تَعَالَى فِي قَوْلِهِ { لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا } وَالسَّرَفُ وَالتَّبْذِيرُ فِي اللُّغَةِ صَرْفُ الْمَالِ فِي مَا لَا يَجْلِبُ نَفْعًا وَلَا ثَنَاءً وَلَا يَدْفَعُ ضَرَرًا عَنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ أَوْ عِرْضٍ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { لَمْ يُسْرِفُوا } وَقَالَ أَيْضًا { وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا .
إنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إخْوَانَ الشَّيَاطِينِ } وَقَدْ حَرَّمَ الشَّرْعُ صَرْفَهُ لِمُجَرَّدِ الثَّنَاءِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { كَاَلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ } فَهُوَ فِي الشَّرْعِ إضَاعَةُ الْمَالِ أَوْ صَرْفُهُ فِي وَجْهٍ قَبِيحٍ وَالزُّهْدُ فِي الشَّرْعِ تَرْكُ الْمُبَاحَاتِ الَّتِي يَخْشَى أَنْ يَحْمِلَهُ التَّوَلُّعُ بِهَا عَلَى الدُّخُولِ فِي الشُّبُهَاتِ مُحَافَظَةً عَلَيْهَا ، وَقَدْ وَرَدَتْ الْآثَارُ بِنَدْبِهِ ، كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { أَلَا وَإِنَّ الزَّاهِدَ فِي الدُّنْيَا أَرَاحَ قَلْبَهُ وَبَدَنَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ } إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ( نَعَمْ ) وَلَا زُهْدَ فِي ثَلَاثٍ الْمَرْأَةُ الْحَسْنَاءُ ، وَإِنْ غَالَى فِي مَهْرِهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَكْمِيلِ الدِّينِ مَهْمَا لَمْ تَكُنْ مِنْ الْمُنَعَّمَاتِ اللَّاتِي لَا يَقْنَعْنَ بِدُونِ اللَّذَّاتِ فِي الْمَطْعَمِ وَالْمَلْبَسِ وَلَا فِي اسْتِعْذَابِ الْمَاءِ ، إذْ قَدْ كَانَ يُسْتَعْذَبُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَمْكِنَةِ النَّازِحَةِ ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى كَسْبِ الْأَمْوَالِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى { وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ } وَلَا فِي اخْتِيَارِ الْمَسْكَنِ السَّلِيمِ عَنْ الْوَبَاءِ الْجَامِعِ لِلْمَرَافِقِ ، إذْ لَا يُحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى غَرَامَةٍ ، لِأَنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ تَعَالَى إلَّا حَيْثُ يَكُونُ دِينُهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَسْكَنِ أَكْمَلَ ، فَإِنْ تَرْكَهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ زُهْدًا .
فَصْلٌ وَالْفَرَحُ هُوَ السُّرُورُ الَّذِي يَصْدُرُ مِنْهُ أَفْعَالُ طَرَبٍ ، فَإِنْ كَانَ بِمَحْظُورٍ فَمُحَرَّمٌ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى { إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ } وقَوْله تَعَالَى { ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ } ، ( فَرْعٌ ) فَأَمَّا الَّذِي يَقْتَرِنُ بِهِ مُبَاحٌ مِنْ لَعِبٍ بِالْخَيْلِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْمُبَاحَاتِ ، فَإِنْ كَانَ فَرَحًا بِمَحْظُورٍ فَقَبِيحٌ لِلْآيَةِ ، فَلَا يَجُوزُ النَّظَرُ إلَى ذَلِكَ اللَّعِبِ حِينَئِذٍ لِحَظْرِهِ ، { وَلَا يَحِلُّ لَعَيْن تَرَى اللَّهَ يُعْصَى فَتَطْرِفُ حَتَّى تُغَيِّرَ أَوْ تَنْتَقِلَ } وَإِنْ كَانَ فَرَحًا بِمُبَاحٍ أَوْ مَنْدُوبٍ أَوْ نِعْمَةٍ حَصَلَتْ ، فَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ لَا حَرَجَ فِيهِ لِمَا وَرَدَ فِي التَّدْفِيفِ فِي الْعُرْسَاتِ وَالْأَعْيَادِ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى { وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ } وَمَا رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ حَجَلَ حِينَ حَصَلَتْ لَهُ مَسَرَّةٌ بِبُشْرَى وَهُوَ نَوْعُ لَعِبٍ عِنْدَ فَرَحٍ .
فَصْلٌ وَالْجَزَعُ هُوَ الْغَمُّ الَّذِي يَقْتَرِنُ بِهِ فِعْلٌ مِنْ خَمْشِ وَجْهٍ أَوْ شَقِّ جَيْبٍ أَوْ كَسْرِ سِلَاحٍ أَوْ عَقْرِ بَهِيمَةٍ أَوْ شَكْوَى بِصَوْتٍ ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ الْجَزَعِ فِي آثَارٍ كَثِيرَةٍ ، كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { صَوْتَانِ فَاجِرَانِ مَلْعُونَانِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ } الْخَبَرَ وَنَحْوَهُ ، وَلَا إشْكَالَ فِي تَحْرِيمِهِ حَيْثُ كَانَ عَلَى مُصِيبَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ حَادِثَةٍ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ .
وَأَمَّا الْجَزَعُ لِمُصِيبَةٍ فِي الدِّينِ نَحْوِ أَنْ يَجْزَعَ لِمَعْصِيَةٍ فَعَلَهَا نَدَمًا ، فَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ غَيْرُ مُنْكَرٍ ، { إذْ لَمْ يُنْكِرْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْ أَتَاهُ يَحْثُو التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ لَمَّا وَاقَعَ أَهْلَهُ فِي رَمَضَانَ } .
" فَصْلٌ " قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { النَّاسُ كُلُّهُمْ هَلْكَى إلَّا الْعَالِمُونَ ، وَالْعَالِمُونَ كُلُّهُمْ هَلْكَى إلَّا الْعَامِلُونَ وَالْعَامِلُونَ كُلُّهُمْ هَلْكَى إلَّا الْمُخْلِصُونَ ، وَالْمُخْلِصُونَ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ } يُوجِبُ عَلَى سَامِعِهِ إمْعَانَ النَّظَرِ فِي مَعْرِفَةِ مَوَاقِعِ الْخَطَرِ الْمَخُوفِ بَعْدَ حُصُولِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالْإِخْلَاصِ لِلَّهِ تَعَالَى فِيهِمَا .
وَالْأَقْرَبُ أَنَّ الْمَخُوفَ عَلَى الْمُكَلَّفِ بَعْدَ حُصُولِ ذَلِكَ مِنْهُ ، إنَّمَا هُوَ حُصُولُ مَا يُحْبِطُهُ مِنْ الْمَعَاصِي ، وَأَنَّهُ لَا تَكْلِيفَ عَلَيْهِ بَعْدَ اسْتِكْمَالِهِ الثَّلَاثَةَ ، الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ وَالْإِخْلَاصُ ، إلَّا فِي حِفْظِهِ مِمَّا يُحْبِطُهَا مِنْ الْمَآثِمِ الْبَاطِنَةِ الَّتِي يَجُوزُ ذُهُولُ الْخَاطِرِ عَنْ عِظَمِ خَطَرِهَا فَيَتَسَامَحُ فِيهَا ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى ذَلِكَ { أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ } وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { إيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّ لَهَا عِنْدَ اللَّهِ طَالِبًا } وَكَذَلِكَ التَّحَفُّظُ مِنْ أَمْرٍ يَدِقُّ وَجْهُ قُبْحِهِ فَيَرَاهُ الْعَبْدُ حَسَنًا وَهُوَ فِي عِلْمِ اللَّهِ قَبِيحٌ فَيُؤْتَى مِنْ إخْلَالِهِ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ فِيهِ ، وَقَدْ وَرَدَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ التَّحْذِيرُ مِنْ الذَّنْبِ الَّذِي لَا تَمْحُوهُ التَّوْبَةُ حَتَّى قِيلَ : وَأَيُّ ذَنْبٍ لَا تَمْحُوهُ التَّوْبَةُ .
فَقَالَ مَا مَعْنَاهُ " إنَّهُ الذَّنْبُ الَّذِي يَعْتَقِدُهُ الْعَبْدُ مِنْ الْإِحْسَانِ وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْعِصْيَانِ " فَلَا خَطَرَ يَخْشَاهُ الْعَالِمُ الْعَامِلُ الْمُخْلِصُ إلَّا أَحَدَ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وَقَدْ نَبَّهَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ { حِرَاسَةُ الْعَمَلِ أَشَدُّ مِنْ الْعَمَلِ } وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { لَوْ صَلَّيْتُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَالْحَنَايَا وَصُمْتُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَالْأَوْتَارِ وَتُوُفِّيتُمْ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ مَا
نَفَعَكُمْ ذَلِكَ إلَّا بِالْوَرَعِ ، أَلَا وَإِنَّ الدِّينَ الْوَرَعُ ، أَلَا وَإِنَّ الدِّينَ الْوَرَعُ ، أَلَا وَإِنَّ الدِّينَ الْوَرَعُ } ، ( فَرْعٌ ) وَقَائِدُ الْوَرَعِ اسْتِشْعَارُ الْخَوْفِ ، وَقَائِدُ الْخَوْفِ عَدَمُ الْغَفْلَةِ عَنْ قِصَرِ الْمُدَّةِ وَقُرْبِ ، الرِّحْلَةِ وَتَجْدِيدُ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَقَدْ نَبَّهَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ } ، الْخَبَرَ .
وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظًا } وَلِلَّهِ دُرُّ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ حَيْثُ يَقُولُ " لِتَكُنْ طَاعَتُك لِلَّهِ تَعَالَى بِقَدْرِ حَاجَتِك إلَيْهِ وَجُرْأَتُك عَلَى الْمَعَاصِي بِقَدْرِ صَبْرِك عَلَى النَّارِ " أَوْ كَمَا قَالَ .
وَلِلَّهِ دُرُّ بَعْضِ الْوَاعِظِينَ حَيْثُ يَقُولُ " يَا مَقْهُورًا بِغَلَبَةِ النَّفْسِ صُلْ عَلَيْهَا بِطُولِ الْعَزِيمَةِ فَإِنَّهَا إنْ عَرَفَتْ جِدَّك اسْتَأْسَرَتْ لَك وَامْنَعْهَا لَذِيذَ الْمُبَاحِ لِتَصْطَلِحَا عَلَى تَرْكِ الْحَرَامِ ، الشَّيْطَانُ وَالدُّنْيَا عَدُوَّانِ بَائِنَانِ عَنْك ، وَالنَّفْسُ عَدُوٌّ مُبَاطِنٌ وَمِنْ أَدَبِ الْقِتَالِ قَوْله تَعَالَى { قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ } وَكَفَى بِقَوْلِ الْمَلِكِ الْجَلِيلِ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ تَأْدِيبًا وَتَهْذِيبًا ، { وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى } وَلْنَخْتِمْ كِتَابَنَا هَذَا بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ تَفَاؤُلًا لَعَلَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِكَرَمِهِ وَلُطْفِهِ يَجْعَلُ خَاتِمَةَ أَعْمَالِنَا التَّقْوَى وَمُجَانَبَةَ الْأَهْوَاءِ ، وَعَاقِبَةَ أَمْرِنَا سُكُونَ جَنَّةِ الْمَأْوَى ، فَهُوَ أَكْرَمُ مَسْئُولٍ ، وَخَيْرُ مَأْمُولٍ .