قلت: وقد عد من تصدر لرقم أخبار الزيدية ما كان محمد بن عليان عليه من الهمة السامية في إعلاء الشريعة، وإعلانها، وقيامه، وقعوده، وإنضائه الرواحل، وقطعه المراحل إلى أبواب الملوك، ليزيل الأكثر بالأقل كما جرت الشريعة به، وكما هو شرع الأنبياء والمرسلين، (بل لا عبادة لهم حقيقة إلا ذلك، ولو جعلناه مثلباً، لكان إلى الأنبياء والمرسلين)(1) والخلفاء الراشدين أسرع من منحدر السيل - صانهم الله - ولقلنا: كيف رغب، يوسف الصديق فيما رغب ووصف نفسه بالأمانة عند كفار ليلي مصالح الأمة؟ وكان - صلى الله عليه وآله وسلم -(2) يعرض نفسه في المواسم، ويدعو الناس، ولما أمكنته الفرصة، نقب النقباء في أول يوم، والله يقول(3):?أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَمًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا?[الفرقان:75- 76] (4)، وهذا طلب للعلو؛ لكنه العلو الديني، وما ينبغي لمسلم أن يحط همته عن هذا العلو، وإنما هذا المسلط رجل من المطرفية، هو مسلم اللحجي هو ابن دانة المنظلب لإعراض أهل الحق، ويضم الدعاة من الأئمة، فضلاً عن محمد بن عليان، وما بغضه للأئمة إلا أنهم كشفوا عن عواره، وأظهروا شيئاً من شناره، ولقد أثنى على الشريف السيد الحسن بن محمد الحسني المعروف بالقاضي بامتناعه عن القيام بعد أن ذكروا أوصافه، وكماله، وجعل مناط المدح امتناع من القيام بالحق، وأرسل لسانه على الإمام أحمد بن الحسين - عليه السلام -(5) لما دخل في الفرض الواجب، ومما ذكره مسلم في
__________
(1) سقط ما بين القوسين من (ب).
(2) في (ب): صلوات الله عليه يعرض نفسه.
(3) في (ب): والله يقول فيمن قال فيهم: ?أُوْلَئِكَ..?.
(4) في (ب): وهذا دليل الرضا عنهم لأوصافهم السابقة التي خاتمتها قوله: ?وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا?[الفرقان:74]، وهذا طلب للعلو.
(5) في (ب): الإمام أحمد بن سليمان لما دخل.

شأن محمد بن عليان قال: رأيت بمسجد آل أبي طاهر بـ(نجران) على أسطوانة منبه(1):
قل لابن عليان دع عنك النواميسا ... فإن ذلك أمر صار(2) مدروسا
إن كان إبليس أغوى الناس كلهم ... فأنت أنت(3) الذي أغويت إبليسا
/184/ قال: فسألت فيمن قيلت؟ فقيل لي: فيه، وسألت من القائل، فقيل رجل من (صنعاء)، وقيل: محمد بن حسن الطير(4) الحضوري، قال: وكان كثير الأهاجي، شاعراً فيها. قلت: يا(5) للعجب، كيف انتصرت بهذا الشاعر المفتون، وسطوت على هذا العرض المصون، لا جرم أن الشعراء(6) يتبعهم الغاوون، وكان مسلم هذا منحرفاً عن العصابة المطهرة عصابة الزيدية حقاً، وكان(7) يزعم أنه هو الزيدي، فإنه اجتمع هو ومحمد بن عليان - رحمه الله - في دار القاضي أبي الخير أحمد بن عبد الله(8) بن أبي يحيى - والد القاضي جعفر رحمه الله - بمدينة (صنعاء) ليلة من الليالي فصلى مسلم العشاء الآخرة ومحمد ينظر صلاته، فلم يَحِدْ عن صلاة الزيدية. قال له محمد: أراك تصلي صلاتنا، قال: ومن أنتم؟ قال: نحن الزيدية، فقال مسلم: يا شيخ يا محمد: نحن الزيدية وكثر من أمثال هذا، وذكر له أن الزيدي حقاً أبوك(9) عليان بن إبراهيم، وذكر صفاته، وسأذكر - إن شاء الله - شيئاً من أخبار والده عليان، فإنه كان رأساً من المطرفية، وإنما احترق عليه مسلم لذلك.
__________
(1) في (ب): فيه.
(2) سقط قد صار من (أ).
(3) سقط من (ب): أنت.
(4) في (ب): الطثير.
(5) في (ب): يا لله العجب.
(6) في (ب): الشعر.
(7) في (ب): وإن كان يزعم.
(8) في (ب): بن عبدالسلام.
(9) في (ب): أبو عليان.

قلت: ومن مناقب محمد بن عليان - رضي الله عنه - نقمة بثأر الشريف الأمير مفخر آل يحيى بن الحسين العالم الشجاع المحسن بن الحسن (فراغ)(1) الرواحي بين (ثلا) و(شبام) ناقماً بثأر الأمير حمزة بن أبي هاشم - رضي الله عنهم - كان قابل(2) محسن المذكور من عيون العترة، وكبار الأسرة.
قال حميد الشهيد - رحمه الله -: ولما وصلت الدعوة(3) دعوة الإمام أبي طالب الأخير - عليه السلام - قام بها أحسن قيام، ونفذت أوامره بـ(صعدة) و(نجران) و(الجوفين) و(مصانع حمير)، انتهى كلام حميد.
قال الأمير الحسين مصنف (الشفاء) في مشجره: إن محسناً سلام الله عليه ملك (ثلا) وغيره من الحصون، وإن أهل (صعدة) قتلوه، وقتلوا ولده غدراً، فقام بثأره السيد الشريف الواصل من (الديلم) من جهة الإمام أبي طالب، وأحرب (صعدة)، وأعانه على ذلك شيخ الشيعة في وقته محمد بن عليان بن سعد البحيري، وأمدهم الأمير غانم بن يحيى بن حمزة السليماني بمال كثير، وقال الشيخ محمد بن عليان شعراً أوله:
تألبت الأوغاد من أهل (صعدة)
__________
(1) سقط من (ب): قابل.
(2) سقط من (ب): الدعوة.
(3) غير موجود في (ب).

قلت: وسنذكره - إن شاء الله تعالى - وذكر الأمير الحسين خارج المشجرات قتل المحسن وولده كان بدرب الحر بـ(صعدة)، فعند ذلك خرجت ابنته إلى (خولان)، فتكفت(1) القبائل، وعاضدها محمد بن عليان، وأمدهم الأمير غانم المذكور بعشرة آلاف دينار، وكتب إليهم يعتذر بأن الخيل لا صبر لها في جهتكم، فعند ذلك اجتمعت القبائل على حرب (صعدة)، وحاصروهم مدة، وضيقوا عليهم حتى انتهى أمرهم إلى أنهم أمنوهم يحيزون(2) أموالهم ثمانية أيام، وقالوا لهم: نحن نرعى لكم حرمة الهادي، وأما خراب (صعدة)، فلا بد منه، واشترط ابن عليان أن يلعب بفرسه في درب العز لمكان قتل حي(3) الأمير المحسن فيه، فلما حيزوا في هذه(4) الأيام، بقي من أموالهم شيء لم يحيزوه، فنهبته القبائل، (وأخربوا (صعدة))(5)، وبالغوا في خراب درب العز(6) حتى لعب محمد بن عليان، وحرقت(7) فيه جواده، وقد كان وعد القبائل بشيء من المال؛ لأنه قد كان أفنى المال الذي أمده الأمير غانم إلا الشيء(8) /185/ القليل، جعل عشيرة(9) كيزان سقوفاً على هيئة الدنانير، وجعل في رأس كل كوز شيئاً من الدنانير التي بقيت عنده، وعدلها لهم عند من ارتضاه من شيوخ القبائل(10)، فلما قضى وطره من خراب (صعدة)، وقتل من قتل منهم، خشي النشبة مع القبائل فيما كان قد وعدهم(11)، فعند ذلك هرب في الليل، واختلف في أمره، فقيل: إنه هرب على جواده حتى وصل (العقرة)، وقيل: بل خرج في(12) هودج على هيئة المرأة، والله أعلم أي ذلك كان.
__________
(1) في (أ): فكفت.
(2) في (أ): يحيزوا.
(3) سقط من (ب): حي.
(4) سقط من (أ): في.
(5) سقط ما بين القوسين من (ب).
(6) في (ب): العر.
(7) في (ب): حرف.
(8) سقط من (ب): إلا الشيء.
(9) في (ب): عشرة كيران.
(10) في (ب) زيادة: وعدهم به فلما.
(11) في (ب): وعدهم به.
(12) في (ب): على.

قال الأمير الحسين بن بدر الدين - عليهما السلام -: ولما كثرت عناية ابن عليان في نصر أهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم-(1) نحو ما تقدم، ونحو عنايته في اجتماع الشرفاء بـ(مدر) من بلاد (حاشد) في صفر من(2) سنة خمس وأربعين وخمسمائة، فالتقوا(3) وحضر من ذرية علي - عليه السلام - بشر كثير يزيد على ألف(4)، ومن علماء الشيعة وأعيان الشريعة ليتفاوضوا فيمن يحمي الحوزة، واجتمع(5) الرأي على(6) أحمد بن سليمان.
قلت: والقصيدة التي تنسب إلى ابن عليان - رحمه الله - هي(7) منتقة على (ما قاله ابن)(8) حميد - رحمه الله - فإنها تبلغ ثمانين بيتاً، وقد نسبها(9) الأمير الحسين - رحمه الله - إلى محمد بن أحمد الطيش، قال إنه نحلها ابن عليان وأولها:
تألبت الأوغاد من أهل (صعدة) ... لتهدم دين الله في كل وجهةِ
فحل بها أمر من الله واقع ... بما أسلفت من أمرها واستخفتِ(10)
أتاها من المنصور داع فصدقت ... به ثم عنه بعد ذلك صدتِ
فلما رأى منها المحسن ما رأى ... من الفسق ناداها بصوت فصمتِ
وأعلنت الطغيان في الشرب والخنا ... وأضمرت البغضا له وأسرتِ
فدوخ نجراناً ودمر (صعدة) ... وذلَّلها عن الرشد ضلتِ
وأرسل نحوي بعد ذاك كتابه ... يعاتبني فيه ويطلب نصرتِي
فثرت إليه قاصداً نحو (صعدة) ... وعقّدت بالعزم اعتقادي ونيتِي
وسار بسيري عصبة أهل عفة ... وتبعتهم في الدين أعظم تبعةِ
__________
(1) سقط من (ب): وآله وسلم.
(2) غير موجود في (ب).
(3) في (أ): فالقوا.
(4) في (ب): الأكف.
(5) في (ب): فاجتمع.
(6) في (ب): الإمام أحمد.
(7) غير موجود في (ب).
(8) غير موجود في (ب).
(9) في (ب): بينها.
(10) في (أ): واسخفت.

وهذه الأبيات سيارة، ولا حاجة إلى التطويل مع ما عليه من(1) الأحوال من الملل والقصور من الجامع لهذه، ومن أبناء الزمان الذين وقفوا أنفسهم على القصور إلا في مطالب الراحة والدثور، وكان والده عليان بن سعد البحيري(2) حامل لواء المطرفية لقي القاضي إسحاق بن عبد الباعث بـ(شبام)، فتكلما في الخلاف، ومن جملة ما دار بينهما أن أخذ القاضي إسحاق المصحف، فقال لعليان: في هذا القرآن. قال: لا. قال(3)، فما فيه؟ قال دليل القرآن وقيده، فقال له: فقوله تعالى: ?وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ?[الطور:1-2] هذا قسم، قال: نعم، قال: فبِمَ أقسم(4)؟ قال: بالكتاب المسطور. قال: قلت: هو هذا، وأشرت إلى المصحف، فقال: لا، فأمسك عنه القاضي إسحاق، ونقده من حضر، وكان عليان داعية إلى هذا المذهب، وكان متبوعاً انقادت له جماعته، واقتياد(5) الزيدية لأبي الحسين الطبري، ولقد كان السلطان حاتم بن العشم اليامي قلق من جماعة الصلاة ووقار بها بـ(وقش) خلف عليان خوفاً من أن يفتح عليه باب الخلاف في سلطانه، فما سكن روعته إلا قول بعض الناس له: الزيدية لا /186/ ترى الخروج إلا مع إمام، وقد كان لولا هداهم لغزوا عليان ومن معه بـ(وقش) وعليان أول من اتخذ هجرة (الروعة) من حضور الأحبوب، وكان بها هو وولده من بعده، وبنى مسكناً بـ(مسور)، وبنى بناحية حيث المحجر المعروف بمحجر قلد، وبنى بحضور غير هجرة الروعة، وبنى بـ(الأهنوم) وفي أهل بيته فقه وأدب، منهم جشيم - بالجيم بعدها شين معجمة بصفة التصغير - وكلهم من صباب من سفيان بن أرحب، ويقال لهؤلاء البحريين بنو محمد، ومنزلهم الشوابة، وينتسبون من سفيان إلى بني أسد، وكان جشيم شاعراً له نوادر قوية المعاني، وله متحفات، من(6) ذلك أنه اتفق ببعض المتعبدين بغير علم، المتنسكين
__________
(1) سقط من (ب): من.
(2) في (ب): الحميري.
(3) في (ب): قال إسحاق فما.
(4) في (ب): أقسم إليه.
(5) في (أ): وانقياد.
(6) في (ب): فمن ذلك.

بغير بصيرة، وكان ذلك الرجل جميل الحال، وحسن الثياب المعتادة للطاعة نظيفها(1)، كثير الصمت، فما عرف أحد بقدره ومقامه، بل أجلوه لظاهر حاله، فتوسم جشيم أحواله، فظن فيه الجهل، فاعترضه يوماً، فسأله ما يقول: هل النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - حسني أو حسيني؟ فقال: بل حسني؛ لأنه من عشيرة أم مهدي، يعني من قبيلة المهدي، وهذه أم الطائية، وكان الرجل هذا يعتقد حياة الحسين بن القاسم، فقال: جشيم قصيدة أولها:
الدين ثوب نفيس ليس يبتذلُ(2) ... وليس يلبس ثوب المصطفى السفلُ(3)
ثم قال:
ما لي أرى عرباً بيضا ثيابهمُ ... ومن قلوبهمُ بالميلُ يُكتحلُ
مخلاته من لحاف الصوف مقمعة ... وقلبه من معاني دينه عطلُ
وهي قصيدة(4) طويلة منها:
دين تحمله يحيى وحققه ... أفضت إليه به آثاره الأُوَلُ
ومن شعره:
كفى للعاقلِ الفطنِ اللبيبِ ... بما في الصنع من أمرٍ عجيبِ
وما تأتي المنايا في البرايا ... بأنواع المصائب والخطوبِ
فلو لم تبق(5) في الأيام إلا ... مفارقة الأحبة للحبيبِ
وسكنىً في المرامس(6) وارتحالا ... عن اللذات والمال الرغيبِ
لكان لنا به شغلٌ عظيمٌ ... فكيف بموقف اليوم العصيبِ
عزيزٌ في قبيلته حسيبٌ ... وليس لدى جهنم بالحسيبِ
تراه يقاد(7) مغلولاً ذليلاً ... شديد الوجد ذا قلب(8) كئيبِ
وقد خذلته أسرته ولانت ... قساوته وأعلن بالنحيبِ
وكان إذا التقت غرر المذاكي ... شديد البأس في رهج الحروبِ
يرد الخيل دامية الهوادي ... منفرة الخواصر والثريبِ
تراه يستطيع غداً دفاعاً ... بنصر من(9) قريبٍ أو نسيبِ
__________
(1) في (ب): نظيفها كثيراً كثير الصمت.
(2) في (ب): ليس مبتذل.
(3) في (ب): النفل.
(4) سقط من (ب): قصيده.
(5) في (أ): لم يلق.
(6) في (ب): في المراس وارتحالاً. وفي (أ): في المرامس وارتحلا.
... المرامس: القبور.
(7) في (أ): وجد.
(8) في (ب): قلب.
(9) في (ب): عن قريب.

ألا لا(1) ليس منتفعاً بشيءٍ ... سوى الإيمان والدين الصليبِ(2)
وللإيمان أخلاط كثير ... تحافظ مثل(3) عقار الطبيبِ
ويكفي المرء من أدنى الخطايا ... كما يكفي الذباب من القليبِ
فيا رب(4) البريئة فاعف عني ... بحقك أنت علام الغيوبِ
ففي ذي الدار قد أكملت حظي ... فلا تقطع من الأخرى نصيبِي(5)
/187/ وله قصيدة حسنة الوعظ:
دع الذخر مغرور إن التقى ذخر ... فليس هنا عسر(6) يدوم ولا يسرُ
وما الذخر إلا مسلك الدين والتقى ... فمن لم يسرْ فيه فليس له ذخرُ
ومن لم يَضَعْ قُدَّامَهُ التبرَ جُنةً ... ينجيه لم ينفعه مِنْ خلفهِ التِّبْرُ
ومن رام عزاً بالتكبر لم يكن ... له لَبَثٌ حتى يذلِّلَه الكبرُ
وما كِبْرُ مَن يَبْتَزُّهُ الموت صاغراً ... وما عز ذي عز وآخره القبرُ
سواء عليه يوم يصبح هالكاً ... أعاش بعمرٍ طال أم لم يطل عمرُ
ولا فرق بعد الموت بين مُعَمَّرٍ ... مئين ونفس لم يتم لها شهرُ
وكم غاشم قد أرغم الدهر أنفه ... وذي جدة أبلى شبيبته الدهرُ
وما أطول الدنيا إذا ما جهلتها ... وما أقرب الأخرى إذا اسْتُعْمِلَ الفكرُ
__________
(1) سقط من (ب): لا.
(2) الصليب: الشديد. القاموس المحيط111.
(3) في (ب): من.
(4) في (ب): فيا بارئ.
(5) في (أ): نصيب.
(6) في (أ): عيش.

ومن أهل هذا البيت محمد بن إبراهيم بن السميدع، وهو شاعر مشهور بينه(1) وبين محمد بن أحمد اليامي صنو حاتم بن أحمد مشاعرات، وكان في محمد بعض الاختلال، وبحير - بالباء الموحدة والحاء المهملة - وقد تلتبس هذه النسبة بنسبة بني اليحيري - بالياء المثناة من تحت بعدها الحاء المهملة بعدها ياء - وهم جماعة أجلاء علماء شعراء زهاد، إلا أن جمهورهم مال إلى التطريف، ولم يتميز لي الخالص منهم، مع أنه قد ذكر منهم الخالص(2)، وهذه بدعة التطريف نشأت عام خمسين وأربعمائة، وكادت تعم لو لا تكفل الله، وكفى به أنه(3) لا تزال طائفة على الحق ظاهرين، فكانت في مدتهم المصاولة والمقاولة إلى ثلاث عشرة وستمائة، واضمحل مذهبهم، ?فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ?[الرعد:17] - وتاريخ ابتداء أمرهم وانتهائه نص عليه العلامة عبد الله بن الحسن الدواري - رحمه الله تعالى-(4)، ولمح السيد الحافظ محمد بن إبراهيم إلى بدعتهم هذه مع بدعة الخوارج بقوله:
كم أطرف العقلاء مبدع قولهم ... ومطرف من جنسهم وطريف
كم أطرفوا في الابتداع ذوي النهى ... والظفر نوع منه والتطريف
عنى بقوله(5) طريف بن طريف الخارجي، فحذف ابن، وأقام المضاف إليه مقامه، فهو شبيه ما أنشده العلامة في مفصله:
عشية فر الحارثيون بعد ما ... قضى نحبه في ملتقى القوم هرمز
__________
(1) في (ب): وبينه.
(2) في (ب): الخالص منهم.
(3) في (أ): أن.
(4) سقط من (ب): تعالى.
(5) في (ب): عني به طريف.

أي ابن هرمز، وأراد بمطرف رأس المطرفية الغوية، وهو مطرف بن شهاب بن عمرو بن عمرو بن عباد الشهابي من بني شهاب حيدان من (بلاد القد)(1) من بلاد (خولان قضاعة)، وعلى احتمال وشك يمكن أن يكون عباد بن العمر أحد رؤساء بني شهاب عاصر الرشيد، وحبسه إسحاق العباسي، وتوفي سنة تسعين، وهو عباد بن العمر بن عباد بن مالك بن شهاب الأكبر(2) بن ربيعة بن وهب بن الحارث بن معاوية بن كثيرة، وهو بور بن كندي بن عقير(3) بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد(4) بن كهلان بن سبأ(5) بن شحب بن يعرب بن قحطان، فهو كندي، لكن بنو شهاب هؤلاء سكنوا بـ(خولان قضاعة)، وإلا فبين السنين بون، وقد ذكر السيد الحسن بن يعقوب المعروف بابن الحائك أن عقب عباد المذكور منهم من صار إلى أرض /188/ بني شهاب من حيدان القد، وكان عباد بن العمر من أجلاء العرب بـ(اليمن)، وإليه ينسب ميدان عباد بحقل (صنعاء)، وهو صاحب سقاية عباد بـ(صنعاء)، وكان مطرف هذا رجلاً داهياً صباراً متواضعاً، فانخدع به خلق كثير(6)، وحرصت(7) به خلوق الدولة، وما رأيت لهذه الطائفة وجهاً كثر لها السواد إلا أمرين أحدهما، وهو الأعظم: تركهم للدنيا، وميلهم عن شهواتها، ومعاملتهم لأنفسهم وإخوانهم وجيرانهم بالمعاملة العجيبة من الاحتمال والتواصل والتشافق، كأنهم الجميع إنسان واحد مع ورع شحيح، وعبادة يكل عنها الجليد، أشبه شيئاً بحال الخوارج، مع طهارات وشح في كل شيء، هذا وجه ميل القلوب من(8) العامة إليهم، فإن دنس الدنيا وحبها لا يترك للعالم جمالاً.
__________
(1) في (أ): حيدان بالقد.
(2) في (ب): بن العاقل الأكبر بن ربيعة.
(3) في (ب): عمر.
(4) في (ب): بني زيد بن عريب بن زيد بن كهلان.
(5) في (أ): سيناء.
(6) سقط من (ب): كثير.
(7) في (ب): جر خصب.
(8) في (ب): الميل من.

166 / 182
ع
En
A+
A-