" مَسْأَلَةٌ " ( ى هق ) فَأَمَّا دَارُ الْوَقْفِ فَلَا ثُبُوتَ لَهَا عَلَى مَا حَدُّوا بِهِ دَارَ الْإِسْلَامِ ، وَإِنَّمَا يُثْبِتُهَا مَنْ يَعْتَبِرُ الشَّوْكَةَ وَالْغَلَبَةَ ، فَلَا يَمْتَنِعُ إثْبَاتُ دَارِ الْوَقْفِ حَيْثُ يَسْتَوِي الْجَانِبَانِ ( أَبُو هَاشِمٍ ) إنْ كَانَ فِي الدَّارِ فَرِيقٌ يُظْهِرُ الْكُفْرَ وَفَرِيقٌ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ مِنْ غَيْرِ جِوَارٍ لِأَيِّهِمْ ، صَحَّ أَنْ يُقَالَ : دَارُ وَقْفٍ ، إذْ لَا غَلَبَةَ .
وَعَنْ ( قَاضِي الْقُضَاةِ ) كَذَلِكَ ، وَسَوَّى بَيْنَ كُفْرِ التَّأْوِيلِ وَكُفْرِ التَّصْرِيحِ ، لَنَا مَا مَرَّ .
فَصْلٌ وَتَجِبُ الْهِجْرَةُ عَنْهَا إجْمَاعًا حَيْثُ حُمِلَ عَلَى مَعْصِيَةِ فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ ، أَوْ طَلَبَهَا الْإِمَامُ تَقْوِيَةً لِسُلْطَانِهِ " مَسْأَلَةٌ " ( ى هق ) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إمَامٌ أَوْ كَانَ وَلَمْ يَطْلُبْهَا وَلَيْسَ بِمُتَمَيِّزٍ عَنْهُمْ تَمَيُّزًا ظَاهِرًا ، لَزِمَتْهُ أَيْضًا لِئَلَّا يُعَرِّضَ نَفْسَهُ لِلْقَتْلِ ، وَذُرِّيَّتَهُ لِلسَّبْيِ ، وَمَالَهُ لِلنَّهْبِ ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى { إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ } ، وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { فَلَا يَقِفَنَّ مَوَاقِفَ التُّهَمِ } ( ى هق ) فَإِنْ تَمَيَّزَ لَمْ تَلْزَمْهُ إذْ لَا وَجْهَ لِوُجُوبِهَا سِوَى مَا ذَكَرْنَا ، مِنْ اتِّقَاءِ جَرْيِ أَحْكَامِهِمْ عَلَيْهِ .
قُلْت : بَلْ الْأَقْرَبُ لِلْمَذْهَبِ أَنَّهَا تَجِبُ الْهِجْرَةُ عَنْهَا وَعَنْ دَارِ الْفِسْقِ إلَى خَلِيٍّ عَمَّا هَاجَرَ لِأَجْلِهِ ، أَوْ مَا فِيهِ دُونَهُ ، بِنَفْسِهِ وَأَهْلِهِ إلَّا لِمَصْلَحَةٍ أَوْ عُذْرٍ ( م ) لَا تَجِبُ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ } قُلْنَا : مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ أَقَامَ فِي دَارِ الشِّرْكِ سَنَةً } وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { لَا يَحِلُّ لِعَيْنٍ تَرَى اللَّهَ يُعْصَى فَتَطْرِفَ حَتَّى تُغَيِّرَ أَوْ تَنْتَقِلَ ، الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ لَا تَتَرَاءَى نِيرَانُهُمَا } وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ } لَعَلَّهُ أَرَادَ مِنْ مَكَّةَ ، لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ ( الْقَاضِي ) وَكُفْرُ التَّأْوِيلِ كَالتَّصْرِيحِ فِي وُجُوبِ الْهِجْرَةِ ( ى ) لَا تَجِبُ لِأَجْلِ كُفْرِ تَأْوِيلٍ وَلَا فِسْقَ مَعَ التَّمْيِيزِ .
لَنَا مَا مَرَّ .
" مَسْأَلَةٌ " قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ فِي خَبَرٍ يُسْنِدُهُ إلَى عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةُ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كُلُّهُمْ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ دَعَا بَرِيرَةَ لِيَسْأَلَهَا عَنْ حَدِيثِ الْإِفْكِ ، فَقَامَ إلَيْهَا عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَضَرَبَهَا ضَرْبًا شَدِيدًا ، وَقَالَ : اُصْدُقِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } قُلْت : وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ يُؤْخَذُ مِنْهَا جَوَازُ ضَرْبِ الْمُتَّهَمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الِاسْتِصْلَاحَاتِ لِلْإِمَامِ فَقَطْ ، " .
" مَسْأَلَةٌ " وَرُوِيَ فِي السِّيرَةِ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ { أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ كَانَ وَاقِفًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ حِينَ بَعَثَتْ قُرَيْشٌ إلَيْهِ عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ وَكَانَ هَذَا عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ فِي حَالِ خِطَابِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَتَنَاوَلُ لِحْيَتَهُ الْكَرِيمَةَ ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ : اُكْفُفْ يَدَك عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ لَا تَصِلَ إلَيْك .
فَقَالَ عُرْوَةُ : وَيْحَك مَا أَفَظَّك وَأَغْلَظَك .
قَالَ : فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ } ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ قُعُودِ الْإِمَامِ وَبَعْضُ الْجُنْدِ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ وَيُعَارِضُ الْحَدِيثَ الَّذِي أَوَّلُهُ { إذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَنْظُرُوا إلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ } الْخَبَرَ .
" مَسْأَلَةٌ " وَفِي ذِكْرِ غَزْوَةِ خَيْبَرَ { أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ إلَيْهِ بِكِنَانَةَ بْنِ الرَّبِيعِ وَكَانَ عِنْدَهُ كَنْزُ بَنِي النَّضِيرِ ، فَسَأَلَهُ عَنْهُ فَجَحَدَ أَنْ يَكُونَ يَعْلَمُ مَكَانَهُ ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ مِنْ الْيَهُودِ ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ : إنِّي رَأَيْت كِنَانَةَ يَطُوفُ بِهَذِهِ الْخَرِبَةِ كُلَّ غَدَاةٍ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لِكِنَانَةَ أَرَأَيْت إنْ وَجَدْنَاهُ عِنْدَك أَقْتُلْك قَالَ : نَعَمْ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِالْخَرِبَةِ فَحُفِرَتْ فَأَخْرَجَ مِنْهَا بَعْضَ كَنْزِهِمْ فَسَأَلَهُ عَمَّا بَقِيَ فَأَبَى أَنْ يُؤَدِّيَهُ ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ ، فَقَالَ : عَذِّبْهُ حَتَّى تَسْتَأْصِلَ مَا عِنْدَهُ ، فَكَانَ الزُّبَيْرُ يَقْدَحُ فِي صَدْرِهِ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَى نَفْسِهِ ، ثُمَّ دَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةُ فَضَرَبَ عُنُقَهُ بِأَخِيهِ مَحْمُودٍ } .
وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ التَّعْذِيبُ لِمَصْلَحَةٍ ، وَيُعَارِضُ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ " لَا تُعَذِّبُوا خَلْقَ اللَّهِ " وَنَحْوَهُ .
وَغَيْرَ ذَلِكَ .
" مَسْأَلَةٌ " قَالَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ : { إنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلرَّسُولِ كَلَامًا مَعْنَاهُ : أَنَّهُ أَخَذَ شِرَاكَيْنِ لِنَعْلَيْنِ لَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقَسْمِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : يُقَدُّ لَك مِثْلُهُمَا مِنْ النَّارِ ، وَأَخَذَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيّ جِرَابَ شَحْمٍ فَطَلَبَهُ مِنْهُ صَاحِبُ الْمَغَانِمِ ، وَقَالَ هَلُمَّ هَذَا حَتَّى نَقْسِمَهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ .
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : لَا وَاَللَّهِ لَا أُعْطِيكَهُ فَتَجَاذَبَا الْجِرَابَ .
فَلَمَّا رَآهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِصَاحِبِ الْمَغَانِمِ لَا أَبَا لَك خَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَأَرْسَلَهُ فَانْطَلَقَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ إلَى رَحْلِهِ وَأَصْحَابِهِ فَأَكَلُوهُ } فَيُحْتَاجُ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ .
قُلْت : وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الشَّحْمَ مَأْكُولٌ وَقَدْ عُفِيَ عَنْهُ مَا دَامَ فِي الْحَرْبِ
" مَسْأَلَةٌ " قَالَ فِي خَبَرِ الْحَجَّاجِ بْنِ عِلَاطٍ السُّلَمِيُّ { لَمَّا أَسْلَمَ الْحَجَّاجُ بْنُ عِلَاطٍ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي بِمَكَّةَ مَالًا عِنْدَ صَاحِبَتِي أُمِّ شَيْبَةَ بِنْتِ أَبِي طَلْحَةَ ، وَمَالًا مُتَفَرِّقًا فِي تُجَّارِ أَهْلِ مَكَّةَ ، فَأْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَأَذِنَ لَهُ .
فَقَالَ الْحَجَّاجُ إنَّهُ لَا بُدَّ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ أَنْ أَقُولَ .
قَالَ : قُلْ .
قَالَ الْحَجَّاجُ : فَخَرَجْت حَتَّى إذَا قَدِمْت مَكَّةَ وَجَدْت بِثَنِيَّةِ الْبَيْضَاءِ رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ يَتَسَمَّعُونَ الْأَخْبَارَ وَقَدْ بَلَغَهُمْ أَنَّهُ قَدْ سَارَ إلَى خَيْبَرَ ، وَقَدْ عَرَفُوا أَنَّهَا قَرْيَةُ الْحِجَازِ رِيفًا وَمَنَعَةً وَرِجَالًا ، فَهُمْ يَتَجَسَّسُونَ الْأَخْبَارَ وَيَسْأَلُونَ الرُّكْبَانَ ، فَلَمَّا رَأَوْنِي قَالُوا : الْحَجَّاجُ بْنُ عِلَاطٍ وَلَمْ يَكُونُوا قَدْ عَلِمُوا بِإِسْلَامِي عِنْدَهُ وَاَللَّهِ الْخَبَرُ أَخْبِرْنَا يَا أَبَا مُحَمَّدٍ قَالَ : قُلْت عِنْدِي مِنْ الْأَخْبَارِ مَا يَسُرُّكُمْ .
قَالَ : فَالْتَاطُوا بِنَاقَتِي يَقُولُونَ إيهِ يَا حَجَّاجُ ؟ قَالَ : قُلْت هُزِمَ هَزِيمَةً لَمْ تَسْمَعُوا بِمِثْلِهَا قَطُّ ، وَقُتِلَ أَصْحَابُهُ وَأُسِرَ مُحَمَّدٌ أَسْرًا ، وَقَالُوا : لَا نَقْتُلُهُ حَتَّى نَبْعَثَ بِهِ إلَى مَكَّةَ فَيَقْتُلُوهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ بِمَنْ كَانَ قَدْ أَصَابَ مِنْ رِجَالِهِمْ .
قَالَ : ثُمَّ قُلْت أَعِينُونِي عَلَى جَمْعِ مَالِي فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَقْدُمَ خَيْبَرَ } ، الْخَبَرَ .
قُلْت : وَهَذَا الْخَبَرُ يَقْتَضِي جَوَازَ مَا صُورَتُهُ صُورَةُ الْكَذِبِ ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ لِمَصْلَحَةٍ وَفِيهِ الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ .
" مَسْأَلَةٌ " ذُكِرَ فِي فَتْحِ مَكَّةَ { أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَتْلِ قَيْنَتَيْنِ كَانَتَا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَطَلٍ وَكَانَتَا تُغَنِّيَانِ بِهِجَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ } ، وَقَدْ كَانَ ذُكِرَ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ أَمَرَ بِقَتْلِ امْرَأَةٍ كَافِرَةٍ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ قَتْلِ النِّسَاءِ إذَا اسْتَصْلَحَهُ الْإِمَامُ لِأَمْرٍ زَائِدٍ عَلَى الشِّرْكِ ،
" مَسْأَلَةٌ " ذُكِرَ فِي قِصَّةِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ { أَنَّهُ لَمَّا بَالَغَ فِي عَدَاوَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : مَنْ لِي بِابْنِ الْأَشْرَفِ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَالَ : مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةُ أَخُو بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ : أَنَا لَك بِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنَا أَقْتُلُهُ .
قَالَ : فَافْعَلْ إنْ قَدَرْت ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : إنَّهُ لَا بُدَّ لَنَا أَنْ نَقُولَ يَعْنِي قَوْلًا ظَاهِرُهُ الْكَذِبُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قُولُوا مَا بَدَا لَكُمْ ، فَأَنْتُمْ فِي حِلٍّ مِنْ ذَلِكَ فَاجْتَمَعَ لِقَتْلِهِ جَمَاعَةٌ ذَكَرَ أَسْمَاءَهُمْ فِي السِّيرَةِ ، فَقَدَّمُوا ؛ أَبَا نَائِلَةَ سَلْكَانَ بْنَ سَلَامَةَ وَهُوَ مِمَّنْ سَارَ لِقَتْلِهِ فَقَدَّمُوهُ إلَى كَعْبٍ فَجَاءَهُ فَتَحَدَّثَ مَعَهُ سَاعَةً وَتَنَاشَدَا شِعْرًا ثُمَّ قَالَ أَبُو نَائِلَةَ : وَيْحَك يَا ابْنَ الْأَشْرَفِ إنِّي قَدْ جِئْتُك لِحَاجَةٍ أُرِيدُ أَنْ أَذْكُرَهَا لَك فَاكْتُمْ عَنِّي ، قَالَ : أَفْعَلُ .
فَقَالَ أَبُو نَائِلَةَ : كَانَ قُدُومُ هَذَا الرَّجُلِ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْنَا بَلَاءً مِنْ الْبَلَاءِ عَادَتْنَا الْعَرَبُ وَرَمَوْنَا عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ وَقَطَعَتْ عَنَّا السُّبُلَ حَتَّى ضَاعَ الْعِيَالُ وَجَهِدَتْ الْأَنْفُسُ فَأَصْبَحْنَا قَدْ جَهِدِنَا وَجَهِدَ عِيَالُنَا .
فَقَالَ كَعْبٌ : أَنَا ابْنُ الْأَشْرَفِ .
أَمَا وَاَللَّهِ لَقَدْ كُنْت أَخْبَرْتُك يَا ابْنَ سَلَامَةَ أَنَّ الْأَمْرَ سَيَصِيرُ إلَى مَا أَقُولُ ، فَقَالَ لَهُ سِلْكَانُ : إنِّي قَدْ أَرَدْت أَنْ تَبِيعَنَا طَعَامًا وَنَرْهَنَك وَنُوَثِّقَ لَك وَتُحْسِنَ فِي ذَلِكَ .
فَقَالَ : أَتَرْهَنُونَنِي أَبْنَاءَكُمْ ؟ قَالَ : لَقَدْ أَرَدْت أَنْ تَفْضَحَنَا إنَّ مَعِي أَصْحَابًا لِي عَلَى مِثْلِ رَأْيِي ، وَقَدْ أَرَدْت أَنْ آتِيَك بِهِمْ فَتَبِيعَهُمْ وَتُحْسِنَ فِي ذَلِكَ ، وَنَرْهَنُك مِنْ الْحَلْقَةِ مَا فِيهِ وَفَاءٌ .
وَأَرَادَ سِلْكَانُ أَنْ لَا يُنْكِرَ السِّلَاحَ إذَا جَاءُوا بِهِ .
قَالَ إنَّ فِي الْحَلْقَةِ لَوَفَاءٌ ، قَالَ : فَرَجَعَ سِلْكَانُ إلَى أَصْحَابِهِ
وَأَخْبَرَهُمْ خَبَرَهُ ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا السِّلَاحَ ثُمَّ يَنْطَلِقُوا فَيَجْتَمِعُوا إلَيْهِ فَاجْتَمَعُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَشَى مَعَهُمْ إلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ ثُمَّ وَجَّهَهُمْ وَقَالَ انْطَلَقُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ أَعِنْهُمْ فَأَقْبَلُوا حَتَّى انْتَهَوْا إلَى حِصْنِ ابْنِ الْأَشْرَفِ ، وَكَانَتْ لَيْلَةٌ مُقْمِرَةٌ فَهَتَفَ بِهِ أَبُو نَائِلَةَ فَوَثَبَ وَكَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِعُرْسٍ وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ فَأَحْذَتْ امْرَأَتُهُ بِنَاحِيَتِهَا وَقَالَتْ : إنَّك رَجُلٌ مُحَارِبٌ ، وَإِنَّ أَصْحَابَ الْحَرْبِ لَا يَنْزِلُونَ فِي مِثْلِ هَذِهِ السَّاعَةِ .
قَالَ إنَّهُ أَبُو نَائِلَةَ لَوْ وَجَدَنِي نَائِمًا مَا أَيْقَظَنِي ، فَقَالَتْ : وَاَللَّهِ إنِّي لَأَعْرِفُ فِي صَوْتِهِ الشَّرَّ .
قَالَ كَعْبٌ : لَوْ يُدْعَى الْفَتَى إلَى طَعْنَةٍ لَأَجَابَ ، فَنَزَلَ فَتَحَدَّثَ مَعَهُمْ سَاعَةً وَتَحَدَّثُوا مَعَهُ ، وَقَالُوا : هَلْ لَك يَا ابْنَ الْأَشْرَفِ أَنْ نَتَمَاشَى إلَى شِعْبِ الْعَجُوزِ فَنَتَحَدَّثَ فِيهِ بَقِيَّةَ لَيْلِنَا ، فَقَالَ : إنْ شِئْتُمْ .
فَخَرَجُوا يَتَمَاشَوْنَ فَمَشَوْا سَاعَةً ، ثُمَّ إنَّ أَبَا نَائِلَةَ شَامَ يَدَهُ فِي فَوْدِ رَأْسِهِ ثُمَّ شَمَّ يَدَهُ وَقَالَ : مَا رَأَيْت كَاللَّيْلَةِ طِيبًا أَعْطَرَ قَطُّ ، ثُمَّ عَادَ لِمِثْلِهَا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى حَتَّى اطْمَأَنَّ فَأَخَذَ بِفَوْدِ رَأْسِهِ وَقَالَ : اضْرِبُوا عَدُوَّ اللَّهِ ، فَقَتَلُوهُ } .
قُلْت : وَهَذِهِ الْقِصَّةُ يَتَفَرَّعُ مِنْهَا أَحْكَامٌ جَوَازُ الْكَذِبِ لِمَصْلَحَةٍ وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَجَوَازُ الْخَرْمِ لِمَا صُورَتُهُ صُورَةُ الْأَمَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَيُنْظَرُ فِيهِ ، وَالْأَقْرَبُ فِي الْجَوَابِ أَنَّ الْأَمَانَ إنَّمَا يَنْعَقِدُ حَيْثُ يَظْهَرُ لِلْمُسْتَأْمَنِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، لِأَنَّ الْأَمَانَ إنَّمَا شُرِعَ لِلْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { أَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَقْصَاهُمْ أَوْ أَدْنَاهُمْ } إلَى آخِرِ الْخَبَرِ ، فَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ الْعَاقِدَ لِلْأَمَانِ لَا يَنْعَقِدُ أَمَانُهُ إلَّا إذَا كَانَ