مُسْلِمًا وَذَلِكَ تَشْرِيفًا لِلْإِسْلَامِ وَحِفْظًا لِحُرْمَتِهِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرُ الْمُؤْمِنِ الْإِسْلَامَ عِنْدَ الْمُسْتَأْمَنِ إذْ لَوْ كَانَ كَافِرًا فَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَمْضِي أَمَانُهُ .
ثُمَّ إنَّ مِنْ شَرْطِ الْأَمَانِ أَنْ لَا يَكُونَ غَرَضُ الْمُؤْمِنِ وَالْمُسْتَأْمَنِ الْغَدْرَ بِالْمُسْلِمِينَ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ مُسْلِمٌ لِكَافِرٍ : اُدْخُلْ دَارَنَا اُقْتُلْ مَنْ شِئْت وَأَنَا أُؤَمِّنُك لِتَفْعَلَ ذَلِكَ ، لَمْ يَجِبْ الْوَفَاءُ بِهَذَا الْأَمَانِ بِلَا خِلَافٍ .
وَأَبُو نَائِلَةَ وَمَنْ مَعَهُ قَدْ كَانُوا أَوْهَمُوا كَعْبًا أَنَّ إيمَانَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ ، فَلَمْ يَكُنْ لِأَمَانِهِمْ حُرْمَةٌ لِهَذَا الْوَجْهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

" مَسْأَلَةٌ " وَقَالَ فِي غَزْوَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٌ لِقَتْلِ خَالِدِ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ نُبَيْحٍ الْهُذَلِيُّ ، { أَنَّهُ أَرَاهُ ابْنَ أُنَيْسٌ أَنَّهُ مِنْهُ عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، وَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ أَنَّهُ أَقْبَلَ بَعْدَ الْعَصْرِ وَخَشِيَ أَنْ تَكُونَ بَيْنَهُمَا مُجَاوَلَةٌ تَشْغَلُهُ عَنْ الصَّلَاةِ فَصَلَّى وَهُوَ يَمْشِي نَحْوَهُ يُومِئُ بِرَأْسِهِ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ صَلَّى قَبْلَ تَضْيِقٌ وَقْتِ الِاضْطِرَارِ لِخَشْيَةِ الْفَوْتِ } ، وَأَنَّ صَلَاةَ الْمُسَايَفَةِ تَجُوزُ لِطَالِبِ الْعَدُوِّ إنْ خَشِيَ فَوْتَهُ وَالْمَذْهَبُ خِلَافُ ذَلِكَ كَمَا مَرَّ .

" مَسْأَلَةٌ " ذُكِرَ فِي غَزْوَةِ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَرْضَ بَنِي مُرَّةَ { أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَرَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَدْرَكَا مِرْدَاسًا بْنَ نُهَيْكٍ .
قَالَ أُسَامَةُ : فَلَمَّا شَهَرْنَا عَلَيْهِ السِّلَاحَ ، قَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ .
قَالَ : فَلَمْ نَنْزِعْ عَنْهُ حَتَّى قَتَلْنَاهُ ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرْنَاهُ خَبَرَهُ ، فَقَالَ : يَا أُسَامَةُ مَنْ لَك بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ؟ قَالَ قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّمَا قَالَهَا تَعَوُّذًا مِنْ الْقَتْلِ .
قَالَ : فَمَنْ لَك بِهَا يَا أُسَامَةُ ؟ قَالَ : فَوَاَلَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا زَالَ يُرَدِّدُهَا عَلَيَّ حَتَّى وَدِدْت أَنَّ مَا مَضَى مِنْ إسْلَامِي لَمْ يَكُنْ ، وَأَنِّي كُنْت أَسْلَمْت يَوْمَئِذٍ وَأَنِّي لَمْ أَقْتُلْهُ .
قَالَ : قُلْت أَنْظِرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُعَاهِدُ اللَّهَ أَنْ لَا أَقْتُلَ رَجُلًا يَقُولُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَبَدًا } .
قُلْت : وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْزَمَهُ الدِّيَةَ وَلَا حَوَّلَ عَلَيْهِ فَيُنْظَرُ فِي ذَلِكَ .

" مَسْأَلَةٌ " وَقَالَ فِي غَزْوَةِ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ وَقَتْلِ عَامِرِ بْنِ الْأَضْبَطِ الْأَشْجَعِيِّ إنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { بَعَثَ ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ فِي نَفَرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ وَمُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ بْنُ قَيْسٍ .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ فَخَرَجْنَا حَتَّى إذَا كُنَّا بِبَطْنِ إِضَمٍ مَرَّ بِنَا عَامِرُ بْنُ الْأَضْبَطِ الْأَشْجَعِيُّ عَلَى قُعُودٍ وَمَعَهُ مَتِيعٌ وَوَطْبٌ مِنْ لَبَنٍ .
قَالَ : فَلَمَّا مَرَّ بِنَا سَلَّمَ عَلَيْنَا بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ فَأَمْسَكْنَا عَنْ قَتْلِهِ يَعْنِي لِأَجْلِ تَظَهُّرِهِ بِالْإِسْلَامِ وَقَالَ : وَحَمَلَ عَلَيْهِ مُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ فَقَتَلَهُ لِشَيْءٍ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَأَخَذَ بَعِيرَهُ وَمَتِيعَهُ ، وَقَالَ فِي آخِرِ الْقِصَّةِ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَضَى عَلَيْهِ بِالدِّيَةِ نَجْمَيْنِ بِمِائَةِ نَاقَةٍ خَمْسِينَ فِي سَفَرِهِ ، وَخَمْسِينَ إذَا رَجَعَ فَقَبِلُوا الدِّيَةَ وَقَامَ مُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لِيَسْتَغْفِرَ لَهُ ، فَلَمَّا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ يَدَيْهِ وَقَالَ : اللَّهُمَّ لَا تَغْفِرْ لِمُحَلِّمِ بْنِ جَثَّامَةَ ثَلَاثًا ، فَقَامَ مُحَلِّمٌ وَهُوَ يَلْتَقِي دَمْعَهُ بِفَضْلِ رِدَائِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : فَوَاَللَّهِ مَا مَكَثَ مُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ إلَّا سَبْعًا ثُمَّ مَاتَ ، فَلَفَظَتْهُ الْأَرْضُ ، وَاَلَّذِي نَفْسُ الْحَسَنِ بِيَدِهِ ثُمَّ عَادُوا لَهُ فَلَفَظَتْهُ الْأَرْضُ ثُمَّ عَادُوا فَلَفَظَتْهُ الْأَرْضُ ، فَلَمَّا غُلِبَ قَوْمُهُ عَمَدُوا إلَى صِدِّينِ فَسَطَحُوهُ بَيْنَهُمَا ثُمَّ رَدَمُوا عَلَيْهِ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى وَارَوْهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ وَاَللَّهِ إنَّ الْأَرْضَ لَتَطَابَقَ عَلَى مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ وَلَكِنْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَعِظَكُمْ فِي حُرْمَةِ مَا بَيْنَكُمْ بِمَا أَرَاكُمْ مِنْهُ } .
قُلْت : وَهَذَا الْخَبَرُ يُعَارِضُ خَبَرَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، وَلَا

بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِهِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مُحَلِّمًا قَدْ تَابَ وَهُوَ يَقْتَضِي أَيْضًا أَنَّ دِيَةَ الْعَمْدِ لَا يَجِبُ تَنْجِيمُهَا فِي ثَلَاثِ سِنِينَ بِخِلَافِ دِيَةِ الْخَطَأِ .

" مَسْأَلَةٌ " وَذُكِرَ فِي غَزْوَةِ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ لِقَتْلِ رِفَاعَةَ بْنِ قَيْسٍ الْجُشَمِيِّ ، قَالَ ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ : { تَزَوَّجْت امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي وَأَصْدَقْتهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَجِئْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَسْتَعِينُهُ عَلَى نِكَاحِي .
قَالَ : وَكَمْ أَصْدَقْت ؟ قُلْت : مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ لَوْ كُنْتُمْ تَأْخُذُونَ الدَّرَاهِمَ مِنْ بَطْنِ وَادٍ مَا زِدْتُمْ ، وَاَللَّهِ مَا عِنْدِي مَا أُعِينُكُمْ بِهِ ثُمَّ قَالَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ : إنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ وَرَجُلَيْنِ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِلْغَزْوَةِ وَقَدَّمَ لَهُمْ شَارِفًا عَجْفَاءَ .
قَالَ فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَحَدُنَا ، فَوَاَللَّهِ مَا قَامَتْ بِهِ ضَعْفًا حَتَّى دَعَمَهَا الرِّجَالُ مِنْ خَلْفِهَا بِأَيْدِيهِمْ حَتَّى اسْتَقَلَّتْ ، وَمَا كَادَتْ .
ثُمَّ قَالَ تَبَلَّغُوا عَلَيْهَا وَاعْتَقِبُوهَا } قُلْت : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ اسْتِعْمَالِ الرَّاحِلَةِ الْعَجْفَاءِ ، وَعَلَى كَرَاهَةِ الْمُغَالَاةِ فِي الْمَهْرِ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، " مَسْأَلَةٌ " وَقَالَ فِي آخِرِ الْقِصَّةِ إنَّهُ احْتَزَّ رَأْسَ رِفَاعَةَ بْنِ قَيْسٍ الْجُشَمِيِّ وَحَمَلَهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنْكَرَ عَلَيْهِ حَمْلَ الرَّأْسِ وَاحْتِزَازَ .

" مَسْأَلَةٌ " وَذَكَرَ فِي سَرِيَّةِ سَالِمِ بْنِ عُمَيْرٍ كَلَامًا مَعْنَاهُ ، { أَنَّ أَبَا عَفَكٍ لَمَّا نَجَمَ نِفَاقُهُ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ سَالِمَ بْنَ عُمَيْرٍ بِقَتْلِهِ } ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِأَعْيَانِ الْمُنَافِقِينَ ، إذْ لَوْ عَلِمَ ذَلِكَ لَقَتَلَهُمْ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى { جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ } وَعَلَى قَتْلِ مَنْ ظَهَرَ نِفَاقُهُ دُونَ مَنْ يَسْتَتِرُ .

" مَسْأَلَةٌ " وَذُكِرَ فِي غَزْوَةِ عُمَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ لِعَصْمَاءَ بِنْتِ مَرْوَانَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ مَا مَعْنَاهُ : { أَنَّهَا لَمَّا قَالَتْ شِعْرًا تَعِيبُ فِيهِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ ، قَالَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَلَا آخُذُ لِي مِنْ ابْنَةِ مَرْوَانَ ؟ فَسَمِعَ ذَلِكَ عُمَيْرُ بْنُ عَدِيٍّ فَعَدَا عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا وَأَصْبَحَ مَعَ الرَّسُولِ .
فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي قَدْ قَتَلْتهَا .
فَقَالَ : نَصَرْت اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَا عُمَيْرٌ } وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرْ عُمَيْرًا بِعَيْنِهِ ، وَإِنَّمَا قَالَ : مَنْ لِي بِقَتْلِهَا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى حُكْمَيْنِ أَحَدُهُمَا جَوَازُ قَتْلِ النِّسَاءِ كَمَا مَرَّ ، وَالْآخَرُ إذَا قَالَ الْإِمَامُ : مَنْ لِي بِقَتْلِ فُلَانٍ فَقَدْ هَدَرَ ذَلِكَ الرَّجُلَ لِكُلِّ مَنْ بَلَغَهُ الْكَلَامُ ، إذْ لَمْ يَأْمُرْ عُمَيْرًا بِعَيْنِهِ .

" مَسْأَلَةٌ " وَذُكِرَ فِي سَرِيَّةِ كُرْزِ بْنِ جَابِرٍ لِقَتْلِ الْبَجَلِيِّينَ الَّذِينَ قَتَلُوا يَسَارًا مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ { أَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ بَنِي مُحَارِبٍ وَبَنِي ثَعْلَبَةَ عَبْدًا يُقَالُ لَهُ يَسَارُ فَجَعَلَهُ فِي لِقَاحٍ لَهُ كَانَتْ تَرْعَى بِنَاحِيَةِ الْحِمَى فَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ نَفَرٌ مِنْ قَيْسِ كُبَّةَ فاستوبئوا وَطَحِلُوا .
فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوْ خَرَجْتُمْ إلَى اللِّقَاحِ فَشَرِبْتُمْ مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَخَرَجُوا إلَيْهَا ، فَلَمَّا صَحُّوا وَانْطَوَتْ بُطُونُهُمْ عَدَوْا عَلَى رَاعِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَسَارٍ فَذَبَحُوهُ وَغَرَزُوا الشَّوْكَ فِي عَيْنَيْهِ وَاسْتَاقُوا اللِّقَاحَ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي آثَارِهِمْ ، كُرْزَ بْنَ جَابِرٍ ، فَلَحِقَهُمْ ، فَأَتَى بِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مَرْجِعَهُ مِنْ غَزْوَةِ ذِي قِرْدٍ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ } .
قُلْت : وَهَذَا يُنَافِي تَحْرِيمَ الْمُثْلَةِ ، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { إذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ } وَنَحْوُهُ فَيَحْتَمِلُ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ جَائِزٌ لِمَصْلَحَةِ الزَّجْرِ ؛ لِأَنَّ تَارِيخَ ذَلِكَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ تَحْرِيمِ الْمُثْلَةِ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ .

كِتَابُ التَّكْمِلَةِ لِلْأَحْكَامِ وَالتَّصْفِيَةِ مِنْ بَوَاطِنِ الْآثَامِ اعْلَمْ أَنَّ الْفِقْهَ الِاصْطِلَاحِيَّ هُوَ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُونَ فِي الْفُرُوعِ مِنْهُ عَلَى أَحْكَامِ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ دُونَ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَرَّمَاتِهَا شَطْرًا ، حَيْثُ قَالَ تَعَالَى { وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ } وَالْبَاطِنَةُ هِيَ مَآثِمُ الْقُلُوبِ فِي أَصَحِّ التَّفْسِيرَاتِ ، فَوَجَبَ أَنْ نَجْعَلَ لَهَا فِي أَبْوَابِ عِلْمِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ بَابًا يَتَضَمَّنُ تَفْصِيلَهَا بِحَقَائِقِهَا وَتَفْرِيعَاتِهَا ، وَتَمْيِيزَ حَلَالِهَا مِنْ حَرَامِهَا لِيُمْكِنَ التَّحَرُّزُ مِنْ الْإِثْمِ الْبَاطِنِ كَالظَّاهِرِ ، وَهَذَا الْبَابُ أَهَمُّ مِنْ غَيْرِهِ ، إذْ لَا يُعَرَّى مُكَلَّفٌ بِالشَّرْعِيَّاتِ عَنْ التَّكْلِيفِ بِهِ .
فَصْلٌ وَجُمْلَةُ مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَحْرِيمِهِ مِنْهَا سَبْعَةَ عَشَرَ نَوْعًا وَهِيَ : الْكِبْرُ وَمَا يَتَفَرَّعُ مِنْهُ ، وَالْعُجْبُ كَذَلِكَ ، وَالرِّيَاءُ كَذَلِكَ ، وَالْمُبَاهَاةُ كَذَلِكَ ، وَالْمُكَاثَرَةُ كَذَلِكَ ، وَالْحَسَدُ كَذَلِكَ ، وَالْغِلُّ كَذَلِكَ وَظَنُّ السُّوءِ كَذَلِكَ ، وَالْمُعَادَاةُ كَذَلِكَ ، وَالْمُوَالَاةُ كَذَلِكَ ، وَالْحَمِيَّةُ كَذَلِكَ ، وَالْمُدَاهَنَةُ كَذَلِكَ ، وَحُبُّ الدُّنْيَا كَذَلِكَ ، وَالْجُبْنُ وَالْبُخْلُ كَذَلِكَ ، وَمَا يَتَّصِلُ بِهِمَا مِنْ السَّرَفِ وَالتَّقْتِيرِ ، وَالزَّهْوِ وَالْفَرَحِ كَذَلِكَ ، وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ بَيَانُ الْخَطَرِ الْمَخُوفِ بَعْدَ حُصُولِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالْإِخْلَاصِ ، فَلْنُفْرِدْ لِكُلٍّ مِنْ ذَلِكَ فَصْلًا .

786 / 792
ع
En
A+
A-