والمختار: ما قاله الإمام المنصور بالله من تقدير المسافة بالميل من جهة أن الميل معيار معلوم قد روعي في تقدير البريد لحد القصر وروعي في حد القصر من الخروج من المنزل وغير ذلك، فمن أجل ذلك كان التقدير به أولى، وما ذكرناه من المحتطب والمرعى والتقدير بموضع الإغاثة عن الفقهاء، فهو قريب مما ذكره المنصور بالله مع أن المحتطب أبعد من موضع الإغاثة لكنها تختلف الحال فيها بالإضافة إلى البلدان والقرى والأصقاع، وأما الميل فهو تقدير غير مختلف فلا جرم كان أحق، وأغربها ما حكيناه عن الهادي وحاصله وجوب السعي للطلب من وقت الزوال إلى قبل غروب الشمس ومن أول الليل[إلى] قبل طلوع الفجر، ولم أعرف أحداً قال بهذه المقالة قبله وإنما المحكي عن العلماء ما نقلناه، والوجه له فيما ذكره على غرابته هو أنه إذا دخل عليه وقت الزوال فإنه مخاطب بتأدية الصلاة وجوباً موسعاً بوضؤ، فإذا كان يعلم أنه يحصل الوضوء في مقدار هذه المدة فإنه يجب عليه بحكم الأمر بالصلاة، السعي في تحصيله ليكون مؤدياً للصلاة الواجبة إلا أن يحول عنه حائل.
الفرع الخامس: اعلم أن حاصل الأمر فيما ذكرناه من إيجاب الطلب على من عدم الماء أن له أربعة أحوال:
الحالة الأولى: أن يكون متحققاً لعدم الماء حواليه فمن هذه حاله فإنه يتيمم من غير طلب إذ لا فائدة للطلب ولا معنى له مع اليأس عنه وهذا إنما يكون في الخبير بالمواضع السهلية والجبلية فيمكنه القطع بعدم الماء فيها.
الحالة الثانية: أن يتوهم وجود الماء حواليه فيلزمه الطلب الحصر ومع الرفاق ويصعد ويهبط كما شرحناه من قبل، ثم إن ذلك يختلف باختلاف الأراضي والبقاع فليجتهد المكلف وليعمل رأيه في تحصيله بكل ممكن يجد إليه سبيلاً. فإن صلى صلاة بهذا الطلب ثم دخل وقت صلاة أخرى وأراد أداؤها بالتيمم فهل يلزمه تجديد الطلب أم لا؟ والأقرب أن حالته إن كانت قد تغيرت بأن صعد جبلا أو هبط وادياً أو طلع ركب أو غير ذلك مما يظن فيه وجود الماء وجب عليه إعادة الطلب لأنه لا يأمن وجوده مع تغير الحال، وإن كانت حاله غير متغيرة فلا وجه لإعادة الطلب لأن الأمارة باقية بعدمه.
الحالة الثالثة: أن يكون متيقناً لوجود الماء ويلزمه أن يسعى إليه إذا يعلم أو يغلب على ظنه إدراك الوضوء والصلاة جميعاً في الوقت، وحد المسافة التي يجب السعي إليها هو الميل كما قررناه من قبل فما دونه، فأما ما فوقه فلا يلزمه ذلك، وإن طلب الماء فلم يجد فتيمم ثم طلع عليه ركب قبل أن يدخل في الصلاة لزمه أن يسألهم عن الماء فإن لم يجد معهم ماء أعاد التيمم لأنه لما توجه عليه الطلب بطل تيممه لأن التيمم في صحته مشروط بتقديم الطلب فلهذا بطل، فإن وجد معهم ماء واشتراه ثم اهراق أو تنجس أعاد التيمم والصلاة جميعاً لأن تيممه كان قد بطل بوجود الماء.
الحالة الرابعة: أن يكون الماء حاضراً كماء البئر إذا تنازع عليه النازحون ثم غلب أن نوبته لا تنتهي إ ليه إلا بعد فوات وقت الصلاة فيكون على ما حكيناه من الخلاف بين السيدين، فعلى رأي المؤيد بالله يجب عليه الوضوء وإن فات وقت الصلاة لكونه واجداً للماء وهو منصوص الشافعي. وعلى رأي أبي طالب يجوز له التيمم وهو القول المخرج على أصل الشافعي.
الفرع السادس: وإن وُهِبَ له الماء فهل يجب عليه [قبوله] أم لا؟ فالذي عليه أئمة العترة أنه يجب عليه قبوله، وهو أحد قولي الشافعي.
والحجة على ذلك: هي أنه لا منة في ذلك لأن العادة جارية في التسامح في الماء وأن الفقير يبذله للغني، وحكي عن أبي حنيفة أنه لا تجب عليه قبوله ولا يلزمه.
والحجة على ذلك: هو أنها عبادة لها بدل فلا تجب ببذل الغير لها كما لا يلزمه قبول الرقبة في الكفارة.
والمختار: ما قاله علماء العترة، لأن الرسول ÷ سأل ابن مسعود وضوءاً وقال: ((ما في أدواتك)) وهو أجل وأعلى من الدخول تحت منة غيره، ولأنه صار متمكناً من الوضوء بطريق تلزمه فوجب عليه ذلك كما لو دله غيره على الماء.
وإن بذل له ثمن الماء لم يلزمه قبوله لما فيه من الدخول تحت منة الغير في آداء عبادة لها بدل، وإن بذلل له الماء بثمن مثله وكان واجداً للثمن غير محتاج إليه في سفره لزمه شراؤه، ولا يجوز له التيمم. وإن كان غير واجد لثمن مثله، أو كان واجداً له إلا أنه يحتاج إليه لخاصته في سفره جاز له أن يتيمم لأن الماء الذي معه محتاج إليه لإحياء نفسه فصار كما لو كان معه ماء وهو محتاج إليه لأجل العطش. فإن كان بيع الماء بثمن المثل وأنظره البائع إلى بلده وكان له في بلده مال وجب عليه شراؤه ولم يجز له التيمم لأنه لا ضرر عليه في ذلك، و إن كان مع غيره ماء وهو غير محتاج إليه لنفسه ولم يبذله له بقيمة ولا بغيرها لم يجز له أن يكرهه على أخذه(1) لقوله ÷: ((لا يحل مال امرء مسلم إلا بطيبة من نفسه \s " \c 2)). ولأن له بدلاً فلا يجوز اكراهه عليه، وإن وجد الماء بأكثر من ثمن مثله نظرت فإن كان يحجف بحاله لم يلزمه شراؤه عند أئمة العترة وفقهاء الأمة ولا يعرف فيه خلاف لأنه يلحقه في ذلك مضرة وحرج، وقد قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ \s \c 1}[الحج:78]. وإن كان لا يجحف بحاله فهل يجب عليه شراؤه أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أنه يجب عليه شراؤه وهذا هو رأي أئمة العترة.
__________
(1) بمعنى: على بذله.
والحجة على ذلك: قوله تعالى:{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا \s \c 1}[النساء:43]. ومن كان يمكنه شراء الماء بأكثر من ثمن مثله فإنه لا يوصف بأنه غير واجدٍ، ولأنه متمكن من الأصل فلا يجوز له العدول إلى البدل كما لو كان بثمن مثله.
وثانيهما: أنه لا يلزمه ذلك، وهذا هو المحكي عن فقهاء الأمة أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه.
والحجة على ذلك: هو أنه غير واجد للماء بثمن مثله فلا يلزمه شراؤه كما لو كان مجحفاً به.
والمختار: ما قاله علماء العترة من وجوب شرائه بأكثر من ثمنه.
والحجة على ذلك: ما نقلناه عنهم ونزيد ههنا، وهو أن الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة دالة على أن من هذا حاله فإنه يوصف بكونه واجداً للماء، ومن وجه آخر، وهو أن الأموال بدل لا قيمة لها في نظر الشرع فإن كان متمكناً من تحصيله بالقيمة وجب عليه ذلك سواء كان بثمن مثله أو بأكثر من ذلك مالم يكن مجحفاً بحاله فإن من هذا حاله فإنه مخرج بدليل شرعي وهو قوله تعالى: {لاَ يُكَلِفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا \s " \c 1}[البقرة:286]. وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}[الحج:78] إلى غير ذلك من الأدلة الشرعية الدالة على أن كل ما كان فيه ضرر على النفوس فإنه لا يتوجه تحمله في أداء العبادة.
الانتصار: يكون بإبطال ما زعموه حجة لهم.
قالوا: إذا لم يكن لازماً له مع الإجحاف فلا يلزمه وإن عدم الإجحاف والجامع بينهما هو أنه عادم للماء.
قلنا: هذا فاسد فإن مع الإجحاف ضرراً على النفس لا يحصل من غير إجحاف فافترقا، والفرق مِنْ أَدْخَلِ ما توجه في إفساد العلة وإبطالها فبطل ما توهموه.
الفرع السابع: وفي كيفية اعتبار المثلية في الماء وجهان:
أحدهما: أنه يعتبر مثله في موضعه الذي هو فيه دون غيره فإن كان ثمنه درهماً على مجرى العادة توجه شراءه، وإن زاد على قدر الدرهم كان ذلك على الخلاف بيننا وبين الفقهاء فنحن نوجبه وهم لا يوجبونه.
وثانيهما: أن الماء لا قيمة له بحال ولكن يراعى في ذلك أجرة مثله فيمن يحمله إلى موضعه لأن أصل الماء على الإباحة وهذا هو المحكي عن بعض أًصحاب الشافعي.
والمختار: جواز الأمرين جميعاً، فحيث تكون له قيمة تعتبر قيمته في موضعه، وإن كان لا قيمة له فإنه يعتبر أجرة من يحمله من موضعه فالأمران جائزان كما ترى لأن المنافع لها قيمة كالأعيان، والمثلية جارية فيهما جميعاً وسواء كانت القيمة زائدة على ثمن مثله أو مساوية فإنه يلزم تحصيله لما لم يكن مجحفا بحاله.
السبب الثاني: أن يكون الماء موجوداً ويخاف من استعماله ضرراً في نفسه فمن هذا حاله يجوز له التيمم.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول منها: هو أن المريض إذا كان لا يخاف فيه من استعمال الماء تلف نفسه ولا تلف عضو من أعضائه ولا حدوث مرض مخوف ولا إبطاء البرء ولا زيادة في علته ومثل هذا كالصداع في الرأس ووجع الضرس والحمى فما هذا حاله من الأمراض لا يجوز لأجله التيمم عند أئمة العترة وفقهاء الأمة الفريقين الحنفية والشافعية.
والحجة على ذلك: قوله ÷: ((لا يقبل اللّه صلاة امرء حتى يضع الوضوء مواضعه \s \c 2)) فهذا عام في جميع الأحوال إلا ما قامت عليه دلالة، ويروى عن الرسول ÷ أنه قال: ((الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء \s \c 2)). وفي حديث آخر: ((فاطفئوها بالماء)) فندب إلى إطفاء حرها بالماء فلا يجوز أن تكون هي سبباً في ترك الماء.
وحكي عن بعض أصحاب مالك وعن داؤد وطبقته: جواز ذلك.
والحجة لهم على ذلك: قوله تعالى: {وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ \s " \c 1}[النساء:43]. وهذا عام في جميع أحوال المرض لأنه لم يخص مرضاً من مرض فيجب الإعتماد عليه.
وا لمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من المنع من استعمال التراب فيما ذكرناه، ويدل على ذلك ما حكيناه عنهم ونزيد ههنا وهو قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا \s " \c 1 وُجُوهَكُمْ}[المائدة:6]. وهذا عام في كل مرض إلا ما دلت عليه دلالة تخرجه عنه. وما قلناه فيما هذا حاله من المرض فإنه لاحق بالصحة فلا وجه لإخراجه عن عموم الآية لما ذكرناه.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: عموم الآية في قوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} دال على إباحته في كل مرض.
قلنا: قد تعارضت هذه العمومات، ولنا عنها جوابان:
أما أولاً: فلأن عموماتنا موافقة للقياس وهو أن هذا واجد للماء لا يخاف الضرر على نفسه من استعماله فأشبه الصحيح.
وأما ثانيا: فلأنا نقول المراد بقوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى}، المرض الذي يخاف منه الضرر على الروح أو على بعض الأعضاء من استعماله.
الفرع الثاني: هو أن المرض إذا كان يخشى من الوضوء معه تلف النفس أو تلف عضو من الأعضاء، فما هذا حاله يجب فيه التيمم عند أئمة العترة وأكثر فقهاء الأمة الحنفية والشافعية والمالكية.
والحجة على ذلك: ما روي أن رجلاً كان في بعض الغزوات فاجتنب فسأل الناس فقالوا: ما نجد لك رخصة عن الغسل فاغتسل فمات، فبلغ ذلك الرسول ÷ فقال: ((قتلوه قتلهم اللّه \s " \c 2 هلا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على رأسه خرقة ويمسع عليها ويغسل سائر بدنه))(1) وهذا نص فيما نحن فيه.
وحكي عن الحسن البصري وعطاء أنهما قالا: لا يجوز له التيمم مع وجود الماء.
__________
(1) أخرجه أبو داؤد عن جابر.
وا لحجة على ما قالاه: قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ \s \c 1} إلى قوله: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}[المائدة:6]. فأباح للمريض التيمم عند عدم الماء وهذا واجد له فلا يكون مندرجاً تحت الآية لما ذكرناه.
والمختار: ما عول عليه علماء العترة ومن تابعهم من فقهاء الأمة.
والحجة عليه: ما حكيناه عنهم ونزيد ههنا حديث عمرو بن العاص \s \c 3(1) وهو أنه تيمم لخوف التلف من البرد مع وجود الماء فعلم به رسول اللّه÷ فعاتبه على ما فعل فقال له: إني سمعت اللّه تعالى يقول: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا \s \c 1}[النساء:29] فسكت الرسول ÷(2) فلو لم يكن جائزاً لما أقره عليه.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: الآية دالة على أنه لا يجوز التيمم إلا مع عدم الماء وهذا واجد له فلا يجوز استعمال التراب.
قلنا: عما ذكروه جوابان:
__________
(1) عمرو بن العاص بن وائل القرشي السُّهمي، أبو عبد الله، توفي سنة 42 ه، داهية قريش، أسلم عام الحديبية سنة ثمان، وكان فاتح مصر وواليها، وأخباره كثيرة. ا ه، در السحابة للشوكاني 803، وجاء في (التاريخ الكبير) أنه توفي إحدى وستين أو اثنتين وستين في ولاية يزيد، سكن مصر ومات بها 6/303، وهو ابن تسع وسبعين سنة كما في (معرفة الثقات) 2/178.
(2) جاء في (الجواهر-تخريج البحر)1/115: عن عمرو بن العاص قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إذا اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فَذُكر ذلك للنبي ÷ فقال: ((يا عمر، صليت بأصحابك وأنت جنب))؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: ...إلخ، فضحك رسول الله ولم يقل شيئاً، وفي رواية أخرى: فغسل مغابنه وتوضوأ وضوءه للصلاة ثم صلى. وذكر نحو ما سبق ولم يذكر التيمم، أخرج الروايتين أبو داؤد.
أما أولاً: فلأن المراد من الآية أمر مضمر وأن التقدير فيها: وإن كنتم مرضى فلم تقدروا على استعمال الماء أو كنتم على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا، وكثير ما يضمر في كتاب اللّه تعالى ما يدل عليه سياق الكلام كقوله تعالى: {فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ \s " \c 1}[البقرة:60] فالتقدير: فضرب فانفجرت.
وأما ثانياً: فهب أنا سلمنا أنه لا إضمار فيها فالمراد به المرض الذي لا يخشى منه التلف فإن من هذه حاله لا يجوز له التيمم كما مر تقريره.
الفرع الثالث: إذا كان المرض لا يُخشى منه تلف النفس ولا تلف عضو من أعضائه ولكن يُخشى منه إبطاء البرء وزيادة الألم لا غير فهل يجوز له التيمم أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يجوز له التيمم وهذا هو رأي أئمة العترة، وهو المحكي عن الشافعي في القديم و(الإملاء)، وحكاه البويطي عنه وهو قول أبي حنيفة ومالك.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ \s " \c 1}[النساء:43]. وهذا عام لجميع الأمراض من غير تخصيص إلا بدلالة.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز له التيمم وهذا هو المنصوص عليه للشافعي في (الأم) و(المختصر).
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ \s " \c 1 أَوْ لاَمَسْتُمُ النّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}[النساء:43] فأباح التيمم لمن لا يجد الماء، وهذا واجد فلهذا لم يبح له التيمم.
والمختار: ما عليه علماء العترة ومن وافقهم من فقهاء الأمة من جواز التيمم لمن هذه حاله.
والحجة: ما قالوه ونزيد ههنا، وهو أن من هذه حاله فإنه يتضرر بالماء فجاز له التيمم فأشبه من خاف التلف.
الانتصار على من خالفنا: يكون بإبطال ما اعتمدوه وإلى ما حكيناه عن الشافعي في (الأم) و(المختصر) ذهب الحسن البصري واحمد بن حنبل وعطاء.
قالو: ظاهر الآية دال على أن التيمم إنما يباح لمن لا يجد الماء وهذا واجد فلا يباح له.
قلنا: الآية مشتملة على جملٍ كل واحدة منها مستقلة بنفسها، والتقدير فيها: وإن كنتم مرضى ولم تقدروا على استعمال الماء أو كنتم على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فتعذر عليكم استعمال الماء فتيمموا، أو لم تجدوا الماء بلا فرق بين عدم الماء وتعذر استعماله في جواز ما ذكرناه من التيمم.
الفرع الرابع: إذا كان لا يخشى من استعما الماء زيادة علة و لاحدوثها ولا استمرارها ولكن يخشى الشين وقبح المنظر في جسمه فهل يباح له التيمم من أجل ذلك أم لا؟ فيه لأصحاب الشافعي قولان:
أحدهما: أن ذلك لا يجوز لأنه لا يخشى تلفاً ولا إبطاء علة عن البرء فهو كما لو خاف من البرد.
وثانيهما: أن ذلك جائز لأن قبح المنظر في الخلقة وتشويه الوجه ربما كان ضرره أكثر من ضرر بعض الآلام وزيادتها واستمرارها.
والمختار عندنا في ذلك: تفصيل نشير إليه لأنها غير منصوصة لأصحابنا، وهو أنه ينظر في حال ذلك الشين الذي يلحق المتوضي فإن كان شيئاً يسيراً لا يشوه خلقة الإنسان ولا يقبحها في المنظر كآثار الجرب وآثار الجدري أو قليل حمرة أو خضرة فإنه لا يجوز له التيمم لأنه لا يتضرر بذلك ولا يكون له موقع، وإن كان يحصل منه شين كثير وقبح عظيم في الوجه وغيره نحو أن يسود وجهه كله أو بعضه أو يحصل فيه آثار تقبح المنظر، فمن هذه حاله يجوز له التيمم لأن الإنسان يألم قلبه ويحصل عليه من الغم مثل ما يحصل من زيادة العلة واستمرارها، بل ربما كان هذا أعظم من ذلك لا محالة.
الانتصار: يكون بإبطال ما زعموه.
قالوا: هو لا يخشى على نفسه ولا يؤدي إلى ضرر في أعضائه فلا يباح له التيمم.
قلنا: ربما كان الشين أعظم ضرراً من الألم كما أوضحناه فكما أبيح لأجل الضرر أبيح لأجل ما يلحقه من الشين وقبح المنظر.
السبب الثالث: تعذر الوصول إلى الماء وذلك يكون بعروض أمور تمنع منه وهذه نحو عدو أو لص أو سبع عادٍ أو غير ذلك من الأمور العارضة عن استعماله مع كونه موجوداً، فما هذا حاله يجوز [معه] التيمم.
التفريع لهذه القاعدة:
الفرع الأول منها: إذا كان الخوف من عدو أو لص أو سبع، فإن كان الخوف على تلف الروح أو على قطع الأوصال أو حصول الضرر أو شين يلحقه جاز له التيمم عند أئمة العترة، وهو قول جماهير الفقهاء أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه ومالك إلا ما يحكى عن الحسن البصري وعطاء فإنهم قالوا: لا يجوز له التيمم، والاحتجاج عليهم والانتصار قد ذكرناه من قبل فأغنى عن الإعادة.
الفرع الثاني: أن لا يخاف ضرراً في نفسه ولكنه خاف أخذ ماله وسلب أثوابه كلها، فينظر فيه فإن كان أخذ المال مجحفاً بحاله جاز له التيمم، وإن كان غير مجحف بحاله لم يجز له التيمم. وفي اعتبار حال الإجحاف وجوه ثلاثة:
أولها: أن يكون بحيث لا يجد عوضاً عما أخذ منه فمن هذه حاله يجوز له التيمم.
وثانيها: أن يكون غمه بما أخذ منه مثل غمه لو أصابه ضرر في نفسه من جرح أو قطع عضو من أعضائه.
وثالثها: أن يكون ما أخذ منه يبيح له السؤال لأجل فقره وضيق حاله، فهذا هو حد الإجحاف. والأول أقواها وأحسنها لأن كل من لا يجد عوضاً عما سلب عنه من الأثواب وأخذ منه فذلك إجحاف بحاله، والإجحاف هو الذهاب يقال: سيل جحاف إذا جرف كل شيء لاقاه وأصابه، وكل ما كان من الأمور مُذهِبَاً للمال وللنفوس فهو مجحف.