فَصْلٌ وَالْحَسَدُ مُحَرَّمُ شَرْعًا إجْمَاعًا ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { الْحَسَدُ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ } الْخَبَرَ وَنَحْوِهِ وَهُوَ كَرَاهَةُ وُصُولِ النِّعَمِ أَوْ بَقَائِهَا لِلْغَيْرِ ، لَا لِوَجْهٍ مُوجِبٍ مِنْ عَدَاوَةٍ أَوْ نَحْوِهَا وَيَجْرِي مَجْرَى الْحَسَدِ عَلَى النِّعَمِ ، الْحَسَدُ عَلَى حُسْنِ الثَّنَاءِ وَرَفْعِ الشَّأْنِ ، ( فَرْعٌ ) فَتَجِبُ مُدَافَعَتُهُ بِتَذَكُّرِ مِثْلِ قَوْلِ الْحُكَمَاءِ { الْحَسُودُ غَضْبَانُ عَلَى مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ } وَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ أَنْ يَفْعَلَ لَهُ كَمَا فَعَلَ لِلْمَحْسُودِ لَا تَمَنِّي كَوْنِهِ لَهُ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ } { وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ } وَمَحَبَّةُ ذَلِكَ تُسَمَّى الْغَيْرَةَ ، وَقَدْ وَرَدَ { الْغَيْرَةُ مِنْ الْإِيمَانِ } ( فَرْعٌ ) وَيَكُونُ بِالْقَلْبِ كَمَا ذَكَرْنَا ، وَبِالْقَوْلِ كَالْوَضْعِ مِنْ الْمَحْسُودِ بِإِنْكَارِ مَا يُنْسَبُ إلَيْهِ مِنْ الْمَكَارِمِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى عَثَرَاتِهِ الْمَغْفُولِ عَنْهَا ، لَا لِقَصْدِ التَّحْذِيرِ بَلْ لِحَطِّ مَرْتَبَتِهِ الَّتِي حَسَدَهُ إيَّاهَا ، وَمِنْهُ تَكَلُّفُ الطَّعْنِ عَلَى عِبَارَاتِ الْمَحْسُودِ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي مُصَنَّفَاتِهِ مَعَ احْتِمَالِ التَّأْوِيلِ ، وَتَقْبِيحِ صِنَاعَاتِهِ فِيهَا ، لَا لِقَصْدِ التَّنْبِيهِ ، وَمِنْهُ تَرْكُ التَّعْرِيفِ بِمَا يَعْرِفُهُ الْحَاسِدُ مِنْ مَحَاسِنِ الْمَحْسُودِ أَوْ إيرَادِ الْمُلْغِزَاتِ عَلَيْهِ لِيُظْهِرَ غَلَطَهُ فِيهَا وَعَلَيْهِ الْخَبَرُ الَّذِي رَوَاهُ صَاحِبُ الْفِرْدَوْسِ { لَا تَقْبَلُوا قَوْلَ الْعُلَمَاءِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ، فَإِنَّ حَسَدَهُمْ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يَنْزِعُ الْحَسَدَ مِنْ قُلُوبِهِمْ حَتَّى يُدْخِلَهُمْ الْجَنَّةَ } وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ يَتَنَبَّهُونَ عَلَى مَا صَدَرَ مِنْهُمْ فَيَتُوبُونَ ، أَوْ كَوْنِهِ صَغِيرَةً بِالنَّظَرِ إلَى ثَوَابِهِمْ فِي الْجَنَّةِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ .

فَصْلٌ وَالْغِلُّ وَالْحِقْدُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ { وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا } وَنَحْوِهَا ، وَهُوَ أَمْرٌ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الْحَسَدِ وَالْعَدَاوَةِ ، وَهُوَ إرَادَةُ نُزُولِ ضَرَرٍ بِالْمُؤْمِنِ ، أَوْ فَوْتِ نَفْعٍ عَنْهُ ، فَالْحَسَدُ كَرَاهَةُ الْمَنْفَعَةِ ، وَالْغِلُّ إرَادَةُ نُزُولِ الْمَضَرَّةِ أَوْ فَوْتِ الْمَنْفَعَةِ .
وَالْعَدَاوَةُ هِيَ الْإِرَادَةُ مَعَ الْعَزْمِ عَلَى فِعْلِ الضَّرَرِ بِالْعَدُوِّ إنْ أَمْكَنَ ، وَالْغِلُّ وَالْحِقْدُ لَا يَصْحَبُهُمَا عَزْمٌ عَلَى فِعْلٍ وَإِنْ أَمْكَنَ ، فَهَذَا هُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ وَالْعَدَاوَةِ .

فَصْلٌ وَظَنُّ السُّوءِ هُوَ أَنْ تَظُنَّ بِأَخِيك الْمُسْلِمِ فِعْلَ قَبِيحٍ ، أَوْ إخْلَالًا بِوَاجِبٍ مِنْ دُونِ إقْرَارٍ مِنْهُ وَلَا أَمَارَةٍ يُوجِبُ الشَّرْعُ الْعَمَلَ بِهَا كَالشَّهَادَةِ الْعَادِلَةِ الْكَامِلَةِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهَا .
وَدَلِيلُ تَحْرِيمِهِ قَوْله تَعَالَى { اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ } وَهَذِهِ الْآيَةُ مُجْمَلَةٌ بَيَّنَهَا سُبْحَانَهُ فِي قَوْله تَعَالَى { لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ } وقَوْله تَعَالَى أَيْضًا { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ } وَعَنْ بِعْ ضِ الْحُكَمَاءِ " إيَّاكَ وَظَنَّ السُّوءِ فَإِنَّهُ لَنْ يَدَعَ بَيْنَك وَبَيْنَ صَدِيقِك صُلْحًا " ، ( فَرْعٌ ) وَالْإِجْمَاعُ عَلَى قُبْحِ هَذَا الظَّنِّ وَعَلَى وُجُوبِ التَّأْوِيلِ حَيْثُ أَمْكَنَ .
وَفِي الْأَثَرِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { إذَا رَأَيْتُمْ أَحَدَكُمْ فِي خَصْلَةٍ تَسْتَنْكِرُونَهَا ، فَتَأَوَّلُوا لَهُ نَيِّفًا وَسَبْعِينَ تَأْوِيلًا ، أَوْ قَالَ : اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ تَأْوِيلًا } وَهُوَ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { لَوْلَا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا } أَيْ طَلَبُوا التَّأْوِيلَ فَظَنُّوا الْخَيْرَ ، إذْ لَا يُمْكِنُ ظَنُّ الْخَيْرِ مَعَ عَدَمِ التَّأْوِيلِ ، ( فَرْعٌ ) وَظَنُّ السُّوءِ هُوَ أَحَدُ أَسْبَابِ الْغِلِّ فَيَجِبُ دَفْعُهُ بِالتَّأْوِيلِ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ مَا يَدْفَعُ الظَّنَّ لَزِمَهُ مُبَاحَثَةُ الْمَظْنُونِ فِيهِ عَنْ ذَلِكَ لِيَحْصُلَ أَحَدُ مَخَالِصَ .
إمَّا اعْتِرَافُهُ وَتَمَرُّدُهُ عَنْ التَّوْبَةِ ، فَيَسْلَمَ الظَّانُّ مِنْ خَطَرِ الظَّنِّ أَوْ تَوْبَتُهُ فَيَهْدِيهِ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ وَهُوَ خَيْرٌ لَهُ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أَوْ يَنْكَشِفُ لَهُ كَذِبُ تِلْكَ الْأَمَارَةِ الَّتِي بَعَثَتْ عَلَى الظَّنِّ فَيَنْتَفِي ، كَقِصَّةِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالصَّحَابِيِّ الَّذِي رَآهُ يَدْخُلُ إلَى الْمَرْأَةِ ، وَكَانَ سَبَبُ نُزُولِ قَوْله تَعَالَى { يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً } ( فَرْعٌ ) وَلَيْسَ لَهُ تَكْذِيبُهُ

فِيمَا اعْتَذَرَ بِهِ مَهْمَا لَمْ يَتَيَقَّنْ كَذِبَهُ فِيهِ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { الْمُؤْمِنُ إذَا قَالَ صَدَقَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ صَدَّقَ } { قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ } ( فَرْعٌ ) وَعَلَيْهِ إنْ عَثَرَ مِنْ أَخِيهِ عَلَى خَطِيئَةٍ وَاسْتَتَابَهُ مِنْهَا أَنْ يَسْتُرَهَا عَلَيْهِ وَلَا يُذِيعَهَا ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى { إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا } وَقَدْ قَالَ الْقَاسِمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ " اصْحَبْ مَنْ صَحِبْت بِالسَّتْرِ لِعَوْرَتِهِ وَالْإِقَالَةِ لِعَثْرَتِهِ ، وَلَا تُطِلْ مُعَاتَبَتَهُ إذَا هَفَا وَلَا جَفَوْته إذَا جَفَا ، فَإِنْ زَلَّ فَأَقِلْهُ ، وَإِنْ قَصَّرَ فَاحْتَمِلْهُ ، فَإِنْ تَمَرَّدَ عَنْ التَّوْبَةِ فَعَلَيْك أَنْ تَحْذَرَ مِنْهُ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { اُذْكُرُوا الْفَاسِقَ بِمَا فِيهِ لِكَيْ يَحْذَرَهُ النَّاسُ } وَنَحْوِهِ .
وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { لَا غَيْبَةَ لِفَاسِقٍ } .

فَصْلٌ وَالْمُوَالَاةُ وَالْمُعَادَاةُ فِي الدِّينِ وَاجِبَتَانِ إجْمَاعًا وَهُوَ مَعْلُومٌ مِنْ دِينِ الْأُمَّةِ ضَرُورَةً ، فَمَنْ أَنْكَرَهُ فَسَقَ وَفِي كُفْرِهِ تَرَدُّدٌ وَيُحْتَمَلُ التَّكْفِيرُ لِرَدِّهِ قَوْله تَعَالَى { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } فَإِنَّهُ أَنْكَرَ إيمَانَ الْمُوَادِّ لَهُمْ ، وقَوْله تَعَالَى { وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } أَيْ حُكْمُهُ حُكْمُهُمْ وَهَذَا عَلَى التَّغْلِيظِ وَالتَّشْدِيدِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَافِرٌ مِثْلُهُمْ ( فَرْعٌ ) وَحَقِيقَةُ مُوَالَاةِ الْغَيْرِ هِيَ أَنْ تُحِبَّ لَهُ مَا تُحِبَّ لِنَفْسِك ، وَتَكْرَهَ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا ، كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ { لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِنًا حَتَّى يَرَى لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ مَا يَرَى لِنَفْسِهِ ، وَيَكْرَهَ لَهُ مَا يَكْرَهُ لَهَا } أَوْ كَمَا قَالَ : وَحَقِيقَةُ الْمُعَادَاةِ لِلْغَيْرِ أَنْ يُرِيدَ إنْزَالَ الْمَضَرَّةِ بِهِ وَصَرْفَ الْمَنَافِعِ عَنْهُ ، وَيَعْزِمَ عَلَى ذَلِكَ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَعْرِضْ صَارِفٌ يُرَجِّحُ التَّرْكَ ، ( فَرْعٌ ) وَإِنَّمَا يَكُونَانِ دِينِيَّيْنِ حَيْثُ يُوَالِيهِ لِكَوْنِهِ وَلِيًّا لِلَّهِ تَعَالَى ، وَيُعَادِيهِ لِكَوْنِهِ عَدُوًّا لَهُ ، كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ { مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ وَأَبْغَضَ لِلَّهِ } الْخَبَرَ .
فَإِنْ لَمْ يَكُونَا كَذَلِكَ فَدُنْيَوِيَّانِ ، نَحْوُ : أَنْ يُحِبَّ بِهِ الْخَيْرَ لِقَرَابَتِهِ ، أَوْ لِنَفْعِهِ لَهُ .
وَيُحِبَّ لَهُ الشَّرَّ لِمَضَرَّتِهِ لَهُ أَوْ لِمَنْ يُحِبُّ

( فَرْعٌ ) وَإِنَّمَا تَحْرُمُ مُوَالَاةُ الْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ الدِّينِيَّةُ فَقَطْ لِمَا مَرَّ .
وَتَجُوزُ الدُّنْيَوِيَّةُ إلَّا مَا حَرَّمَهُ الشَّرْعُ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ : الْأَوَّلُ تَعْظِيمُهُ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى { وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً } وَقَالَ أَيْضًا { وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } وَفِي تَعْظِيمِهِ إشْرَاكُهُ فِي الْعِزَّةِ ، وَلِلْفَاسِقِ حُكْمُ الْكَافِرِ فِي وُجُوبِ الِاسْتِخْفَافِ بِهِ ، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { مَنْ مَشَى إلَى ظَالِمٍ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ ظَالِمٌ فَقَدْ بَرِئَ مِنْ الْإِسْلَامِ } أَرَادَ مَنْ مَشَى إلَيْهِ تَعْظِيمًا لَهُ ، إمَّا بِزِيَارَةٍ أَوْ تَسْلِيمٍ أَوْ تَهْنِئَةٍ أَوْ وَدَاعٍ ، لَا لِحَاجَةٍ عَارِضَةٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ إنَّمَا مَشَى لِأَجْلِهَا فَيَجُوزُ .
كَمَا مَشَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إلَى بَيْتِ أَبِي جَهْلٍ لِيَأْمُرَهُ بِإِيفَاءِ غَرِيمِهِ ، وَأَمَّا تَعْظِيمُهُ لِمَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ فَجَائِزٌ ، كَمَا سَيَأْتِي ، فَأَمَّا لِمُجَرَّدِ اسْتِعْطَافِهِ رَجَاءً لِإِحْسَانِهِ أَوْ دَفْعًا لِمَضَرَّتِهِ فَلَا يَجُوزُ كَمَا سَيَأْتِي

" النَّوْعُ الثَّانِي " مَا يَحْصُلُ بِهِ إعَانَتُهُ عَلَى فِسْقِهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ ، وَإِنْ لَمْ يَتَضَمَّنْ تَعْظِيمًا ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { مَنْ لَاقَ لَهُمْ دَوَاةً أَوْ بَرَى لَهُمْ قَلَمًا } الْخَبَرَ وَنَحْوَهُ

" النَّوْعُ الثَّالِثُ " الدُّعَاءُ لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ } الْآيَةَ ، فَهَذِهِ جُمْلَةُ مَا يَحْرُمُ فِعْلُهُ لِلْفَاسِقِ مِنْ الْمَنَافِعِ ، فَأَمَّا الدُّعَاءُ لَهُ بِمَا يَجُوزُ مِنْ اللَّهِ فِعْلُهُ كَالرِّزْقِ وَالْعَافِيَةِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ لَا طُولَ الْبَقَاءِ كَمَا سَيَأْتِي

( فَرْعٌ ) فَأَمَّا مُعَادَاةُ الْمُؤْمِنِ فَلَا يَجُوزُ دِينِيُّهَا وَلَا دُنْيَوِيُّهَا مَهْمَا لَمْ يَصِحَّ فِسْقُهُ ، ( فَرْعٌ ) وَلَيْسَ مِنْ الْمُعَادَاةِ الْوَحْشَةُ الَّتِي قَلَّ مَا تَخْلُو بَيْنَ كَثِيرٍ مِنْ الْفُضَلَاءِ ، كَمَا كَانَ بَيْنَ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَبَعْضِ الصَّحَابَةِ ، وَبَيْنَ الْحَسَنَيْنِ وَصِنْوِهِمَا مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، وَبَيْنَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ وَبَيْنَ وَاصِلٍ وَالْحَسَنِ أَيْضًا وَغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ ، إذْ لَا يُرِيدُ كُلٌّ مِنْهُمْ بِصَاحِبِهِ ضَرَرًا ، بَلْ يُدَافِعُ عَنْهُ مَا أَمْكَنَهُ فَلَا عَدَاوَةَ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ نَوْعُ غِلٍّ يَجِبُ مُدَافَعَتُهُ .

( فَرْعٌ ) فَأَمَّا التَّعَاهُدُ عَلَى الْمُنَاصَرَةِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْفَاسِقِ أَوْ الْكَافِرِ ، فَقَدْ ذَكَرَ ( ص ) بِاَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهَا مُوَالَاةٌ تُوجِبُ الْكُفْرَ وَالْفِسْقَ ، وَالْأَقْرَبُ عِنْدِي أَنَّ الْمُنَاصَرَةَ إنَّمَا تَكُونُ مُوَالَاةً حَيْثُ تَكُونُ عَامَّةً ، وَهِيَ أَنْ يَتَعَاقَدَا عَلَى أَنَّ وَلِيَّهُمَا وَاحِدٌ كَائِنًا مَنْ كَانَ ، وَعَدُوَّهُمَا وَاحِدٌ كَائِنًا مَنْ كَانَ فَهَذِهِ مُوَالَاةٌ مُحَرَّمَةٌ قَطْعًا لِتَضَمُّنِهَا مُعَادَاةَ الْمُؤْمِنِينَ حَيْثُ يُعَادُونَ الْفَاسِقَ لِفِسْقِهِ أَوْ الْكَافِرَ لِكُفْرِهِ ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ خَاصَّةً نَحْوَ أَنْ يَتَعَاقَدَا عَلَى حَرْبِ قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ ، فَلَيْسَتْ مُوَالَاةً حَقِيقَةً فَتُوجِبُ كُفْرًا أَوْ فِسْقًا ، لَكِنْ إذَا كَانَتْ الْمُنَاصَرَةُ عَلَيْهِمْ حَسَنَةً ، حَسُنَتْ وَإِلَّا قَبُحَتْ ، لَا لِكَوْنِهَا مُوَالَاةً ، بَلْ لِكَوْنِهَا إعَانَةً عَلَى مُنْكَرٍ .
فَأَمَّا مَنْ يَحْسُنُ حَرْبُهُ فَلَا بَأْسَ بِالِاسْتِعَانَةِ عَلَيْهِ بِالْفُسَّاقِ وَالْكُفَّارِ كَمَا مَرَّ ، وَقَدْ اسْتَعَانَ النَّاصِرُ بَجَسَتَانِ مَلِكِ الْمَجُوسِ وَكَانَ يُغِيرُ إلَيْهِ فِي مِائَةِ أَلْفٍ مِنْ أَتْبَاعِهِ ، وَاسْتَعَانَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِسَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ وَكَانَ مَلِكًا فِي الْيَمَنِ حَتَّى قَالَ فِيهِ شِعْرًا : وَلِلَّهِ دَرُّ الْحِمْيَرِيِّ الَّذِي أَتَى إلَيْنَا مُغِيرًا مِنْ بِلَادِ التَّهَايُمِ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ خَيْرِ حِمْيَرَ وَالِدًا وَأَكْرَمَ مَنْ فِي عُرْبِهَا وَالْأَعَاجِمِ

789 / 792
ع
En
A+
A-