الفرع الثالث: أن يكون الماء في بئر وليس معه حبل ولا دلو يخاف إن نزل إليها(1) على نفسه التلف، ونحو أن يكون الماء في حفرة أو مطهرة وعلى بدنه نجاسة ولا يتمكن من الوضوء به إلا بتنجيسه، فإن من هذه حاله فإنه يجوز له التيمم، وإن عجز عن تسخين الماء لبرده وكان يضره جاز له التيمم لقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ \s " \c 1}[المائدة:6].
السبب الرابع: أن يكون محتاجاً إلى الماء خوفاً من العطش في الوقت أو يتوقع الحاجة إليه في باقي الحال أو لعطش رفيقه أو لعطش حيوان محرم أكله، وكل ما ذكرناه يبيح له التيمم مع وجود الماء لما ذكرناه لأن تدارك الحشاشات عن التلف أو الأضرار عمن ذكرناه أهم في مقصود الشرع من الوضوء بالماء، من جهة أن الوضوء له بدل وهو التيمم فتسكين العطش بالماء لا بدل له، وأيضاً فإنه لو كان مع رجل ماء فمات ومعه رفقة يحتاجون إليه من أجل العطش جاز لهم أن ييمموه ويشربوا الماء ويجب عليهم صرف ثمنه إلى ورثته إذا كان له قيمة في مثل ذلك الموضع، ويكون صرف قيمته أحق لأن مثله حقير في غير ذلك الموضع، فلأجل ذلك كان العدول إلى القيمة أولى، وهكذا لو كان معه رفيق ومات الرفيق ومعه ماء جاز أخذه بالقيمة، ويعدل إلى التيمم لأجل المصلحة إلحاصلة بتدارك حشاشة النفس عن العطش فمتى خشي تلف نفسه من أجل العطش وجب عليه التيمم لقوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا \s \c 1}[النساء:29]. ولا يعرف خلاف في ذلك [إلا] ما حكيناه عن الحسن وعطاء، وإن خشي الضرر جاز له التيمم لأجل دفع الضرر. قال السيد أبو طالب: وكان أبو العباس يقول: إذا خشي التلف وجب عليه التيمم وإن خشي الضرر بالعطش والتألم جاز له التيمم، والوضوء أفضل، يشير به إلى ما فصلناه من أن صيانة النفس عن التلف بالعطش أهم، وإن لم يكن هناك إلا الضرر والتألم فالوضوء أفضل، وهذا جيد لأن
__________
(1) في الأصل: عليها.
التكليف لا ينفك عن ضرارة(1) وثقل على النفوس فلا جرم كان الوضوء أفضل، وإن كان في العطش مشقة.
السبب الخامس: العجز بسبب فقدان العلم وفيه صور خمس:
الصورة الأولى: النسيان، وهو أن ينسى الماء في رحله بعد ان كان علمه فتيمم وصلى ثم يعلم بعد ذلك فهل تلزمه الإعادة مع بقاء الوقت أو يلزمه القضاء بعد فواته أم لا؟ فيه مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه تلزمه الإعادة مع بقاء الوقت والقضاء بعد فواته، وهذا هو رأي المؤيد بالله وهو المنصوص عن الشافعي في عامة كتبه، ومحكي عن أبي يوسف.
والحجة على ذلك: هو أن الوضوء شرط في صحة الصلاة فلا يسقط بالنسيان كالركوع والسجود وستر العورة ولأنها طهارة تستباح بها الصلاة فعدمها لأجل النسيان يمنع من صحة الصلاة كما لو كان على بدنه نجاسة ونسيها وصلى فإنه تلزمه الإعادة فهكذا هذا.
المذهب الثاني: أن لا تلزمه الإعادة ولا القضاء، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة ومحمد.
والحجة على ذلك: هو أنه غير قادر على استعمال الماء لعذر من جهة اللّه تعالى وسقط عنه الفرض بالتيمم كما لو حال بينه وبين الماء سبع أو مرض.
المذهب الثالث: أنه إن كان الوقت باقياً وجبت عليه الإعادة، وإن كان فائتاً فلا إعادة عليه، وهذا هو رأي الهادي والذي يأتي على أصل الناصر وهو قول مالك من الفقهاء.
وا لحجة على ذلك: قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً \s \c 1}[المائدة:6]. والناسي للشيء غير واجد له لأن الوجود عبارة عن التمكن من استعمال الماء والقدرة عليه، وهذا غير متمكن من استعماله، هذا كله إذا كان الوقت باقياً فإن كان فائتاً لم تجب عليه الإعادة.
و الحجة على ذلك: هو أن هذا مبني على أن التيمم إنما يجب في آخر الوقت كما سنوضحه، فإذا صلى بالتيمم وبقي من الوقت بقية ثم علم بالماء في رحله فإنه إنكشف الآن أن تيممه وقع على فساد فلهذا وجبت عليه الإعادة.
__________
(1) ضرارة: النقصان يدخل في الشيء. اهلسان.
والمختار: ما قاله الهادي والناصر من التفرقة بين بقاء الوقت وزواله.
والحجة على ذلك: ما نقلناه عنهما ونزيد ههنا، وهو أن الوقت إذا كان فائتاً فلا وجه لإيجاب القضاء على من هذه حاله من جهة أن الناسي لا يعقل تكليفه في حال نسيانه لفقد علمه وهو من شرائط التكليف لأنه يستحيل أن يقال له استعمل الماء وأنت ناسٍ له. وإذا تيمم وصلى فقد أدَّى الفرض على الوجه الذي أمر به وخرج عن عهدة الأمر فلا يلزمه القضاء.
ووجه آخر وهو: أن القضاء إنما يجب بأمر جديد ودلالة منفصلة ولا دلالة ههنا على وجوب القضاء عليه لأنا سنورد الجواب على الشكوك التي يذكرونها دلالة على وجوب القضاء عليه، وإنما توجب عليه الإعادة إذا كان الوقت باقياً فلأن الخطاب متوجه نحوه بقوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا}[النساء:103]. يريد موقتاً بوقت محدود لا تجوز مخالفته، فمهما كان في وقت الصلاة فهو مخاطب بأدائها، فلا جرم كان أداؤها لازماً له ولا ينفع أداؤها بالتيمم لأنا قد بينا وقوعه على فساد بالعلم بوجود الماء.
الانتصار: يكون بإبطال ما خالفه. أما من قال بسقوط الإعادة عليه والقضاء على الإطلاق كما هو المنصوص لأبي حنيفة وهو رأي محمد.
قالوا: روي عن الرسول ÷ أنه قال: ((لا ظهران في يوم)). فلو قلنا بوجوب الإعادة عليه لكان ذلك مدافعة لنص الحديث، وهو باطل.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا نقول بظاهر الحديث فإنا لا نوجب عليه إلا ظهراً واحداً، وأما أداءه بالتيمم فليس في الحقيقة ظهراً عليه لكونه وقع فاسداً فقد وفينا بما دل عليه ظاهر الحديث.
وأما ثانياً: فلأنا قائلون بموجب الخبر فإنا نقول: لا ظهران في يوم على جهة الأداء فأما أن يكون أحدهما معاداً والآخر أداءً فلا مانع من ذلك، ويؤيد ما ذكرناه أنه إذا جاز أن يكون أحدهما مؤدى والأخر مقضياً لمن عليه فائتة فهكذا لا يمتنع أن يكون أحدهما معاداً لفوات شرطه والأخر مؤدى كما ذكرناه.
قالوا: إنه غير قادر على استعمال الماء لعذر من جهة اللّه تعالى فسقط الفرض عنه بالتيمم فلا تلزمه الإعادة كما لو حال بينه وبين الماء مرض أو سبع.
قلنا: هذا فاسد فإنا لا نسلم عدم قدرته على استعمال الماء بل هو قادر على استعماله لأنه يمكنه التوصل إليه من غير مشقة ولا ضرر عليه بأن يطلبه عند توجه الفرض عليه ويشكك نفسه فيتذكر الماء و[هذا] يخالف السبع والمرض فإنه لا يقدر على دفعهما، ولهذا فإنه لا يحسن أن يقال له: لا تمرض ولا يمنعك السبع، ويحسن في العادة أن يقال له: لا تنس، ويلام على ما وقع منه من النسيان، فيقال: لم نسيت؟ ولا يقال له: لم مرضت ولم منعك السبع؟
قالوا: فقد العلم بموضع يتيح له الصلاة بالتيمم ويمنع من وجوب القضاء كمن بجنبه بئر وهو لا يعلمها.
قلنا: إن كان يعلم بها وجبت الإعادة والقضاء لوقوع تيممه على خلل وفساد، وإن لم يعلم فلأن ذلك خارج من يده فاكتفي فيه بالظاهر، وليس هكذا حال الرجل فإنه في يده فلم يُكتف فيه بالظاهر فلأجل ما ذكرناه فارق مسألة الرجل مسألة البئر، ويؤيد ما ذكرناه أنه يرجع فيما حكم به غيره إلى الظاهر بالشهادة ولا يرجع فيما حكم به هو إلا إلى اليقين والإحاطة فهذا هو الكلام على أبي حنيفة إذا قال بسقوط الإعادة عنه إذا كان الوقت باقياً وهو رأي محمد، فأما سقوط القضاء عند تقضي الوقت فهو المختار عنه كما مر تقريره.
وأما من قال بلزوم الإعادة في الوقت والقضاء بعده كما هو رأي المؤيد بالله والشافعي فقالوا: إن الوضوء. شرط من شرائط الصلاة فلا يسقط بالنسيان كالركوع والسجود وستر العورة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن ما ذكروه معارض بالقياس الذي أوردناه، وهو أن عروض النسيان عن استعمال الماء كعروض اللص والسبع، وإذا كان هذا مجزياً معه التيمم فهكذا ما قلنا، فإما أن يتساقطا لتعارضهما وإما أن يرجح أحدهما على الآخر، وقياسنا أرجح لأنه يشهد له قوله ÷: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان \s " \c 2)) فلو أوجبنا عليه القضاء مع فوات الوقت لم يكن النسيان مرفوعاً كما دل عليه ظاهر الخبر.
وأما ثانياً: فلأن هذه الأمور إنما وجبت الإعادة والقضاء مع نسيانها من جهة أنه لا بدل لها بخلاف ما نحن فيه فإن الطهارة بالماء لها بدل وهو التيمم فافترقا.
قالوا: ولأنه بدل لو أتى به مع العلم بحال المبدل لم يعتد به فإذا أتى به مع النسيان لم يعتد به كالصوم في الكفارة.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأنا لا نسلم الأصل المقيس عليه فإنه إذا نسي الرقبة وصام أجزأه ذلك وهو الذي حكاه الكرخي عن أبي حنيفة. قال السيد أبو طالب: والمسألة غير منصوصة لنا فإن قلنا بأن الصوم يجزي مع نسيان الرقبة فإنه لا يلزمنا قياسهم.
وأما ثانياً: فهب أنا سلمنا أن الصوم غير مجز له فالتفرقة بينهما ظاهرة فإن الاعتبار تملك الرقبة لا بالتمكن منها على كل وجه ولهذا فإن من لا يملك الرقبة لو وهبت له لم يلزمه قبولها وأجزأه الصوم، وإذا كان الأمر كما قلنا فالاعتبار في الماء بالتمكن لا بالملك ولهذا فإنه إذا وهب له وجب عليه قبوله، ولم يجز له التيمم كما مر تقريره، ومع النسيان فهو غير متمكن فلهذا كان التيمم مجزياً له فافترقا.
قالوا: ولأنه تطهير واجب فلم يسقط بالنسيان كما لو نسي بعض أعضائه.
قلنا: المعنى في الأصل أنها طهارة أصلية بخلاف التيمم فإنها طهارة بدلية فهذا فرق واضح يبطل فيه الجمع وأعظم فساد الأقيسة هو الفرق، فهذا كله دال على بطلان مقالة من قال: إنه يتوجه عليه الإعادة والقضاء مع بقاء الوقت وزواله، وبعد ذلك يصح ما قلناه من التفرقة بين بقاء الوقت وزواله، فإذا كان [الوقت] باقياً توجهت الإعادة وإن كان فائتاً بطل القضاء من جهة أن مع بقاء الوقت يقوى أمر الخطاب بالصلاة كما مر بيانه.
الصورة الثانية: إذا أدرج في رحله ما يملكه ولم يكن شاعراً به فتيمم ثم صلى هل تلزمه الإعادة أم لا؟ فإن قلنا: إنه في معنى الناسي جاء الخلاف الذي ذكرناه في الناسي، فعلى رأي الهادي إن الوقت إن كان باقياً وجبت عليه الإعادة وإن كان فائتاً فلا إعادة، وعلى رأي المؤيد بالله و الشافعي يتوجه عليه الإعادة وعلى رأي أبي حنيفة لا إعادة عليه كما مر بيانه من قبل، وإن قلنا بأنه يخالف الناسي فلا إعادة عليه ولا قضاء، وهذا هو المختار من جهة أنه لا تقصير من جهته فلهذا لم يكن مشبهاً للناسي لأن الناسي قد يلام ويعد مقصراً وهذا مخالف له فافترقا.
الصورة الثالثة: لو أضل الماء في رحله فالتبس بسائر الأقمشة مع توهم وجوده فتيمم ثم صلى، فإن لم يكن قد أمعن في طلبه وجب عليه القضاء لكونه قد أخل بشرط التيمم وإن كان قد أمعن في طلبه فلم يجده وغلب على ظنه فقدانه فهل يجب عليه القضاء أم لا؟ فيه احتمالان:
أحدهما: إلحاقه بالناسي فيكون على الخلاف.
وثانيهما: أنه بخلاف الناسي فلا تلزمه الإعادة.
الصورة الرابعة: لو ضل رحله في رحال القافلة فلم يدر به في جنح الليل فتيمم ثم صلى فهل يلزمه القضاء أم لا؟ فيه احتمالان أيضاً:
الصورة الخامسة: إذا ضل الزمالة والرفقة الذين معهم متاعه ورحله فتيمم ثم صلى فهل يتوجه عليه القضاء أم لا؟ فيه احتمالان كما ذكرنا في غيره. فهذه صور متقاربة يقع فيها التردد بين الحاقها بالناسي ومفارقتها له فعلى الناظر إمعان نظره على ما يوفق اللّه له من الصواب فيه.
السبب السادس: إذا خاف فوت صلاة العيدين بانقضاء وقتها وفوت صلاة الجنازة لأجل الجماعة فهل يجوز التيمم مع وجود الماء أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: جواز ذلك وهذا هو الذي نص عليه الهادي % في (الأحكام) و(المنتخب) وهو رأي أبي حنيفة وأصحابه.
وا لحجة على ذلك: ما روي عن ابن عمر أنه قال: مر رجل على رسول اللّه ÷ في سكة من السكك وقد خرج من غائط أو بول فسلم عليه فلم يرد السلام حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى في السكة ضرب بيده على الحائط ومسح بها على وجهه ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه ثم رد السلام على الرجل وقال: ((إنه لم يمنعني ألا أرد عليك السلام \s \c 2 إلا أني كنت على غير طهر فلم أحب أن أذكر اسم اللّه إلا على طهارة))(1).
ووجه تقرير هذه الحجة هو أن رد السلام فرض على الكفاية على الفور فإذا تراخى سقط، فالرسول ÷ لما خشي الفوت جاز له التيمم فهكذا صلاة الجنازة إذا خشي فوتها مع الجماعة جاز له التيمم لأدائها.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز له التيمم مع وجود الماء لهاتين الصلاتين وهذا هو المحكي عن الشافعي.
والحجة على ذلك: هو أنها صلاة فلا يجوز التيمم لها مع القدرة على الماء كسائر الصلوات.
__________
(1) أخرجه أبو داؤد عن ابن عمر، وأورد في (الروض) ما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي جهيم الأنصاري قال: أقبل رسول الله ÷ من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه النبي حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ثم رد %. الحديث، قال الحافظ ابن حجر: زاد الشافعي: ((فحته بعصى)) اه. 1/474. أي: فحت الجدار.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة من جواز التيمم لما ذكرناه من هاتين الصلاتين للعذر الذي ذكرناه فيهما وهو فوات الجماعة في صلاة الجنازة وفوات الوقت في صلاة العيدين.
والحجة على ذلك: ما نقلناه عنهم ونزيد ههنا حججاً ثلاثاً:
الحجة الأولى: ما روى ابن عمر رضي اللّه عنه عن النبي ÷ أنه قال: ((إذا جاءتك الجنازة وأنت على غير طهر فتيمم وصل عليها \s " \c 2)) (1). وهذا نص فيما نحن فيه وهو مقرر على أنها إذا فاتت فإنها لا تقضى كما سنوضحه من بعد بمعونة اللّه تعالى.
الحجة الثانية: قياسية وهي أن هذه الصلاة تفوت إما بانقضاء وقتها كصلاة العيدين وإما بفوات شرطها وهو الجماعة فإذا جاز التيممم لخوف فوات الوقت في السفر فلأن يجوز لخوف فوات أصل الصلاة أولى وأحق، ولأنا لو أمرنا بالطهارة لما ذكرناه من هاتين الصلاتين مع بطلانهما وفواتهما لكنا قد أمرنا بالطهارة لا لصلاة وهذا محال فإن الطهارة لا تراد ولا تعنى إلا للصلاة لأنها غير مقصودة لنفسها، فإذا كانت الصلاتان فائتتين بما ذكرناه فلا وجه لإيجاب الطهارة، ولأن من لا صلاة له فلا وضوء عليه كالحائض والنفساء وهذا لو تطهر بالماء لم يتمكن من أدائها بهذه الطهارة.
__________
(1) سيأتي في صلاة الجنازة.
الحجة الثالثة: هي أن صلاة الجنازة ليست صلاة على الإطلاق لأنه لا ركوع فيها ولا سجود، ولهذا فإن الشعبي \s \c 3(1) وابن جرير زعما أنها تجوز من غير طهارة(2) فلهذا جاز فيها التيمم مع وجود الماء.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: إنها صلاة فلا تجوز بالتيمم مع القدرة على الماء كسائر الصلوات.
قلنا: هذا فاسد فإن التفرقة بينها وبين سائر الصلوات ظاهرة فإن غيرهما من الصلوات إذا استعمل الماء فإنه يمكنه الإتيان بها أو ببدل يقوم مقامها وفي مسألتنا لو اشتغل بالتوضي فإنه لا يمكنه الإتيان بهما ولا بما يقوم مقامهما فافترقا.
قالوا: إذا لم يجزِ التيمم لخوف فوات صلاة ا لجمعة وفرضها أوكد فلأن لا يجوز التيمم لخوف فوت صلاة الجنازة وصلاة العيدين أولى وأحق وفرضهما لا شك أضعف وأبعد.
قلنا: الجمعة لها بدل وهو الظهر ولهذا لم يكن فرضها فائتاً بخلاف ما ذكرناه فإنه لا بدل لهما فافترقا.
قال السيد أبو العباس: وإذا حدث مع الإمام في صلاة العيدين لم يتيمم لها لأنه يمكنه تأديتها منفرداً ولا يجوز له التيمم إلا إذا خشي فوت وقتها.
__________
(1) هو: عامر بن شراحيل بن عبد ذي كبار الشعبي الحميري، أبو عمرو، راوية من التابعين، يضرب المثل بحرصه، ولد ونشأ بالكوفة ومات بها فجأة، عاش بين 19هو103ه. كان نديم عبد الملك بن مروان ورسوله إلى ملك الروم، استقضاه عمر بن عبد العزيز، وكان فقيهاً شاعراً، نسبته إلى شعب وهو بطن من همدان. إ. ه(أعلام3//251) راجع (تهذيب التهذيب 5/65)، و(الوفيات 1/244).
(2) في حاشية الأصل: وهو تخريج المؤيد بالله على أصل الهادي %.
قال أبو حنيفة: إذا دخل الرجل في صلاة العيد في الجبان فسبقه الحدث جاز له أن يتيمم، وقال صاحباه: لا يجوز له ذلك ولكن يعود إلى المصر فيتوضأ ويصليها، والذي يأتي على القاعدة التي ذكرناها: أنه إذا كان يخشى فوت وقتها جاز ذلك، فأما إذا خشي فوتها مع الإمام فإنه لا يباح له التيمم لأنها تصلى منفردة عندنا من غير إمام وإنما جاز التيمم إذا كان يخشى فوات الوقت لأنها غير مقضية عندنا كما سنقرره في كتاب الصلاة.
لا يقال: كيف تقولون بأن صلاة العيدين لا يجب قضاؤها وقد حكى أبو العباس عن الإمام القاسم بن إبراهيم أن صلاة العيد تقضى من الغد وهذا تصريح بأنه يجب قضاؤها.
لأنا نقول: هذا فاسد فإن ما ذكره محمول على أن الهلال غُم ذلك اليوم ثم أنه تحقق بعد الزوال برؤيته في الليلة الماضية فعلى هذا يصلي من الغد، فما هذا حاله ليس قضاء وإنما هو أداء لما روي عن النبي ÷ أنه قال: ((فطركم يوم تفطرون وعرفتكم يوم تعرفون \s \c 2))(1). فدل ذلك على أنه ليس قضاء وإنما هو أداء. والمسألة مفروضة في حق من عرف أن ذلك اليوم هو يوم العيد فإنه لا يقضيها بحال فافترقا بما ذكرناه. فهذه جملة الأسباب الموجبة للتيمم ويندرج تحتها صور كثيرة لا حاجة بنا إلى إفرادها بالذكر لإندراجها بالذكر في أثناء التفريع بمعونة اللّه وحسن توفيقه.
التفريع لهذه القاعدة:
الفرع الأول: الجبائر عبارة عن الأخشاب التي توضع على الكسر ولا يشترط في وضعها أن يكون المجبَّر على وضوء عند أئمة العترة، وحكي عن الشافعي اشتراط كونه على وضوء.
__________
(1) سيأتي.