" مَسْأَلَةٌ " : وَلَا يَجُوزُ عَقْدُهُ مُطْلَقًا لِاسْتِلْزَامِهِ التَّأْبِيدَ ، فَإِنْ صَالَحَ عَلَى أَنَّهُ يُنْقَضُ مَتَى شَاءَ جَازَ ، كَمَا صَالَحَ أَهْلَ خَيْبَرَ مُطْلَقًا وَقَالَ { " أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمْ اللَّهُ " وَفِي رِوَايَةٍ " نُقِرُّكُمْ مَا شِئْنَا " } وَيَصِحُّ أَنْ يُعَلِّقَهُ بِمَشِيئَةِ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَتَعْلِيقِهِ بِحُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ، لَا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ ، إذْ يَكُونُ تَحْكِيمًا لَهُمْ ، وَالْإِسْلَامُ يَعْلُو .
وَيَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِمَشِيئَتِهِمْ ، إذْ عَقْدُهُ غَيْرُ لَازِمٍ مِنْ جِهَتِهِمْ ، بَلْ مِنْ جِهَتِنَا ، وَيَصِحُّ تَأْبِيدُهُ بِالْجِزْيَةِ حَيْثُ يَصِحُّ قَبُولُهَا ، فَإِنْ مَاتَ الْإِمَامُ فِي مُدَّةِ الصُّلْحِ لَمْ يُنْتَقَضْ بِمَوْتِهِ لِإِتْمَامِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا عَقَدَهُ لِأَهْلِ نَجْرَانَ وَعَلَيْهِ حِفْظُهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالذِّمِّيِّينَ ، لَا مِنْ الْحَرْبِيِّينَ ، إذْ لَا يَنْعَقِدُ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِمُعْتَزٍّ إلَيْهِ ، وَلَيْسَ لَهُ نَقْضُهُ قَبْلَ انْتِهَاءِ مُدَّتِهِ إلَّا لِأَمَارَةِ خَدْعِهِمْ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى { ( وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً ) } الْآيَةَ .
وَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ الْخَوْفِ مِنْ غَيْرِ أَمَارَةٍ قَوِيَّةٍ ، وَذَلِكَ يَخْتَصُّ الْهُدْنَةَ الْمُؤَقَّتَةَ ، لَا الْمُؤَبَّدَةَ فَلَا يُنْتَقَضُ عَهْدُ الذِّمِّيِّينَ بِخَوْفِ خِيَانَتِهِمْ وَإِنْ ظَهَرَتْ أَمَارَةٌ .
قُلْت : بَلْ يَفْعَلُ مَا يَكُفُّ شَرَّهُمْ مِنْ تَفْرِيقٍ أَوْ نَحْوِهِ .
وَإِذَا حَدَثَ عَلَى حُلَفَاءِ الْإِمَامِ حَادِثٌ أَوْجَبَ النَّقْضَ كَحَادِثِ قُرَيْشٍ عَلَى بَنِي بَكْرٍ .

" مَسْأَلَةٌ " : وَمَنْ دَخَلَ مِنْهُمْ دَارَنَا بِرِسَالَةٍ أَوْ بِأَمَانٍ أَوْ بِمِيرَةٍ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يُقِرَّهُ دُونَ سَنَةٍ ، لَا فَوْقَهَا إلَّا بِجِزْيَةٍ ، إذْ هِيَ الْوَقْتُ الَّذِي تُؤْخَذُ فِيهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُقِرَّهُمْ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ عِوَضٍ إلَّا الْمُدَّةَ الَّتِي لَا عِوَضَ فِي مِثْلِهَا ، إذْ فِيهِ نَقْضٌ .

" مَسْأَلَةٌ " : وَلَا يَجُوزُ رَدُّ مَنْ جَاءَتْ مُسْلِمَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى { ( فَلَا تُرْجِعُوهُنَّ إلَى الْكُفَّارِ ) } ( ش حص ط هب ني ) وَلَا لِزَوْجِهَا الْمُطَالَبَةُ بِمَهْرِهَا ، إذْ لَا قِيمَةَ لِخُرُوجِ الْبُضْعِ إذْ لَيْسَ بِمَالٍ ، بَلْ لِدُخُولِهِ ، إذْ بِدُخُولِهِ قَدْ اسْتَوْفَى مَنَافِعَهُ ، وَلِأَنَّ الْأَمَانَ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْمَالَ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُشْرِكَ لَوْ أُومِنَ لَمْ تَدْخُلْ امْرَأَتُهُ ، وَإِذْ لَوْ ضَمِنَ الْبُضْعَ لَضَمِنَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَلَا قَائِلَ بِهِ ، وقَوْله تَعَالَى { ( وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ) } مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ شَرَطَهُ فِي عَقْدِ الصُّلْحِ فَلَزِمَ ، وقَوْله تَعَالَى { ( وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ ) } مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ شُرِطَ فِي عَقْدِ الصُّلْحِ ، كَالْأَوَّلِ ، وقَوْله تَعَالَى { ( وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ ) } الْآيَةَ .
أَرَادَ إنْ شَرَطْتُمْ مُرَادَّةَ الْمَهْرِ فَلَمْ يَفِ الْكُفَّارُ لِبَعْضِ الْمُسْلِمِينَ غُرِمَ لَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ قَدْرُ مَهْرِ زَوْجَتِهِ الَّتِي فَاتَتْهُ وَلَمْ يُعْطُوهُ مَهْرَهَا .

" مَسْأَلَةٌ " : وَإِذَا ظَهَرَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ خِيَانَةٌ فِي الْهُدْنَةِ مِنْ إيوَاءِ جَاسُوسٍ أَوْ مُكَاتَبَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ ، أَوْ أَخْذِ مَالٍ انْتَقَضَ الْعَهْدُ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى { ( فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ ) } وقَوْله تَعَالَى { ( ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا ) } وَيَجُوزُ غَزْوُهُمْ مِنْ دُونِ حُكْمٍ بِنَقْضٍ بَعْدَ رَدِّهِمْ إلَى مَأْمَنِهِمْ إلَّا إذَا فَعَلُوا مَا يُوجِبُ قِصَاصًا أَوْ غَرَامَةً اُسْتُوْفِيَ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ خَانَ بَعْضُهُمْ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ الْآخَرُونَ لَمْ يُنْتَقَضْ عَهْدُ الْمُنْكِرِينَ ، فَإِنْ لَمْ يُنْكِرُوا قَوْلًا وَلَا فِعْلًا بِاعْتِزَالِهِمْ ، انْتَقَضَ عَهْدُ جَمِيعِهِمْ كَمَا انْتَقَضَ عَهْدُ بَنِي قُرَيْظَةَ بِخِيَانَةِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وَأَخَوَيْهِ ، " مَسْأَلَةٌ " : وَإِذَا أَنْكَرُوا فِعْلَ مَا يُوجِبُ النَّقْضَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ .

بَابُ الْأَمَانِ مِنْ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ .
الْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى { ( وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ) } الْآيَةَ .
فَصْلٌ إنَّمَا يَصِحُّ مِنْ مُكَلَّفٍ مُسْلِمٍ مُتَمَتِّعٍ مِنْهُمْ ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { " أَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أَقْصَاكُمْ أَوْ أَدْنَاكُمْ " } الْخَبَرَ " مَسْأَلَةٌ " : ( هـ قين ) وَلَا يَصِحُّ أَمَانُ الذِّمِّيِّ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { " الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ " } فَشَرَطَ الْإِسْلَامَ .

" مَسْأَلَةٌ " : ( هـ ش ) وَلَا يَصِحُّ أَمَانُ الصَّبِيِّ لِرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُ ( مُحَمَّدٌ ) يَجُوزُ لِعُمُومِ الْخَبَرِ .
قُلْنَا : قَوْلُهُ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ ، خِطَابٌ لِلْبَالِغِينَ وَلَا الْمَجْنُونُ وَالْمَعْتُوهُ كَعُقُودِهِ ، وَلَا الْمُكْرَهُ إجْمَاعًا كَعَقْدِهِ ( هـ ح ش ) وَلَا الْأَسِيرُ كَالْمُكْرَهِ ( قش ) يَصِحُّ أَمَانُهُ .
قُلْنَا : لَيْسَ بِمُخْتَارٍ لِأَجْلِ الْأَسْرِ .

" مَسْأَلَةٌ " : ( هـ قين ) وَيَصِحُّ مِنْ الْمَرْأَةِ ، لِعُمُومِ الدَّلِيلِ وَإِذْ أَجَازَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَمَانَ زَيْنَبَ وَأُمِّ هَانِئٍ وَالْمُخَالِفُ غَيْرُ مَشْهُورٍ بَلْ حَكَاهُ ( الْقَاسِمُ ) عَنْ بَعْضِ النَّاسِ "

مَسْأَلَةٌ " : ( هـ ش ك عي ث ل ) وَيَصِحُّ مِنْ الْعَبْدِ ( ع ف ) لَا يَصِحُّ ، لَنَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { " أَيُّمَا رَجُلٍ " } الْخَبَرَ ( ح مُحَمَّدٌ ) يَصِحُّ إذَا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فَقَطْ : لَنَا مَا مَرَّ ، وَيَصِحُّ مِنْ الْمَرِيضِ وَالْهَرِمِ وَالْمُفْلِسِ إجْمَاعًا ، لِعُمُومِ الْخَبَرِ ، .

" مَسْأَلَةٌ " : وَصِيغَتُهُ ثَلَاثٌ ، صَرِيحٌ كَأَنْتَ آمِنٌ أَوْ نَحْوِهِ ، وَكِنَايَةٌ كَأَنْتَ جَارِي وَنَحْوِهِ ( ق ) وَلَا بَأْسَ عَلَيْك وَلَا تَخَفْ " الثَّالِثَةُ " بِالْفِعْلِ كَالْإِشَارَةِ وَالْكِتَابَةِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَفْهَمَهُ الْمُسْتَأْمَنُ وَإِلَّا لَمْ يَنْعَقِدْ ، وَلِذَا لَوْ لَمْ يَقْبَلْ الْأَمَانَ ، بَلْ سَكَتَ أَوْ رَدَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ قُلْنَا : اغْتِيَالُهُ ، فَإِنْ أَنْكَرَ الْمُسْلِمُ قَصْدَهُ الْأَمَانَ ، وَادَّعَى الْكَافِرُ أَنَّهُ فَهِمَهُ مَعَ الِاحْتِمَالِ رُدَّ مَأْمَنَهُ لِلشُّبْهَةِ .

" مَسْأَلَةٌ " : وَالرَّسُولُ وَالسَّفِيرُ وَطَالِبٌ أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ آمِنٌ وَإِنْ لَمْ يُعْقَدْ لَهُ أَمَانٌ { لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لِرَسُولَيْ مُسَيْلِمَةَ " لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكُمَا " } .

779 / 792
ع
En
A+
A-