( فَرْعٌ ) وَيَسْتَحِقُّ الْمُوَالَاةَ وَالتَّعْظِيمَ مَنْ ظَهَرَ مِنْ حَالِهِ الْإِيمَانٍ وَإِنْ كَانَ بَاطِنُهُ مُخَالِفًا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ وَاَللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ } وَمِنْ ثَمَّ صَحَّ أَنْ يَحْكُمَ لِلْمُكَلَّفِ أَنَّهُ حُطَّ عَنْ مَرْتَبَتِهِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا مِنْ التَّعْظِيمِ لِمَا يَظْهَرُ مِنْ حَالِهِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلتَّعْظِيمِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، كَمَا لَا يَقْطَعُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، بَلْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ مِنْ غَيْرِهِ التَّعْظِيمَ بِالنَّظَرِ إلَى مَا يَظْهَرُ مِنْهُ مِنْ حُسْنِ الطَّرِيقَةِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَهُ مَا يَسْتَحِقُّ بِالنَّظَرِ إلَى ظَاهِرِهِ ، فَقَدْ حُطَّ عَنْ مَرْتَبَتِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَطْلُبَ تَبْلِيغَهُ تِلْكَ الْمَرْتَبَةَ إلَّا حَيْثُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْإِهَانَةَ لِئَلَّا يَطْلُبَ مَا لَيْسَ لَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْإِهَانَةَ فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ لِظَاهِرِ حَالِهِ فِي الْإِيمَانِ ، لِأَنَّ التَّعْظِيمَ مُسْتَحَقٌّ لِمَنْ لَمْ يُعْلَمْ فِسْقُهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ، فَلَهُ طَلَبُ مَا يَسْتَحِقُّهُ ، وَالْغَضَبُ مِنْ الِاسْتِخْفَافِ بِهِ ، إذْ هُوَ ظُلْمٌ حِينَئِذٍ .
( فَرْعٌ ) قِيلَ وَالْمُوَالَاةُ وَالْمُعَادَاةُ يَخْتَصَّانِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهِمَا لِتَفَرُّعِهِمَا عَلَى الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ وَهُمَا عِلْمِيَّانِ ، أَيْ لَا يُوَالِي إلَّا مُؤْمِنًا ، وَلَا يُعَادِي إلَّا كَافِرًا أَوْ فَاسِقًا فَمَنْ لَمْ يُعْلَمْ إيمَانُهُ يَقِينًا بِمَا يَظْهَرُ مِنْ حَالِهِ مَا يَقْتَضِي إيمَانَهُ لَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَمْ تَلْزَمْك مُوَالَاتُهُ ، وَمَنْ لَمْ تَعْلَمْ كُفْرَهُ أَوْ فِسْقَهُ يَقِينًا بِمَا يَظْهَرُ مِنْ حَالِهِ ، لَمْ تَجُزْ لَك مُعَادَاتُهُ .
فَأَمَّا إقَامَةُ الْحُدُودِ وَحَرْبُ الْعَوَامّ لِلْبَاطِنِيَّةِ ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ عِلْمُ يَقِينٍ بِالْكُفْرِ وَالْفِسْقِ ، فَإِنَّمَا هُوَ عَمَلٌ
يُتَعَبَّدُ بِهِ ، لَا مُعَادَاةٌ فَإِنَّهَا مِنْ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ كَمَا قَدَّمْنَا ، فَالْأَئِمَّةُ وَإِنْ أَمَرُوا الْعَوَامَّ بِحَرْبِ الْبَاطِنِيَّةِ فَلَيْسَ إلَّا كَأَمْرِ الْحَاكِمِ بِإِقَامَةِ حَدٍّ وَلَوْ أَمَرُوهُمْ بِالْمُعَادَاةِ الْقَلْبِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا كُفْرَهُمْ أَوْ فِسْقَهُمْ كَانَ خَطَأً .
هَكَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْمَذْهَبِ وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلنَّظَرِ إذْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ : إذَا قَامَتْ شَهَادَةٌ عَادِلَةٌ بِإِسْلَامِ يَهُودِيٍّ أَوْ تَوْبَةِ فَاسْقِ وَجَبَ إجْرَاءُ الْأَحْكَامِ الْإِسْلَامِيَّةِ عَلَيْهِ وَالْمُوَالَاةُ مِنْ جُمْلَتِهَا ، وَلَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ .
وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ أَنَّهُ فَعَلَ مَا يُوجِبُ الْفِسْقَ وَجَبَ إجْرَاءُ حُكْمِ الْفَاسِقِ عَلَيْهِ فَيَنْبَغِي التَّحْقِيقُ فِي ذَلِكَ .
نَعَمْ ، فَأَمَّا خَبَرُ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ بِإِسْلَامٍ أَوْ فِسْقٍ ، فَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِهِ ، إذْ لَمْ يُعْمَلْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِخَبَرِ الْعَبَّاسِ وَحْدَهُ ، أَنَّ أَبَا طَالِبٍ أَسْلَمَ وَيُحْتَمَلُ جَوَازُ الْعَمَلِ بِهِ كَالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ عِنْدَ مَنْ لَمْ يَعْتَبِرْ الشَّهَادَةَ
فَصْلٌ وَالْحَمِيَّةُ هِيَ الْعَزْمُ عَلَى نُصْرَةِ مَنْ لَهُ بِالْعَازِمِ وَجْهُ اخْتِصَاصٍ مِنْ رَحَامَةٍ أَوْ مِلَّةٍ أَوْ وَلَاءٍ ، ( فَرْعٌ ) وَالْحَمِيَّةُ عَلَى الْحَقِّ جَائِزَةٌ ، بَلْ وَاجِبَةٌ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { الْمُؤْمِنُونَ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا } وَعَلَى الْمُبْطَلِ مُحَرَّمَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ } ، فَذَمَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، وَالذَّمُّ دَلِيلُ الْقُبْحِ ، وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { أَوْ عَصَبِيَّةٍ لِحَمِيَّةٍ أَعْمَلُوهَا } .
( فَرْعٌ ) وَلَيْسَ مِنْ الْحَمِيَّةِ الْقَبِيحَةِ الْغَضَبُ لِذَمِّ أَقَارِبِ الْإِنْسَانِ الْمُبْطِلِينَ بِغَيْرِ إبْطَالِهِمْ مِنْ جُبْنٍ أَوْ غَيْرِهِ ، { فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ حِينَ مُنْصَرَفِهِ مِنْ بَدْرٍ الْكُبْرَى لَمَّا سَمِعَ مَنْ ذَمَّ قُرَيْشًا بِالْجُبْنِ وَهَوَّنَ أَمْرَهُمْ الْتَفَتَ إلَيْهِ مُغْضَبًا فَقَالَ مَهْلًا يَا أَبَا فُلَانٍ ، فَإِنَّ أُولَئِكَ لَلْمَلَأُ } الْخَبَرَ .
( فَرْعٌ ) وَيَحْرُمُ قَصْدُ إيذَاءِ الْمُسْلِمِ بِسَبِّ أَقَارِبِهِ الْمُبْطِلِينَ ، إذْ لَا مَصْلَحَةَ فِي سَبِّهِمْ حِينَئِذٍ .
وَلَا حَرَجَ عَلَى الْمُتَأَذِّي بِذَلِكَ ، إذْ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ .
فَصْلٌ وَالْمُدَاهَنَةُ وَرَدَ الشَّرْعُ بِذَمِّهَا ، وَفِي الْأَثَرِ { إذَا رَأَيْت الرَّجُلَ مَحْمُودًا فِي جِيرَانِهِ وَعَشِيرَتِهِ فَهُوَ مُدَاهِنٌ } أَوْ كَمَا قَالَ : وَمَعْنَاهَا التَّغَاضِي عَنْ الْمُنْكَرِ لِئَلَّا يَغْضَبَ مِنْهُ فَاعِلُهُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ } وَهِيَ قَبِيحَةٌ شَرْعًا لِوُجُوبِ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأَقَلُّهُ بِالْقَلْبِ وَلَوْ وَالِدًا أَوْ وَلَدًا ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { الْقَوْا الْفُسَّاقَ بِوُجُوهٍ مُكْفَهِرَّةٍ } اقْتَضَى الْخَبَرُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَلْزَمْهُ النَّكِيرُ بِلِسَانِهِ لِخَلَلِ شَرْطٍ لَمْ يَحْسُنْ مِنْهُ الْبَشَاشَةُ وَالطَّلَاقَةُ فِي وَجْهِ فَاعِلِهِ ، فَهُمَا حِينَئِذٍ إدْهَانٌ مُحَرَّمٌ لِمَا فِيهِمَا مِنْ إيهَامِ عَدَمِ إنْكَارِ الْقَبِيحِ ، فَأَمَّا لَوْ قَبَّحَ عَلَيْهِ بِفِعْلِهِ أَوْ بِلِسَانِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ بَعْدَ ذَلِكَ هَجْرُهُ وَالْغِلْظَةُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ حَالٍ ، سِيَّمَا إذَا اُضْطُرَّ إلَى مُخَالَطَتِهِ كَالزَّوْجَةِ وَالْخَادِمِ الْفَاسِقَيْنِ لِإِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى جَوَازِ مُخَالَطَتِهِمَا مَعَ إنْكَارِ فِسْقِهِمَا حَسْبَ الْإِمْكَانِ ، ( فَرْعٌ ) وَلَيْسَ مِنْ الْإِدْهَانِ إطْعَامُ الْفَاسِقِ وَأَكْلُ طَعَامِهِ وَالنُّزُولُ عَلَيْهِ وَإِنْزَالُهُ ، وَالسُّرُورُ بِمَسَرَّتِهِ ، وَالْعَكْسُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ وَمَحَبَّتُهُ لِخِصَالِ خَيْرٍ فِيهِ أَوْ لِرَحِمِهِ مَعَ إظْهَارِ كَرَاهَةِ فِعْلِهِ وَفِعْلِ الْوَاجِبِ مِنْ النَّكِيرِ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي مُخَالَفَةِ مَنْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى فَاسِقًا حَيْثُ قَالَ تَعَالَى { إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا } .
وقَوْله تَعَالَى أَيْضًا { لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ } إلَى قَوْله تَعَالَى { أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ } { وَقَدْ أَطْعَمَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ابْنَ مُلْجِمٍ بَعْدَ أَنْ ضَرَبَهُ وَأَنْزَلَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَفْدَ ثَقِيفٍ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمْ كُفَّارٌ } .
فَالْفَاسِقُ أَوْلَى
وَلَا بَأْسَ بِإِلَانَةِ الْقَوْلِ لَهُمْ مَعَ فِعْلِ مَا يَجِبُ مِنْ النَّكِيرِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلَّا بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } { وَكَفِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مَعَ الرَّجُلِ الَّذِي قَالَ فِيهِ حِينَ أَذِنَ لَهُ حَاجِبُهُ بِئْسَ ابْنُ أَخِي الْعَشِيرَةِ هُوَ .
ثُمَّ أَذِنَ لَهُ ، وَأَلَانَ لَهُ الْقَوْلَ ، كَمَا حَكَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا } .
( فَرْعٌ ) فَأَمَّا تَعْظِيمُ أَهْلِ الشَّرَفِ مِنْ الْكُفَّارِ وَالْفُسَّاقِ رَجَاءً لِرُجُوعِهِمْ إلَى الْخَيْرِ ، أَوْ لِنُصْرَتِهِمْ الْحَقَّ أَوْ لِخِذْلَانِهِمْ الْبَاطِلَ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ فَلَا إشْكَالَ فِي جَوَازِهِ { كَمَا فَعَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مَعَ كَثِير مِنْ رُؤَسَاءِ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى بَلَغَ مِنْ تَعْظِيمِهِ إيَّاهُمْ أَنْ أَفْرَشَهُمْ رِدَاءَهُ ، وَاَلَّذِينَ أَفْرَشَهُمْ رِدَاءَهُ خَمْسَةُ أَنْفَارٍ : أَبْرَهَةُ الْأَصْغَرُ بْنُ شُرَحْبِيلَ بْنِ أَبْرَهَةَ بْنِ الصَّبَّاحِ الْقَيْلُ ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إذَا جَاءَكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ وَالْأَبْيَضُ بْنُ جَمَالٍ السَّبَائِيُّ بْنُ مَرْثَدٍ وَهُوَ الَّذِي أَقْطَعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الْمَاءَ الْعِدَّ ، وَلَا مِلْحَ لِأَهْلِ الْيَمَنِ غَيْرُهُ ، فَاسْتَقَالَ فَأَقَالَهُ ، وَالْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ كَلَالٍ الْأَصْغَرُ ، وَحُجْر بْنُ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيُّ مِنْ وَلَدِ شَبِيبِ بْنِ حَضْرَمَوْتَ بْنِ سَبَأٍ الْأَصْغَرِ وَهُوَ الَّذِي قَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ يَسْتَعِيرُهُ حِذَاءَهُ فَقَالَ لَهُ : لَسْت مِمَّنْ يَلْبَسُ أَحْذِيَةَ الْمُلُوكِ .
فَقَالَ : فَأَرْدِفْنِي خَلْفَك عَلَى النَّاقَةِ .
فَقَالَ : وَلَا أَنْتَ مِنْ أَرْدَافِ الْمُلُوكِ .
وَلَكِنْ اسْتَظِلَّ فِي ظِلِّ نَاقَتِي وَكَفَى لَك شَرَفًا .
قَالَ نَشْوَانُ بْنُ سَعِيدٍ الْحِمْيَرِيُّ مُفْتَخِرًا وَكُلُّهُمْ مِنْ حِمْيَرَ ، وَأَقْعَدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ عَلَى مِخَدَّتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِم ، وَقَالَ فِيهِ إذَا جَاءَكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ } وَهَلْ يَخْتَصُّ هَذَا النَّوْعُ مِنْ التَّأْلِيفِ بِالْإِمَامِ كَالتَّأْلِيفِ بِالْعَطَاءِ ؟ الْأَقْرَبُ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ إنْ حَصَلَتْ عِلَّةُ حُسْنِهِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { إذَا جَاءَكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ } .
( فَرْعٌ ) فَأَمَّا تَعْظِيمُهُ لِمَصْلَحَةٍ خَاصَّةٍ بِالْمُعَظِّمِ مِنْ تَحْصِيلِ مَنْفَعَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ ، أَوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ فِي نَفْسٍ أَوْ مَالٍ ، فَالْأَقْرَبُ أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يُبِحْهُ لِذَلِكَ إذْ عِتَابُ قَوْله تَعَالَى { تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ } وَسَبَبُ نُزُولِهَا وَعُمُومُ لَفْظِ أَوَّلِهَا ، لِكُلِّ عَدُوٍّ لِلَّهِ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ ذَلِكَ ، إذْ نَزَلَتْ مُعَاتِبَةً عَلَى مُدَاهَنَتِهِمْ رَجَاءَ مَنْفَعَتِهِمْ ، وَلَفْظُهَا عَامٌّ لِكُلِّ مَوَدَّةٍ ، فَلَا يُقْصَرُ عَلَى سَبَبِهَا ، وَقَدْ نَبَّهَنَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى ذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى { قُلْ إنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ } إلَى قَوْلِهِ { وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } فَنَبَّهَ سُبْحَانَهُ عَلَى أَنَّ خَوْفَ الْمَضَرَّةِ مِنْ مُنَابَذَةِ الظَّالِمِينَ فِي النَّفْسِ أَوْ الْمَالِ وَمُفَارِقَةِ الْأَحْبَابِ لَيْسَ وَجْهًا مُرَخِّصًا فِي تَرْكِ جِهَادِهِمْ حَيْثُ وَجَبَ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ رَجَاءُ نَفْعِهِمْ وَخَوْفُ مَضَرَّتِهِمْ سَبَبَ تَرْخِيصٍ فِي جَوَازِ تَعْظِيمِهِمْ سِيَّمَا وَقَدْ قَرُبَ مِنْ التَّصْرِيحِ بِذَمِّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى { إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ؟ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ .
قَالُوا : أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا } وَكَفَى بِظَاهِرِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { الْقَوْا الْفُسَّاقَ بِوُجُوهٍ مُكْفَهِرَّةٍ } وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { مَنْ مَشَى إلَى ظَالِمٍ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ ظَالِمٌ فَقَدْ بَرِئَ مِنْ الْإِسْلَامِ } فَلَا يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ إلَّا مَا خَصَّتْهُ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَلَمْ يُخَصَّصْ هَذَا الْوَجْهُ بِالْجَوَازِ دَلَالَةً ، وَلَا يُمْكِنُ قِيَاسُ الْمَصْلَحَةِ الْخَاصَّةِ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ مَعَ أَنَّ الْآيَاتِ الَّتِي
قَدَّمْنَا فِي حُكْمِ الْمُصَرِّحَةِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ ، وَالْخَبَرُ الَّذِي رَوَاهُ فِي الشَّمْسِ فِي ذَمِّ الْعُلَمَاءِ الْمُوَاصِلِينَ لِلْأُمَرَاءِ حَيْثُ قَالَ " فَأَصَبْتُمْ مِنْ دُنْيَاهُمْ دُنْيَاهُمْ فِي دِينِكُمْ " مُصَرِّحٌ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ بِلَا إشْكَالٍ فَأَمَّا مَا اُشْتُهِرَ مِنْ مُوَاصَلَةِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِمُعَاوِيَةَ وَزَيْنِ الْعَابِدِينَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ فَمَنْ بَحَثَ السِّيَرَ وَالْآثَارَ عَلِمَ يَقِينًا أَنَّهُمْ لَمْ يَصِلُوا إلَيْهِمْ وُصُولَ تَعْظِيمٍ فِي مُجَرَّدِ قَصْدِ زِيَارَةٍ أَوْ تَهْنِئَةٍ أَوْ وَدَاعٍ أَوْ وَجْهٍ يَقْصِدُونَ بِهِ مُدَارَاتَهُمْ بِوَجْهِ تَعْظِيمٍ وَإِنَّمَا وَصَلُوا فِي الرِّوَايَاتِ الْمَذْكُورَةِ إمَّا مَطْلُوبِينَ إلَى حَضْرَتِهِمْ أَوْ لِطَلَبِ حَاجَةٍ عَامَّةٍ ، فَإِذَا عَرَضَ خِطَابٌ أَوْ فِعْلٌ ظَهَرَ مِنْهُمْ الِاسْتِخْفَافُ الْكُلِّيُّ بِهِمْ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ ، وَمِنْهُ الْقِصَّةُ الْمَشْهُورَةُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ مَعَ مُعَاوِيَةَ وَأَخِيهِ عُتْبَةُ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَمَا سَجَّلَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ كُلَّ وَاحِدٍ وَحْدَهُ .
وَمِنْهُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ فِي بَعْضِ الْحَوَائِجِ ، فَانْقَطَعَ مُعَاوِيَةُ فِي مَشُورَةِ بَعْضِ أَصْحَابِهِ فِي جَانِبِ الْمَجْلِسِ سَاعَةً ، فَكَتَبَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فِي دَوَاةِ مُعَاوِيَةَ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ : لَنَا الْفَضْلُ يَا هَذَا عَلَيْكَ بِبَذْلِنَا إلَيْكَ وُجُوهًا لَمْ تَشِنْهَا الْمَطَالِبُ وَإِنَّ الَّذِي نُعْطِيكَ مِنْ حُرِّ أَوْجُهٍ لَأَفْضَلُ مِمَّا أَنْتَ مُعْطٍ وَوَاهِبُ وَكَفَى بِمَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ رَبِّهِ فِي عِقْدِهِ وَالْمَسْعُودِيُّ فِي مُرُوجِهِ : أَنَّ مُعَاوِيَةَ بَعْدَ عَقْدِ الصُّلْحِ قَالَ لِلْحَسَنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قُمْ فَأَعْلِمْ النَّاسَ أَنَّك قَدْ سَلَّمْت لِي هَذَا الْأَمْرَ ، فَقَامَ وَخَطَبَ وَشَكَا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَكَانَ مِمَّا قَالَهُ : إنَّمَا الْخَلِيفَةُ مَنْ عَمِلَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ .
وَأَمَّا صَاحِبُكُمْ هَذَا فَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ مَلَكَ مُلْكًا يَتَمَتَّعُ بِهِ قَلِيلًا ،
وَيُعَذَّبُ بِسَبَبِهِ طَوِيلًا { وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إلَى حِينٍ } أَوْ كَمَا قَالَ : وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا نُقِلَ مِنْ مُوَاصَلَةِ الْعُلَمَاءِ الرَّاشِدِينَ لِبَعْضِ الظَّلَمَةِ ، فَإِنَّمَا كَانَ لِطَلَبِ حَاجَةٍ أَوْ إجَابَةِ طَالِبٍ ، لَا لِمُجَرَّدِ تَعْظِيمٍ بِتَسْلِيمٍ أَوْ تَهْنِئَةٍ أَوْ وَدَاعٍ .
نَعَمْ رُبَّمَا نُقِلَ عَمَّنْ مَالَ قَلْبُهُ إلَى الدُّنْيَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ مُوَاصَلَتُهُمْ تَعْظِيمًا ، فَقَالَ فِيهِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ " أَكَلَ مِنْ حَلْوَاهُمْ فَمَالَ فِي هَوَاهُمْ " فَلَا يَحْتَجُّ بِفِعْلِ مِثْلِهِمْ إلَّا ضَالٌّ عَنْ الطَّرِيقِ ،