فَصْلٌ وَشُرُوطُهُمَا خَمْسَةٌ : " الْأَوَّلُ " أَنْ يَعْلَمَ الْآمِرُ النَّاهِي حُسْنَ مَا أَمَرَ بِهِ وَقُبْحَ مَا نَهَى عَنْهُ ، إذْ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَأْمُرَ بِمُنْكَرٍ وَيَنْهَى عَنْ مَعْرُوفٍ ، وَلَا يَكْفِي الظَّنُّ .
" الثَّانِي " أَنْ يَعْلَمَ أَوْ يَظُنَّ أَنَّ لِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ تَأْثِيرًا ، وَالظَّنُّ كَالْعِلْمِ هُنَا ، إذْ الْعَمَلُ بِهِ فِي جَلْبِ النَّفْعِ وَدَفْعِ الضَّرَرِ حَسَنٌ كَالسَّفَرِ لِلرِّبْحِ وَشُرْبِ الدَّوَاءِ ، وَهَذَا مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَقْطَعْ بِحُصُولِ الْغَرَضِ ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ وَلَا يَظُنَّ ، فَلَا وُجُوبَ قَطْعًا ، وَفِي الْحَسَنِ وَجْهَانِ ( ى ) أَصَحُّهُمَا : يَحْسُنُ .
وَقِيلَ : بَلْ يَصِيرُ كَالْعَبَثِ .
قُلْنَا : الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ عَمَلٌ مَقْصُودٌ لِلشَّرْعِ .
وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مُتَعَلِّقُهُ إذْ قَدْ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَلَمْ يَحْصُلْ مَأْمُورُهُ .
قُلْت : وَفِيهِ نَظَرٌ ، وقَوْله تَعَالَى { مَعْذِرَةً إلَى رَبِّكُمْ } قَدْ صَرَّحَ آخِرَهَا بِأَنَّهُمْ ظَنُّوا التَّأْثِيرَ .
" الثَّالِثُ " أَنْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى مِثْلِهِ أَوْ أَنْكَرَ مِنْهُ ، وَيَسْتَوِي الْعِلْمُ وَالظَّنُّ ، إذْ وُجُوبُهُمَا مَشْرُوطٌ بِأَنْ لَا يُؤَدِّيَا إلَى فَسَادٍ إذْ الْقَصْدُ إزَالَتُهُ ، وَمِنْ شَرْطِ كُلِّ وَاجِبٍ أَنْ يَتَعَرَّى عَنْ وُجُوهِ الْقُبْحِ .
" الرَّابِعُ " أَنْ لَا يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عُضْوٍ مِنْهُ ، أَوْ مَالٍ مُجْحَفٍ ، إذْ كُلُّ الْوَاجِبَاتِ تَسْقُطُ بِذَلِكَ كَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا ، فَإِنْ لَمْ يُجْحِفْ وَجَبَ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ " اجْعَلْ مَالَك دُونَ عِرْضِك " الْخَبَرَ .
فَإِنْ فَعَلَ مَعَ الْخَشْيَةِ لَمْ يَحْسُنْ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ إعْزَازٌ لِلدِّينِ ، كَفِعْلِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ ( ى ) بَلْ يَحْسُنُ مُطْلَقًا كَالْجِهَادِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى { إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ } الْآيَةَ .
قُلْت : وَفِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا : إنَّ الْحُسَيْنَ وَزَيْدًا قَطَعَا بِالْقَتْلِ مُنْذُ قِيَامِهِمَا نَظَرٌ ، إذْ فِي السِّيَرِ مَا يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
" الْخَامِسُ " أَنْ يَعْلَمَ

أَوْ يَظُنَّ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَأْمُرْ وَيَنْهَ وَقَعَ الْمُنْكَرُ وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ .

فَصْلٌ .
وَلَا يَجُوزُ التَّجَسُّسُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَلَا تَجَسَّسُوا } وَلَكِنْ يُنْكِرُ مَا ظَهَرَ ( ن ) وَلَهُ أَنْ يَهْجُمَ إنْ غَلَبَ فِي ظَنِّهِ الْمُنْكَرُ لِسَمَاعِ طُمْطُمَةٍ أَوْ نَحْوِهَا .
قُلْت : وَلِمَا مَرَّ مِنْ فِعْلِ عُمَرَ ، وَيُرِيقُ عَصِيرًا ظَنَّهُ خَمْرًا ، وَيَضْمَنُ إنْ أَخْطَأَ وَخَمْرًا رَآهَا لَهُ أَوْ لِمُسْلِمٍ ، وَقَدْ مَرَّ الْخِلَافُ ، وَيَدْخُلُ الْمَكَانَ الْغَصْبَ لِلْإِنْكَارِ ، وَلَا أُجْرَةَ ، وَلَا يُخَشِّنُ إنْ كَفَى اللِّينُ ، إذْ الْقَصْدُ إزَالَةُ الْمُنْكَرِ فَيُقَدِّمُ الْوَعْظَ ، ثُمَّ السَّبَّ ثُمَّ كَسْرَ الْمَلَاهِي ، ثُمَّ الضَّرْبَ بِالْعَصَا ، ثُمَّ بِالسِّلَاحِ ، فَإِنْ احْتَاجَ إلَى جَمْعِ جَيْشٍ فَهُوَ إلَى الْإِمَامِ ، لَا إلَى الْآحَادِ ، إذْ هُوَ مِنْ الْآحَادِ يُؤَدِّي إلَى تَهْيِيجِ الْفِتَنِ وَالضَّلَالِ ( الْغَزَالِيُّ ) يَجُوزُ لِلْآحَادِ التَّجْيِيشُ وَالْحَرْبُ وَلَا وَجْهَ لَهُ ، لِمَا ذَكَرْنَا .

" مَسْأَلَةٌ " : ( ى ) وَلَا يُنْكِرُ فِي الْمُخْتَلَفِ فِيهِ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ وَهُوَ مَذْهَبُهُ ، إذْ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ كَمَا مَرَّ ، إلَّا الْإِمَامُ فَلَهُ الْإِنْكَارُ لِمَا يُخَالِفُ اجْتِهَادَهُ مِنْ ذَلِكَ ، إذْ لَا يَدَ فَوْقَ يَدِهِ وَعُمُومُ وِلَايَتِهِ .
قُلْت : فِيهِ نَظَرٌ .

" مَسْأَلَةٌ " : وَلَا يُنْكِرُ عَلَى صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ بِضَرْبٍ أَوْ نَحْوِهِ إلَّا عَمَّا فِيهِ ضَرَرٌ بِالْغَيْرِ ، فَيَجِبُ دَفْعُهُ بِكُلِّ مُمْكِنٍ وَلَوْ بِالْقَتْلِ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } قُلْت : أَمَّا لَوْ أَخَذُوا دُونَ مَا يُجْحِفُ فَفِي دَفْعِهِمْ بِالْقَتْلِ نَظَرٌ .

" مَسْأَلَةٌ " : وَيُنْكِرُ تَنْجِيسَ الْمَسَاجِدِ وَسَلَّ الْأَسْلِحَةِ فِيهَا ، وَاللَّحْنَ فِي الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ ، وَتَرْكَ اسْتِيفَاءِ الْأَرْكَانِ ، إلَّا مَنْ هُوَ مَذْهَبُهُ ، وَتَمْطِيطَ الْأَذَانِ وَالتَّغَنِّي بِهِ وَلَحْنَهُ وَفِعْلَهُ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ ، وَلُبْسَ الْخَطِيبِ وَغَيْرِهِ الدِّيبَاجَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَفِي الْأَسْوَاقِ الْمُرَابَحَةَ وَالتَّوْلِيَةَ بِالْكَذِبِ وَإِخْفَاءَ الْعُيُوبِ وَالتَّطْفِيفَ وَخَسْرَ الْمِيزَانِ ، وَتَرْكَ الْأَلْفَاظِ فِي غَيْرِ الْمُحَقَّرَاتِ ، وَبَيْعَ الْمُحَرَّمَاتِ وَآنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إلَى مَنْ يَسْتَعْمِلُهَا .
قُلْت : وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَفِي الشَّوَارِعِ رَبْطَ الْكِلَابِ الضَّارِيَةِ وَإِرْسَالَهَا فِيهَا لِمَا فِيهِ مِنْ الْأَذِيَّةِ مِنْ نَجَاسَةٍ وَغَيْرِهَا ، وَغَرْسَ الشَّجَرِ وَنَصْبَ الدِّكَاكِ وَرَبْطَ الْخَيْلَ وَالدَّوَابِّ وَذَبْحَ الْبَهَائِمِ .
وَفِي الْحَمَّامَاتِ وَغَيْرِهَا كَشْفَ الْعَوْرَةِ وَالنَّظَرَ إلَيْهَا ، وَإِرْسَالَ السِّدْرِ وَالصَّابُونِ فِي عَرْصَتِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الزَّلِقِ ، وَفِي كَوْنِ إزَالَتِهِ الْحَمَّامَيْ أَوْ وَاضِعِهِ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا عَلَى وَاضِعِهِ ، وَتَنْجِيسَ الْحِيَاضِ .
وَفِي الضِّيَافَاتِ اسْتِعْمَالَ الْآنِيَةِ الْمُحَرَّمَةِ وَالصُّوَرِ فِي الْجُدَرَانِ وَالْآلَاتِ ، وَسَمَاعَ الْأَوْتَارِ وَالْمَزَامِيرِ وَالطَّعَامَ الْحَرَامَ وَنَحْوَ ذَلِكَ .

فَصْلٌ قُلْت : وَتُنْكَرُ غِيبَةُ مَنْ ظَاهِرُهُ السِّتْرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا } وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { الْغِيبَةُ أَشَدُّ مِنْ الزِّنَا } وَهِيَ أَنْ تَذْكُرَ الْغَائِبَ بِمَا فِيهِ لِتُنْقِصَهُ بِمَا لَا يَنْقُصُ دِينُهُ ( عَبْدُ الْجَبَّارِ ) أَوْ يُنْقِصُهُ إلَّا إشَارَةً أَوْ جُرْحًا أَوْ شَكْوَى ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { اُذْكُرُوا الْفَاسِقَ بِمَا فِيهِ لِكَيْ يَحْذَرَهُ النَّاسُ } { لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إلَّا مَنْ ظُلِمَ } ( فَرْعٌ ) وَيَعْتَذِرُ الْمُغْتَابُ إلَيْهِ إنْ عَلِمَ وَيُؤْذَنُ مَنْ عَلِمَهَا بِالتَّوْبَةِ ، وَكُلُّ مَعْصِيَةٍ لِرَفْعِ التُّهْمَةِ .

" مَسْأَلَةٌ " : وَتُمَزَّقُ وَتُكْسَرُ آلَاتُ الْمَلَاهِي اللَّاتِي لَا تُوضَعُ فِي الْعَادَةِ إلَّا لَهَا وَإِنْ نَفَعَتْ فِي مُبَاحٍ ، وَيَرُدُّ مِنْ الْكُسُورِ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا عُقُوبَةً ، وَتُحْرَقُ دَفَاتِرُ الْكُفْرِ إنْ تَعَذَّرَ تَسْوِيدُهَا وَرَدُّهَا وَتُضْمَنُ .
وَيُزَالُ لَحْنُ غَيْرِ الْمَعْنَى فِي كُتُبِ الْهِدَايَةِ ، إذْ هُوَ مُنْكَرٌ ، وَتُغَيَّرُ تَمَاثِيلُ الْحَيَوَانَاتِ كَمَا مَرَّ .

بَابُ الدُّورِ وَحُكْمِ الْمُقَامِ فِيهَا قُلْت : قَدْ مَرَّ كَلَامُ الْمُتَكَلِّمِينَ فِيهَا ، وَنُعِيدُهَا لِذِكْرِ كَلَامِ أَهْلِ الْفُرُوعِ .
" مَسْأَلَةٌ " : وَهِيَ ثَلَاثٌ : دَارُ إسْلَامٍ ، وَدَارُ كُفْرٍ ، وَدَارُ فِسْقٍ .
قِيلَ : وَدَارُ وَقْفٍ ، " مَسْأَلَةٌ " : ( هق أَكْثَرُ لَهُ ) دَارُ الْإِسْلَامِ مَا ظَهَرَ فِيهَا الشَّهَادَتَانِ وَالصَّلَاةُ وَلَمْ تَظْهَرْ فِيهَا خَصْلَةٌ كُفْرِيَّةٌ وَلَوْ تَأْوِيلًا إلَّا بِجِوَارِ ( حص ) دَارُ الْإِسْلَامِ مَا خَالَفَ دَارَ الْكُفْرِ ، وَهِيَ مَا جَرَتْ فِيهَا أَحْكَامُ الشِّرْكِ وَلَمْ يَبْقَ فِيهَا مُسْلِمٌ وَلَا ذِمِّيٌّ ، وَتَاخَمَتْ دَارَ الشِّرْكِ ( فو ) بَلْ الْأَوَّلُ كَافٍ فَلَا يُشْتَرَطُ مُتَاخَمَتُهَا لِدَارِ الشِّرْكِ وَكَوْنُ : لَيْسَ فِيهَا مُسْلِمٌ وَلَا ذِمِّيٌّ ( م ى ) هِيَ مَا ظَهَرَ فِيهَا الشَّهَادَتَانِ وَالصَّلَاةُ ، وَلَوْ ظَهَرَتْ فِيهَا خَصْلَةٌ كُفْرِيَّةٌ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ } الْخَبَرَ .
وَلِكَوْنِ الْمَدِينَةِ دَارَ إسْلَامٍ وَكَانَ فِيهَا كُفَّارٌ ، لَا بِذِمَّةٍ وَلَا جِوَارٍ ، وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِي الْمُلْتَبَسِ حَالُهُ وَفِي جَوَازِ الْإِقَامَةِ .
فَصْلٌ وَأَثْبَتَ جَعْفَرُ بْنُ مُبَشِّرٍ وَبَعْضُ الْمُحَصِّلِينَ لِلْمَذْهَبِ دَارَ الْفِسْقِ ، وَهِيَ مَا ظَهَرَ فِيهَا الْمُنْكَرَاتُ مِنْ دُونِ تَنَاكُرٍ ( أَبُو عَلِيٍّ ) لَا دَارَ فِسْقٍ إلَّا فِسْقَ التَّأْوِيلِ ، كَدَارِ الْبُغَاةِ وَالْخَوَارِجِ إذْ دَانُوا بِهِ وَاعْتَقَدُوهُ ، فَأَشْبَهَتْ دَارَ الْكُفْرِ ، لَا فِسْقَ التَّصْرِيحِ ، إذْ لَمْ يَجْعَلُوهُ مَذْهَبًا يُنْسَبُونَ إلَيْهِ ، فَتَكُونُ لَهُمْ دَارًا ( أَبُو هَاشِمٍ ) لَا دَارٌ لِلْفِسْقِ مُطْلَقًا ، إذْ لَا حُكْمَ يُسْتَفَادُ مِنْهَا بِخِلَافِ دَارِ الْكُفْرِ .
قُلْنَا : تَحْرِيمُ الْمُوَالَاةِ حُكْمٌ مُسْتَفَادٌ وَفَائِدَتُهَا الْحُكْمُ عَلَى الْمَجْهُولِ ، فِيهَا بِهِ ( ى ) وَنَفَاهَا ( أَئِمَّةُ الْعِتْرَةِ وَأَكْثَرُ لَهُ ) إذْ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا وَإِذْ لَا تُمَيَّزُ دَارُ الْإِسْلَامِ ، إذْ لَا حُكْمَ يُسْتَفَادُ مِنْهَا ( ى ) وَلَا مَانِعَ مِمَّا قَالَهُ ( ابْنُ مُبَشِّرٍ ) مِنْ

إثْبَاتِهَا بِالْقِيَاسِ إذْ هُوَ أَحَدُ طُرُقِ الشَّرْعِ ، وَفَائِدَتُهَا مَا مَرَّ

784 / 792
ع
En
A+
A-