فَصْلٌ الرِّيَاءُ وَالرِّيَاءُ مَمْدُودٌ فِعَالٌ بِكَسْرِ الْفَاءِ ، مَصْدَرُ فَاعَلَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ رَاءَى رِيَاءً وَمُرَاءَاةً كَقَاتَلَ قِتَالًا وَمُقَاتَلَةً وَهُوَ مِنْ الرُّؤْيَةِ ، قُلِبَتْ الْهَمْزَةُ يَاءً كَمَا يَقْتَضِيهِ قَانُونُ التَّصْرِيفِ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ ، فِعْلِ أَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ الْمُسْتَحْسَنَةِ ، لَا لِغَرَضٍ ، سِوَى أَنْ يَرَاهُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ طَلَبًا لِلثَّنَاءِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ تَوْرِيَةٍ أَوْ نَحْوِهَا .
وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَهُوَ أَنْ يَفْعَلَ طَاعَةً أَوْ يَتْرُكَ مَعْصِيَةً مُرِيدًا بِذَلِكَ حُصُولَ شَرَفٍ فِي الدُّنْيَا بِثَنَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ وَسَوَاءٌ أَرَادَ مَعَ ذَلِكَ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَمْ لَا ، فَإِنَّهُ رِيَاءٌ شَرْعِيٌّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ قَصْدِ مَجْمُوعِ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ " لَا شَرِيكَ لِلَّهِ فِي عِبَادَتِهِ " حَتَّى نَزَلَ قَوْله تَعَالَى { وَلَا يُشْرِكُ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } وَأَدِلَّةُ تَحْرِيمِهِ شَرْعًا الْإِجْمَاعُ ، وقَوْله تَعَالَى ذَامًّا { يُرَاءُونَ النَّاسَ } { كَاَلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ } وَنَحْوُهُمَا ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْإِخْلَاصِ فِي الْعِبَادَةِ كَرَاهَةُ الثَّنَاءِ عَلَيْهَا وَكَرَاهَةُ أَنْ لَا يَطَّلِعَ عَلَيْهَا غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى ، بَلْ أَنْ لَا يُرِيدَهُمَا ، فَالْإِخْلَاصُ هُوَ أَنْ يَفْعَلَ الطَّاعَةَ أَوْ يَتْرُكَ الْمَعْصِيَةَ لِلْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ غَيْرَ مَرِيدٍ لِلثَّنَاءِ عَلَى ذَلِكَ ، فَهَذَا هُوَ الْإِخْلَاصُ لِأَنَّهُ نَقِيضُ الرِّيَاءِ كَمَا نَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ { إنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا } فَجَعَلَ إخْلَاصَهُمْ عَدَمَ إرَادَةِ الْجَزَاءِ وَالشُّكْرِ لَا كَرَاهَتَهُمَا لَا يُقَالُ إنْ لَمْ يُرِدْهُ فَهُوَ كَارِهٌ لَهُ ، لِأَنَّا نَقُولُ : قَدْ لَا يُرِيدُ الشَّيْءَ وَلَا يَكْرَهُهُ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ .
( فَرْعٌ ) فَلَوْ فَعَلَ الطَّاعَةَ أَوْ تَرَكَ الْمَعْصِيَةَ لِلْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ غَيْرَ مَرِيدٍ أَنْ يَرَاهُ غَيْرُهُ فَيُثْنِي عَلَيْهِ فَهُوَ مُخْلِصٌ قَطْعًا ، سِيَّمَا إذَا اجْتَهَدَ فِي كِتْمَانِهَا ، فَمِنْ الْبَعِيدِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الْكِتْمَانِ وَيُرِيدَ أَنْ يُطْلِعَ عَلَيْهِ فَأَمَّا لَوْ خَطَرَ بِبَالِهِ مَحَبَّةُ أَنْ يُطْلِعَ عَلَيْهِ وَقَدْ دَافَعَهُ فِي الْعِنَايَةِ بِالْكِتْمَانِ ، فَلَيْسَ بِمُرَاءٍ مَا لَمْ يَفْعَلْ سَبَبًا لِلِاطِّلَاعِ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالتِّلَاوَةِ لِهَذَا الْقَصْدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَإِنْ فَعَلَ فَمُرَاءٍ ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ الْخَبَرُ الْمَشْهُورُ فِيمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ اجْتَهَدَ فِي الْكِتْمَانِ ، فَإِنَّ الْوَسْوَاسَ وَشَهَوَاتِ النَّفْسِ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهَا ، بَلْ الْوَاجِبُ الْمُدَافَعَةُ وَقَدْ دَافَعَ بِتَحَرِّي الْكِتْمَانِ .
( فَرْعٌ ) وَقَدْ يَحْسُنُ مِنْ الْعَبْدِ إظْهَار الطَّاعَات لِمَصْلَحَةٍ نَحْوِ : أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ فَيُفْعَلُ كَفِعْلِهِ ، فَيَكُونُ إظْهَارُهَا كَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ ، وَمِنْهُ أَنْ يَكُونَ مُتَّهَمًا بِرَذِيلَةٍ وَهُوَ مِنْهَا بَرِيءٌ ، وَبِإِظْهَارِ الطَّاعَةِ تَذْهَبُ التُّهْمَةُ فَيَكُونُ إظْهَارُهَا حِينَئِذٍ كَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ ، وَنَحْوِ أَنْ يَكُونَ فِي إظْهَارِهَا تَأْكِيدُ صِحَّةِ تَوْبَتِهِ عِنْدَ مَنْ اطَّلَعَ مِنْهُ عَلَى فِعْلِ مَعْصِيَةٍ ، وَهَذَا لَاحِقٌ بِدَفْعِ التُّهْمَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ تُهْمَةٌ ، بَلْ تَأْكِيدٌ لِتَصْحِيحِ التَّوْبَةِ ، وَنَحْوِ أَنْ يَكُونَ بِإِظْهَارِ الطَّاعَاتِ نُفُوذُ كَلِمَتِهِ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ ، وَقُرْبُ النَّاسِ إلَى إجَابَةِ دَعَوْته إلَى الْحَقِّ وَإِمَاتَةِ الْبَاطِلِ فَيَكُونُ كَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ حِينَئِذٍ .
وَنَحْوِ أَنْ يَحْضُرَ جَمَاعَةً فِي مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ لِانْتِظَارِ صَلَاةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَيَتَطَوَّعُوا بِتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهَا .
وَإِذَا تَرَكَ بَعْضُهُمْ التَّطَوُّعَ نُسِبَ إلَى التَّقْصِيرِ وَالِاسْتِهَانَةِ بِالْخَيْرَاتِ فَيَحْسُنُ مِنْهُ الدُّخُولُ فِي مِثْلِ فِعْلِهِمْ دَفْعًا لِمِثْلِ هَذِهِ التُّهْمَةِ ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَقِفَنَّ مَوَاقِفَ التُّهَمِ } وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ .
( فَرْعٌ ) وَمِنْ الرِّيَاءِ أَنْ يُوهِمَ أَنَّهُ فَعَلَ فِعْلًا لِيُحْمَدَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَفْعَلْهُ ، وَقَدْ تَوَعَّدَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى { وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنْ الْعَذَابِ } فَأَمَّا لَوْ أَحَبَّ ذَلِكَ وَلَمْ يُوهِمْ أَنَّهُ فَعَلَهُ ، فَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ قَبِيحٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ مَحَبَّةٌ لِلْكَذِبِ وَمَا فِي حُكْمِهِ .
( فَرْعٌ ) وَمِنْ الرِّيَاءِ أَنْ يُرَى أَنَّهُ يَأْكُلُ قَلِيلًا لِيُوصَفَ بِالْقَنَاعَةِ وَالشَّهَامَةِ وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الْمُرَائِي فِي أَكْلِهِ كَالْمُرَائِي فِي دِينِهِ وَنَحْوِهِ فَأَمَّا لَوْ تَرَكَهُ إيثَارًا لِلْغَيْرِ ، وَلِئَلَّا يُوصَفَ بِالنَّهَمِ حَيْثُ رَفَعَ الْقَوْمُ وَبَقِيَ فَلَا حَرَجَ فِي ذَلِكَ .
فَصْلٌ وَالْمُبَاهَاةُ نَوْعٌ مِنْ الرِّيَاءِ مَخْصُوصٌ وَهِيَ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي إظْهَارِ أَيِّ الْخِصَالِ الَّتِي يَشْرُفُ بِهَا عِنْدَ النَّاسِ طَلَبًا لِلشَّرَفِ وَالتَّعْظِيمِ كَالْمُبَاهَاةِ بِحَلَقِ التَّدْرِيسِ وَكَثْرَةِ أَهْلِهَا وَالِانْتِصَابِ لَهَا حَيْثُ يَرَاهُ النَّاسُ طَلَبًا لِلشَّرَفِ عِنْدَهُمْ وَعَرْضِ الْجَاهِ فِيهِمْ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ لَا دِينِيٍّ .
وَقَدْ وَرَدَ الْوَعِيدُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْأَثَرِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { مَنْ سَمَّعَ بِعِلْمِهِ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ كُلَّ سَامِعٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } أَوْ كَمَا قَالَ ، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيَصْرِفَ وُجُوهَ النَّاسِ إلَيْهِ } الْخَبَرَ .
وَنَحْوُهُمَا كَثِيرٌ .
فَصْلٌ وَالْمُكَاثَرَةُ نَوْعٌ مِنْ الْمُبَاهَاةِ إلَّا أَنَّهَا تَخْتَصُّ الْمُكَاثَرَةَ بِالْأَعْيَانِ ، كَالْمَالِ وَالرِّجَالِ عَشِيرَةً أَوْ أَتْبَاعًا وَالْمُبَاهَاةُ قَدْ تَكُونُ بِذَلِكَ أَوْ بِأَيِّ الْخِصَالِ الْمَحْمُودَةِ فِي النَّاسِ فَهِيَ أَعَمُّ مِنْ الْمُكَاثَرَةِ ، وَكِلَاهُمَا قَبِيحٌ قَالَ تَعَالَى { أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ } وَلَا خِلَافَ فِي قُبْحِهِمَا ، ( فَرْعٌ ) وَمِنْ الْمُبَاهَاةِ التَّفَيْهُقُ فِي الْمَحَافِلِ بِتَكَلُّفِ الْكَلَامِ الْبَلِيغِ وَغَرَائِبِ الْمَسَائِلِ طَلَبًا لِلشَّرَفِ ، وَقَدْ صَرَّحَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِتَحْرِيمِهِ حَيْثُ قَالَ { الثَّرْثَارُونَ الْمُتَفَيْهِقُونَ } الْخَبَرَ .
وَالْفَيْهَقَةُ الْكَلَامُ بِمِلْءِ الشِّدْقِ تَبَجُّحًا .
وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { أَنَا أَفْصَحُ مَنْ نَطَقَ بِالضَّادِ } فَإِنَّمَا أَرَادَ الْإِخْبَارَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ ، لَا الْحَثَّ عَلَى التَّفَيْهُقِ فِي الْمَجَالِسِ طَلَبًا لِلشَّرَفِ .
فَأَمَّا لَوْ أَرَادَ الْإِتْيَانَ بِالْكَلَامِ الْبَلِيغِ تَحَرِّيًا لِلْأَوْقَعِ فِي النُّفُوسِ فِي تَأْدِيَةِ الْمَعْنَى الَّذِي قَصَدَهُ ، لَا لِيُقَالَ إنَّهُ بَلِيغٌ ، فَلَيْسَ مِنْ التَّفَيْهُقِ فِي شَيْءٍ ، بَلْ هُوَ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { إنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا } أَيْ يَأْخُذُ فِي الْقُلُوبِ وَيَعْمَلُ فِيهَا عَمَلَ السِّحْرِ ، فَنَدَبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إلَى تَحَرِّي أَبْلَغَ الْفَصَاحَةِ لِهَذَا الْقَصْدِ ، ( فَرْعٌ ) نَعَمْ ، قَدْ يَحْسُنُ مِنْ الْعَالِمِ الْخَامِلِ مَا صُورَتُهُ الْمُبَاهَاةُ مِنْ الْعِنَايَةِ فِي ظُهُورِ عِلْمِهِ بِإِظْهَارِ التَّدْرِيسِ وَالتَّكَلُّمِ فِي الْمَحَافِلِ فِي الْمَسَائِلِ الْعَوِيصَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِيَقْصِدَهُ النَّاسُ فَيَنْتَفِعُوا بِعِلْمِهِ وَيَرْشُدُوا بِهِ ، إذْ يَكُونُ كَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَمِنْهُ قَوْلُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } ، لَا لِمُجَرَّدِ الشَّرَفِ وَالرِّيَاسَةِ لِمَا مَرَّ ، ( فَرْعٌ ) فَأَمَّا لَوْ طَلَبَ بِذَلِكَ دَفْعَ الِاسْتِخْفَافِ بِهِ
وَحَطِّهِ عَنْ مَرْتَبَتِهِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا مِثْلُهُ حَيْثُ يُنْزِلُهُ النَّاسُ مَنْزِلَةَ مَنْ هُوَ دُونَهُ فَيُحْتَمَلُ الْجَوَازُ لِجَرْيِهِ مَجْرَى النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَهُوَ إضَاعَةُ حَقِّهِ .
وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { لَا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ ، لَا يَعْرِفُ الْفَضْلَ لِأَهْلِ الْفَضْلِ إلَّا أُولُو الْفَضْلِ } وَيُحْتَمَلُ التَّحْرِيمُ ، إذْ ذَلِكَ نَوْعٌ مِنْ طَلَبِ الشَّرَفِ وَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ .
وَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ بِطَلَبِ الْقَدْرِ الْمُسْتَحَقِّ لَهُ مِنْ التَّشْرِيفِ ، إذْ فِي تَرْكِهِ اسْتِخْفَافٌ وَهُوَ حَرَامٌ ، وَدَفْعُ الْحَرَامِ وَاجِبٌ ، وَمِنْ ثَمَّ سَقَطَتْ عَدَالَةُ مَنْ حَطَّ مَرْتَبَةَ نَفْسِهِ بِالْأَكْلِ فِي السُّوقِ وَالْبَوْلِ فِي السِّكَكِ وَمُجَالَسَةِ الْأَرْذَالِ ، ( فَرْعٌ ) فَأَمَّا لَوْ قَصَدَ بِإِظْهَارِ عِلْمِهِ بَعْثَ النَّاسِ عَلَى مُوَاسَاتِهِ بِمَا يَقُومُ بِعَائِلَتَهُ وَيَسُدُّ خَلَّتَهُ مِنْ الْحُقُوقِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا أَوْ مِنْ خَالِصِ أَمْوَالِهِمْ ، فَالْأَقْرَبُ التَّحْرِيمُ لِجَرْيِهِ مَجْرَى التَّكَسُّبِ بِالْعِبَادَةِ وَالْعِلْمِ وَأَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى ذَلِكَ ، وَيُحْتَمَلُ الْجَوَازُ إنْ لَمْ يَقْصِدْ الشَّرَفَ ، كَمَا يَجُوزُ الدُّخُولُ فِي الْقَضَاءِ لِيَعُودَ عَلَيْهِ بِمَا يَقُومُ بِمُؤْنَتِهِ كَمَا مَرَّ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ .
( فَرْعٌ ) وَمِنْ الْمُبَاهَاةِ التَّفَاخُرُ بِالْآبَاءِ وَالْأَقَارِبِ الَّذِينَ شُرِّفُوا بِالدُّنْيَا ، لَا بِالدِّينِ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى { إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { النَّاسُ كَأَسْنَانِ الْمُشْطِ لَا فَضْلَ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ إلَّا بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى } فَأَمَّا مَنْ شُرِّفَ بِالدِّينِ فَلَا حَرَجَ فِي الِافْتِخَارِ بِهِ ، إذْ فِيهِ رَفْعُ مَنَارِ الدِّينِ ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { أَنَا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ } وَنَحْوُهُ كَثِيرٌ فَأَمَّا الِافْتِخَارُ بِكَثْرَةِ الرِّجَالِ عَدَدًا لَا لِأَجْلِ شَرَفِهِمْ ، فَهُوَ مِنْ الْمُكَاثَرَةِ لَا الْمُبَاهَاةِ .
( فَرْعٌ ) وَمِنْ الْمُكَاثَرَةِ رَفْعُ الْبُنْيَانِ وَزَخْرَفَتُهَا فَوْقَ الْقَدْرِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ لِقَصْدِ التَّطَاوُلِ عَلَى مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ وَالتَّرَؤُّسِ عَلَيْهِ .
فَأَمَّا لَوْ قَصَدَ مُجَرَّدَ التَّلَذُّذِ بِرُؤْيَتِهِ لِحُسْنِهَا وَكُبْرِهَا وَالتَّزَيُّنِ وَالتَّجَمُّلِ بِذَلِكَ ، فَلَا إشْكَالَ فِي الْجَوَازِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ } وَقَالَ تَعَالَى { لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً } أَيْ وَلِتَزَّيَّنُوا بِهَا ، وَإِنْ لَمْ يُحْتَجْ لِرُكُوبٍ ، وَقَالَ تَعَالَى { وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ } وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مَا مَعْنَاهُ { إنَّ اللَّهَ إذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً أَحَبَّ أَنْ يَرَى أَثَرَهَا عَلَيْهِ } وَأَمَّا الْآثَارُ الْوَارِدَةُ فِي رَفْعِ الْبُنْيَانِ فَمُنْصَرِفَةٌ إلَى مَا قُصِدَ فِيهِ الْمُكَاثَرَةُ وَالْمُفَاخَرَةُ ، لَا لِمُجَرَّدِ التَّجَمُّلِ ، فَقَدْ فَعَلَهُ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْعُلَمَاءِ الرَّاشِدِينَ ، كَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لَكِنَّ اللَّائِقَ بِمَنْ يُقْتَدَى بِهِ الزُّهْدُ فِي ذَلِكَ لِئَلَّا يَقْوَى حِرْصُ الْعَوَامّ عَلَى الِاشْتِغَالِ بِطَلَبِ الْمَلَاذِّ وَجَمْعِ الْأَمْوَالِ .
فَيَشْتَغِلُوا عَنْ الْآخِرَةِ وَطَلَبِهَا .
وَالصَّيْدُ كُلُّ الصَّيْدِ فِي جَوْفِ الْفَرَا { وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } .