---
الباب الثامن في الطهارة بالتراب
وهو التيمم، ومعناه في اللغة: القصد. تقول العرب: تيممت فلاناً إذا قصدته لحاجة. قال امرئ القيس الطائي:
تيممت العين التي عند ضارج ... يفيء عليها الظل عرمضها طامي(1)
يعني بذلك: قصدتها. والعرمض: شجر يطفو على الماء، وضارج: إسم موضع.
وفي لسان حملة الشريعة: عبارة عن مسح الوجه و اليدين بالتراب مرتباً مقرونا بالنية.
فإذا تمهدت هذه القاعدة [فاعلم] أن هذا الباب قد اشتمل على معرفة الأسباب الموجبة للتيمم وبيان ما يجوز به التيمم وما لا يجوز وما يستباح به وما لا يستباح وبيان مفروضه ومسنونه وبيان وقته وصفته وبيان أحكامه، فهذه خمسة فصول نذكر ما يتعلق بكل واحد منها من المسائل والله الموفق.
__________
(1) راجع لسان العرب ج2ص187 -مادة عرض.
---
الفصل الأول في بيان الأسباب الموجبة للتيمم
اعلم أن التيمم طهارة ضرورية بدلية، ونعني بكونها ضرورية: هو أنها لا تباح إلا لضرورة من إعواز الماء أو تعذر استعماله، ونعني بكونها بدلية: هو أنها لا تقصد إلا عند اليأس من الطهارة الأصلية بالماء، والأصل أن التيمم لا يباح إلا عند العجز عن استعمال الماء لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً }[النساء:43]
وقوله
لأبي ذر الغفاري((1)):((الصعيد الطيب طهور لمن لم يجد الماء ولو إلى عشر حجج))(2)
. لكن العجز له ستةأسباب السبب الأول: عدم الماء قال السيد الإمام أبو طالب: التيمم مشروط بعدم الماء في سفر كان أو حضر، والعدم يكون بعد الطلب والإستقصاء بثمن أو بعين، إلا أن يكون الثمن يجحف بحاله ويجب أن يطلبه ممن يجوز أنه يجده عنده.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول منها: التيمم لعدم الماء في حال السفر واجب للصلاة عند أئمة العترة وفقهاء الأمة ولا يعرف فيه خلاف.
__________
(1) جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد من بني غفار من كنانة بن خزيمة، صحابي من كبارهم قديم الإسلام، يقال: أسلم بعد أربعة وكان خامساً، يضرب به المثل في الصدق [لما روي عن النبي ÷ أنه قال: ((ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر))].. هاجر إلى الشام بعد وفاة النبي لما لقيه من الجفاء والنبذ.. سكن دمشق وظل يحرض الفقراء على أخذ مالهم من أموال الأغنياء، فشكاه معاوية إلى عثمان، فاستقدمه عثمان ثم نفاه إلى الربذة فمات بها وحيداً سنة 32هم، ولم يكن في داره ما يكفن به.. روى له البخاري ومسلم 281 حديثاً. راجع (الأعلام) 2/140، وطبقات ابن سعد 4/161.
(2) تمام الحديث: ((...فإذا وجدت الماء فامسه جلدك فإن ذلك خير)) أخرجه أبو داؤد، وجاء في (الجواهر) بلفظ: ((الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء...إلخ))، قال: وللترمذي والنسائي قريب من ذلك.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}[المائدة:6]. وهل يجوز التيمم لعدم الماء في حال الحضر أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أن ذلك جائز، وهذا هو قول أئمة العترة ومحكي عن الشافعي ومالك وأبي يوسف ومحمد والأوزاعي.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}[المائدة:6]. ولم يفصل هناك بين الحضر والسفر.
الحجة الثانية: من جهة القياس، وهو أنه عادم للماء فوجب أن ينتقل فرضه إلى التيمم كالمسافر، أو نقول: محدث عادم للماء لزمه فرض الصلاة فوجب انتقاله إلى التيممم كما لو كان مسافراً.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز له التيمم ولا يصلي حتى يتمكن من الماء وهذا هو قول أبي حنيفة ومحكي عن زفر من أصحابه.
والحجة على ذلك: أن اللّه تعالى حصر الآية بالمسافرحيث قال: {وَإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ فَلَمْ تَجِدوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}
(1) فرتب حكم التيمم على من كان عادماً للماء في حال سفر وبقي حكم المقيم على الأصل فلا يجوز له التيمم في حال حضره.
والمختار: ما عول عليه أئمة العترة وأكثر الفقهاء من جوازه في حال الحضر إذا عدم الماء.
والحجة عليه: ما نقلناه عنهم ونزيد ههنا حججاً ثلاثاً.
الحجة الأولى: ما روى زيد بن علي عن آبائه عن أمير المؤمنين أن النبي قال: ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً )) (
__________
(1) هكذا في الأصل جاءت الآية منقوصة، ولا توجد في القرآن الكريم آية بهذه الصيغة تبدأ بالسفر كما أشار المؤلف، وهو لا شك سهو أو سقط من الناسخ، وصيغة الآية الكريمة كما هي في المذهب الأول السابق لهذا.
( ) أخرجه النسائي. وجاء في مجموع زيد بن علي عن علي عن النبي ÷: ((أعطيت ثلاثاً لم يعطهن نبي قبلي: جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا...إلخ)). ) ولم يفصل في ذلك بين حضروسفر.
الحجة الثانية: ما روى أبو ذر الغفاري عن الرسول أنه قال: ((الصعيد الطيب طهور لمن لم يجد الماء ولو إلى عشر حجج))، ولم يفصل في ذلك بين الحضر والسفر.
الحجة الثالثة: ما رُوي عن الرسول أنه قال: ((التراب كافيك ولو إلى عشر حجج ))
(1). فهذه الأمور كلها دالة على جواز التيمم عند عدم الماء من غير اشتراط السفر.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: الآية واردة في السفر فيجب قصرها عليه.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: كما وردت في السفر فقد وردت أيضاً في حال الحضر كما قال تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً} [المائدة:6]. فأوجب على كل من جاء من الغائط التيمم إذا لم يكن واجداً للماء.
وأما ثانياً: فلأنه إنما ذكر السفر ليس من أجل أنه لا يجوز التيمم إلا معه ولكن ذكره لما كان عدم الماء يسنح فيه كثيراً وإعواز الماء لا يكاد ينفك عنه لا من أجل كونه شرطاً في جواز التيمم، ولأنه قد أغفل كثيراً من الأعذار المبيحة للتيمم لتُقاس على عدم الماء فهكذا أغفل ذكر الحضر ليكون مردوداً بالقياس إلى السفر.
قالوا: التيمم وارد على جهة الرخصة والرخص لا تعقل معانيها فيجب إقرارها حيث وردت لا يقاس عليها.
قلنا: عما ذكرتموه جوابان:
أما أولاً: فلأنا لم نثبت ما قلناه بالأقيسة وإنما قررناه بالظواهر الشرعية كما مر بيانه وهي دالة على جواز التيمم في الحضر والسفر.
__________
(1) جاء في الحديث عن أبي ذر في (الاعتصام 1/259) قال: قلت: يا رسول الله أصبت أهلي ولا أقدر على الماء. قال: ((أصب أهلك ولو لم تجد الماء عشر سنين فإن التراب كافيك)).
وأما ثانياً: فالمعاني القياسية يجب اتباعها سواء كانت واقعة في رخصة أو غير رخصة وههنا الجامع هو عدم الماء وهو حاصل في الحضر كحصوله في السفر فلهذا قضينا به.
قالوا: ليس الحضر كالسفر ولهذا جاز قصر الصلاة في السفر ولم يجز قصرها في الحضر ولو حصلت المشقة لم يجز القياس كما في المريض فإنه لا يجوز له القصر بخلاف المسافر فافترقا.
قلنا: هذا فاسد لأمرين:
أما أولاً: فلأن المعنى المقصود من إباحة التيمم إنما كان من أجل عدم الماء وقد استوى الحاضر والمسافر في ذلك فلا جرم استويا في الإباحة.
وأما ثانياً: فلأنا لا نقيس إلا حيث تكون المعاني منقدحة والأوصاف الشبهية ظاهرة، فنقول: عدم الماء هل هو حاصل في الحضر أم لا؟ فإن لم يكن حاصلاً فالآن ارتفع النزاع الأصولي، فإنا لا نقيس حيث لا علة جامعة. وإن كان حاصلاً فأي مانع عن القياس على السفر بواسطته فبطل ماتوهموه.
الفرع الثاني: إذا قلنا بأنه يجوز التيمم في الحضر، فهل يجب عليه الإعادة لما صلى بالتيمم أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه لا تجب عليه الإعادة، وهذا هو رأي الأكثر من أئمة العترة وهو أحد قولي الشافعي و محكي عن مالك والمزني والأوزاعي والليث.
والحجة على ذلك: هو أنه صلى بالتيمم حا ل اليأس من الماء فوجب أن لا تلزمه الإعادة ولا القضاء كالمسافر، ولأنه أتى بالفرض على الوجه الذي أمر به فلا يلزمه القضاء كما إذا كان مريضاً أو مسافراً.
المذهب الثاني: أنه يلزمه القضاء إذا مضى الوقت، والإعادة إذا كان الوقت باقياً وهذا هو المحكي عن أبي يوسف و محمد، وهو أحد قولي الشافعي والذي يأتي على رأي المؤيد بالله(1).
__________
(1) جاء في حاشية الأصل ما لفظه: (أخذه % من المسافر الناسي للماء في رحله فأجراه مجراه).
والحجة على ذلك: هو أن عدم الماء في حال الحضر إنما يأتي على جهة الندرة والقلة وما هذا حاله لا يعرج عليه فيكون في الحقيقة كأنه صلى من غير طهارة ويكون كمن صلى بغير ماء ولا تراب.
والمختار: ما عول عليه الأكثر من علماء العترة ومن وافقهم من الفقهاء من أنه لا يجب عليه القضاء.
والحجة على ذلك: ما نقلناه عنهم ونزيد ههنا، وهو قوله : ((لا ظهران في يوم)). فلو أوجبنا عليه الإعادة والقضاء لكان مناقضة لظاهر هذا الحديث.
الانتصار: يكون بإبطال ما أوردوه.
قالوا: العذر نادر فيصير كما لو صلى من غير طهارة.
قلنا: هذا فاسد، فإنه قد أتى بما أمر به من الطهارة البدلية فلا يجب عليه القضاء كالمسافر.
قالوا: لو كانت طهارة صحيحة لما أمر بالإعادة فلما أمر بالإعادة دل على فساد طهارته.
قلنا: ما تعنون بفساد طهارته؟ [هل] تعنون أن حدثه غير مرتفع؟ فهذا مسلم كما سنقرره ولكنا نريد بصحة الطهارة أنه متيمم وهذا حاصل لا نزاع فيه، وإن أردتم بعدم صحة طهارته أنه مأمور بالإعادة فلا نسلمه ولو سلمناه لكان أول المسألة فإنه لم يقع النزاع إلا فيه.
الفرع الثالث: والمشروع طلب الماء قبل التيمم لأن تأدية الصلاة بالوضوء أفضل ولأن الوضوء رافع للحدث بخلاف التيمم، ولا يعرف في ذلك خلاف. وهل يكون واجباً أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه واجب، وهذا هو قول أئمة العترة وهو محكي عن الشافعي، وحكي عن أبي يوسف أنه إذا عرفه عند رفيقه وجب عليه طلبه عنده، وظاهر كلامه وجوب الطلب كما قلناه.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا }[لمائدة:6] وهذا الوصف وهو عدم الوجدان إنما يتناول من طلب فأما من لم يطلب فلا يقال إنه غير واجد، ولهذا يقال لمن قال: لم أجد طعاماً في بيتي، من غير طلب: لو طلبت وجدت، وفي هذا دلالة على أنه لا يقال لم أجد إلا بعد طلب الماء.
الحجة الثانية:ما روي عن أمير المؤمنين أنه قال: يتلوم الجنب ما بينه وبين آخر الوقت(1) )؛ والتلوَّم: الإنتظار والمكث، وفي هذا دلالة على أنه لا وجه للإنتظار إلا توقع وجود الماء وذلك لا يكون إلا بعد الطلب له.
المذهب الثاني: أنه لا يجب الطلب، وهذا هو المحكي عن أبي حنيفة وأصحابه.
والحجة على ذلك هو: أنه عادم للماء في الظاهر فلا يلزمه الطلب كالفقير فإنه لا يلزمه طلب الرقبة في الكفارة.
والمختار: ما قاله علماء العترة من وجوب طلب الماء قبل التيمم.
والحجة على ذلك: ما حكيناه عنهم، ونزيد ههنا، وهو ما رواه ابن مسعود رضي اللّه عنه عن النبي ليلة الجن، أنه قال له: ما في إداوتك؟ وسؤال الناس مكروه إلا عن ضرورة ولا ضرورة بالرسول ÷ هناك، فدل ذلك على أن الداعي هو أمر الشرع وإيجابه بالطلب، وما روي عن النبي ÷ أنه أمر أمير المؤمنين في طلب الماء(2) فلو لم يكن واجباً لكان لا وجه للطلب خاصة مع تحقق البدل عنه.
الحجة الثانية: قياسية، وهي أنه لم يثبت عنده عدم الماء فلم يجز تيممه بحكم العدم المطلق كما لو طلع عليه ركب، ولأن من شرط عدمه في حقه عند الإنتقال إلى غيره فإنه لا يجوز له الإنتقال قبل ثبوت عدمه كالنص في الحادثة والرقبة في الكفارة.
الانتصار: يكون بإبطال ما زعموه.
قالوا: عادم للماء في ظاهر الأمر فلا يلزمه الطلب كالفقير فإنه لا يلزمه طلب الرقبة في الكفارة.
__________
(1) أورده في (الروض) بلفظ: عن أمير المؤمنين % أنه قال: يتلوم الجنب إلى آخر الوقت، فإن وجد الماء اغتسل وصلى، وإن لم يجد الماء تيمم وصلى، فإذا وجد الماء اغتسل ولم يعد. وقال: أخرج البيهقي بإسناده إلى الحرث عن علي % أنه قال: اطلب الماء حتى يكون آخر الوقت، فإن لم تجد ماء تيمم ثم صل. قال (يعني البيهقي): وهذا لم يصح عن علي.
(2) أخرجه البخاري ومسلم.
قلنا: العدم في الظاهر لا يكفي حتى يستبرئ بالطلب كما أن الحاكم عادم لفسق الشاهد في الظاهر ولا يحكم بشهادته حتى يستبرئ بالسؤال عن حاله في العدالة، وكذلك المرأة فإنها عادمة للحمل في الظاهر ثم إنها يجب عليها الإستبراء بالعدة، ويخالف الفقير لأن في طلبه الرقبة ضرراً في بذل الوجه والدخول تحت مِنَّةِ الغير، ولا ضرر في طلب الماء خاصة بالقيمة فهو كالمؤسر في طلب الرقبة في السوق، ويجب عليه أن يطلبه ممن يجوز وجوده معه لأنه لا فائدة للطلب إلا إذا كان على هذه الصفة فلا يجوز أن يطلبه ممن هو طالب له ولا من طفل لا يعقل ولا من بهيمته(1) ) لأن من هذه حاله فلا يظن وجوده معه، فإن دخل قرية لطلب الماء ثم إنه لم يسأل أو سأل من ذكرناه ثم تيمم وصلى ثم أخبر بالماء أعاد صلاته لأن الطلب شرط وقد أخل به حيث لم يسأل عنه، فلهذا لم يكن في الحقيقة طالباً له.
الفرع الرابع: في كيفية الطلب، وإذا كان معتبراً كما أوضحناه. فكيفيته تكون بأن يبدأ يفتش رحله لأنه أقرب الأشياء إليه وأوفر ما يظن تحصيله، فإن لم يجد شيئاً من الماء نظر إلى الناحية التي هو فيها يميناً وشمالاً وخلفاً وأماماً هذا إذا كان في السهول والأرض المستوية التي لا يحول دون نظره من أقصاها شيء، وإن كانت الأرض غير مستويه إما بالهبوط في الأودية وإما بالصعود إلى موضع عال فإنه يلزمه الصعود والهبوط والنظر إلى ما حوالي تلك الأمكنة فإذا نظر وتلفت ولم ير الماء فإنه يجب عليه أن يسأل ويستخبر من يظن أن عنده علماً من الماء فإذا دل على موضع يعلم أو يغلب على ظنه أن فيه ماء وجب عليه وصوله باعتبار شرائط أربع:
الشريطة الأولى: أن لا يخاف على نفسه تلفاً أو ضرراً من سبع أو عدوٍ، وأن يكون آمناً على متاعه(
__________
(1) هكذا في الأصل. ولعل المراد أن الوجوب لا يسقط بمجرد الطلب، بل يجب طلبه في نطاق وجوده.
( ) في الأصل: كلمة غير مفهومة أبدلناها بكلمة ((متاعه)) لأنها المقصودة بحسب السياق، ولعلها (أدواته) للتشابه الكبير بينهما. ) وراحلته من اللصوص لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ }[الحج:78].
الشريطة الثانية: أن لا ينقطع عن الرفقة والقافلة لما يلحقه من ذلك من المشقة والحرج بتأخره عن الرفقة في الطريق.
الشريطة الثالثة: أن يعلم أو يغلب على ظنه إدراك المقصود بالماء وهو الوضوء والصلاة جميعاً في الوقت إذ لا فائدة في الوصول إليه إلا لهما، فإن علم أو غلب على ظنه أنه يدرك الوضوء في الوقت دون الصلاة فهل يجب عليه الوصول أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أنه يجب عليه، وهذا هو رأي المؤيد بالله، لأن من هذه حاله فهو موصوف بوجود الماء في حقه، فلهذا وجب عليه الوصول إليه والتوخي.
وثانيهما: أنه غير واجب عليه، وهذا هو رأي السيد أبي طالب لأن الوضوء إنما تعين من أجل الصلاة لا لنفسه فإذا لم يكن مدركاً للصلاة فلا وجه لإيجابه.
والمختار: ما قاله المؤيد بالله لأن الشرط في فعل التيمم إنما هو عدم الماء وهذا غير عادم والأدلة الشرعية لم تفصل بين أن يكون مدركاً للصلاة والوضوء جميعاً أو لأحدهما في أنه لا معنى لفعل التيمم مع وجود الماء، والتعويل على الظواهر أحق من التعويل على المعاني.
الشريطة الرابعة: أن لا تكون المسافة التي بينه وبينها بعيدة طويلة، فما هذا حاله لا يجب ويعدل إلى التيمم، لما فيه من المشقة وبطلان المقصود، فلا يجب لقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ \s \c 1}[البقرة:185]. ولا قائل به.
فإن كان بحيث يمكنه إدراكهما معاً ولكن لا بد من قطع مسافة فكم مقدار تلك المسافة؟ فيه أربعة أوجه:
أولها: أن تكون تلك المسافة مقدار الميل فما دونه، فإن كان فوق ذلك لم يلزم وجاز له العدول إلى التيمم، وهذا شيء يحكى عن الإمام المنصور بالله.
وثانيها: أن حد المسافة مقدر بموضع محتطب القرية ومرعاها فهذه المسافة وما دونها يلزمه الوصول إليها إذا كان عالماً بوجود الماء فيها، وهذا محكي عن بعض أصحاب الشافعي.
وثالثها: أن المسافة مقدرة بالمكان الذي يلحقه فيه الغوث إذا استصرخ من عدوٍ أو لص، وهذا هو الذي ذكره الشيخ أبو حامد الغزالي.
ورابعها: أن ذلك مقدر بالزمان دون المكان والجهة، فمن كان يعلم أنه يلحق الماء ويبلغه قبل مغيب الشمس من النهار وقبل طلوع[الفجر] من الليل فإنه يجب عليه طلبه في مقدار هذه المدة، وهذا هو الذي ذكره الهادي فإنه قال في الأحكام: ومن أصابته جنابة في ليله أو نهاره والماء عنه على مسافة يعلم أنه يلحقه أو يبلغه قبل طلوع الفجر أو في آخر النهار قبل مغيب الشمس وجب عليه طلبه والمصير إليه إلا أن يمنعه عنه مانع أو يقطعه عن بلوغه قاطع(1).
__________
(1) الأحكام ج1 ص71.