( فَرْعٌ ) فَأَمَّا إتْيَانُهُمْ لِمُجَرَّدِ وَعْظٍ أَوْ تَذْكِيرٍ أَوْ أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ ، فَلَا إشْكَالَ فِي جَوَازِهِ ، كَمَا أَتَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَبَا جَهْلٍ إلَى بَيْتِهِ لِيَأْمُرَهُ بِإِيفَاءِ غَرِيمِهِ وَذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِأَنْ يُعْلَمَ مَقْصِدُهُ حَتَّى لَا يُتَوَهَّمَ مِنْهُ قَصْدُ تَعْظِيمٍ لَهُمْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ مَصْلَحَةٌ تُعَارِضُهَا مَفْسَدَةٌ مُسَاوِيَةٌ أَوْ رَاجِحَةٌ .

( فَرْعٌ ) فَأَمَّا لَوْ كَانَ الظَّالِمُ هُوَ الَّذِي وَصَلَ إلَى الْفَاضِلِ تَعْظِيمًا لَهُ فَلَا بَأْسَ بِالْقِيَامِ فِي وَجْهِهِ وَلِقَائِهِ مُكَافَأَةً لَهُ عَلَى إحْسَانِهِ وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَالِ لَيْسَ بِمُعَظَّمٍ عَلَى حَدِّ تَعْظِيمِ الْفُضَلَاءِ ، بَلْ هُوَ الْمُعَظِّمُ لِلْفَاضِلِ بِوُصُولِهِ وَلِأَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً دِينِيَّةً لَا تُعَارِضُهَا مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ أَوْ مُسَاوِيَةٌ ، وَتِلْكَ الْمَصْلَحَةُ هِيَ اسْتِدْعَاؤُهُ بِذَلِكَ إلَى تَعْظِيمِ الْفُضَلَاءِ وَلَيْسَ لَهُ مُكَافَأَتُهُ بِأَنْ يَصِلَهُ إلَى مَنْزِلِهِ تَعْظِيمًا ، لَا لِحَاجَةٍ سِوَى التَّعْظِيمِ ، لِأَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ يَكُونُ هُوَ الْمُعَظِّمُ بِالْوُصُولِ إلَيْهِ خَالِصًا وَقَدْ نُهِينَا عَنْ تَعْظِيمِهِمْ إلَّا لِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ كَمَا قَدَّمْنَا .
وَقَدْ كَرِهَ ( م ) أَكْلَ طَعَامِهِمْ وَقَبُولَ عَطَايَاهُمْ لِمَا يُورِثُ مِنْ مَحَبَّتِهِمْ وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ .
قَالَ مَوْلَانَا عَلَيْهِ السَّلَامُ " فَإِنْ أَحْسَنُوا إلَى الْمُؤْمِنِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ مِنْ شُكْرِهِمْ أَكْثَرُ مِنْ الِاعْتِرَافِ بِأَنَّهُمْ أَنْعَمُوا وَالْيَسِيرُ مِنْ التَّعْظِيمِ الَّذِي لَا يُظْهِرُ لَهُمْ فِيهِ جَلَالَةً كَالْقِيَامِ فِي وَجْهِ مَنْ وَصَلَ بِنَفْسِهِ مُعَظِّمًا لِأَهْلِ الْفَضْلِ ، فَهَذَا الْقِيَامُ لَا أَثَرَ لَهُ فِي جَنْبِ وُصُولِهِ بِنَفْسِهِ إلَى الْفَاضِلِ بِخِلَافِ وُصُولِ الْفَاضِلِ إلَى مَنَازِلِهِمْ لِقَصْدِ وَجْهِ تَعْظِيمٍ مِنْ تَهْنِئَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ، فَجَلَالَتُهُمْ فِي ذَلِكَ ظَاهِرَةٌ ، إذْ لَوْ جَوَّزْنَا ذَلِكَ لَمْ يَفْتَرِقْ الْحَالُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَئِمَّةِ الْهُدَى فِيمَا يَسْتَحِقُّونَ مِنْ التَّعْظِيمِ .
فَأَمَّا إطْعَامُهُمْ وَإِنْزَالُهُمْ فَلَيْسَ بِتَعْظِيمٍ ، بَلْ تَفَضُّلٌ وَإِحْسَانٌ ، كَالْإِحْسَانِ إلَى الذِّمِّيِّينَ وَإِلَى الزَّوْجَةِ وَالْخَادِمِ الْفَاسِقَيْنِ

( فَرْعٌ ) فَمَنْ لَا يُمْكِنُهُ الْمَقَامُ فِي جِهَتِهِمْ إلَّا بِتَعْظِيمِهِمْ وَمُوَاصَلَتِهِمْ لَزِمَتْهُ الْهِجْرَةُ ، إذْ مَنْ لَمْ تُمْكِنْهُ الْإِقَامَةُ فِي جِهَةٍ إلَّا بِفِعْلٍ قَبِيحٍ لَزِمَتْهُ الْهِجْرَةُ بِلَا خِلَافٍ كَمَا تَقَدَّمَ بِدَلِيلِ { إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ } الْآيَةَ .

( فَرْعٌ ) وَمِنْ بِدَعِ الْمُدَاهَنَةِ عِنْدِي التَّعَبُّدُ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمُحَاوَرَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ وَمَا قَدْ أَطْبَقَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ النَّاسِ مِنْ الْمُكَاتَبَةِ بِأَقَلِّ الْعَبِيدِ وَأَصْغَرِ الْمَمَالِيكِ عَلَى مَرَاتِبِهِ الْمَعْرُوفَةِ فَإِنَّهُ حَادِثٌ مُبْتَدَعٌ ابْتَدَعَهُ مَنْ خَالَطَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَى بِلَادِ الْعَجَمِ وَرَأَى مَا تُعَامِل بِهِ مُلُوكَهَا مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ بَقِيَّةٌ مِنْ عِبَادَتِهِمْ إيَّاهُمْ وَكَانَ حُدُوثُهُ فِي الدَّوْلَةِ الْأُمَوِيَّةِ وَقْتَ الْوَلِيدِ الْخَلِيعِ ، فَإِنَّهُ نَهَى أَنْ يُخَاطَبَ أَوْ يُكَاتَبَ بِمِثْلِ مَا يُخَاطَبُ بِهِ النَّاسُ ، وَضَرَبَ رَجُلًا بِسَبَبِ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ شَيْءٌ عَهْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَهْدَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بَعْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، بَلْ كَانَ صَدْرُ مُكَاتَبَاتِهِمْ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ : مِنْ فُلَانٍ بْنِ فُلَانٍ إلَى فُلَانٍ بْنِ فُلَانٍ سَلَامٌ عَلَيْك ، وَإِنِّي أَحْمَدُ اللَّهَ إلَيْك وَأُعَرِّفُك بِكَذَا وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى حَدَثَتْ هَذِهِ الْبِدْعَةُ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي كِتَابِ الْمِلَلِ مَا رَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ حَيْثُ قَالَ : شَهِدْت الْحَسَنَ يَعْنِي الْبَصْرِيَّ إذْ جَاءَهُ كِتَابُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ " أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّك تَقُولُ فِي الْقَدَرِ قَوْلًا ، فَاكْتُبْ إلَيَّ بِرَأْيِك فِيهِ " فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ ابْنِهِ : اُكْتُبْ : مِنْ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ : تَبْدَأُ بِاسْمِك قَبْلَ اسْمِهِ .
فَقَالَ : إنَّهُ مِنْ السُّنَّةِ كَذَلِكَ كَانَتْ السُّنَّةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ .
وَدَلِيلُ كَوْنِ هَذِهِ الْبِدْعَةِ مَكْرُوهَةَ إنْ لَمْ تَكُنْ قَبِيحَةً مُحَرَّمَةً ، قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { مَنْ مَلَكَ عَبْدًا أَوْ أَمَةً فَلَا يَقُلْ عَبْدِي وَلَا أَمَتِي ، وَلْيَقُلْ فَتَايَ أَوْ فَتَاتِي فَإِنَّ الْعِبَادَ عِبَادُ اللَّهِ

وَالْإِمَاءَ إمَاؤُهُ } أَوْ كَمَا قَالَ : وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْقُبْحَ إلَّا لِقَرِينَةٍ ، وَإِذَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَمْلُوكِ ، فَالْحُرُّ أَوْلَى ، فَإِذَا قَبُحَ أَنْ يَقُولَ لِلْمَمْلُوكِ : أَنْتَ عَبْدِي ، قَبُحَ أَنْ يَقُولَ الْحُرُّ : أَنَا عَبْدُك ، أَوْ أَقَلُّ عَبِيدُك ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مَجَازًا وَاسْتِعْمَالُ الْمَجَازِ جَائِزٌ .
فَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ إطْلَاقِ لَفْظِ التَّعَبُّدِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَوَجَبَ امْتِثَالُهُ ، وَأَكْثَرُ مَا سُمِّيَ الْعَبْدُ فِي الْقُرْآنِ فَتًى .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ } فَسَمَّى الْإِمَاءَ فَتَيَاتٍ وَنَحْوُهَا كَثِيرٌ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى { وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ } .
وَقَوْلِهِ { تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ } وَنَحْوِهَا ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى { وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ } فَهُوَ لَا يَكْفِي فِي جَوَازِ إطْلَاقِ هَذَا اللَّفْظِ مِنَّا بَعْدَ وُرُودِ النَّهْيِ عَنْهُ ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَّا ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُقْسِمَ بِالْمَخْلُوقَاتِ مِنْ السَّمَاءِ وَالطَّارِقِ وَنَحْوِهِمَا ، وَلَا يَحْسُنُ مِنَّا لِلنَّهْيِ ، فَكَذَلِكَ هَذَا لَا يُقَالُ : قَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَحَدٌ لِأَنَّا نَقُولُ إجْمَاعُ أَهْلِ الْعَصْرِ .
مَمْنُوعٌ ، فَإِنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ كَانَ يَتْرُكُ الْمُكَاتَبَةَ تَحَرُّجًا مِمَّا اسْتَعْمَلَهُ النَّاسُ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْمُكَاتَبَةُ بِغَيْرِهَا لِئَلَّا يُنْسَبَ إلَى التَّكَبُّرِ ، ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ الْإِجْمَاعُ تَوَاتُرًا وَلَا آحَادًا ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ قِيَاسٌ لِلْغَائِبِينَ عَلَى الْحَاضِرِينَ مِنْ دُونِ طَرِيقَةٍ نَاظِمَةٍ

( فَرْعٌ ) وَمِنْ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَةِ ، الدُّعَاءُ لِأَهْلِ الدُّوَلِ بِتَخْلِيدِ الْمُلْكِ فِي مُحَاوَرَةٍ أَوْ مُكَاتَبَةٍ ، فَإِنْ كَانَ ظَالِمًا فَقَبِيحٌ مُحَرَّمٌ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { مَنْ دَعَا لِظَالِمٍ بِالْبَقَاءِ فَقَدْ أَحَبَّ أَنْ يُعْصَى اللَّهُ فِي أَرْضِهِ } وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ أَيْضًا .
وَأَمَّا إذَا كَانَ مُحِقًّا فَمَكْرُوهٌ أَيْضًا عِنْدِي ، لِتَضَمُّنِهِ طَلَبَ مَا قَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى { وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِك الْخُلْدَ } فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الدُّعَاءِ بِأَنْ لَا تُقَامَ قِيَامَةٌ وَلَا تُجْعَلَ دَارٌ غَيْرُ هَذِهِ الدَّارِ ، فَأَمَّا كَوْنُهُ قَاصِدًا طُولَ الْبَقَاءِ ، فَذَلِكَ لَا يُفِيدُهُ لَفْظُ الْخُلْدِ إلَّا مَعَ قَرِينَةٍ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلدَّوَامِ الَّذِي لَا انْقِطَاعَ لَهُ ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ إبْلِيسَ { مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنْ الْخَالِدِينَ } .
وَقَالَ { هَلْ أَدُلُّك عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى } فَلَفْظُ الْخُلْدِ إذَا أُطْلِقَ أَفَادَ مَا ذَكَرْنَا ، فَقُبِّحَ الدُّعَاءُ لِلْفَانِي بِهِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ لَفْظِيَّةٍ وَإِنْ كَانَ قَدْ تَسَامَحَ بِذَلِكَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ ، ( فَرْعٌ ) وَأَمَّا الدُّعَاءُ بِطُولِ الْبَقَاءِ فَيَجُوزُ لِلْمُحِقِّ لَا لِلْمُبْطِلِ ، لِلْخَبَرِ ، ( فَرْعٌ ) فَأَمَّا اسْتِعْمَالُ شَمْسِ الدِّينِ وَعِمَادِ الدِّينِ وَنَحْوِهِمَا فَمُبْتَدَعٌ أَيْضًا ، لَكِنْ لَا بَأْسَ بِهِ لِجَرْيِهِ مَجْرَى اللَّقَبِ الَّذِي يَتَضَمَّنُ تَشْرِيفًا كَالتَّسْمِيَةِ بِصَالِحٍ وَبِالْفَضْلِ وَالْأَسَدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ .
وَلَمْ يَرِدْ نَهْيٌ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ ، فَأَمَّا اسْتِعْمَالُ لَفْظِ سَيِّدِي وَمَوْلَايَ لِلصَّاحِبِ الَّذِي ظَاهِرُهُ الصَّلَاحُ فَلَا حَرَجَ أَيْضًا لِظُهُورِ اسْتِعْمَالِهِ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَلِغَيْرِهِ فَأَمَّا اسْتِعْمَالُ الْمَقَامِ وَالْمَقَرِّ وَالْجَنَابِ وَالْمَجْلِسِ

وَنَحْوِهَا ، فَمَجَازَاتٌ لَمْ يَرِدْ دَلِيلٌ عَلَى قُبْحِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ السُّنَّةُ التَّأَسِّي بِالسَّلَفِ الصَّالِحِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا كَيْفِيَّةَ مُكَاتَبَاتِهِمْ ، وَأَمَّا اسْتِعْمَالُ الْأَفْضَلِ وَالْأَكْمَلِ وَنَحْوِهِمَا ، فَلَا يَحْسُنُ لِمَنْ لَيْسَ عَلَى تِلْكَ الصِّفَاتِ ، إذْ هُوَ كَذِبٌ .

فَصْلٌ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ } يُوجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مَعْرِفَةَ تَفْسِيرِ الدُّنْيَا هَاهُنَا لِيَجْتَنِبَ حُبَّهَا ، وَإِلَّا لَمْ يَأْمَنْ الْخَطَأَ فَنَقُولُ : لَا خِلَافَ أَنَّ مَحَبَّةَ جَمْعِ الْمَالِ الْحَلَالِ لِتَحْصِيلِ الْكِفَايَةِ لَيْسَ بِخَطَأٍ ، فَلَيْسَ مِنْ حُبِّ الدُّنْيَا ، وَكَذَلِكَ مَحَبَّةُ حِفْظِ الْمَالِ مِنْ دَارٍ وَعَقَارٍ وَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَنَحْوِهَا وَعِمَارَتِهَا ، وَالِاحْتِرَازِ عَلَيْهَا مِنْ الضَّيَاعِ لَيْسَ بِخَطَأٍ ، فَلَيْسَ مِنْ حُبِّ الدُّنْيَا ، وَكَذَلِكَ مَحَبَّةُ التَّلَذُّذِ بِالْمُبَاحَاتِ مِنْ الْمَطَاعِمِ وَالْمَلَابِسِ وَالْمَرَاكِب وَالْمَنَاكِحِ وَالْبُنْيَانِ الْمُبَاحَاتِ لَيْسَ بِخَطَأٍ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ } فَلَيْسَ مِنْ حُبِّ الدُّنْيَا .
( فَرْعٌ ) فَتَلَخَّصَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الدُّنْيَا الَّتِي نُهِينَا عَنْ حُبِّهَا هِيَ الشَّرَفُ وَالْمَالُ الْمَطْلُوبَانِ لِلْمُبَاهَاةِ وَالْمُكَاثَرَةِ وَالْعُلُوِّ عَلَى مَنْ عَدِمَهُمَا ، لَا لِلْكِفَايَةِ أَوْ لِمَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ أَوْ تَجَمُّلٍ بَيْنَ النَّاسِ ، وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى { تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا } وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { مَا ذِئْبَانِ ضَارِيَانِ فِي زَرِيبَةِ غَنَمٍ بِأَضَرَّ مِنْ حُبِّ الشَّرَفِ وَالْمَالِ ، عَلَى الْمُسْلِمِ فِي دِينِهِ } أَوْ كَمَا قَالَ .
فَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ وَالْخَبَرُ كَالْمُصَرِّحَيْنِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِحُبِّ الدُّنْيَا الَّذِي نُهِينَا عَنْهُ هُوَ حُبُّ الشَّرَفِ وَالْمَالِ طَلَبًا لِلْعُلُوِّ كَمَا قَدَّمْنَا ، فَأَمَّا لَتَطَلُّبِ التَّجَمُّلِ فِي النَّاسِ فَلَا بَأْسَ فِي ذَلِكَ ، وَمَعْنَى التَّجَمُّلِ حُصُولُ جَمَالٍ يُحَصِّنُ مَنْ حَصَلَ لَهُ مِنْ أَنْ يُسْتَخَفَّ بِهِ أَوْ يَحُطَّ عَنْ مَرْتَبَتِهِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا لِظَاهِرِ حَالِهِ ، فَحِينَئِذٍ

يَخِفُّ التَّكْلِيفُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى مِسْكَةٍ فِي الدِّينِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَإِنَّهُ لَا يَطْلُبُ الشَّرَفَ وَالْمَالَ لِذَلِكَ إلَّا الْمُتَجَبِّرُونَ الْمُتَمَرِّدُونَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا الْمُؤْمِنُونَ الْخَاشِعُونَ وَبِاَللَّهِ الْعِصْمَةُ وَمِنْهُ التَّوْفِيقُ .

فَصْلٌ وَالْجُبْنُ هُوَ الْبُخْلُ بِالنَّفْسِ وَلَا إشْكَالَ فِي تَحْرِيمِهِ حَيْثُ يَجِبُ بَذْلُهَا فِي طَلَبِ الْعَدُوِّ وَمُدَافَعَتِهِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ } الْآيَةَ .
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ } فَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { الْجُبْنُ وَالْجُرْأَةُ غَرِيزَتَانِ يَضَعُهُمَا اللَّهُ حَيْثُ يَشَاءُ } وَالْغَرَائِزُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا تَحْرِيمٌ وَلَا تَحْلِيلٌ ، فَإِنَّا نَقُولُ : الْمَعْلُومُ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ تَسْمِيَةُ الْإِقْدَامِ عَلَى الْعَدُوِّ شَجَاعَةً وَجُرْأَةً وَالْفِرَارِ مِنْهُ جُبْنًا ، وَتَعَلُّقُ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ بِهِمَا فَبَطَلَ كَوْنُهُمَا غَرِيزَةً ، فَوَجَبَ حَمْلُ الْخَبَرِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ سَبَبَيْ الْجُبْنِ وَالْجُرْأَةِ غَرِيزَتَانِ بَاعِثَتَانِ عَلَيْهِمَا فَسَمَّى الْمُسَبَّبَ بِتَسْمِيَةِ سَبَبِهِ تَجَوُّزًا ، كَتَسْمِيَةِ الدِّيَةِ عَقْلًا ، فَكَأَنَّهُ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { الْبَاعِثُ عَلَى الْجُبْنِ وَالْجُرْأَةِ غَرِيزَتَانِ } فَلَمَّا كَثُرَ اسْتَغْنَى بِالْمُسَبَّبِ .
فَقِيلَ الْجُبْنُ وَالْجُرْأَةُ غَرِيزَتَانِ .
وَالْمَعْنَى أَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَبْنِي اللَّهُ قَلْبَهُ بِنْيَةً تَقْبَلُ الشَّجَاعَة وَتَبْعَثُ عَلَيْهَا أَوْ الْجُبْنَ وَتَبْعَثُ عَلَيْهِ ، وَفِي تَحْقِيقِ تِلْكَ الْبِنْيَةِ أَبْحَاثٌ يَطُولُ شَرْحُهَا .
وَهَذَا الْقَدْرُ يَكْفِي فِيمَا قَصَدْنَاهُ وَالْبُخْلُ عِبَارَةٌ عَنْ شِدَّةِ حُبِّ الْمَالِ الْحَامِلَةِ عَلَى مَنْعِهِ حَيْثُ وَجَبَ بَذْلُهُ ، وَالْبُخْلُ فِي التَّحْقِيقِ هُوَ مَنْعُهُ وَسَبَبُ الْمَنْعِ شِدَّةُ حُبِّهِ كَمَا قُلْنَا فِي الْجُبْنِ ، وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ فَاقْتَضَى قُبْحَهُ .
وَقَالَ تَعَالَى { وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ } وَهُوَ مَنْعُهُ عَمَّا يَجِبُ صَرْفُهُ فِيهِ مِنْ تَحْصِيلِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ أَوْ ذَمٍّ ، وَالتَّقْتِيرُ هُوَ أَنْ يُنْفِقَ مِنْهُ دُونَ الْكِفَايَةِ مَعَ سَعَتِهِ لِلْكِفَايَةِ ، وَقَدْ ذَمَّهُ اللَّهُ

791 / 792
ع
En
A+
A-