المذهب الأول: أنه يجب عليه الوضوء والغسل جميعاً ولا يتداخلان، وهذا هو رأي الأكثر من أئمة العترة، الهادي، والمؤيد بالله وهو اختيار السيدين أبي العباس وأبي طالب.
قال الهادي:والوضوء واجب على كل من أراد الصلاة. وهو أحد أقوال الشافعي.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا " ..}[المائدة:6] الآية إلى أخرها، وقال: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا}[المائدة: 6].
ووجه تقرير هذه الدلالة هو: أن اللّه تعالى أوجب الوضوء على من أراد الصلاة وهو عبارة عن مسح وغسل مرتباً، وأوجب الغسل على من كان جنباً من غير ترتيب فيه، ولا شك أن إحدى الطهارتين مخالفة للأخرى فيجب أن لا تسقط إحداهما بالأخرى كحد الزنى والسرقة.
المذهب الثاني: إذا اغتسل بنية الجنابة وأَمَرَّ الماء على أعضاء الطهارة مرة واحدة من غير ترتيب أجزأه ذلك عنهما جميعاً فيتداخلان، وهذا هو الذي حكاه بعض أصحاب الناصر عنه، وحكي عنه أيضاً وجوب الوضوء. والمنصوص للشافعي أنهما يتداخلان، وهو محكي عن أبي حنيفة.
والحجة على ذلك: قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا}[المائدة:6]. ولم يفصل بينهما، وقوله لأمير المؤمنين: ((إذا فضخت الماء فاغتسل)) ولم يأمره بشيء سواه ولأنهما طهارتان فتداخلتا كالحيض والجنابة.
المذهب الثالث: أنه يجب عليه الوضوء مرتباً ويجب عليه غسل سائر بدنه ما خلا أعضاء الوضوء فلا يجب عليه تكرير غسلها لأنهما متفقان في الغسل مختلفان في الترتيب فتداخلا فيما اتفقا فيه، وعلى هذا يجزيه إمرار الماء على أعضاء الطهارة مرة واحدة لهما من غير تكرير وتجزيه نية الجنابة عن نية الوضوء، وهذا هو المحكي عن الشافعي في بعض أقواله.

والحجة على ذلك هو:أنه إذا توضأ مرتباً فقد أدى فريضة الوضوء وقد ارتفعت الجنابة بغسل هذه الأعضاء لأن المأخوذ عليه غسلها وقد غسلها بالتوضؤ فإذا غسل باقي جسده كان طاهراً ولم يلزمه تكرير غسلها مرة ثانية.
المذهب الرابع: أنه يجب عليه أن ينويهما معاً ولا يجب عليه إلا إمرار اليد على سائر الأعضاء كلها من غير ترتيب، وهذا هو المحكي عن الشافعي في بعض أقواله.
والحجة على ذلك هي: أنهما عبادتان مختلفتان فيجب أن ينويهما جميعاً ويفصل بينهما في نيته كالحج والعمرة فيمن جمع بينهما.
المذهب الخامس: وهو أنه ينظر فيه فإن أحدث ثم اجتنب فعليه الوضوء والغسل جميعاً وإن اجتنب ثم أحدث كفاه الغسل عن الوضوء، وهذا هو المحكي عن الشافعي في بعض أقواله.
والحجة: هو أنه إذا أحدث ثم اجتنب كان فيه طرؤ الأكبر من الطهارتين على الأصغر فلا يتداخلان، بخلاف ما إذا اجتنب ثم أحدث فإن فيه طرؤ الأصغر على الأكبر فوجب الحكم عليهما بالتداخل.
والمختار: ما عول عليه الأكثر من علماء العترة وهو وجوب الوضوء والغسل جميعاً.

والحجة عليه: ما حكيناه عنهم، ونزيد ههنا وهو أن اللّه تعالى ذكر حكم الجنابة وبيّن ما يجب فيها وذكر حكم الحدث وبيّن ما يجب فيه فلو كانا يتداخلان كان لا وجه لتخصيص كل واحد منهما بحكم يخصه، وما روي عن أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه أنه قال: من اغتسل من جنابة ثم حضرت صلاة فليتوضأ لها(1)، روى زاذان(2) عن ميسرة(3) أنه كان يفعل ذلك، وفي هذا دلالة على وجوبه.
الفرع الثاني: إذا تقرر كونه واجباً بالأدلة التي ذكرناها فهل يكون وجوب فعله قبل الغسل أو بعده؟ فيه مذهبان:
__________
(1) أورده في (الاعتصام)1/253 عن (شرح التجريد) من رواية زاذان عن علي وليس فيه ميسرة. وجاء في (الأحكام) 1/57 للهادي عن أبيه عن جده: أن النبي أعاد الوضوء بعد الغسل من الجنابة، وهو رأي المذهب.
(2) زاذان، وقيل: اسمه: دينار، وقيل: مسلم، وقيل: زبان، وقيل: عبدالرحمن بن دينار، أبو يحيى القتات الكوفي الكناني، روى عن مجاهد بن جبر وعطاء بن أبي رباح، وعنه الأعمش وإسرائيل والثوري وأبو داؤد وسليمان بن قرم بن معاذ النحوي وغيرهم، ضعفه شريك وابن معين، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به. ا ه‍ملخصاً نهذيب التهذيب 12/303.
(3) جاء اسم ميسرة لأكثر من واحد من الرواة من الصحابة والتابعين، فهم مثلاً: أربعة في (تجريد أسماء الصحابة ص89) للذهبي، وخمسة في (التاريخ الكبير 7/377) وسبعة وثمانية في مراجع أخرى، منها: (الجرح والتعديل) 8/252، ونعتقد أن المقصود به هنا: ميسرة بن يعقوب أبو جُميلة الطهوي (بضم الجيم والطاء) الكوفي صاحب راية الإمام علي؛ لأن زاذان، روى عنه هذا الحديث ولأنه رواه عن علي كما روى أحاديث أخرى عن عثمان والحسن بن علي، وعنه ابنه عبد الله وعطاء بن السائب وحصين بن عبد الرحمن وغيرهم، قال في التهذيب: وذكره ابن حبان في الثقات. ا.ه‍. 10/345.

المذهب الأول: أن فعله يجب أن يكون قبل الغسل، وهذا هو المحكي عن الناصر من أئمة العترة، ومروي عن أبي ثور من الفقهاء.
والحجة على ذلك:قوله تعالى:{إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا " }[المائدة:6]،الآية ولم يفصل بين أن يكون جنباً أو محدثاً فالوضوء قبل الاغتسال واجب بظاهر الآية وفي هذا دلالة على أن الوضوء يقع وإن كان جنباً وأن الجنابة غير منافية للقربة وأن بدن الجنب محل للقربة كالمحدث.
المذهب الثاني: أنه لا يجب إلا بعد فعل الغسل وهذا هو رأي الهادي.
والحجة على ذلك هو:أن الوضوء على رأيه لا يقع إلا على طاهر البدن، وإذا كان الأمر عنده كما قلناه لم يجز الوضوء إلا بعد غسل الرجلين من الجنابة لتكون الطهارة كاملة وعند هذا يقع الوضوء بعد ذلك لما كانت الجنابة زائلة عنه. قال الهادي في (الأحكام) بعد ذكر الاغتسال. ثم يتوضأ للصلاة فإن الوضوء لا يقع إلا على طاهر البدن، ونص أحمد بن يحيى في (المفرد) على أن الرجل الجنب لا يتوضأ إلا بعد غسل قدميه أولاً.
والمختار: أن الغاسل مخير في تقديم وضوءه قبل الغسل لما رويناه من حديث ميمونة،وبين تأخيره بعد الغسل لما رويناه في حديث أمير المؤمنين وفعله وأن الوضوء كما يقع على بدن المحدث فإنه يقع على بدن الجنب وأن الجنابة غير منافية للوضوء وإنما الذي ينافيه هو الكفر فلا ينعقد الوضوء من جهة الكافر لعدم القربة كما مر بيانه، وقد ذكر القاضي أبو مضر من أصحابنا:أن ظاهر مذهب القاسم ويحيى يقتضي أن الجنابة غير منافية للقربة بالوضوء،وعلى هذا يصح الوضوء قبل غسل الجنابة.

وقال: وهو الذي يقتضيه رأي المؤيد بالله، فأما القاضي زيد من أصحابنا فقد قال: إن رأي الإمامين الهادي والقاسم يقتضي أن الوضوء لا يقع إلا على طاهر البدن، وما ذكره القاضي زيد هو الأقرب إلى بلاغة نصوص القاسم ويحيى لأن الهادي قد نص على ذلك وصرح به فلا وجه لأن يقال: إن مذهبه خلاف ما نص عليه، ولا يبعد أيضاً أن يكون رأي المؤيد بالله مثل ما اخترناه من جواز تقديمه وتأخيره وأن الوضوء يقع على بدن الجنب كوقوعه على بدن الطاهر، ويدل على ذلك أيضاً:هو أن الغرض الوصول إلى الصلاة بالوضوء، فهذا حاصل سواء كان قبل غسل الجنابة أو بعده من جهة أن قوله تعالى في آية الوضوء: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ}[المائدة:6]. ولم يفصل في ذلك بين تقدمه وتأخره عن الغسل فلهذا كان الوجه التخيير بين تقديمه وتأخيره.
الفرع الثالث: إذا كان الإجماع منعقداً على استحباب الوضوء فإنما يكون ذلك على رأي من أوجب الوضوء بعد الغسل كما هو رأي الهادي وابنه أحمد، ويحمل حديث ميمونة على الاستحباب، ولهذا قال في (الأحكام): الوضوء قبل الاغتسال مستحب وبعده فرض على من أراد الصلاة.
وقال في (المنتخب): وهو أحب إلينا، يريد به الوضوء بعد الاغتسال. فخفف الأمر فيه، والرواية المعتمدة على رأيه هي رواية (الأحكام) وهو وجوبه بعد الغسل، فأما على رأي من أوجب الوضوء قبل الاغتسال كما هو رأي الناصر وغيره من الفقهاء فلا وجه لاستحبابه إذ لا قائل بتكرر الوضوء مرتين من غير فاصل بينهما.
ويحمل حديث ميمونة على الوجوب في تقديمه. وأما على ما أخترناه من كونه مخيراً بين تقديمه وتأخيره فإن أخَّر الوضوء بعد الغسل كان واجباً للصلاة واستحب تقديم الوضوء قبل الاغتسال أيضاً وإن قدم الوضوء فلا وجه لاستحباب إعادة الوضوء لما ذكرناه من أنه لا قائل بتكرر الوضوء من غير فاصلة بين الوضوئين.

وأما من قال: بأن الوضوء يندرج تحت الغسل وتتداخل الطهارتان فلا مانع من استحباب تقديم الوضوء قبل الاغتسال أيضاً عندهم والمتداخل عندهم إنما هو الوضوء الواجب دون المستحب فإن أتى به فقد أتى بما هو مسنون وإن تركه أجزأه الوضوء الواجب للصلاة.
الفرع الرابع: والمرأة فيما ذكرناه كالرجل، فإن كان لها ظفائر نظرت فإن كان الماء يصل إليها فيبُلَّها لم يجب عليها نقضها لأن المقصود حاصل وهو بَلَّ الطفائر والوصول إليها، وإن كان الماء لا يصل إليها إلا بنقضها وجب عليها نقضها لقوله : ((بلوا الشعر)) وبله لا يمكن إلا بالنقض فلهذا وجب.
وحكي عن إبراهيم النخعي أنه قال: يجب عليها نقضها بكل حال.
وحجته على ما قاله قوله : ((بلوا الشعر)) والبل لا يمكن إلا بنقضها فلهذا وجب.
وحكي عن الحسن البصري وطاوس: أنه يجب عليها نقضها في غسل الجنابة دون غسل الحيض لأن غسل الجنابة ثابت بالكتاب والسنة، وغسل الحيض إنما تقرر بالسنة لا غير، ولأن الرسول أكد الأمر في غسل الجنابة بقوله: ((بلوا الشعر وأنقوا البشر)) ولم يذكر ذلك في غسل الحيض فلهذا قالا بالفرق بين الغسلين.

والحجة على ما قلناه: ما روي عن أم سلمة أنها قالت: إني امرأة أشد ظفر رأسي أفانقضه للغسل من الجنابة؟ فقال: ((لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء " فإذا أنت قد طهرت)) وإنما لم يأمرها بنقضه لعلمه بأن شعرها خفيف غير مانع من وصول الماء إلى أصوله من غير نقض لأن شعور العرب خفيفة فإذا كان في رأسها حشو كما يفعلونه في حق العرائس من النساء ذوات البعول نظرت في حاله، فإن كان رقيقاً لا يمنع من وصول الماء إلى باطنه لم يلزمها نقضه ولا حله ولا اعتبار بأن يصل الماء إلى باطنه صافياً غير متغير لأن تغير الماء على العضو غير مؤثر، وإن كان الحشو غليظاً يمنع من وصول الماء إلى باطنه وجب إزالته ليصل الماء إلى باطن الشعر لقوله : ((تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وأنقوا البشر)). وإن كان على الرجل شعر فحكمه حكم المرأة كما فصلناه.
الفرع الخامس: وإذا اغتسلت المرأة من الحيض فعليها أن تنقض شعرها عند أئمة العترة وفقهاء الأمة وهكذا القول في النفاس بخلاف الجنابة فإنه على التفصيل الذي أسلفناه ولأن الحيض والنفاس أغلظ من الجنابة من جهة بعدهما عن الماء وانقطاعهما عن ملابسته في أكثر أوقاتهما.
والحجة على ذلك: ما روته عائشة رضي اللّه عنها أن النبي قال لها في الحيض: ((انقضي شعرك واغتسلي))(1). وهل يجب عليها ذلك أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أنه واجب وهذا هو الظاهر من مذهب الهادي ورواه عن جده القاسم.
والحجة على ذلك: خبر عائشة وهو قوله: ((انقضي شعرك واغتسلي " )) وهذا أمر منه والأمر ظاهره الوجوب إلا لدلالة.
__________
(1) أورده في (الروض) أن النبي قال ذلك لعائشة في حجة الوداع، وهو موضع خلاف بين الفقهاء في وجوب نقض الشعر في الغسل من الحيض والنفاس، فالموجبون استندوا إلى هذا الحديث، والقائلون بعدم الوجوب استندوا إلى حديث أم سلمة عندما سألت النبي فقال: ((يكفيك ثلاث غسلات)) راجع (الروض) 1/115.

وثانيهما: أنه لا يجب وهذا هو الذي رواه النيروسي عن القاسم وهو اختيار السيدين الأخوين المؤيد بالله وأبي طالب وهذا هو المختار أيضاً.
والحجة على [ذلك] هي: أنه غسل واجب على المرأة فلا يجب عليها فيه نقض شعرها كالجنابة ولأن المقصود هو إيصال الماء إلى أصول الشعر وهذا حاصل من غير حله فلهذا لم يكن واجباً، فأما ما روته عائشة من الخبر فإنه محمول على الاستحباب لدليل القياس الذي ذكرناه.
الفرع السادس: ويستحب للمرأة إذا اغتسلت من حيضها أو نفاسها أن تأخذ قطعة من مسك فتتبع بها آثار الدم، لما روته عائشة أن امرأة جاءت إلى الرسول تسأله عن الغسل من الحيض فقال : ((خذي فِرْصَةَ(1)من مسك فتطهري بها " ))(2)
فقالت: كيف أتطهر بها؟ قال: ((سبحان اللّه تطهري بها)). قالت عائشة: فاجتذبتها وعرفتها الذي أراد. فقلت: تتبعي بها آثار الدم، وذلك لأن دم الحيض والنفاس خبيث الرائحة يلحقه نتن وقذر فلهذا استحب تطييب المحل من أجل ذلك، فإن لم تجد مسكاً فطيباً غيره، لأن المقصود هو إزالة الريح وهذا حاصل بغير المسك كحصوله به، فإن لم تجد طيباً فالمستحب أن تأخذ قطعة من طين تتبع بها آثار الدم لأن رائحة الطين أطيب من رائحة الحيض(3)،
فإذا حصل الطين مع الماء فإنه يكون مزيلاً للرائحة لا محالة.
__________
(1) الفرصة بالفاء: القطعة من الصوف أو القطن. اه‍لسان العرب.
(2) أخرجه البخاري ومسلم وأبو داؤد والنسائي عن عائشة ان امرأة من الأنصار...إلخ. قال في (الاعتصام)1/253 و(الجواهر)1/108: واللفظ للبخاري ومسلم.
(3) المقصود أن الطين يزيل رائحة الحيض، كما أوضحه في العبارة التالي.

الفرع السابع: ويجوز أن يتوضأ الإثنان والثلاثة من إناء واحد، لما روى أنس بن مالك قال: رأيت النبي أُتِيَ بوضوء في إناء فوضع يده في ذلك الإناء فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه فأمر الناس أن يتوضأوا فتوضأ الناس من عند آخرهم، وكانوا نحواً من سبعين رجلاً، وهذا من جملة معجزات الرسول وهو أبلغ في الإعجاز من انفجار الماء لموسى من الصخرة لأن العادة جرت بخروج الماء من الأحجار ولم تجر العادة بخروجه من بين الأصابع فلهذا كانت أدخل في الإعجاز.
ويجوز أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد لما روت عائشة قالت: كنت أغتسل أنا ورسول اللّه من إناء واحد(1)،
ويجوز أن يغتسل الرجل ويتوضأ بفضل غسل المرأة ووضوءها خلافاً لأحمد بن حنبل.
والحجة على ذلك: ما روت ميمونة أنها قالت: اجتنبت فاغتسلت من جفنة ففضلت منها فضلة فجاء رسول اللّه ليغتسل بها. فقلت له: إني اغتسلت منه. فقال: ((الماء ليس عليه جنابة " )) ثم اغتسل منه.
وحجة أحمد ما روي عن الرسول أنه قال: ((لا يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة " )). وهذا عندنا محمول على الكراهة، أو محمول على أنه قد أصابته نجاسة منها، ولأنه ماء فضل عن العبادة فجاز للرجل أن يتوضأ به كفضل الرجل، وعكسه الماء النجس. وجملة الأمر أن الفاضل من الماء على وجهين:
أحدهما: ما نزل من أعضاء المتطهر في الغسل والوضوء وهذا هو الماء المستعمل وقد مر بيانه في المياه فأغنى عن الإعادة.
وثانيهما: ما يفضل في الإناء، وقد حكي عن أحمد: أنه منع من الإجزاء فيما يفضل من المرأة، وروي عنه الكراهة فيه لا غير. وحكيت الكراهة عن الحسن البصري وابن المسيب وإسحاق بن راهويه.
__________
(1) رواه مسلم والنسائي بلفظين متقاربين عن عائشة.

وحكي عن ابن عمر: أنه لا يكره فضل ما بقي منها إلا أن تكون جنباً أو حائضاً. وهذا كله لا وجه له. والوجه هو: الجواز كما هو رأي أئمة العترة وأكثر فقهاء الأمة لما رويناه من حديث ميمونة وقد رواه أبو داود والبخاري في صحيحه وصححه الدار قطني في مسنده وغيرهم.
الفرع الثامن: وإن أدخل الرجل الجنب أو المرأة الحائض أيديهما في الإناء ولا نجاسة في أيديهما لم يضرهما ذلك، وحكي عن أبي يوسف أنه قال: إن ادخل الجنب يده في الإناء لم يفسده، وإن ادخل رجله أفسده من جهة أنه زعم أن الجنب نجس لكنه عُفي عن يده لموضع الحاجة وبقيت رجله على الأصل في النجاسة، وهذا فاسد لما روى أبو هريرة، قال: لقيني الرسول وأنا جنب فأخذ بيدي فمشيت معه حتى قعد ثم انسللت فاغتسلت ثم جئت وهو قاعد فقال: ((أين كنت أبا هر " ))؟ فقلت: كنت جنباً فكرهت أن أجالسك وأنا جنب. فقال: ((سبحان اللّه المؤمن لا ينجس)). وفي حديث آخر: ((المؤمن ليس بنجس)). وما ذكره من التفرقة بين اليد والرجل فهو خطأ لأن يده وجميع بدنه سواء في أنه لو أصابته نجاسة فأدخلها الماء فإنه يفسده كما لو أدخل رجله من غير فرق، فهذا ما أردنا ذكره فيما يجوز للجنب وما لايجوز [له] و[ما]يجب عليه فعله وبالله التوفيق.

101 / 279
ع
En
A+
A-