" مَسْأَلَةٌ " : ( ى ) وَلِذَرَارِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ حُكْمُهُمْ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ وَتَقْرِيرِهِمْ سَوَاءٌ بَدَّلُوا حُكْمَ كُتُبِهِمْ أَمْ لَا ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى { وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ }

فَصْلٌ .
وَلَا يَعْقِدُ لَهُمْ الذِّمَّةَ إلَّا الْإِمَامُ أَوْ وَالِيهِ ، إذْ هِيَ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَظِيمَةِ فَلَا تَصِحُّ مِنْ الْآحَادِ ، وَفِي وُجُوبِ عَقْدِهَا إذَا طَلَبُوهُ وَجْهَانِ ( ى ) أَصَحُّهُمَا : يَجِبُ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ } { وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ فَادْعُهُمْ إلَى الْجِزْيَةِ ، فَإِنْ قَبِلُوا فَكُفَّ عَنْهُمْ } الْخَبَرَ .
وَشَرْطُ صِحَّتِهَا ذِكْرُ الْجِزْيَةِ لِلْآيَةِ ، وَالْتِزَامُهُمْ لِأَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ }

" مَسْأَلَةٌ " : وَإِنَّمَا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِمَّنْ يَجُوزُ قَتْلُهُ لَوْ حَارَبُوا ، إذْ هِيَ بَدَلٌ عَنْ الدَّمِ ، فَلَا تُؤْخَذُ مِنْ صَبِيٍّ وَامْرَأَةٍ وَعَبْدٍ وَمَجْنُونٍ ، وَهَرَمٍ وَفَقِيرٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّكَسُّبِ ، " مَسْأَلَةٌ " : وَلَا تُؤْخَذُ مِمَّنْ لَمْ نَشْعُرْ بِدُخُولِهِ دَارَنَا حَتَّى مَضَتْ السَّنَةُ ، بَلْ إنْ دَخَلَ فِي الْجِزْيَةِ وَإِلَّا اُسْتُرِقَّ " مَسْأَلَةٌ " : فَتَحْرُمُ أَنْفُسُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ كَالْمُسْلِمِينَ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْإِمَامُ حِفْظَهُمْ فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهَا ، فَإِنْ شَرَطَ أَنْ لَا يَحْفَظَهُمْ مِنْ الْحَرْبِيِّينَ ، فَإِنْ كَانُوا فِي وَسَطِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَصِحَّ ، إذْ انْعَقَدَتْ عَلَى تَمْكِينِ الْحَرْبِيِّينَ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ ، وَإِنْ كَانُوا فِي طَرَفٍ بِحَيْثُ لَا يَنَالُونَ بِدُخُولِهِمْ شَيْئًا مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ صَحَّ الشَّرْطُ .

" مَسْأَلَةٌ " : ( هـ حص ) وَهِيَ مِنْ الْغَنِيِّ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا ، وَمِنْ الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ ، وَمِنْ الْفَقِيرِ اثْنَا عَشَرَ ( ش ) أَقَلُّ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الذِّمِّيِّ فِي كُلِّ سَنَةٍ دِينَارٌ ، فَقِيرًا كَانَ أَمْ غَنِيًّا ( ك ) إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الذَّهَبِ فَفِي السَّنَةِ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَرِقِ فَثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا ( ث ) الْجِزْيَةُ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ ، بَلْ مَوْكُولَةٌ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ .
قُلْنَا : صَالَحَ أَهْلَ الشَّامِ بِمَا ذَكَرْنَا وَلَمْ يُنْكَرْ ، فَكَانَ إجْمَاعًا ، وَلَهُ أَنْ يُصَالِحَ بِضَعْفٍ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، كَمَا فَعَلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مَعَ بَنِي تَغْلِبَ وَتَنُوخ وبهرا ( الْأَكْثَرُ ) وَتَكُونُ مُؤَبَّدَةً .
وَعَنْ بَعْضِ ( الْخُرَاسَانِيِّينَ ) مِنْ ( صش ) تَصِحُّ مُؤَقَّتَةً .
قُلْنَا : عَقْدُهَا مَشْرُوطٌ بِالْتِزَامِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ ، فَاقْتَضَى التَّأْبِيدَ .

" مَسْأَلَةٌ " : ( ى ) وَيَشْرِطُ عَلَيْهِمْ الضِّيَافَةَ لِمَنْ مَرَّ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَشَرْطِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَهْلِ أَيْلَةَ ، وَشَرَطَ عُمَرُ ضِيَافَةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ .
وَيَذْكُرُ عَدَدَ الضَّيْفِ وَدَوَابِّهِمْ وَالْأَيَّامِ وَقَدْرِ الطَّعَامِ وَالْإِدَامِ لِيَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى مَعْلُومٍ ، وَلَا يُكَلَّفُونَ خِلَافَ جِنْسِ طَعَامِهِمْ ، لِقَوْلِ " أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ " وَيُقَدَّرُ الْعَلَفُ وَالْحَشِيشُ وَالْقَضِيمُ لِيَكُونَ مَعْلُومًا .
قُلْت : الصَّحِيحُ أَنَّهَا غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ ، بَلْ الْجِزْيَةُ كَافِيَةٌ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ } وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهَا ، وَلَعَلَّ " فَرَضَهَا مِنْ الْجِزْيَةِ لِمَصْلَحَةِ الْمَارَّةِ " .

" مَسْأَلَةٌ " : وَيَلْزَمُ إصْغَارُهُمْ عِنْدَ الْعَطَاءِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى { عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } قِيلَ : مَعْنَاهُ أَنْ يُطَأْطِئَ الذِّمِّيُّ رَأْسَهُ وَيَصُبَّ الْجِزْيَةَ وَكَفُّ الْمُسْتَوْفِي بِلِحْيَتِهِ إنْ كَانَتْ ، وَيَضْرِبُ بِيَدِهِ فِي لَهَازِمِهِ ، وَقِيلَ : يُعْطِي الْجِزْيَةَ قَائِمًا وَالْمُسْتَوْفِي قَاعِدًا ، وَقِيلَ : يُعْطِيهَا بِالْيَمِينِ وَالْمُسْتَوْفِي بِالشِّمَالِ .
وَهَذِهِ الْكَيْفِيَّاتُ مُسْتَحَبَّةٌ ، إذْ لَا يَجِبُ مِنْ الْعُقُوبَاتِ إلَّا الْحُدُودُ .
وَقِيلَ : مَعْنَاهُ إجْرَاءُ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ وَامْتِثَالُ مَا قَضَى بِهِ حُكَّامُنَا .

" مَسْأَلَةٌ " : وَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهُمْ فِي الْحِجَازِ ، إذْ أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ : أَحَدُهَا : إخْرَاجُهُمْ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَنَحْوِهِ ، وَالْمُرَادُ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَمُخَالِفِيهَا ، ووج وَالطَّائِفُ وَمَا يُنْسَبُ إلَيْهِمَا ، وَسُمِّيَ الْحِجَازَ حِجَازًا لِحَجْزِهِ بَيْنَ نَجْدٍ وَتِهَامَةَ الْأَصْمَعِيُّ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مِنْ أَقْصَى عَدَنَ إلَى رِيفِ الْعِرَاقِ طُولًا ، وَمِنْ جُدَّةَ وَمَا وَالَاهَا مِنْ سَاحِلِ الْبَحْرِ إلَى أَطْرَافِ الشَّامِ عَرْضًا ( أَبُو عُبَيْدَةَ ) هِيَ مَا بَيْنَ حَفَرِ أَبِي مُوسَى وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْبَصْرَةِ إلَى أَقْصَى الْيَمَنِ طُولًا ، وَمَا بَيْنَ يَبْرِينَ إلَى السَّمَاوَةِ عَرْضًا ، لَنَا مَا رَوَى أَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّ آخِرَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { أَخْرِجُوا الْيَهُودَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ } الْخَبَرَ .
وَأَجْلَى أَهْلَ الذِّمَّةِ مِنْ الْحِجَازِ فَلَحِقَ بَعْضُهُمْ بِالشَّامِ وَبَعْضُهُمْ بِالْكُوفَةِ ، وَأَجْلَى أَبُو بَكْرٍ قَوْمًا فَلَحِقُوا بِخَيْبَرَ ، فَاقْتَضَى أَنَّ الْمُرَادَ الْحِجَازُ لَا غَيْرُ .

( فَرْعٌ ) فَإِنْ دَخَلَ أَحَدٌ مِنْهُمْ الْحِجَازَ بِغَيْرِ إذْنٍ ، عُزِّرَ إنْ كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ ، وَأُخْرِجَ وَإِنْ خُشِيَ مَوْتُهُ وَإِنْ دُفِنَ نُبِشَ ، وَإِنْ مَرِضَ فِي طَرَفٍ مِنْ الْحِجَازِ أُخْرِجَ إنْ أَمْكَنَ ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا فَلَا تَعْزِيرَ ، وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ بِالدُّخُولِ لِمَصْلَحَةٍ دُونَ إقَامَةٍ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ ، إذْ لَا يُسَمَّى بِدُونِهَا مُقِيمًا ، إلَّا لِعُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَك فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ } فَإِنْ مَاتَ فِيهَا وَأَمْكَنَ نَقْلُهُ إلَى غَيْرِ الْحِجَازِ نُقِلَ ، إذْ حَرُمَتْ إقَامَةُ الْحَيِّ ، فَكَذَا إقَامَةُ الْمَيِّتِ ، فَإِنْ خُشِيَ تَغَيُّرُهُ جَازَ دَفْنُهُ هُنَالِكَ .

" مَسْأَلَةٌ " : ( هـ ) وَيَلْزَمُونَ زِيًّا يَتَمَيَّزُونَ بِهِ كَالصُّفْرَةِ لِلْيَهُودِ ، وَالدُّكْنَةِ لِلنَّصَارَى وَالسَّوَادِ لِلْمَجُوسِ ، وَيُشَدُّ عَلَيْهِمْ الزُّنَّارُ وَهُوَ خَيْطٌ غَلِيظٌ فَوْقَ ثِيَابِهِمْ ، وَيُجْعَلُ فِي عُنُقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَاتَمٌ مِنْ رَصَاصٍ أَوْ صُفْرٍ يُعْرَفُ بِهِ عِنْدَ تَعَرِّيهِ فِي الْحَمَّامِ وَغَيْرِهِ ، فَإِنْ طَوَّلُوا الشَّعْرَ جُزَّتْ نَوَاصِيهِمْ ، إذْ أَمَرَ بِذَلِكَ وَلَا يَرْكَبُونَ عَلَى الْأُكُفِ إلَّا عَرْضًا ، وَيُمْنَعُونَ السِّلَاحَ وَلُبْسَ الدِّيبَاجِ وَرَفِيعَ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ وَرُكُوبَ الْخَيَلِ وَالْبِغَالِ ، لَا الْحَمِيرُ وَالْخَسِيسُ مِنْهُمَا ، لَكِنْ يُجْعَلُ سَرْجُهَا مِنْ خَشَبٍ وَسُيُورُهَا مِنْ لِيفٍ ، إذْ عَامَلَهُمْ بِذَلِكَ وَلَمْ يُنْكَرْ ، وَتُزَنَّرُ النِّسَاءُ كَالرِّجَالِ ، وَيُلْجَئُونَ إلَى مَضَايِقِ الطَّرِيقِ وَيُمْنَعُونَ صُدُورَ الْمَجَالِسِ وَتَطْوِيلَ الْأَبْنِيَةِ حَتَّى تُسَاوِي أَبْنِيَةَ الْمُسْلِمِينَ وَزَخْرَفَتَهَا وَتَحْسِينَ أَبْوَابِهَا ، إذْ الْإِسْلَامُ يَعْلُو ، وَعَنْ إظْهَارِ شُرْبِ الْخَمْرِ وَبَيْعِهَا وَأَكْلِ الْخِنْزِيرِ وَضَرْبِ النَّاقُوسِ وَإِظْهَارِ قِرَاءَةِ كُتُبِهِمْ وَعِبَادَةِ الصُّلْبَانِ وَالزِّينَةِ فِي أَعْيَادِهِمْ وَرَفْعِ الصَّوْتِ عَلَى مَوْتَاهُمْ وَعَنْ تَكْوِيرِ الْعَمَائِمِ فَوْقَ ثَلَاثِ طَاقَاتٍ ، وَإِرْسَالِ الذَّوَائِبِ وَتَرْجِيلِ الشَّعْرِ وَالْخَوَاتِمِ الْفِضِّيَّةِ وَالذَّهَبِيَّةِ وَالْفُصُوصِ إلَّا مَا لَا زِينَةَ فِيهِ كَالزُّجَاجِ ، وَتُقَامُ عَلَيْهِمْ الْحُدُودُ وَيَضْمَنُونَ مَا أَتْلَفُوا ، وَإِذَا تَرَافَعُوا إلَيْنَا حَكَمْنَا بِشَرِيعَتِنَا إلَّا ضَمَانَ مَا أُقِرُّوا عَلَيْهِ كَالْخَمْرِ .

" مَسْأَلَةٌ " : وَلَا يُمْنَعُونَ الْأَسْوَاقَ وَالْأَنْهَارَ وَظِلَالَ الْأَشْجَارِ وَالطُّرُقِ مَا لَمْ يُزَاحِمُوا الْمُسْلِمِينَ .

782 / 792
ع
En
A+
A-