وَأَمَّا نَبِيذُ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ وَالْأُرْزِ وَالْعَسَلِ ، فَيَحِلُّ مِنْهُ مَا دُونَ الْمُسْكِرِ نِيئًا وَمَطْبُوخًا ، وَلَا حَدَّ فِي مُسْكِرِهِ لِضَعْفِ دَلِيلِ تَحْرِيمِهِ ، فَهَذَا تَحْقِيقُ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى اخْتِلَافِ رِوَايَاتِهِمْ فِيمَا ظَهَرَ لَنَا ، عُمُومُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ } وَفِي خَبَرٍ آخَرَ { فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ } ، وَسُئِلَ عَنْ شَرَابِ الْعَسَلِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ } وَنَحْوَهَا ، وَالْعِلَّةُ فِي التَّحْرِيمِ وَالْحَدِّ كَوْنُ الشَّرَابِ عَلَى صِفَةٍ طَبْعُهَا الْإِسْكَارُ ، فَاسْتَوَى الْخَمْرُ وَالْمِزْرُ فِي لُزُومِهِ .
.

" مَسْأَلَةٌ " وَلَا يُنْتَفَعُ بِشَيْءٍ مِنْ الْمُسْكِرِ ، لِقَوْلِ ( عم ) " سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ " الْخَبَرَ ، وَلِقَوْلِ ( عم ) " الْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ " ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ ، وَالتَّحْرِيمُ عَامٌّ لِوُجُوهِ الِانْتِفَاعِ .
.

" مَسْأَلَةٌ " ( يه شص عك ) وَلَا يَحِلُّ تَخْلِيلُ الْخَمْرِ بِعِلَاجٍ ، لِأَمْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِإِهْرَاقِ خَمْرِ الْيَتِيمِ وَلَمْ يَأْمُرْ بِتَخْلِيلِهَا ( حص عك ) يَجُوزُ كَلَوْ تَخَلَّلَتْ بِنَفْسِهَا ، وَعِلَاجُهَا لَيْسَ بِمَالٍ ، فَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ فِي حَقِّ الْيَتِيمِ .
قُلْنَا : يَئُولُ إلَى الْمَالِ فَإِضَاعَتُهُ كَإِضَاعَتِهِ .
" مَسْأَلَةٌ " ( شص يه ) فَإِنْ فَعَلَ حَرُمَ خَلُّهَا وَلَمْ يَطْهُرْ لِتَحْرِيمِهِ لِعَيْنِهِ ، كَالْمَيْتَةِ ( ز ن الدَّاعِي م ى أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى ح مُحَمَّدٌ ) بَلْ يَطْهُرُ وَيَحِلُّ ، لِاسْتِحَالَتِهَا إلَى صِفَةِ الطَّاهِرِ ، وَإِنْ أَخْطَأَ بِعِلَاجِهَا ، كَلَوْ قَطَعَ رِجْلَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَإِنَّهُ لَا يَأْثَمُ بِالْقُعُودِ فِي الصَّلَاة وَإِنْ أَخْطَأَ بِسَبَبِهِ .
قُلْنَا : أَمَرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِإِرَاقَتِهَا دَلِيلُ تَحْرِيمِ مَا عُولِجَ مِنْهَا ، وَإِلَّا لَكَانَ إضَاعَةً ( ف ) إنْ خُلِّلَتْ بِمَا يَغْلِبُهَا حَلَّتْ ، إذْ الْحُكْمُ لِلْغَالِبِ وَإِلَّا فَلَا ، قُلْنَا : لَمْ يُفَصِّلْ الدَّلِيلَ .
( فَرْعٌ ) ( لَهُمْ ى ) فَلَوْ صَبَّ خَمْرًا يَسِيرًا عَلَى خَلٍّ كَثِيرٍ ، طَهُرَ الْخَمْرُ لِاسْتِحَالَتِهِ فِي الْحَالِ قُلْت : فِيهِ نَظَرٌ ، وَيَلْزَمُ لَوْ أُلْقِيَ عَلَيْهَا بَوْلٌ .

( فَرْعٌ ) وَإِذَا تَخَلَّلَتْ الْخَمْرُ بِنَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ عِلَاجٍ ، طَهُرَتْ إجْمَاعًا قُلْت : فِي دَعْوَى الْإِجْمَاعِ نَظَرٌ .

" مَسْأَلَةٌ " ( ى ) وَمَنْ غَصَّ بِلُقْمَةٍ وَلَمْ يَجِدْ مَا يُسَوِّغُهَا إلَّا الْخَمْرَ .
جَازَ لَهُ إجْمَاعًا .
قُلْت : وَكَذَا لَوْ خَشِيَ التَّلَفَ بِالْعَطَشِ ، أَوْ مِنْ قَادِرٍ تَوَعَّدَهُ .

" مَسْأَلَةٌ " ( يه ش ) فَأَمَّا التَّدَاوِي بِهَا فَمُحَرَّمٌ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } وَلِعَدَمِ الْيَقِينِ فِي حُصُولِ الشِّفَاءِ .
قُلْت : فَإِنْ خَشِيَ مِنْ عِلَّتِهِ التَّلَفَ وَقَطَعَ بِزَوَالِهَا بِهَا حَلَّ التَّدَاوِي بِهَا ، كَمَنْ غَصَّ بِلُقْمَةٍ ( ح ) يَجُوزُ التَّدَاوِي بِذَلِكَ مُطْلَقًا ، كَالتِّرْيَاقِ الْمُتَّخَذِ مِنْ لُحُومِ الْأَفَاعِي ، وَهُوَ نَجِسٌ .
قُلْنَا : لَا نُسَلِّمُ الْأَصْلَ لِلْخَبَرِ ، إلَّا حَيْثُ اسْتَحَالَ النَّجَسُ .
سَلَّمْنَا ، فَفِي الْخَمْرِ مِنْ التَّغْلِيظِ مَا لَيْسَ فِي غَيْرِهَا ( أَبُو جَعْفَرٍ ) يَحْرُمُ التَّدَاوِي بِالْمُجْمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهِ كَالْخَمْرِ وَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالدَّمِ وَنَحْوِهَا إجْمَاعًا ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْمُخْتَلَفِ فِيهِ ، كَبَوْلِ الْحُمُرِ ( هـ ن ع ط م ش ) يَحْرُمُ ( با ق ف ) يَجُوزُ .
قُلْت : وَالصَّحِيحُ مَا فِي الْمُغْنِي أَنَّ الْخِلَافَ فِيهِمَا عَلَى سَوَاءٍ ، إذْ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ فِي حَقِّ مَنْ يَرَى تَحْرِيمَهُ كَالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ ، وَالْأَقْرَبُ عِنْدِي جَوَازُ التَّدَاوِي حَيْثُ خَشِيَ تَلَفَهُ أَوْ عُضْوٍ مِنْهُ ، وَقَطَعَ بِحُصُولِ الْبُرْءِ بِذَلِكَ فِي الْعَادَةِ ، إذْ هُوَ حِينَئِذٍ كَمَنْ غَصَّ بِلُقْمَةٍ ، وَإِنْ لَمْ يَقْطَعْ لَمْ يَجُزْ ، إذْ الْخَبَرُ يَقْتَضِي أَنْ لَا شِفَاءَ بِهِ ، فَيَبْطُلُ ظَنُّ حُصُولِهِ .
( فَرْعٌ ) فَإِنْ لَمْ يَخْشَ التَّلَفَ وَقَطَعَ بِارْتِفَاعِ الضَّرَرِ ، فَفِيهِ تَرَدُّدٌ ، الْأَقْرَبُ الْجَوَازُ ، كَمَا يَجُوزُ تَرْكُ الْوَاجِبِ لِخَشْيَةِ الضَّرَرِ ، وَإِنْ لَمْ يُقْطَعْ لَمْ يَجُزْ لِمَا مَرَّ .
.

( فَرْعٌ ) ( ى ) وَإِذَا حَرُمَ التَّدَاوِي بِهَا حَرُمَ عَلَى الْأَطِبَّاءِ شَرْحُ مَنَافِعِهَا وَذِكْرُ خَوَاصِّهَا .

، وَيَحْرُمُ لَحْمٌ طُبِخَ بِهَا ، وَيُحَدُّ شَارِبُ مَرَقِهِ ، لَا آكُلُ اللَّحْمَ ، إذْ عَيْنُهَا غَيْرُ بَاقِيَةٍ ، وَيَحْرُمُ احْتِمَالُهَا حُقْنَةً ، أَوْ صَبُّهَا فِي ثُقْبِ الْإِحْلِيلِ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { وَحَامِلُهَا } وَلَا يُنَجِّسُ دُخَانُهَا ، كَدُخَانِ الْعُذْرَةِ .
.

" مَسْأَلَةٌ " ( هب ش ) وَيَحْرُمُ بَيْعُ الْمُسْكِرِ كَثِيرُهُ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ الشَّجَرَتَيْنِ ( ح ) يَجُوزُ مُطْلَقًا ( فُو ) يَجُوزُ إلَّا خَمْرَ الْعِنَبِ وَالرُّطَبِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ ، لَنَا الْقِيَاسُ عَلَى الْخَمْرِ

" مَسْأَلَةٌ " وَيَحِلُّ الْخَلُّ الْمُسَمَّى خَلَّ خَمْرٍ إجْمَاعًا ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ { خَيْرُ خَلِّكُمْ خَلُّ خَمْرِكُمْ } وَنَحْوُهُ .
" مَسْأَلَةٌ " ( هـ ن ) وَيَسْتَحِيلُ فِي الْعَادَةِ مَصِيرُ الْعَصِيرِ خَلًّا قَبْلَ مَصِيرِهِ خَمْرًا ( ى ) وَفِي وُجُوبِ عِلَاجِهِ بِمَا يَمْنَعُ تَخْمِيرَهُ مِنْ وَضْعِ مِلْحٍ أَوْ خَلٍّ أَوْ طِلَاءِ الْخَابِيَةِ بِخَرْدَلٍ ، وَجْهَانِ يَجِبُ ، وَأَشَارَ إلَيْهِ ( ق ) وَحَكَاهُ ( ط ) عَنْ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا ، وَلَا ، وَهُوَ الْأَصَحُّ ، إذْ اسْتَحَالَتْ بِنَفْسِهَا كَالدَّمِ لَبَنًا ، وَلِاعْتِيَادِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ تَنَاكُرٍ .
( فَرْعٌ ) ( م هب ) فَإِنْ عُصِرَ لِلْخَلِّ ، فَاطَّلَعَ عَلَيْهِ خَمْرًا أَرَاقَهُ ، إذْ هُوَ مُنْكَرٌ يَجِبُ إزَالَتُهُ ( ى قم ) لَا يَجِبُ اعْتِبَارًا لِلنِّيَّةِ عِنْدَ الْعَصْرِ ، وَكَلَوْ عَلِمَ وَلَمْ يُشَاهِدْ ، وَلِلْحَرَجِ فِي ذَلِكَ .
قُلْت : وَلَا نُسَلِّمُ كَوْنَهُ مُنْكَرًا بَلْ كَمَائِعٍ نَجِسٍ ، فَأَمَّا عَصْرُهُ بِنِيَّةِ الْخَمْرِ ، فَمَخْصُوصٌ بِأَمْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِإِرَاقَتِهِ .
.

581 / 792
ع
En
A+
A-