والحجة على ما قلناه: ما روي عن أمير المؤمنين أنه كسرت إحدى زنديه وجبرها فاستفتى رسول اللّه ÷ في الوضوء فأفتاه بالمسح على الجبائر(1). ولم يسأله عن كونه واضعاً لها على وضوء أو غير ذلك.
وتوضع الجبائر على[الموضع] الصحيح والعليل على قدر الحاجة عندنا وحكي عن الشافعي أنها لا توضع إلا على العليل.
والحجة على ذلك: أن وضع الجبائر إنما يكون على قدر الحاجة في إصلاح الحال في برء العضو وإصلاحه وشده ومده وهذا لا يكون إلا إذا دعت الحاجة إلى موضع البرء والصحة فإن ذلك جائز وقد حمل أصحاب الشافعي كلامه على منع ذلك، أن الحاجة غير داعية إلى شده على موضع الصحة وعلى هذا يكون كلامه موافقاً لما قلناه.
فإذا وضع الجبيرة ثم أراد الواضع الوضوء أو الغسل فإن كان لا يخاف من نزعها ضرراً نزعها وغسل ما تحتها لقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا \s " \c 1} [المائدة:6] وقوله %: ((توضأ كما أمرك اللّه \s " \c 2)). وإن خاف من نزعها تلفاً للنفس أو تلف عضو أو إبطاء البرء أو الزيادة في العلة أو في الألم لم يلزمه حلها، وما يلزمه من ذلك فيه وجهان:
أحدهما: غسل ما جاور الشد والمسح على الجبيرة، وهذا رأي المؤيد بالله وهو مذهب الشافعي.
والحجة على ذلك: ما روي عن أمير المؤمنين أنه قال: إنكسرت إحدى زندي مع رسول اللّه ÷ فسألته كيف أفعل بالوضوء فأمرني أن أمسح على الجبائر.
وإذا قلنا بوجوب المسح كما هو المختار كما مر في الوضوء فيمن كسر وجبر فهل يلزمه الإستيعاب أم لا؟ والأقرب على المذهب أنه يلزمه الإستيعاب وهو أحد قولي الشافعي وله قول أخر أنه لا يلزمه الإستيعاب.
والحجة على ما قلناه: هو أنه لا ضرر عليه في إستيعاب المسح فلزمه كالتيمم.
__________
(1) أخرجه السيوطي في (جمع الجوامع) من مسند علي %، وعبد الرزاق في مصنفه، والدار قطني، وابن السني، وأبو نعيم معاً في الطب، وسنده حسن، اه‍(روض) 1/445.

وهل يتعدد المسح بالأيام أم لا؟ والأقرب أنه لا وجه لتقديره بالأيام كالمسح على الخفين إذ ليس مذهباً لنا، وهو أحد قولي الشافعي وله قول آخر أنه يتقدر مسحه كما قررناه.
والحجة على ما قلناه من بطلان تقديره، وعليه الأكثر من أصحاب الشافعي، هو أن الحاجة داعية إلى استدامة اللبس للجبائر والمسح عليها إلى البرء فلهذا وجب استدامته ولا يكون مقدراً.
وثانيهما: أنه لا يلزمه المسح وهذا هو الذي ذكره السيدان أبو العباس وأبو طالب لمذهب الهادي، وقد مرَّ دليله فلا وجه لتكريره.
الفرع الثاني: إذا عدم الماء في سفر المعصية فهل يجوز له استباحة الصلاة بالتيمم أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أن ذلك جائز وهذا هو رأي أئمة العترة وهو المشهور من قول الشافعي.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ \s \c 1} إلى قوله: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً}[المائدة: 6]. ولم يفصل في ذلك بين سفر وسفر وعلى هذا لا تلزمه إعادة ما صلى بالتيمم لأنه صلى صلاة صحيحة بتيمم في سفر طويل ولا يلزمه الإعادة كما لو صلى في سفر مباح.
وثانيهما:أنه لا يجوز له استباحتها بالتيمم وهذا شيء محكي عن الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أن التيمم إنما ورد على جهة الرخصة كما في أكل الميتة، والوجه أن يقال له: تب إلى اللّه تعالى من هذه المعصية واستبح الصلاة بالتيمم كما يقال: تب وكل الميتة إن كنت مضطراً.

والمختار: ما عليه أئمة العترة للآية التي تلوناها، والخبر وهو قوله ÷: ((الصعيد الطيب طهور لمن لم يجد الماء ولو إلى عشر حجج)). ولم يفصل هناك بين سفر وسفر ولا بين حضر وسفر، وإذا قلنا إنه لا يجوز له استباحة الصلاة بالتيمم في سفر المعصية كما نقل عن الشافعي فهو إذا صلاها والحال هذه فإنه تجب عليه الإعادة لأن سقوط الفرض بالتيمم رخصة تختص بالسفر، والرخص إ نما تكون مشروعة في الأمور الحسنة المباحة دونما كان معصية لأنا لو سوغناها في المعاصي لكان في ذلك إعانة على المعاصي وهو محظور شرعاً.
الفرع الثالث: إذا كان مع الرجل ماء ومعه ثوب نجس والماء لا يكفي إلا أحدهما فأيهما يكون به أحق؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أن الأحق به غسل الثوب ثم يتيمم للصلاة وهذه هو رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه ولشافعي وأصحابه.
والحجة على ذلك: أن إزالة النجاسة عن الثوب ليس لها بدل والوضوء له بدل، وقد تردد هذا الماء في الإستعمال بين ما له بدل وبين ما ليس له بدل فلأجل هذا كان صرفه إلى ما ليس له بدل، كما إذا كان معه ماء وهو يخاف العطش على نفسه فإنه يجب استعماله في النفس التي لا بدل لها.
وثانيهما: أنه يستعمله في الوضوء ويصلي في الثوب النجس وهذا شيء يحكى عن أبي يوسف وحماد.
والحجة لهما على ذلك: هو أن من هذه حاله فهو واجد للماء ولا عذر له من استعماله إذ لا سفر هناك ولا مرض ولا تعذر استعمال، فلهذا لم يجز له العدول إلى التيمم كما لو لم يكن ثوبه نجساً.
والمختار: ما عول عليه الأكثر من علماء العترة وفقهاء الأمة.
والحجة عليه: ما نقلناه عنهم ونزيد ههنا وهو أنه مدفوع إلى أمرين:
إما أن يتوضأ بالماء ويصلي في الثوب النجس.

وإما أن يستعمل الماء في إزالة نجاسة الثوب ثم يتيمم، لكنا عدلنا إلى التيمم ليكون جامعاً بين الطهارتين طهارة النجس بإزالته بالماء وطهارة الحدث باستباحتها بالتيمم بخلاف ما لو توضأ بالماء فإنه لا يكون آتياً إلا بواحدة منهما وهي الطهارة للحدث فلهذا كان ما قلناه أولى لما قررناه.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: هذا واجد للماء فلا يجوز له التيمم كما لو كان ثوبه طاهراً.
قلنا: عن هذا جوبان:
أما أولاً: فلأنه مأخوذ بتقديم طهارة الأثواب فإذا استعمل الماء في طهارة الثوب كان مستعملاً للتراب في حال عدم الماء، فمن أين أنه مستعمل للتراب مع وجود الماء والحال ما ذكرناه؟.
وأما ثانياً: فهب إنا سلمنا وجود الماء لكنا نقول: يجب عليه استعماله في طهارة الثوب للترجيح الذي ذكرناه وهو أن طهارة الحدث لها بدل بخلاف طهارة النجس فإنه لا بدل لها فبطل ما توهموه.
الفرع الرابع: إذا كان مع الرجل ماء فأراقه ثم تيمم وصلى نظرت فإن كان أراقه قبل دخول وقت الصلاة لم تلزمه الإعادة لما صلى بالتيمم عند أئمة العترة، وهو محكي عن الشافعي لأنه أراقه قبل توجه فرض الصلاة للطهارة، وإن أراقه بعد دخول الوقت فهل تلزمه الإعادة للصلاة أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا تلزمه الإعادة وهذا هو الذي يأتي على رأي أئمة العترة وهو اختيار القاضي أبي الطيب من أصحاب الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أنه بعد الإراقة عادم للماء وقد عصى بالإراقة فهو كمن قطع رجله فإنه يعصي بالقطع ولا تلزمه الصلاة قائماً فهكذا ههنا لا تجب عليه الإعادة.
وثانيهما: أنه تجب عليه الإعادة وهو أحد قولي الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أنه فرط في الإراقة بإتلاف الماء فكانه ترك الطهارة بالماء مع القدرة عليها.

الفرع الخامس: إذا كان على جراحات الرجل دم ويخشى من غسله زيادة في علته أو حدوث علة أخرى أو استمرار تلك العلة الأولى، فإنه يصلي من غير غسل لها، وهل يعيد ما صلى إذا كان الوقت باقياً أو يقضي مع فواته أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أنه لا تتوجه عليه الإعادة ولا القضاء، وهذا هو رأي أئمة العترة ومحكي عن أبي حنيفة.
والحجة على ذلك: هو أنها نجاسة لا تمنع فعل الصلاة مع العلم بها فأشبه دم الاستحاضة والبول إذا سلس.
وثانيهما: أنه تجب عليه الإعادة مع بقاء الوقت والقضاء بعد زواله وهذا هو المحكي عن الشافعي.
والحجة له على ذلك: هو أن ما هذا حاله نجس نادر فأشبه ما إذا صلى وفيه نجاسة فنسيها.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة لقوله ÷: ((لا ظهران في يوم)). فلا وجه للإعادة، ولا وجه للقضاء أيضاً لأن هذه صلاة صحيحة قد أديت على حكم فرض الوقت فلا يلزم القضاء كما لو غسلها.
الانتصار: قالوا: هذا مشبه للناسي فيجب عليه القضاء.
قلنا: الناسي غير معذور لكونه تاركاً لما وجب لكونه شرطاً في الصلاة وهذا معذور قد عذره الشرع في تأديته للصلاة على حالته التي هو عليها فافترقا.
الفرع السادس: إذا خاف الرجل التلف من شدة البرد فتيمم وصلى هل تلزمه الإعادة أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أنه لا تلزمه الإعادة مع بقاء الوقت ولا القضاء بعد مضيه، وهذا رأي أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة.
والحجة على ذلك: هو أن هذا عذر من جهة اللّه تعالى يبيح التيمم له فسقط معه الفرض فلا تلزمه الإعادة ولا القضاء كالمرض وعدم الماء.
وثانيهما: أنها تلزمه الإعادة وهذا هو المحكي عن الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أن ما هذا حاله عذر نادر فلم يسقط معه الفرض كالمحبوس في المصر إذا تيمم.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة لأن هذا قد أدى الصلاة على فرض وقته فلا تلزمه الإعادة بحال.
الانتصار: قالوا: المحبوس في المصر يعيد لكونه نادراً فهكذا هذا.

قلنا: برد الماء غير نادر فأشبه المرض فلا جرم لم تلزمه الإعادة.
الفرع السابع: إذا خاف الزيادة في مرضه من استعمال الماء فهل يجوز له التيمم أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أنه يجوز له التيمم، وهذا هو رأي أئمة العترة وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على ذلك: هو أنه يخشى الضرر من استعمال الماء فجاز له التيمم كما لو خشي التلف.
وثانيهما: أنه لا يحوز له التيمم، وهذا هو المحكي عن الشافعي في أحد قوليه وله قول آخر مثل قولنا.
والحجة على ما قاله: هو أنه واجد للماء لا يخاف من استعماله التلف فلم يجز له التيمم كما لو خاف جفاف الفم من العطش، وكما لو كان الألم يسيراً في استعمال الماء.
والمختار: ما قاله أئمة العترة ومن وافقهم على ذلك.
والحجة على ذلك: ما نقلناه عنهم ونزيد ههنا، وهو أن كل عبادة جاز تركها لخوف التلف جاز تركها لخوف المرض كالصيام والقيام في الصلاة.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: واجد للماء فلا يجوز له التيمم كما لو كان الضرر يسيراً.
قلنا: قال اللّه تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ \s \c 1}[المائدة:6]. فأباح التيمم عند المرض ولم يفصل بين مرض ومرض، ولا شك أن توقع الزيادة من جملة الأمراض وتعد في العادة مرضاً وتقع المشقة في الزيادة مثل ما يقع في ابتداء المرض فلا جرم جاز التيمم مع توقع الزيادة لما ذكرناه.
الفرع الثامن: إذا كان أكثر بدنه صحيحاً غسل الصحيح للوضوء والغسل جميعاً، وهو يجب عليه لأنه ممكن لا مانع منه وقد قال %: ((لا صلاة إلا بوضوء..)). وهل يجب عليه التيمم لِمَا كان مجروحاً أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
أحدها: أنه لا يجب عليه أن يتيمم لِمَا كان جريحاً وهذا هو رأي الإمامين زيد بن علي والناصر من العترة ويحكى عن أبي حنيفة وأصحابه.

والحجة على ذلك: هو أن الأكثر يقوم مقام الجميع ولا حكم للأقل مع الأكثر، وأمثلة هذا كثيرة في أصول الشريعة تَطَّرد في جميع المذاهب. وعلى كل الآراء فإن هذا الأصل معتبر في أنه لا تعويل على الأقل بالإضافة إلى الأكثر.
وثانيهما: أنه يغسل الصحيح ويتيمم للجريح وهذا هو المحكي للشافعي.
والحجة له على ذلك: ما ورى جابر أن رجلاً أصابه حجر فشجه فاغتسل فمات، فقال النبي ÷: ((إنما كان يكفيه أن يتيمم \s \c 2 ويعصب على رأسه خرقة ويمسح عليها ويغسل سائر جسده)). فأوجب عليه غسل سائر جسده لأنه هو الأكثر ويمسح عليها من حيث كان الماء يضره ثم أوجب عليه التيمم عوضاً عما فات بترك غسلها وهذا هو المقصود.
وثالثها: التفصيل في ذلك، وهو رأي الإمامين الأخوين المؤيد بالله وأبي طالب وتحصيلهما على مذهب الهادي ويشير إليه كلام أبي العباس، وهو أنه يغسل ما صح ويترك ما اعتل ولا يعول على الأكثر والأقل ولا يحتاج إلى التيمم(1).
والحجة على ذلك: هو أن اللّه تعالى أمر بالوضوء للطهارة من الحدث وبالغسل لطهارة الجنابة بالماء وجوز للمريض أن يعدل عن الطهارة الصغرى والكبرى إلى التيمم فقال تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا \s " \c 1}[المائدة:6]. ولم يفصل بين مرض ومرض، والمجروح مريض، فإذا تقرر هذا فالمأخوذ عليه أن يغسل ما يمكنه غسله قليلاً كان أو كثيراً لأنه هو الواجب عليه والإتيان ممكن، وقد قال %: ((إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم \s \c 2)) فإذا كان الجرح في أعضاء التيمم يممها وغسل الباقي قل أو كثر، وإن كان الجرح في غيرها فإنه يغسلها ولا يتيمم لئلا يجمع بين البدل والمبدل جنباً كان أو محدثاً.
__________
(1) في حاشية الأصل: يريد % أنه إذا كان الجرح في غير أعضاء التيمم.

وحاصل هذه المقالة: أنه لا يسقط حكم الأقل بالأكثر كما قاله أبو حنيفة، ولا يلزمه أن يتيمم للجريح كما قاله الشافعي وسيأتي لهذا مزيد تقرير وكشف عند الكلام فيمن خشي ضرراً من استعمال الماء.
والمختار في العضو المجروح: أنه إن كان يمكنه غسله وجب عليه غسله، وإن لم يمكنه غسله وكان صب الماء لا يضره وجب عليه الصب وإن كان الصب يضره وجب عليه مسحه بالماء وإن كان المسح يضره عصب عليه خرقة أو شد عليه ما يقيه من رطوبة الماء ثم يتيمم لما فات من وجوب غسله قل أو كثر كما قاله الشافعي.
والحجة على ذلك: هي ما ذكرناه من حديث جابر في صاحب الشجة فإنه نصٌّ فيما نحن فيه، فلا حاجة إلى مخالفته من غير دلالة، ومن جهة أن التيمم إنما شرع من أجل جبران ما نقص من استعمال الماء في الطهارة، فلهذا وجب فعله عوضاً عما نقص من غسل الأعضاء المجروحة وإن لم تكن من أعضاء التيمم.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.

فنقول: أما من قال بالتفصيل كالذي رويناه عن الإمامين الأخوين حيث أحبا التيمم إذا كان الجرح في أعضاء التيمم دون غيره، ومن قال بإبطال التيمم من غير تفصيل إذا كان الأكثر من بدنه صحيحاً كالذي رويناه عن الإمامين زيد بن علي والناصر وهو رأي أبي حنيفة، فإنما كان تعويلهم على الأقيسة النظرية والتشبيهات الفقهية وكان مضطرب أنظارهم ومجاري أفكارهم، إنما هو تقرير قواعد القياس، لا جرم أدَّاهُم ذلك القياس إلى ما قالوه، ونحن نقول: الباب ههنا باب العبادة وهو جار على مداق التحكمات الجامدة والأسرار الغيبية التي لا يعلمها إلا اللّه فلا ينبغي أن نُحكِّم فيه القياس لتعارض المعاني فيه والأشباه ولكن الأحق فيه أن يتلقى من جهة الرسول ÷ ولا يضطرب بالخطوات الوساع لضيق مجاله وعدم السعة في مسالكه، فلهذا وجب الإحتكام لما ورد فيه عن الرسول ÷ في حديث صاحب الشجة فإنه نص في إيجاب التيمم عن غسل الرأس لما كان مجروحاً وغسل سائر جسمه لما كان صحيحاً وعصب الخرقة عليه ومسحها بالماء، وما هذا حاله فلا يُصادَم بالأقيسة التي هي معرضة للاحتمال ويعرض عن نص صاحب الشريعة صلوات اللّه عليه، وإذا كان التعويل على الخبر حيث تنقدح المعاني المخيلة ويقوى استنباط الأشباه القوية فالتعويل على الخبر في المواضع التي تنسد فيها أبواب الأقيسة ويضيق مضطرب النظر أحق وأولى، فمهما وجدت الأخبار النبويه فالعمل عليها أخلص. والأقيسة متهمة للتعريض للخطأ، والأخبار بريئة عن التهمة في الخطأ بعصمة قائلها، والقياس غير معصوم.
قالوا: إنما ذكرتموه يؤدي إلى الجمع بين البدل والمبدل منه ولا وجه له.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الجمع بين البدل والمبدل منه جائز إذا كانت الوجوه والأسباب مختلفة وإنما المحذور اجتماعهما من غير أن يكون هناك مغايرة.

وأما ثانياً: فلأن هذا معارض بمن كان بدنه مجروحاً وهو جنب فإنه يتوضأ ثم يتيمم للجنابة، وفي هذا جمع بين البدل والمبدل منه، فإذا جاز هذا فلم لا يجوز مثله في مسألتنا؟. فهذا ملخص عما قالوه في نصرة هذه القاعدة، وهو تعويل على الأقيسة ولا وقع لها في العبادات كما أوضحناه، وتنخل من مجموع ما ذكرناه أن المجدور والمحترق بالنار إذا كان أكثر بدنه صحيحاً فإنه يغسل ما كان صحيحاً للطهارة ثم يتيمم لمَّا [كان] معذوراً بالجرح كما دل عليه خبر جابر في صاحب الشجة.
الفرع التاسع: إذا كان الأكثر[من بدنه] جريحاً كالجدري إذا كان عاماً لأكثر البدن والمحترق بالنار إذا كان شاملاً لأكثره فإنه يتيمم إذا أراد الصلاة، وكان الغسل والصب والمسح يضره فإنه يتيمم عند أئمة العترة وفقهاء الأمة أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه لأنه قد تعذر عليه استعمال الماء فجاز له التيمم كالعادم له وقد قال تعالى: {وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ \s " \c 1 أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}[النساء:43]. وهل يجب عليه غسل الأقل من بدنه أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يجب عليه غسل ما سلم من الجرح وإن كان قليلاً وهذا هو رأي الأكثر من أئمة العترة وهو محكي عن الشافعي وأصحابه.
والحجة على ذلك: هو أن غسله شرط من شروط الصلاة والعجز عن بعضه لا يسقط فرض ما قدر عليه كستر العورة.
المذهب الثاني: أنه لا يلزمه غسله بل يقتصر على التيمم لا غير.
والحجة على ذلك: هو أنا لو قلنا بأنه يجب عليه غسله لكنا قد أوجبنا عليه البدل والمبدل منه فيكون جامعاً بينهما وهو باطل لا وجه له كما لا يجب على المكفر لليمين الجمع بين العتق والإطعام ولا الصوم والهدي على المتمتع، وهذا هو رأي الإمام الناصر، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه.

106 / 279
ع
En
A+
A-