وفيهم يحيى عماد الهدى ... غيث وليتُ في اللقاء حادر
وذا سليمان حليف التقى ... بالعلم دأباً فهمه فاغر
وذاك عبد(1) الله من جوده ... ومجده بين الورى سائر
وكلهم من يلق منهم يقل ... ذا أسد(2) القوم الذي يأمر
فلما ذكرت لحاجتي هؤلاء القوم استيقظت من سنة النوم واستعدت على أمسي اليوم(3)، وعدت على نفسي في تقصيرها عنهم باللوم، وأنشأت أقول:
لا تعودي يا سالف الأيام ... قد غنينا بهذه الأقوام
وأمناً من جور ما كنت أسلفت ... إلينا في قادم الأيام
وقصدنا الحماة آل أبي النجم ... أولي العزم في الأمور الجسام
هم بحور الندى إذا نضب البحر ... وشحت فروع كل غمام
سبقوا السابقين في طرق الجود ... ببذل النوال والإنعام
صيروا حاتماً بخيلاً وكعباً ... وابن سور وبرمك وابن لام
شيد وأربع كل مجد درس ... وأقاموه(4) ظاهر الأعلام
فيهم العالم الجواد علي ... وعماد الهدى سليل الكرام
وسليمان ذو التقى(5) وفيهم ... كل رأس مهذب قمقام
سادة كالنجوم من تلق منهم ... قلت هذا رأس أولاد سام(6)
هم غيوث الأنام في زمن الجدب ... وهم كالليوث عند الصدام
وبحور الندى وهم كعبة العلم ... وأهل القضاء والأحكام
وقضاة الأنام والسادة الأعلام ... أهل النقض والإبرام
وعلمت بعد هذه القصة(7) أن حاجتي (منهم)(8) مقضية، لما جمعوه من الأخلاق الرضية(9)، والشمائل المرضية(10)، والكرم الواسع والفضل الشاسع، ولو(11) تقدمت بهم الأيام لم يذكر في الجود حاتم ولا ابن لام، ولا طال ذكر كعب وهم(12) في الأنام، ولا عد البرامكة في(13) الكرام،
فلو سبقوا ما عد في الجود حاتم ... ولا هرم أو أوس رب المحامد
__________
(1) في (ب): عبده.
(2) في (ب): سيد.
(3) في (ب): باليوم.
(4) في (ب): باليوم.
(5) في (ب): والتقي.
(6) في (ب): حسام.
(7) في (ب): القصيدة.
(8) غير موجود في (ب).
(9) في (ب): المرضية.
(10) في (ب): الرضية.
(11) في (ب): فلو.
(12) في (ب): وهرم.
(13) في (ب): من.

ولا كان في الأجواد كعب ابن مامة ... ولا ذكروا أولاد يحيى بن خالد
ألم يعلموا أن المكارم أصبحت ... لآل أبي النجم الكرام الأماجد
شروا وبنوا مجداً على قمة السهاء(1) ... فهم ورثوه والداً بعد والد/199/
وهم شيدوا ما قد بنته جدودهم ... (من المجد)(2) قدماً واحداً بعد واحد
بحور نداً في كل حطم وأزمة ... غيوث العطاء يغنى بهم كل وافد
بحور علوم لا تغيض لسائل ... بدوراً إذا عاينتهم في المشاهد
هم الشهد للأدواة والصيف طعمه ... وهم للعدا والضد سم الأساود
وإن جحد الحساد مجداً وسؤدداً ... وفخراً فلا تخفى الشموس لجاحد
ألا فليمت حسادهم موت حسرة ... فما ضَرَّ محسودين(3) من حسد حاسد
فهم سبقوا في المجد من كان سابقاً ... فما ماجد في المكرمات كماجد
وها أنا أيها السادة قد أدليت دلوي في الدلاء، أريد أن أملأه من بحر جودكم مع من ملأ، وتشيدوا بإحسانكم إلى عندي ربوع العلا، فالمملوك من أهل الوداد لكم والولاء، أليس جدي تاج الدين أرسلم(4) رسالة على المعترضين، على بعض آبائكم الأولين، وكذلك يحري الحال منا ومنكم بين المتأخرين، فقد ورد في الأثر أن الحب يتوارث، والبغض يتوارث،
أحلف(5) بالله والآية ... إني على الود لكم مستقيم
أحفظ ما كان أبي حافظاً ... من ودكم باقي(6) عليه مقيم
وعادتي أرعى قديم الإخاء ... لكل ذي دين وخير عليم
أحبهم في الله لا أنثني ... عن حبهم لو كان فيه الجحيم
كيف بمن يجمع في علمه ... ودينه (عن ودود)(7) قديم
يا أيها السادة (و)(8) القادة الأعلام ... حبي في لقاكم عظيم
(قد)(9) هزني الشوق ولكنني ... يعوقني الخوف وربي عليم
__________
(1) في (ب): النهى.
(2) غير موجود في (ب).
(3) في (ب): محسود.
(4) في (ب): رسالة.
(5) في (ب): أني على أحلف.
(6) في (ب): باقٍ.
(7) في (ب): [لم أتمكن من قراءتها].
(8) الواو غير موجود في (ب).
(9) غير موجود في (ب).

لكنني أرجو الذي جوده ... عم البرايات(1) اللطيف الكريم
أن يجمع الشمل على حالة ... يرضى بها الرب الرؤف الرحيم
يا أكرم الناس يا عز(2) جودهم ... يستكرم الضيف ويغنى العديم(3)
في كل يوم لهم نجدة ... نجدوا بها الركب وجود عميم
إليكم مني على بعدكم ... نثر وشعر مثل در(4) نظيم
أطلب من إحسانكم قطرة ... تروى بها أرضي فإني مليم
فإنما أنتم بحور الندى ... والجود والفضل لكم من قديم
ثم اسلموا ما سار ركب وما ... تبسم البرق دجا في نعيم
__________
(1) في (ب): البريات.
(2) في (ب): الناس عن جودهم.
(3) في (ب): النديم.
(4) في (ب): دم نظيم.

والمقصود من جودهم العميم وإحسانهم الجسيم تمام المرام والتعجيل والإنعام(1) بأحد وجهين(2)، أن يعيروني تفسير الحاكم ويجعلوا سعياً(3) فيما طلبت من جملة المفاخر والمكارم التي يبنونها بالغدو والآصال، ولا يقصروا(4) عنها في حال من الأحوال، عارية هنيئة، وطعمة شهية، لا يكدر(5) فيها شرب ولا يروع لي عليها سرب، ولا يقع في تعجيل الرد لجاجة، حتى تنقضي من الكتاب الحاجة، قراءة فيه ونساخة منه، فالمملوك من أهل الحكمة الذين أمر رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بإعطائهم إياها، والقضاة السادة ممن يعطيها(6) أهلها ولا يمنعهم إياها، وللسادة في ذلك من الشكر والثواب ما لا يعلمه إلا رب الأرباب، ويجدونه مرقوماً في الكتاب ?يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا?[آل عمران:30]. الوجه الثاني: أن ينعموا علي بورق يكفي هذا الكتاب وأجرة نساخه، ويفرقوه على الكُتَّاب ليسرع في الحال ويصلني بعد نجاحه، ويكون ذلك منّة ونعمة من(7) الله سبحانه أجرها ومني إلى آخر الأبد شكرها وذكرها، وأي الوجهين إذ قد جرى الوجهين حصل فلا خلل وحيَّ على خير العمل، وقد تحكمت على جودكم بأي الوجهين؛ إذ قد جرى من عادة أهل /200/ (المطالب)(8) التحكم على أهل الجود في العطاء والتعوذ من كثرة المواعيد والبطاء، وذلك ظاهر(9) في أخبار العرب وديوان الأدب(10).
إني تحكمت على جودكم ... فانعموا إليَّ الذي(11) أطلب
[لو كان لي في مطلبي قدرة ... ما كان لي عندكم مطلب](12)
__________
(1) في (ب): بالإنعام.
(2) زيادة في (ب): أحدهما.
(3) في (ب): اسعافي.
(4) في (ب): يقصرون.
(5) في (ب): لا يكدر لي فيها.
(6) في (ب): يعطهم.
(7) في (ب): على.
(8) سقط من (ب).
(9) في (ب): مظاهر.
(10) في (ب): والأدب شعراً.
(11) في (ب): بالذي.
(12) في (ب): هذا البيت يوجد بعد البيت الآتي: فحين أعوزت ولم يبق لي ملجأ إلى هذا ولا مهرب

فحين أعوزت ولم يبق لي ... ملجأ إلى هذا ولا مهرب
نظرت في الأمر فلم ألق من ... يكتسب(1) الجود ومن يرغب
ومن له نحو العلا همة ... سامية من دونها العقرب
إلا بني(2) النجم فهم في العلا ... شيده الأمرد والأشيب
فجودهم عم جميع الورى ... يناله الأبعد والأقرب
وهم بحور الجود في عصرنا ... وهم بدور أنتم(3) لا تغرب
وهم كروح والورى جسمه ... وهم شموس والورى غيهب
المملوك محمد بن الهادي يخدم المقامات العالية الأفضلية السامية العالمة العاملة المطهرة المكرمة الجمالية العمادية العلمية والكافة من آل أبي النجم، سلام يضاهي أخلاقهم الرضية، وإلمام يحاكي أعراقهم الأصلية الزكية، ورحمة الله وبركاته، والله سبحانه وتعالى يعلم شدة الشوق إلى لقائهم(4)، عجل الله الاتفاق قريباً بمنه وكرمه، ولم يكن(5) علم يحب المطالعة به إلا السلام والعافية لموليها الحمد والمنة، وسواء ذلك فإن الحاجة داعية إلى كتاب تفسير الحاكم، ولم أقدر على نساخته في هذا الوقت، وقد كنت تعبت في طلبه، وضاقت علي المسالك بسببه حتى ذكرت المقامات العلية، ثم هان علي الطلب، وذل(6) لي الصعب)، انتهى.
__________
(1) في (ب): يكسب.
(2) في (ب): بنو.
(3) في (ب): اليم.
(4) في (ب): لقاهم.
(5) في (ب): فلم يكن علم.
(6) في (ب): لديَّ.

محمد بن علي بن محمد
العلامة الزاهد محمد بن الهادي بن محمد بن علي بن محمد بن سليمان بن أبي الرجال (- رحمه الله -)(1)، فقيه زاهد حاوي لخلال المحامد، متفق على الثناء عليه، أقام بـ(صعدة) المحروسة، وبها مات - رضي الله عنه - وكان(2) أخلاقه نبوية، رؤفاً بالضعفاء، ومؤلفاً للأخيار، وكان الوافد إلى (صعدة) من الجهات اليمنية يقف في بيته حتى يسعى هو - رحمه الله - في صلاح شأنه، ولا يترك في ليلتي العيدين صدقة عامة للطلبة جميعهم بالجامع المقدس بـ(صعدة)، ويقول قال لي عمي (الفقيه)(3) علي بن محمد بن أبي الرجال - رحمه الله -(4): لا يُرحم في هاتين الليلتين إلا الغريب؛ لأنه لا أهل له(5)، والأسواق مصفدة الأبواب، وكل مشغول بشأنه، وكان مواضباً على جميع الفضلاء ليلة الجمعة على تلاوة القرآن مدارسة، وكان يكرمهم في آخر زمانه - رحمه الله - ومع ذلك فهو مقتر العيش، قليل المدر، طولب(6) بالقضاء في جهات فامتنع، وطولب بالبقاء بذي جبلة من أعمال (اليمن) فامتنع، وقال: لا يحل لي ذلك، فقيل له في المانع، فأجاب بأني رأيت (اليمن) ينزله الثبت المحكك من الرجال، فتظهر صفرة، وأما أنا فأنا نحاس ضعيف الحال، فعذر وتقطعت أسباب معايشة(7) زمناً طويلاً، ونحن إذ ذاك ممن يعول والينا غيرنا، فما ظهر لذلك حديث ولا أثر إلا بعد موته - رحمه الله - وكان قد(8) أغلق محرابا بيته لا يدخله(9) غيره، يوهم الجميع أن القوت فيه، وينظر في (تحصيل)(10) ذلك يومية، ثم يدخله لوجه خفي، ويدعو قهرمانة بيته، فيخرج لها ذلك من المخزان، وهذا نوع من صبره، ومن صبره أمور يعجب الناظر فيها، ولقد نعي إليه ولد من أولاده قد تزعزع، وهو في محل القراءة، فما /201/ نقض حبوته
__________
(1) غير موجود في (ب).
(2) في (ب): وكانت.
(3) غير موجود في (ب).
(4) في (ب): - رحمه الله تعالى -.
(5) في (ب): لهم.
(6) في (ب): وطولب.
(7) في (ب): معاشه.
(8) في (ب): وقد كان.
(9) في (ب): أحد غيره.
(10) سقط من (ب).

(بل)(1) أرسل بعض ثقاته لإصلاح عمله، وقال حق الطلبة متوجة، وعند الله أحتسب المصاب، ولما مرض أبوه (بقراض) من بلاد آل الخطاب عند توجههما للحج قال لي بما وقع، وقال ما أخبرتك بموت أبي، وصفته إلا لغرض كأنه يريد مني الاقتداء به، قال: وصفة ذلك أنه ابتدأه المرض - رحمه الله - (تعالى)(2)، ورأيته مرضاً مثقلاً والسفر إذا عزموا تحيرت عن مطلبي، فخرجت إلى ماء في الوادي، وصليت ركعتين، وسألت الله أن يعافيه في الحال إن بقي له في العمر نصيب أو ينقله إليه إن يكن الكتاب قد بلغ أجله، ثم أتيت المحل فلقيني الأصحاب بالتعزية، ثم عول علي أرباب النظر العود لما خلفي من الحريم، والمكالف، فقلت الله خليفتي في أهلي، وكفى به، وهذه طريقة(3) تدل على صبر فيه - رحمه الله - لا سيما وهو لا(4) يتحدث بذلك ولا غيره، إلا الغرض(5) صيحح، وما أحقه بما كان يقول سيدنا الفقيه العالم محمد بن عيسى شجاع الشقيقي أنه من الإبدال، قال: لأن طاعتهم الصبر، وبما قاله إمام زمانه المؤيد بالله - عليه السلام - الفقيه محمد بن الهادي رجل الدنيا والآخرة، ووصف - عليه السلام - عنه عجائب عرفها الإمام بفهمه، قد كان الفقيه - رحمه الله - (تعالى)(6) أخبرني أنه قصدها وظن أن الإمام لم يعرف مقصده فيها، ويكفيه ما رواه(7) السيد الجليل محمد بن مجلي الرغافي، قال: رأيت وأنا برغافة والفقيه محمد بـ(صعدة)(8) ليلة موته - رحمه الله - أن خلائق منهم النبي صلى الله عليه (وآله)(9) وسلم مجتمعون ببستان وإذا بقائل يقول من الحاضرين: هذه الليلة مات الفقيه محمد بن هادي، وأجابه آخر فقال لهم(10): ذلك أب الأخيار، (قال)(11): فأصبحت فسألت عن الفقيه(12) - رحمه
__________
(1) سقط من (ب).
(2) سقط من (ب).
(3) في (ب): وهذا يدل.
(4) في (ب): لم.
(5) في (ب): لغرض.
(6) غير موجود في (ب).
(7) في (ب): ما روى.
(8) في (ب): (صعدة).
(9) سقط من (ب).
(11) غير موجود في (ب).
(12) في (ب): محمد.

الله - (تعالى)(1)، فقالوا: مرض وشفي. قلت(2): قد انتقل الليلة، وأمرتهم بحفظ الوقت لامتحاني الرؤيا، فلم يلبث أن جاء الخبر بذلك، وقد شهدت له رؤيا من الصالحين كثيرة، وليس هذا محل ذكرها، وله كرامات لا يسع الرقم ذكرها مستوفاة، لكني أتبرك بواحدة أو اثنتين، منها ما حكاه السيد علي بن المنتصر رحمه(3) الله تعالى أنه نبهه منبه وهو مستغرق في النوم إذا أنت تريد النظر إلى أهل الجنة تقدمت قبل الفجر إلى قبلة مؤخر جامع الهادي - عليه السلام - وأول داخل يدخل عليك وصفته كذا وكذا ويفعل كذا وكذا فهو من أهل الجنة، فتقدم في ذلك الوقت، فدخل عليه - رحمه الله - على(4) ما وصف، وفعل كما وصف، فجلس السيد المذكور في حلقة القراءة حتى تمت، وقام معه وبشره بذلك أعاد الله من بركته(5). وقال لي: واستكتمني (- رحمه الله -)(6) مدة حياته أنه مرض من حمى الربع ثمانية(7) شهراً، وكان يؤخر العشائين لأنه يحصل شديد المرض في وقتهما، فإذا تضيق الوقت سمع صوت من يقول له: يا فقيه محمد قم هذا وقتك، ومما أخبرني به - رحمه الله - (تعالى)(8) أراد الصيام في بعض الأيام الفاضلة، وكان بيته بقرب جامع الهادي - عليه السلام - بحيث يدرك الحسن المتوسط في المئذنة، قال: فأيقضت أهلي ليعملوا لي سحوراً فقالوا: ليس في البيت إلا شعيراً لا إدام له، وكان - رحمه الله - ضعيف القوة إذا أكل في اللبن الحامض والشعير يحتبس صوته، قال: فقلت في نفسي أنا إمام الجامع /102/ ولي خمسة مدارس فيه يمنعني الصيام على الشعير(9)، لا شك أن الترك أفضل، فجنحت إليه فسمعت قائلاً يقول: يا فقيه محمد، قد وعدت الله فلا تخلف، فاستيقظت وأمرتهم بذلك وصمت، - رحمه الله تعالى - وكان
__________
(1) سقط من (ب).
(2) في (ب): فقلت.
(3) في (ب): عافاه الله أنه.
(4) في (ب): كما وصف.
(5) في (ب): بركاته.
(6) غير موجود في (ب).
(7) في (ب): ثمانية عشر شهراً.
(8) سقط من (ب).
(9) في (ب): على الشعير معها.

له في الفقه يد طولى وسابقة أولى، قال مشائخه للإمام المؤيد بالله في (صعدة) خزانة من الفقيه، وهو الفقيه محمد بن الهادي، وكان شيخه (السيد)(1) أحمد الديلمي - رضي الله عنه - يقول: ما أتمنا إلا سكون سناع هجرة القاضي جعفر بن أحمد، وأن يكون عندي الفقيه محمد يذاكرني في الفقه، وبالجملة فلو استوعبت خرجت مما أريد وهو أستاذي - رحمه الله - في العربية إلا المناهل، فقرأ هو علي (رحمة)(2)، وله شعر مقبول، منها مرثية(3) في عمه الفقيه الشهيد قاسم بن محمد - رحمه الله - (تعالى)(4)، وفي القاضي أحمد بن صالح حنش وغير ذلك ومما كتبه إلي إلى (صنعاء) المحروسة يوصيني بطريقته في الصبر، وهيهات أن يدرك الضالع شأو الضليع.
تصبر تلق أما رمت أمرا ... قرار العين بعد الاصطبار
فسر الصبر مصباح تجلى ... كمثل الليل يتلى بالنهار
مولده - رحمه الله - بالخيسين من أعمال (مرهبة)، وفي ليلة مولده وفد الإمام القاسم - عليه السلام - إلى البيت الذي ولد فيه، وهو بيت جده من قبل أمه القاضي علي بن أحمد، وأدخل إلى الإمام في ليلة مولده، وبرك عليه، وذلك (في)(5) سنة ست عشرة بعد الألف، وانتقل إلى جوار (الله)(6) خالقه الكريم (في)(7) يوم الاثنين السابع من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين وألف، ورثاه جماعة من العلماء، وكتب مولانا العلامة صارم الدين إبراهيم بن محمد بن أحمد بن عز الدين حرس الله ذاته الكريمة ونفع بعلومه أبياتاً على الصخر الذي عند قبره، وممن رثاه (مولانا)(8) العلامة جمال الدين الهادي بن عبد النبي الهادوي المعروف بابن حطبة فقال:
يزهد في الدنيا فراق الأفاضل ... وصم علوم تحت صم الجنادل
وقفز النداء عن دار قوم ترحلوا ... فدار القرى قفر على كل نازل
__________
(1) سقط من (ب).
(2) غير موجود في (ب).
(3) في (ب): مرثيته.
(4) غير موجود في (ب).
(5) سقط من (ب).
(6) غير موجود في (ب).
(7) سقط من (ب).
(8) غير موجود في (ب).

ألا مبلغ عني أخلا قد يؤووا ... بدار اغتراب راحل بعد راحل
أيا قبر عز الدين واريت شامخاً ... وغيبت بحراً لا يسد بساحل
فما لي لا أبكي العلوم وأهلها ... نجوم سماء آفل بعد آفل
وتبركت بكتابة هذه المرثية ذلك الوقت على ركة الحال، فقلت:
يا نفس مات بنو الزمان الأول ... ومضوا كما مضت الهبوب بمنزل
مات الأكاسرة الذين تعززوا ... بمعاقل وبكل جيش جحفل
ومضى التبائعة الذين بنوا لهم ... في كل ربع آية المتأمل(1)
لم يلق بعدهم سوى آثارهم ... من مورد وردوا ودار قد بلي
بالله إن يوماً مررت بناعظ ... أو دار سحرار الذي عنهم خلي
أو إن مررت ببيت خبيص صحوة ... والبوم ناطقه بصوت مذهل
أو بيت بوسا مرة فقفى كما ... وقف ابن حجر عند دارت(2) جلجل
فسلي الديار عسى يكون بها الذي ... ينبيك عن حال لها متحول
أين القصور وأين كل خريدة ... غيداً ترفل في المروط وفي الحلي
/103/ أين الرياض فهذه آثارها ... غبراء تنبي عن أربض مخضل
أين الكهول اللائي قد حملوا فهم ... كالشم للحدثان لم يتزلزل
أين الشباب(3) التائهون بنعمة ... وغضارة وتدهن وتكحل
فأظن أنك كنت عامرة بهم ... فلما خلوت كبطن مرت مجهل
فجوابها أنا(4) مثلما قد قلت لي ... خطراً حافلة الجوانب ممتلي
لكنه مات النزول منازلي(5) ... الراتعون الواردون بمنهلي
بينا هم في غبطة من عيشهم ... فأجاءهم كأس نحيف قد ملي
فمضوا كأنهم سراب قد مضى ... أو وامض في عين ليل أليل
فلك العزاء بمن مضى في هالك ... متزهد متورع متبتل
أفنى بطاعة ربه أوقاته ... حتى دعاه إلى منازله العلي
مذ أبعدت عنه التمائم لم يزل ... حلفاً لآيات الكتاب المنزل
متفقهاً في دينه بقواعد الآل الكرام سلالة المزمل
حتى غدا في العصر أوحد عصره ... فكاك أغلال السؤال المشكل
يملي مقالة شيخه عن شيخه ... عن أفضل عن افضل عن أفضل
__________
(1) في (ب): للمتأمل.
(2) في (ب): داره.
(3) في (ب): الشبام.
(4) في (ب): أنك.
(5) . ط: النازلون منازلي.

169 / 182
ع
En
A+
A-