وهل يكونان واجبين أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنهما واجبان، وهذا هو قول الأكثر من أئمة العترة، ومحكي عن أبي حنيفة وأصحابه وعطاء وطاووس وابن أبي ليلى وإسحاق وسفيان الثوري.
والحجة على ذلك:قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا}[المائدة:6].
ووجه دلالة الآية هو:أنه تعالى أمر بالتطهير وظاهرها دال على وجوب التطهير في كل عضو يلحقه التطهير من غير تخصيص، ولا شك أن الفم والأنف من جملة الأعضاء التي يلحقها التطهير بالماء فيجب القضاء بوجوب تطهيرهما.
الحجة الثانية: ما روى أبو هريرة عن الرسول أنه قال: ((تحت كل شعرة جنابة " فبلوا الشعر وأنقوا البشر))(1). ولا شك أن في الأنف شعراً وفي الفم(2) بشراً قال ثعلب: البشرة هي الجلدة التي تقي اللحم من الأذى.
المذهب الثاني: أنهما سنتان، وهذا هو رأي الإمام الناصر والشافعي وأصحابه، ومحكي عن مالك.
والحجة على ذلك: قوله لأم سلمة لما سألته عن غسل الجنابة: ((إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء " ثم تفيضي عليك الماء فإذا أنت قد طهرت))(3).
والمختار: ما عول عليه علماء العترة من القول بوجوبهما في غسل الجنابة ويدل على ذلك ما حكيناه عنهم ونزيد ههنا حجتين:
__________
(1) أخرجه أبو داود والترمذي بلفظ: ((تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر...إلخ)).
(2) في الأصل: الأنف وهو تكرار لعله خطأ من الناسخ.
(3) رواه مسلم، وفيه روايات أخر، والحديث عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله إني امرأة أشد ظفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: ((لا إنما يكفيك...الحديث)) (جواهر)1/106.

الحجة الأولى: قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا}[المائدة:6]. فالآية مجملة إذ لا يمكن امتثال الأمر من ظاهرها، وبيانها موكول إلى الرسول وقد أوضحها عليه الصلاة والسلام بقوله: ((المضمضة والإستنشاق فريضة في غسل الجنابة ثلاثاً " ))(1).
وبفعله، فإنه كان إذا اغتسل من الجنابة تمضمض واستنشق.
الحجة الثانية: قياسية، وهي أن نقول: عضو من أعضاء الطهارة بدليل ما تقدم أنه يجب إيصال الماء إليه في الوضوء ويجب غسله من النجاسة فوجب غسله من الجنابة كالأذن وداخل اللحية ولأنهما عضوان يلحقهما حكم التطهير من النجاسة فوجب غسلهما من الجنابة كالرأس والرجل، ولأنه يُسُّن تكرير غسلهما في الجنابة فكان غسلهما مرة فرضاً واجباً كسائر الأعضاء.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: الآية في قوله تعالى: {وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا " }[النساء:43]. فأمر بالغسل ولم يأمر فيه بالمضمضة والإستنشاق فدل ذلك على أنهما غير واجبين.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الآية على ما قلناه أدل لأن ظاهرها لم يفصل بين عضو وعضو فهي بأن تكون دلالة لنا أحق من أن تكون دلالة لكم.
وأما ثانياً: فلأنها تقتضي وجوب تطهير جميع ما يلحقه التطهير من البدن، وهذان العضوان من جملة ما يلحقه التطهير فلا جرم قضينا بوجوب غسلهما.
قالوا: حديث أم سلمة دال على أنهما غير واجبين لأنه قال لها: ((إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات " فإذا أنت قد طهرت)) ولم يذكرهما.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن ظاهر الحديث متروك لأنه دال على أن الوجه غير مغسول لأنه لم يذكره في الحديث.
فإن قالوا: قد علم بالدلالة وجوب غسله.
قلنا: المضمضة والإستنشاق معلوم غسلهما بالدلالة.
__________
(1) أورده في (الجواهر-هامش البحر) 1/106 عن أبي هريرة.

وأما ثانياً: فلأنا قد دللنا على وجوب غسلهما بما ذكرناه من الأخبار فيجب الجمع بينها وبين ما أوردوه. وعلى هذا يكون التقدير فيما روته أم سلمة، أما أنا فأتمضمض وأستنشق ثم أحثي على رأسي ثلاث حثيات، وإذا كان الأمر فيه كما قلنا بطل ما توهموه.
قالوا: عضو باطن من أصل الخلقة دونه حائل معتاد فأشبه داخل العين.
قلنا: أما من قال بوجوب غسل داخل العين فلا يلزمه هذا القياس لأنه يمنع من الحكم من الأصل فلا يمكن القياس عليه، وأما من قال بأن غسل داخلهما غير واجب كما هو المختار عندنا وهو رأي أكثر العترة فالجواب عنه: أن في غسل داخل العين مشقة وحرجاً، وهذا غير حاصل في العضوين، ثم إنه معارض بما ذكرنا من الأقيسة المذكورة فيجب القضاء بتساقط الأقيسة والرجوع إلى الأدلة النقلية التي مهدناها.
قالوا: عضو ينطبق انطباق الخلقة أو عضو منطبق فلا يجب إيصال الماء إليه كداخل العينين.
قلنا: عن هذا جوابان:
أما أولاً: فلأن الطهارات كلها جارية على جهة التحكم من جهة الشارع، والمعاني فيها منسدة فلا تلوح فيها مخايل المعاني ولا تنقدح فيها مسالك الأشباه وإنما مستندها تحكمات الشارع في أقواله وأفعاله.

وأما ثانياً: فهب أنا سلمنا جري الأقيسة فيها لكن ما ذكرتموه ليس من قبيل المعاني ولا من قبيل الأشباه المعتمدة، وإنما هو من قبيل الأوصاف الطردية التي لا يعول عليها محصل، ولهذا فإنه يعارض بأدنى معارضة على القرب، فيقال فيه: عضوان لهما أثر في جمال الوجه وكمال الخلقة فيجب غسلهما في الجنابة كالعين والشفة، أو عضوان تجب الدية الكاملة بقطعهما فيجب غسلهما في الجنابة كالعينين والشفتين إلى غير ذلك من الهذيانات الركيكة والركاكات المتروكة التي لا يعلق شيء من أحكام الشريعة عليها، ولولا أن القاضي زيد من أصحابنا حكاه عنهم لما تكلمنا عليه بالإبطال لكونه من الطرديات المهجورة. ولم أعلم أن أحداً من نظار أصحاب الشافعي أورده وما ذاك إلا لركته ونزول قدره وأنه صار في حيز الهجران باتفاق الفقهاء الخائضين بحر القياس الممهدين لقواعده.
قالوا: غسل واجب فلا يجب غسلهما فيه كالغسل من الموت.
قلنا: عما ذكروه جوابان:
أما أولاً: فنمنع الحكم في الأصل ونقول: بل يجب غسلهما في حق الميت لأنهما من جملة جسمه وهذا إنما يلزم الحنفية حيث لم يوجبوه.
وأما ثانياً: فلأنهما عضوان يجب غسلهما من النجاسة ولا يبطل الصوم بترك [بقايا من] الطعام فيهما فيجب غسلهما في الجنابة كسائر الأعضاء فبطل ما توهموه.
مسألة: ويجب تخليل [شعر اللحية] وشعر الرأس وإيصال الماء إلى جميع البدن، ظاهره وهو ما لا يكون مستوراً بغيره، وغامضه وهو ما يكون مستوراً بغيره كالمعاطف و الأرفاغ(1)
__________
(1) الرَّفغ والرُّفغ أصول الفخذين من باطن وهما ما اكتنفا أعالي جانبي العانة عند ملتقى أعالي بواطن الفخذين وأعلى البطن، وهما أيضاً أصول الإبطين. وقيل: الرفغ من باطن الفخذ عند الأربية، والجمع أرفغ و أرفاغ ورفاغ. قال الشاعر:ـ
قد زوجوني جَيْأَلاً فيها حدب
دقيقة الأرفاغ ضخماء الركب
إ.ه‍لسان. والجَيْأَلُ: الضبع.

في البدن، نص الهادي على ذلك في المنتخب. وهو قول أئمة العترة وفقهاء الأمة وذلك لما روي عن الرسول أنه قال: ((بلوا الشعر وأنقوا البشر " فإن تحت كل شعرة جنابة)). وقوله : ((من ترك موضع شعرة في جسده من جنابة فُعِلَ به كذا وكذا في النار " ))(1).
ويجب عليه غسل ظاهر أذنيه وباطنهما لأنهما من الأعضاء الظاهرة. ويدخل الماء فيما ظهر من صماخيه لما ذكرناه من الخبر، ولا يجب عليه غسل ما بطن كالعين وداخل الأنف على الرأي المختار وهو قول أكثر الفقهاء وأكثر أئمة العترة.
فأما على رأي المؤيد بالله فإنه يجب عليه غسل عينيه كما ذكره في الوضوء وقد سبق تقريرها فيه، ولو كان داخل عينيه شعر فإنه لا يجب عليه غسله لما ذكرناه من عدم وجوب غسلهما.
وهل يجب الدلك لما يمكن دلكه أم لا؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول: أنه يجب دلك ما يمكن دلكه من الجسم في غسل الجنابة، وهو رأي أئمة العترة وهو محكي عن مالك.
والحجة على ذلك: ما روى زيد بن علي عن آبائه عن أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه قال: لما كان في ولاية عمر قدم وفد من العراق عليه فقالوا: جئنا نسألك عن أشياء.
فقال: هاتوا.
فقالوا: نسألك عن الغسل من الجنابة.
__________
(1) الحديث مروي عن علي أخرجه أبو داؤد بلفظه، ثم قال: فقال علي : فمن ثم عاديت راسي، قالها ثلاث مرات، وكان يجز [شعر] رأسه (الاعتصام) 1/250.

فقال: ويلكم أسحرة أنتم! ما سألني عنهن أحد منذ سألت رسول اللّه . ثم قال: ألست شاهداً يا أبا الحسن؟. قال: بلى. قال: فماذا أجابني رسول اللّه فإنك أحفظ مني. فقال: سألته عن الجنابة فقال: ((تصب على يديك الماء قبل أن تُدخل يدك إناءك " ثم تضرب بيدك إلى مرافقك فتنقي ثم تضرب بيدك إلى الأرض ثم تصب عليها من الماء ثم تتمضمض وتستنشق ثلاثاً وتغسل وجهك وذراعيك وتمسح رأسك وتغسل قدميك وتفيض الماء على جانبيك وتدلك من جسدك ما نالت يدك))(1).
فذلك أمر والأمر يقتضي الوجوب.
الحجة الثانية: قياسية وهو: أن الغسل إزالة مانع من الصلاة بماء فوجب أن يكون من شرطه إمرار اليد أو ما يقوم مقامها كغسل النجاسة(2).
المذهب الثاني: أنه لا يجب الدلك وهذا هو رأي الناصر وهو محكي عن الفقهاء أبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه.
والحجة على ذلك: ما في حديث أم سلمة حين قال لها: ((أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات فإذا أنا قد طهرت " )). ولم يشترط الدلك.
الحجة الثانية: قياسية وهي: أنها طهارة حكمية فكان المسح مجزياً فيها كالتيمم.
والمختار: ما عول عليه الأكثر من علماء العترة من اشتراط الدلك.
__________
(1) هذا من الأحاديث المشهورة. رواه زيد بن علي عن آبائه. راجع (الروض النضير) (الاعتصام)1/245.
(2) جاء في حاشية الأصل: فإن لم تصل يده إلى موضع جسده فعن المنصور بالله يجب عليه استعمال [ما يقوم مقامها] وعن الأمير شمس الدين وجوبه، فإن قطعت يده أو يبست فعن المنصور بالله يجب الإستعمال وعن بعضهم لا يجب.

والحجة عليه: ما قالوه ونزيد ههنا وهو أن المفهوم من الغسل لغة وشرعاً هو إمرار اليد على الشيء المغسول ولهذا فإنه من طرح الثوب في الماء حتى جرى عليه فإنه لا يوصف بكونه غاسلاً له، وهكذا فإن من قعد بين الماء ولم يمر يده على جسده فإنه لا يكون غاسلاً له ولا يوصف بالغسل، ولأنه غسل مأمور به من أجل أداء الصلاة فلا بد فيه من الدلك أو ما يقوم مقامه كغسل النجاسة.
الانتصار: يكون بإبطال ما اعتمدوه.
قالوا: حديث أم سلمة لم يشترط فيه الدلك(1).
قلنا: إنما لم يذكره اتكالاً في بيانه على ما هو المفهوم من الغسل في اللغة والعرف فلهذا لم يشترطه.
قالوا: طهارة فكان المسح مجزياً فيها كالتيمم.
قلنا: المعنى في الأصل كونها طهارة بالماء فلهذا وجب اشتراط الدلك فيها ثم إنا نعني بالدلك إمرار اليد مع جري الماء فإذا كان هذا مسلماً منكم ارتفع الخلاف.
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول: إذا قعد الغاسل من الجنابة تحت ميزاب يصب عليه ونوى عنده [غسل الجنابة] أجزاه ذلك لأنه قد حصل ما هو أبلغ من إمرار اليد وهو قوة الماء فلهذا كان كافياً، وهو الظاهر من كلام الإمامين القاسم والمؤيد بالله. والخلاف في وجوب الدلك في الوضوء والغسل واحد وقد قررناه في باب الوضوء وأن أهل اللغة يفرقون بين المسح والغسل فيقولون:
الغسل هو: إمساس العضو الماء حتى يسيل عنه مع الدلك.
والمسح: إمساسه الماء بحيث لا يسيل عنه.
وعلى رأي من لا يعتبر الدلك [شرطاً] يجعل الغسل مسحاً وتكون التفرقة عندهم بين الغسل والمسح هو أن التعميم مشترط في الغسل دون المسح فلا يعتبر فيه بل يصيب ما أصاب ويخطيء ما أخطأ، فصارت واجبات الجنابة خمسة عند أئمة العترة: النية، والمضمضة والإستنشاق(2)،
__________
(1) في الأصل: الغسل، وهو سهو.
(2) اعتبر المؤلف المضمضة والإستنشاق في عدد الواجبات الخمسة فرضين اثنين لا واحداً كما جرت العادة.

وتخليل شعر اللحية والرأس ليصل الماء إلى مغارز الشعر، ودلك جميع البدن كله، ونقص أبو حنيفة النية والدلك، ونقص الشافعي المضمضة والإستنشاق والدلك، وقد قررنا الأدلة على ما ذكرناه من هذه الأمور الواجبة فكان مغنياً عن الإعادة.
الفرع الثاني: ومن كان جنباً ونسي الجنابة واغتسل عن الحدث أجزأه ذلك الغسل في أعضاء الوضوء دون غيرها من سائر جسده، وهكذا إذا توضأ عن الحدث أجزأه ما غسله من أعضاء الوضوء عن الجنابة. وكذلك لو غسل الجنب جميع بدنه إلا رجليه ونسي الجنابة وغسلهما بنية الوضوء أجزأه عن الجنابة، لأن فرض الطهارة في أعضاء الوضوء من الجنابة والحدث واحد، فلهذا أجزأه غسلهما. وهكذا لو تيمم عن الحدث ونسي الجنابة أجزأه ذلك، لأنه لو ذكر الجنابة لم يكن عليه أكثر مما فعل، وكذا لو توضأ ينوي أن حدثه ريح فكان بولاً أو غائطاً. أو لو اغتسلت المرأة بنية الغسل عن الحيض أو كانت نفساء أو جنباً أجزأها ذلك لما ذكرناه.
الفرع الثالث: إذا غسل الجنب جميع بدنه إلا أطراف شعره ثم إنه قطع ما بقي من الشعر مما لم يغسله فهل يجب غسله أم لا؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي:
أحدهما: أنه يجب عليه غسل ما قطعه لقوله تعالى: {وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا}[النساء:43]. والقطع لا يسمى غسلاً.
وثانيهما: أنه لا يجب عليه شيء، وهذا هو المختار للمذهب لأنه قد زال عنه ما وجب عليه غسله فصار كما لو توضأ وترك غسل رجله ثم قطعت من نصف الساق فإنه لا يجب عليه غسل ما قطع. فهكذا هاهنا ولأنه غير مخاطب بغسل الرجل ولا مندرجاً تحت الخطاب بعد القطع.
الفرع الرابع: في التسمية في الغسل هل تكون واجبة أم لا؟ فيه مذهبان:
أحدهما: أنها واجبة، وهذا هو المحكي عن الشيخ الأستاذ(1)
من أصحابنا.
والحجة على ذلك هو: أنها طهارة مفعولة من أجل الصلاة أو طهارة عن حدث فكانت التسمية فيها واجبة كالوضوء.
__________
(1) هو الشيخ علي بن الخليل، وقد سبقت ترجمته.

وثانيهما: أنها غير واجبة وهذا هو الذي ذكره السيد أبو طالب، وهو محكي عن الفريقين الحنفية والشافعية ، وهذا هو المختار، لأن الأصل هو عدم وجوبها وإنما يُقضَى بوجوبها لدلالة خاصة شرعية ولا دلالة هاهنا على الوجوب، والتفرقة بينه وبين الوضوء هو أن التسمية في الوضوء إنما شرعت ليرتفع الحدث عن سائر الجسد بغسل بعضه وقد دل على ذلك قوله : ((إذا تطهر أحدكم فليذكر اسم اللّه فإنه يطهر جسده كله " ))(1).
بخلاف الاغتسال فإن الماء جار على الجسم كله فلهذا كان مستغنياً عن التسمية.
الفرع الخامس: الترتيب في الغسل غير واجب عند أئمة العترة وفقهاء الأمة ولا يعرف فيه خلاف لأنه فعل واحد مختص بجميع البدن فهو كالعضو الواحد في الوضوء.
__________
(1) تمام الحديث: ((...وإلَّم يذكر اسم الله عليه لم يطهر إلآَّ ما مر عليه الماء)) أورده في (شرح التجريد). وجاء في غيره وبروايات أخر عن أبي هريرة وابن مسعود وهو في (الجامع الصغير) للسيوطي كما في (الاعتصام) 1/203.

مسألة: فإذا أراد الجنب أن يغتسل من الجنابة فالمستحب له أن يقول: بسم اللّه. على جهة الذكر ولا ينوي بذلك التلاوة، ثم ينوي الاغتسال من الجنابة أو الغسل لأمر لا يستباح إلا بالغسل كقراءة القرآن أو دخول المسجد أو ينوي الصلاة أو غير ذلك، ثم يغسل كفيه ثلاثاً قبل إدخالهما [الإناء] ثم يغسل ما على من فرجه من الأذى ثم يضرب بيده على الأرض حتى تحمل التراب ثم يغسل فرجه ثم يضرب الأرض بها ضربة أخرى فيغسلها بما تحمل من التراب ثم يتمضمض ويستنشق ثلاثاً ثم يتوضأ وضوء الصلاة إلا غسل الرجلين ثم يدخل أصابعه العشر في الإناء فيحثي على رأسه ثلاث حثيات من ماء ثم يفيض الماء على سائر جسده ثم يدلك ما قدر عليه من بدنه ثم يدخل الماء في أصول الشعر من رأسه ولحيته. والأصل في هذه الكيفية ما روت عائشة وميمونة عن الرسول في كيفية الغسل من الجنابة قالت ميمونة: وضعت لرسول اللّه غسلاً يغتسل به من الجنابة فأكفأ الإناء على يده اليمنى فغسلها مرتين أو ثلاثاً ثم صب الماء على فرجه فغسله بشماله ثم ضرب بيده الأرض فغسلها ثم ضرب بيده على الأرض فحمل بها من التراب فغسل(1) به فرجه.
قالت عائشة: إن شئتم أريتكم أثر يد رسول اللّه في الحائط حيث كان يغتسل من الجنابة ثم إنه تمضمض واستنشق وغسل وجهه ويديه ثم صب على رأسه وجسده ثم تنحى ناحية فغسل رجليه ثم ناولته المنديل فلم يأخذه وجعل ينفض الماء عن جسده(2).
التفريع على هذه القاعدة:
الفرع الأول منها: أن الرجل إذا كان جنباً إما جامع فأنزل أو أولج فلم ينزل أو احتلم في ليل أو نهار فأنزل الماء فقد وجب عليه الوضوء والغسل جميعاً، فوجوب الوضوء لأجل الصلاة لقوله : ((لا صلاة إلا بوضوء " )). والغسل من الجنابة لما روي عنه أنه قال: ((فإذا فضخت الماء فاغتسل)). فهما شيئان مختلفان كما أوضحناه، وفيما يجزيه من ذلك مختلف فيه على مذاهب خمسه:
__________
(1) أي: فمسح.
(2) تقدم.

100 / 279
ع
En
A+
A-