" مَسْأَلَةٌ " : وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ رُكُوبِ بَحْرِ الْحِجَازِ وَمُرُورِهِ بِالسُّفُنِ إذْ لَا حُرْمَةَ لِشَيْءٍ مِنْ الْبَحْرِ وَيُمْنَعُونَ مِنْ الْإِقَامَةِ فِي سَاحِلِهِ لِلْحُرْمَةِ وَفِي مَنْعِهِمْ مِنْ الطُّرُقِ الْمُعْتَرِضَةِ بَيْنَ بِلَادِ الْعَرَبِ وَجْهَانِ ، أَصَحُّهُمَا : يُبَاحُ ، إذْ لَا اسْتِقْرَارَ ، وَلَا يُمْنَعُونَ الْمُرُورَ فِي خُطَطِنَا إجْمَاعًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يُقِيمُوا ثَلَاثًا غَيْرَ يَوْمَيْ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ .
" مَسْأَلَةٌ " : ( ى هـ ش ) وَيُمْنَعُ الْكُفَّارُ مِنْ دُخُولِ الْحَرَمِ الْمُحَرَّمِ ( ح ) لَا ، لَنَا قَوْله تَعَالَى { فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ } وَذَلِكَ لِشَرَفِهِ ، إذْ كَانَ الْأَنْبِيَاءُ يَخْلَعُونَ نِعَالَهُمْ عِنْدَ دُخُولِهِ ( ى ) وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَيْثُ ذُكِرَ فِي آيَةِ الْإِسْرَاءِ وَهُوَ مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ ، وَمِنْ طَرِيقِ الْعِرَاقِ عَلَى سَبْعَةٍ ، وَمِنْ طَرِيقِ الْجِعْرَانَةِ عَلَى تِسْعَةٍ ، وَمِنْ طَرِيقِ نَجْدٍ عَلَى سَبْعَةٍ ، وَمِنْ طَرِيقِ جُدَّةَ عَلَى عَشْرَةٍ ، وَعَلَيْهِ أَعْلَامٌ مَنْصُوبَةٌ .
قُلْت : قَدْ حُكِيَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ عَنْ ( هـ ) أَنَّهُ إلَى الْمَوَاقِيتِ وَهَذِهِ أَقْرَبُ " مَسْأَلَةٌ " : وَيُمْنَعُونَ سَائِرَ الْمَسَاجِدِ فَإِنْ اسْتَأْذَنُوا لَمْ يَجُزْ الْإِذْنُ إلَّا لِسَمَاعِ الْقُرْآنِ ، أَوْ عِلْمٍ أَوْ ذِكْرٍ ، إذْ رُبَّمَا كَانَ سَبَبًا لِإِسْلَامِهِمْ كَدُخُولِ عَلَى أُخْتِهِ { وَلِقَوْلِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ سَمِعْت الْقُرْآنَ فَكَادَ قَلْبِي أَنْ يَنْصَدِعَ لِمَا سَمِعْته } وَيُمْنَعُونَ مِنْ دُخُولِ دَارِ الْإِسْلَامِ إلَّا بِإِذْنٍ ، إذْ دُخُولُهُمْ لِلتَّجَسُّسِ وَالْإِفْسَادِ وَمَتَى ارْتَكَبُوا مَحْظُورًا فِي شَرْعِنَا وَشَرْعِهِمْ كَالزِّنَا ، أُقِيمَ عَلَيْهِمْ الْحَدُّ وَيُعَزَّرُونَ إنْ سَكِرُوا لِتَحْرِيمِهِ عَلَيْهِمْ .
" مَسْأَلَةٌ " : وَلَيْسَ لَهُمْ إحْدَاثُ بِيعَةٍ ، أَوْ كَنِيسَةٍ فِيمَا اخْتَطَّهُ الْمُسْلِمُونَ كَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا أَحْدَثَهُ الْمُسْلِمُونَ وَغَيْرِهِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ " أَيُّمَا مِصْرٍ مَصَّرَتْهُ الْعَرَبُ فَلَيْسَ لِلْعُجْمِ أَنْ يُحْدِثُوا فِيهِ كَنِيسَةً " فَأَمَّا الْمَوْجُودُ فِي بِلَادِنَا الْآنَ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْمُشْرِكِينَ بَنُوهَا وَاتَّصَلَ بِهَا عِمَارَةُ الْمُسْلِمِينَ ، وَحُكْمُ مَا مَلَكَهُ الْمُسْلِمُونَ بِالْقَهْرِ حُكْمُ مَا اخْتَطُّوهُ ، وَلِلْإِمَامِ هَدْمُ مَا وَجَدَ فِيهَا مِنْ الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ وَصَوَامِعِ الرُّهْبَانِ ، وَإِنْ أَقَرَّهُ لِمَصْلَحَةٍ فَلَا حَرَجَ وَلَهُمْ إحْدَاثُهَا فِي خُطَطِهِمْ الَّتِي اُخْتُصُّوا بِهَا وَأَظْهَرُوا شِعَارَهُمْ فِيهَا إنْ وَقَعَ الصُّلْحُ ، عَلَى أَنَّ الدَّارَ لَهُمْ لَا عَلَى أَنَّهَا لَنَا ، فَلَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { لَا تُبْنَى الْكَنِيسَةُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ } وَلَا يُجَدَّدُ مَا خَرِبَ مِنْهَا .
قُلْت بَلْ الْمَذْهَبُ أَنَّ لَهُمْ تَجْدِيدَ مَا خَرِبَ مِمَّا قُرِّرُوا عَلَيْهِ أَوَّلًا ، ( فَرْعٌ ) وَخُطَطُهُمْ الَّتِي صُولِحُوا عَلَيْهَا ، أَيْلَةُ ، وَعَمُورِيَّة وَفِلَسْطِينُ وَنَجْرَانُ وَقُسْطَنْطِينِيَّة .
" مَسْأَلَةٌ " : وَلَا يُبْدَءُونَ بِالسَّلَامِ وَلَا يُقَامُ فِي وُجُوهِهِمْ ( ى ) وَإِذَا عَقَدَ الذِّمَّةَ الْإِمَامُ لِلْكِتَابِيِّينَ ذَكَرَ عَدَدَهُمْ وَصِفَاتِهِمْ فِي دِيوَانِهِ وَأَسْمَاءَهُمْ ، وَيَصِفُ كُلَّ وَاحِدٍ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ مِنْ الطُّولِ وَالْقِصَرِ وَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ وَالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ وَنَحْوِهَا ، وَيُقِيمُ عَلَى كُلِّ عَشْرَةٍ نَقِيبًا مُسْلِمًا يُخْبِرُهُ بِمَنْ يَمُوتُ وَمَنْ يُسْلِمُ ، وَتُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ ، وَلَا يُبَاحُ مِنْ إذْلَالِهِمْ أَكْثَرُ مِمَّا قَدَّمْنَا .
" مَسْأَلَةٌ " : وَعَلَيْنَا الذَّبُّ عَنْهُمْ وَعَنْ أَمْوَالِهِمْ فِي دِيَارِنَا ، فَإِنْ اُنْفُرِدُوا فَوَجْهَانِ : الْأَصَحُّ يَجِبُ إنْ شَرَطُوا وَإِلَّا فَلَا ، وَالْكَفُّ عَنْ دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ، وَلَوْ خَمْرًا وَخِنْزِيرًا مَا لَمْ يَشْتَهِرُوا بِهَا فَنُرِيقُهَا ( هب ح ) وَيَضْمَنُ مَنْ دَخَلَ بُيُوتَهُمْ فَأَرَاقَهَا تَعَدِّيًا ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ } ( ش ) أُمِرْنَا بِإِهْرَاقِهَا حَيْثُ كَانَتْ .
قُلْنَا : لَا نُسَلِّمُ وَعَلَيْهِمْ الْجِزْيَةُ وَتَرْكُ الطَّعْنِ فِي كِتَابِنَا وَنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَامْتِثَالِ مَا حَكَمَ بِهِ حَاكِمُنَا ، وَيَحْكُمُ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ } وَلَهُ الْإِعْرَاضُ عَنْهُمْ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى { أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } .
" مَسْأَلَةٌ " : فَإِنْ قَتَلُوا مُسْلِمًا ، أَوْ زَنَوْا بِمُسْلِمَةٍ انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ ( ى ) وَيُخَيَّرُ الْإِمَامُ بَيْنَ قَتْلِهِمْ وَاسْتِرْقَاقِهِمْ وَالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ ، وَقِيلَ : بَلْ يَرُدُّونَ إلَى مَأْمَنِهِمْ ، لَنَا قَتَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ نَصْرَانِيًّا زَنَى بِمُسْلِمَةٍ قَبْلَ رَدِّهِ إلَى مَأْمَنِهِ وَلَمْ يُنْكَرْ ، فَكَانَ إجْمَاعًا ، وَإِذْ يَصِيرُ كَجَاسُوسٍ حَرْبِيٍّ .
مَسْأَلَةٌ " : وَلَا يُنْتَقَضُ بِضَرْبِهِمْ النَّاقُوسَ وَتَرْكِهِمْ الزُّنَّارَ وَإِظْهَارِ مُعْتَقِدِهِمْ وَدُعَاءِ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْخَمْرِ وَرُكُوبِ الْخَيْلِ وَنَحْوِهًا مِمَّا لَا ضَرَرَ فِيهِ ، بَلْ يُعَزَّرُونَ ، وَلَوْ شَرَطَ الْإِمَامُ نُقِضَ الْعَهْدُ بِذَلِكَ لَمْ يُنْتَقَضْ بَلْ يُحْمَلُ عَلَى التَّخْوِيفِ ، إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّهَا مُوجِبَةٌ لِلنَّقْضِ .
" مَسْأَلَةٌ " : فَإِنْ فَعَلُوا مَا فِيهِ ضَرَرٌ كَفِتْنَةِ مُسْلِمٍ ، وَتَطَلُّعٍ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَاسْتِهْزَاءٍ بِالرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآنِ وَكَوْنِهِ مُرْسَلًا إلَى الْعَرَبِ دُونَ الْعَجَمِ فَوُجُوهٌ ( ى ) أَصَحُّهُمَا يَكُونُ نَقْضًا لِلْعَهْدِ ، إذْ فِيهِ إضْرَارٌ ، فَأَشْبَهَ الْقَتْلَ ، وَقِيلَ : لَا ، بَلْ يُعَزَّرُونَ كَمَا مَرَّ .
وَقِيلَ : إنْ شَرَطَ الْإِمَامُ فِي الذِّمَّةِ كَوْنَهُ نَقْضًا فَنُقِضَ وَإِلَّا فَلَا إذْ الشَّرْطُ أَمْلَكُ .
" مَسْأَلَةٌ " : وَيُنْتَقَضُ بِمُنَابَذَةِ الْإِسْلَامِ إجْمَاعًا وَبِمَنْعِ الْجِزْيَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ .
}
بَابُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ الْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ } وَآيَاتٌ كَثِيرَةٌ ، وَمِنْ السُّنَّةِ { مَا مِنْ قَوْمٍ يَعْمَلُونَ بِالْمَعَاصِي إلَّا أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ } وَأَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ .
وَمِنْ قَوْلِ السَّلَفِ قَوْلُ أَبِي الدَّرْدَاءِ " لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ " إلَى آخِرِهِ ، وَنَحْوُهُ مِمَّا أُثِرَ عَنْهُمْ وَعَنْ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ وَالْإِجْمَاعِ عَلَى وُجُوبِ ذَلِكَ .