وعبدالرزاق ومحمد بن سلمة الحراني وغيرهم، قال عمرو بن علي: كان يحيى وعبدالرحمن لا يحدثان عنه، وقال ابن المديني:سمعت يحيى بن سعيد ذكر عنده مثنى بن الصباح، فقال: لم نتركه من أجل عمرو بن شعيب، ولكن كان منه اختلاط في عطاء، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: لا يساوي حديثه شيئاً، وقال الترمذي: يضعف في الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، توفي سنة 149ه‍، راجع (تهذيب التهذيب) 10/32.

وأما ثانياً: فلأن الأخبار التي رويناها فائدتها ظاهرة مكشوفة لا تفتقر إلى تأويل لما فيها من التصريح بالمراد بخلاف الأخبار التي رووها فإنها مطلقة معرضة للتأويل من حيث أن أخبارنا مصرحة بصفة التُّربية فيها وما نقلوه مطلقة فيجب حملها على ما دلت عليه أخبارنا من أن المراد بها التراب حتى تتطابق الأخبار وتكون مؤدية لفائدة واحدة.
وأما ثالثاً: فلأن المراد بما ورد في خبر أبي هريرة من الرمل، إنما هو الرمل الذي يخالطه التراب لأن العرب إنما تقيم في الأرض التي تكون منبتة للكلا ولا تكون في الرمل المستحجر الذي لا يخالطه شيء من التراب، وهكذا تأويل خبر أبي ذر على ما قررناه فالمراد بالطهور: التراب، لتطابق ما ورد عن الرسول أنه قال: ((فضلنا على الناس بخصال ثلاث : جعلت الأرض لنا مسجداً، وجعل ترابها لنا طهوراً، وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة))(1).
فعلق الصلاة بجميع الأرض إلا ما خص بدلالة كما سنوضحه في الأماكن، وعلق التيمم ببعضها، فلو كان التيمم بجميع الأرض جائزاً لم يعدل من الأرض إلى بعضها.
قالوا: تطهير بجامد فلم يختص بجنس واحد كالإستنجاء.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن ما ذكروه معارض بقياس مثله وهو أنها طهارة عن حدث أو طهارة تفعل لأجل الصلاة، فوجب اختصاصها بجنس واحد لا يخير فيه بينه وبين غيره كالوضوء.
وأما ثانياً: فلأن المقصود من الاستنجاء إنما هو القلع لأثر النجاسة فلم يكن مختصاً بجنس دون غيره مما يكون قالعاً للآثار ومزيلاً لها بخلاف التيمم فإنه إنما يقصد لاستباحة الصلاة فلهذا كان مختصاً بجنس دون غيره كالوضوء.
قالوا: كل بقعة جازت الصلاة عليها جاز التيمم بما عليها كالأرض التي عليها تراب.
قلنا: عن هذا جوابان:
__________
(1) تقدم.

أما أولاً: فلأن الشرع قد فرق بين الصلاة وبين التيمم باشتراط كونه تراباً فلا يجوز الجمع بينهما من جهة أن المقصود من الصلاة هو وقوع الجبهة على الأرض، وهذا عام في كل موضع إلا ما خصته دلالة بخلاف التيمم فإن المقصود هو التواضع بتعفير الوجه واليدين وهذا إنما يكون فيما كان له غبار.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكروه باطل بالأرض إذا أصا بتها نجاسة وذهب أثرها بالشمس فإنه تجوز الصلاة فيها على رأيكم ولا يجوز التيمم منها.
قالوا: جزء من الأرض فجاز التيمم منه كالتراب.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الزرع وا لكحل والشب والمرتك(1)
وغير ذلك من الأحجار المعدنية ليست من الأرض وإنما هي أحجار معدنية خلقها اللّه لمنافع الخلق ولهذا قال تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَاداً ، وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا}[النبأ:6،7] فأفردها بالذكر.
وأما ثانياً: فلأنا نعارض ما قالوه بأن هذه الأمور ليست تراباً فلا يجوز التيمم بها دليله: سحالة(2)
الذهب والفضة.
الفرع الثاني: التراب المأكول كالطين الأرمني وغيره مما له ريح ويؤكل فهل يجوز التيمم به أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يجوز التيمم به وهذا هو المشهور عن أصحاب الشافعي.
وثانيهما: أنه لا يجوز لأنه مأكول.
والمختار: على رأي أئمة العترة أنه يجوز التيمم به لأنه تراب فأشبه الصعيد الطيب.
وهل يجوز التيمم بالرمل أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أن ذلك جائز على الإطلاق، وهذا هو الذي يأتي على رأي من جوز التيمم بما كان من جنس الأرض، وهو المحكي عن أبي حنيفة وأصحابه ومالك.
وثانيهما: أنه لا يجوز التيمم به وهذا هو الذي نص عليه الشافعي في (الأم).
__________
(1) هكذا في الأصل.
(2) جاء في حاشية الأصل: السحالة: ما سقط من الذهب والفضة ونحوهما البرادة.

والمختار فيه: أنه يكون على حالين، وهذا هو الذي نص عليه الهادي في (المنتخب) فإن كان ليس له غبار يعلق بالكف فإنه لا يجوز التيمم به لأنه يشبه الأحجار الصغار، وإن كان فيه غبار جاز التيمم به لما روى أبو هريرة أن رجلا جاء إلى رسول اللّه فقال: يا رسول اللّه إنا نكون بأرض الرمل وتصيبنا الجنابة والحيض والنفاس ولا نجد الماء أربعة أشهر أو خمسة؟ فقال النبي : ((عليكم بالأرض)). فيجب أن يكون الرمل على ما ذكرناه من الوجهين، وهذا هو الذي تأول عليه أصحاب الشافعي كلامه في (الأم) وفي (الإملاء)، فحملوا كلامه في (الأم): على أنه لا غبار فيه، فلهذا لم يجز التيمم به، وحملوا كلامه في (الإملاء): على أن فيه غباراً، ومنهم من زعم أن فيه قولين، والأقرب ما قلناه من الفصل فيه، لأن الرمل له حالتان كما أشرنا إليه، فإذا اختلط بالتراب صار مجزياً، وإن لم يختلط بالتراب صار كالحجارة المدقوقة.
الفرع الثالث: وإن دق الآجر والخزف وهو ما أحمي عليه في النار حتى صار تراباً لم يجز التيمم به على رأي أئمة العترة القاسمية والناصرية، وهو محكي عن الشافعي لأن الطبخ قد أحاله وأخرجه عن أن يقع عليه اسم التراب، وإن نحت الرخام حتى صار تراباً لم يجز التيمم به، والطين الأرمني(1)
إذا دق جاز التيمم به لأن دقه لا يخرجه عن صفة التراب، وإن أحرق الطين الخرساني لم يجز التيمم به على رأي أئمة العترة وهو أحد قولي الشافعي وله قول أخر أنه يجوز التيمم به لأنه يقع عليه اسم التراب.
__________
(1) جاء في حاشية الأصل: الطين الأرمني: الذي يؤكل تداوياً، والطين الأبيض: الذي يؤكل سفهاً، هذا كلام الرافعي في (الغريب) قال الأسنوي: قد اختصره في (الروضة) اختصاراً فاسداً فإنه جعل المأكول تداوياً هو المأكول سفهاً فخلط قسماً بقسم نسياناً لما بينهما فاعلمه، اه‍.

والحجة على ما قلناه: هو أنه إذا أحرق صار بالحريق خارجاً عن صفة التراب، كما لا يصح بالخزف المدقوق، وإن لطخ وجهه بالطين المبلول(1)
لم يكن مجزياً له عن التيمم عند أئمة العترة وهو الذي ذكره الشافعي في (الأم) لأنه لا يقع عليه اسم التراب فصار كالدقيق والعجين، ولما روى عكرمة عن ابن عباس رضي اللّه عنه أنه سئل عن رجل واقف في طين لا يستطيع أن يخرج منه، فقال: يأخذ من الطين فيطلي به بعض جسده فإذا جف تيمم به، ولا يعرف له مخالف فلهذا كان إجماعاً يعمل عليه، فإن خاف فوت الوقت قبل جفافه كان بمنزلة من لم يجد الماء ولا تراباً وسيأتي حكمه إن شاء الله.
الفرع الرابع: ويجوز التيمم بالصلصال، وهو التراب الذي يقع عليه الماء فيجف ويتقشع فيكون له صلصلة فإذا سحق صار تراباً فجاز التيمم به لأنه صعيد طيب، ويجوز التيمم بالمدر وهو التراب الذي أصابه الماء فاستحجر وجف فإذا فُتت صار غباراً يجوز التيمم به، ويجوز التيمم بالبطحاء ولها تأويلات:
أحدها: أنه التراب المستحجر فيصير كالمدر فإذا سحق صار تراباً.
وثانيها: أنها أرض ذات حجارة صغار، وما هذا حاله فلا يجوز التيمم به لأنها لا يقع عليها اسم التراب فصارت كالحجارة المدقوقة، ويجوز التيمم بما يخرج من العين الحارة من التراب الأسود إذا جف وسحق لأن اسم التراب واقع عليه فهو من جملة الصعيد الطيب، ولا اعتبار بألوان التراب من غبرة وبياض وسواد وحمرة إذا كانت كلها يطلق عليها اسم التراب ولقوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً}. ولم يفصل بين لون ولون. وقوله : ((التراب طهور المؤمن ما لم يجد الماء )) ولم يفصل بين ألوانه.
__________
(1) في حاشية الأصل: قال الجوهري: هو الملح، وبه ورد التنزيل، والله أعلم، اه‍. كأن كاتب الحاشية يشير إلى قوله تعالى: {مِنْ طِيْنٍ لاَزِب}.

الفرع الخامس: فأما السبخ من الأرض فهو المالح فينظر فيه فإن كان قد زاد عليه الماء المالح وغلبه حتى صار معجونا به لم يجز التيمم به كما لا يجوز بالطين العذب المبلول، وما هذا حاله فإنه يقال فيه: أرض ثرية إذا صارت ندية بالماء المالح ولهذا تقول العرب: التقى الثريان، وأرادوا به إذا التقى ماء الأرض وماء السماء، والثرية بالثاء المثلثة الفوقانية وبالياء المثناة التحتانية. وإن كان سبخاً لا نداة فيه جاز التيمم به، وحكي عن بعضهم أنه لا يجوز التيمم به ولعل ما قاله محمول على ما كان فيه نداة وبلة.
والحجة على ذلك: هو أن أرض المدينة سبخة وقد تيمم منها رسول اللّه ، ولأن التراب مطهر كالماء فكما انقسم الماء إلى مالح وعذب فهكذا التراب منقسم إلى سبخ وعذب فجاز التيمم به كالماء، وقوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً} فالمراد به الطاهر كما سنوضح القول فيه بمعونة اللّه تعالى.
ويجوز أن يتيمم جماعة من إناء واحد فيه تراب واحداً بعد واحد إذا كان ضيقاً، وإن وسع أيديهم جاز أن يتيمموا منه في وقت واحد كما يجوز ذلك في الماء فيأخذون منه واحداً بعد واحد ومجتمعين لأن الأخذ لا يغير حاله ولا يصير مستعملاً بما ذكرناه وسنذكر المستعمل بعد هذا بمعونة اللّه تعالى.
مسألة: ولا بد من اشتراط كون التراب طاهراً لقوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً} والطيب يقع على كل ما تستطيبه النفس، فيقال: هذا طعام طيب، ويقع على الحلال كقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ } [المؤمنون:51]. بمعنى الحلال، ويقع على الطاهر. ولا يجوز أن يكون المراد من الآية ما تستطيبه النفس ولا الحلال لأن التراب لا يوصف بما ذكرناه فثبت أنه واقع على الطاهر ولأنها طهارة للصلاة فلا تصح بالنجس كالوضوء.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: هل يجوز التيمم بالتراب النجس أم لا؟ فيه مذهبان:

المذهب الأول: أنه لا يجوز التيمم به وهذا هو رأي أئمة العترة الأكثر من القاسمية، وهو رأي الناصرية أجمع، ومحكي عن الفريقين الحنفية والشافعية، وهو رأي مالك.
والحجة على ذلك: ما قررناه أولاً من اشتراط الطيب وهو مقصود به الطهارة دون غيره.
المذهب الثاني: أنه ينظر فيه فإن كانت النجاسة المتصلة به غالبة له في الطعم والريح واللون فإنه لا يجوز التيمم به وإن كان التراب غالباً للنجاسة جاز التيمم به وهذا شيء يحكى عن الإمام المنصور بالله وهو قول داؤد من أهل الظاهر.
والحجة على ذلك: هو أنه أمر يشترط في تأدية الصلاة للمحدث فوجب أن يكون ما يخالطه من النجاسة مغلوباً بالطاهر كالماء فهذا قياس على الماء وهذا إنما يتحقق دلالة على رأي من اعترف بالقياس وهم أكثر علماء الأمة من أئمة العترة والفقهاء القياسيين، فأما داؤد فلا يليق منه الإستدلال لأنه من منكري القياس فلا يجوز له التعويل على القياس وإنما حجته على ما قاله ما نذكره من الظواهر الشرعية في تقرير المختار من ذلك لأنه يعترف بها دون الأقيسة.
والمختار: ما قاله الإمام المنصور بالله وغيره من القول بجواز التيمم بالتراب الذي خالطته نجاسة إذا كان غالباً لها.
والحجة على ذلك: ما حكيناه عنه. ونزيد ههنا حجتين:

107 / 279
ع
En
A+
A-