ابن حميد عندنا إمامي
وضمن الأرجوزة قول محمد(1) المؤيد أبي نصر هبة الله بن موسى الرازي الداعي، كان على عهد المنتصر بالله:
يا قوم إنا منهم براء ... هم واليهود عندنا سواء
وعرض بابن أبي الهيثم، وقد كان ابن أبي الهيثم يومئذ نزل بـ(مدر)(2) من أعمال المشرق بعد خروجه من (شبام)(3) هو وجماعته قبل عمارة (وقش)، فقال معرضاً به:
ومرجف يرجف في سوق مدر ... ما بين ذيبان وما بين عذر
حجته مخلاته إذا افتخر
وهذه الأرجوزة فائقة، وقد أجابها من المطرفية أبو مسعود(4) بن زيد، وهو بليغ في الغاية، ثم قامت الزيدية بعد ذلك مجيبة عن أبي السعود، وتكلموا بما ينتصر به ابن حميد - رحمه الله - منهم إسماعيل بن علاء وجماعات، وقد ذكرنا بعض أرجوزة أبي السعود فيما تقدم، وذكرنا أوائل أرجوزة إسماعيل بن علاء، ومنها (5):
قالت وقد أتت بنو القربة ... خلوا الطريق أنها عنسية
ليست رجال مذحج السنية ... يدخل في مذاهب الطبائعية
ومنها:
وقلتم لم ينعقد نكاح ... إن صح ذا فأنتم سفاح
(6)زنيتم ويحكم النساء(7) ... وحمزة والمرتضى عليا
إياهم قد أشركوا مليا
إلى قوله:
وقلتم ليس لعاص مسلك ... ولا له من تر دينه سلك
توحيده وقت المعاصي شرك ... ليست تقول ذا المقال الترك
إلى قوله:
(8)وقلتم لا نسمع القرآن ... وهو إلى العالم ترجمان
وقلتم الموت المتاح المبرم ... من الطباع والغذاء والدم
إلى قوله(9):
صفرا وسودا(10) قلتم وبلغم ... ليست من الله عليهم تحتم
إلى قوله:
روى لنا أن صبياً ماتا ... في (ريدة) وجاور الأمواتا
فقال شيخ حضر الوفاتا ... وحمل المشعل والمخلاتا
لو أحكمته أمه ما ماتا ... …
__________
(1) سقط من (ب): محمد.
(2) في (ب): بمرر.
(3) في (ب): سناع.
(4) في (ب): السعود.
(5) زيادة في (ب): أعني من أرجوزة ابن علاء.
(6) في (ب): إلى قوله.
(7) الأرجع النبيا.
(8) في (ب): إلى قوله.
(9) سقط من (ب): إلى قوله.
(10) في (ب): سوداء وصفراء.
وهي طويلة، والمراد ذكر أحوال محمد(1) بن حميد - رحمه الله - /156/، فإنه كان إنساناً كاملاً، فاضلاً مطلعاً، نبيهاً، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، متكلماً على أعداء الله بالحجج النيرات، واستقر آخر أمره بشرق(2) (حاشد) على العبادة والنسك، وكان يقال: لو صلح أحدٌ للإمامة من غير أبناء فاطمة الزهراء صلح لها محمد بن حميد، وكان ينشد - رحمه الله - كثيراً:
وللفتى في نفسه إذا عقل ... شغل بها عن غيرها إذا اشتغل
في الاعتقاد والمعاش والعمل
محمد بن خليفة بن سالم
العلامة المجتهد، أستاذ العلماء، كعبة الطالبين، أبو عبد الله محمد بن خليفة بن سالم بن محمد بن(3) يعقوب بن القاسم بن يعقوب الهمداني - رحمه الله تعالى-(4)، علامة مفيد رحلة، تخرج عليه الناس بمدرسة (حوث)(5)، وتوصل به(6) له الفضلاء، وعنه أخذ الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة - عليه(7) السلام - والأمير الكامل إدريس بن علي بن عبد الله الحمزي، والفقيه المحقق المطلع سليمان بن أحمد بن أبي الرجال، وجماعة(8)، والأمير إدريس في إجازة واحدة.
__________
(1) في (ب): ذكر أحمد بن حميد…
(2) في (ب): بمشرق.
(3) سقط من (ب): محمد بن.
(4) سقط من (ب): تعالى.
(5) في (ب): حوت.
(6) في (أ): نبل له.
(7) في (ب): عليهما.
(8) في (ب): وجمعة.
قال الجندي في تاريخه: كان بن خليفة فقيهاً كبيراً متورعاً، ما قرأ عليه أحد إلا انتفع، وربما بلغ رتبة الاجتهاد، أو قريباً منه، يلبس الثياب الفاخرة ويقول: قصدي تعظيم العلم، وله ولد عالم اسمه عبد الله، ورع زاهد، رد على ابن حميد(1)، وأفتى بجواره، وحل قباله، هكذا فيما أنقله(2) من منقول كتاب(3) الجندي، ثم نظرته فيه لأتحقق قوله في أمر عبد الله ولده أنه رد على ابن حميد(4) إلى آخره، فوجدته هكذا، ولعل قوله: أفتى بجوازه، أي بجواز الرد على ابن حميد(5)، وأظن فيما اطلعت من المنقول والأصل غلط.
قال السيد الصارم: إنه اطلع على خط ابن خليفة وفيه جودة وحسن.
قلت: وخالط الإمام المهدي لدين الله، ونقل عنه التحرم من أهل(6) ولايته - عليه السلام - وقت القراءة، وقال: ما أنكر أن في(7) أهل ولايتي من العمال ما لا يوافق الصواب، واتفق بالإمام في ذروة الحصن المشهور، ونقل عنه أن الإمام يومئذ قد(8) كان جنح إلى ترك الأمر، والله أعلم.
محمد بن داود بن القاسم
السيد الفاضل، العلامة الكامل، بدر(9) الدين محمد بن داود بن القاسم بن صلاح بن أحمد بن صلاح بن أحمد بن علي بن يحيى بن أحمد بن يحيى بن يحيى - عليهم السلام -.
قال الأمير صلاح بن الجلال - رحمه الله -: هو من فضلاء السادة في عصرنا، وأهل الديانة، والورع والذكر.
قلت: وذكر السيد الأمير صلاح الدين أن والده داود كان من فضلاء السادة وكرمائهم، قال: حتى بلغني أنه أوصي بوصية لأفضل آل يحيى بن يحيى، فأمر الإمام علي بن المؤيد بصرفها إليه.
__________
(1) في (ب): حمير.
(2) في (ب): فيما نقلته.
(3) في (ب): من كتاب.
(4) في (ب): حمير.
(5) في (ب): حمير.
(6) في (ب): من ولاته.
(7) في (ب): أن أهل ولاياتي.
(8) في (ب): كان قد.
(9) في (ب): نهر.
محمد بن داود النهمي
الفقيه الشيخ المحقق، أستاذ المحققين، محمد بن داود النهمي - رحمه الله تعالى - ذكره في (النزهة)، وذكر أن أستاذه هو الشيخ العالم الكبير إسماعيل بن عطية، ومن تلامذته السيد بن أبي العطايا - رحمهم الله تعالى -.
محمد بن داود الحسني
الفقيه المحقق، الكامل الناسك، محمد بن داود الحسني - رحمه الله تعالى - رأس العلماء، صاحب الفنون، كان من فضلاء زمانه، ونبلاء أوانه(1)، لقي الإمام عز الدين بن الحسن، وأحسبه أضاف الإمام في رحلته المشهورة، وكان وحيداً في علم الكلام، والفقه، والعربية، وأثنى عليه الإمام الهادي عز الدين بن الحسن - عليهم السلام - وقبره بـ(عرثومان) بقبة مشهورة هنالك، وله عقب فيها.
محمد بن ذعفان الصنعاني
الشيخ المحقق(2)، البليغ اللسان، مناصر الحق ومعاضده، محمد بن ذعفان الصنعاني - رحمه الله -(3) هو من آل أبي(4) عمرو الذين كانوا أهل البلاغة والمكانة في الفضل بـ(صنعاء)، منهم أبو فراس بن دعثم وغيره، وكان محمد شاعراً مجيداً محمود المقاصد، وله في الإمام المنصور بالله(5) فرائد من الشعر، من ذلك قوله يوم فتح (صنعاء):
همم الخطير جليلة الأخطار ... محمودة الإيراد والإصدار
وتفاضل العزمات في أربابها ... تجري بحسب تفاضل الأقدار
والناس منتهبو الذوات وإنما ... ليس المعادن كلها بنضار
إن اليواقيت الثمينة لم تكن ... مما يقاس بسائر الأحجار
جاء ابن حمزة في القيام بمعجز ... من جنس معجز جده المختار
وأتى ابن بنت محمد كمحمد ... ما أشبه الآثار بالآثار
كنا عن المنصور نرجو مخبراً ... حتَّى بذي يغني عن الأخبار
وهي طويلة، وله قصائد منتخبات - أعاد الله من بركته -.
__________
(1) في (ب): وأنه لقي.
(2) سقط من (ب): المحقق.
(3) في (ب): تعالى.
(4) غير موجود في (ب).
(5) في (ب): - عليه السلام -.
محمد بن زبارة الماربي
الشيخ البليغ، فخر (اليمن)، إنسان البلاغة والعلوم، محمد بن زبارة(1) الماربي الزيدي - رحمه الله - كان عالماً فصيحاً، جيد النظم، يزاحم أبا تمام وأضرابه، ذكره عمارة وغيره، قرأ العربية، وأتقن على العلامتين ابني أبي رزين علي وموسى ابني أحمد، وكانا عالمين في العلوم مقدمين في العربية، تشد إليهما الرحال، إلا أنهما نسب إليهما التطريف، ففاتهما(2) الوساطة في الشرف، ولولا ذلك، لكانا من مفاخر العصابة، وهما من آل أبي رزين، ونسبهم في الأزد، فمنهم من سكن (صعدة)، ومنهم من سكن (صنعاء) و(شبام)، وأحسب أن نسبهم إلى رزين السابق ذكره، فصحبهما الماربي وغيره من أفاضل النحاة بـ(اليمن)، كإسماعيل بن علي بن عبد الله الآثار، وكان إسماعيل هذا صاحب أدب وفصاحة(3) وشعر حسن، وكان قد تعبد مع المطرفية، ثم ولع بمدح الأصلوح، والرواحيين، وابن وائل الكلاعي، وسلاطين الجند، وغيرهم، وتظاهر بشرب(4) الخمور، وله أخبار ونوادر؛ لأنه كان سريع البادرة، وحي النادرة، ولما ولع بهذه النقائص، زهد شيخه(5) ابن أبي رزين في التدريس لعلوم العربية، فاحتاج الناس إلى الرحلة من (اليمن) إلى (مصر)، فرحل سليمان بن يحيى بن عبد الله البحتري إلى أبي بكر محمد بن عبد الملك الشنتريني، ولم يزل الماربي مقدماً يتنافس فيه الملوك ويتردد بديار (اليمن)، وكانت تأتيه الجوائز ألوفاً من الذهب ويفرقها، فإنه كان متلافاً، وهو أحد شيوخ الشريف علي بن عيسى كما قيل، وكان منقطعاً إلى والده عيسى بن حمزة بن وهاس الحسني، فأحسن إليه ورفع منزلته حتى اشتد حب الماربي له، فلما قتله أخوه يحيى بن حمزة، قال الماربي فيه القصيدة النونية السائرة التي أولها:
جئت المودة وهي ألام حطة ... وسلوت عن عيسى بن ذي المجدين
__________
(1) في (ب): بن زياد المازني الزيدي - رحمه الله تعالى -.
(2) في (ب): ففاتهم.
(3) في (ب): وحظ جيد وشعر…
(4) في (أ): شرب.
(5) في (أ): مشيخه.
/158/يا طفَ (عثّر) أنت طف آخر ... يا يوم عيسى أنت يوم حسين(1)
قد كان يشفى بعض ما بي من جوى ... لو طاح يوم الروع في الحيلين
هيهات إن يد الحمام قصيرة ... لو هز مطرد الكعوب رديني
أبلغ بني حسن وإن فارقتهم ... لا عن قلا وحللت باليمنين
إني وفيت بعهد عيسى بعده ... لا لو وفيت قلعت أسود عيني
ولشدة جزعه عليه(2) - رحمه الله - كان نذر ألاَّ يرى الدنيا إلا بعين واحدة، وغطى(3) أحد عينيه إلى أن مات، فقال(4):
قرت عيون الشامتين وأسخنت ... عيني على من كان قرة عيني
فانتهى هذا الشعر إلى يحيى بن حمزة قاتل عيسى، فغضب، وقال خلدني(5) الله خلدة الماربي لأسفكن دمه، فقال الماربي:
نبئت أنك قد أقسمت مجتهداً ... لتسفكن على حر الوفاء دمي
و(6) لو تجلد جلدي ما عذرت ولا ... أصبحت ألأم(7) من يمشي على قدم
قلت: وسبب قتل يحيى بن حمزة لأخيه عيسى والد الشريف علي - رضي الله عنه - أن الغز أخذت الشريف يحيى بن حمزة بن وهاس(8) أسيراً إلى (العراق)، وبقي بعده أخوه أميراً في البلاد، (حرض) وما يليها، فبذل عيسى الأموال لفكاك يحيى حتى افتك من (العراق)، ورجع وأعمل الحيلة في قتل أخيه، و(عثر) المذكور في الشعر - بالعين المهملة بعدها ثاء مثلثة مشددة - موضع بـ(اليمن)، والماربي بالراء المهملة نسبة إلى (مأرب) شرقي (صنعاء)، ومن شعر الماربي:
ما لقينا من الضبا والعواطي(9) ... خافقات القرون والأقراطِ
هجنت بالبدور والدر والور ... د وأزرت(10) بالرمل والأحواطِ
ومن شعره يمدح أبا السعود بن زريع:
يا ناظري قل لي يراه كما هوه ... إني لأحسبه تقمص لؤلؤه
__________
(1) في (ب): حنين.
(2) في (ب): على عيسى رحمة الله.
(3) في (ب): فغطى.
(4) زيادة في (ب): قرب موته.
(5) غير منقط في (ب).
(6) سقط من (ب): الواو.
(7) في (ب): الأمر.
(8) في (ب): الحسني.
(9) في (أ): العواطي.
(10) في (أ): وازدرت.
ما إن بصرت بزاخر في شامخ ... حتى رأيتك جالساً في الدملوه(1)
محمد بن زيد بن محمد بن إسماعيل
سلطان آل محمد الكبير، الداعي إلى الله الأخير، محمد بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام - هو أخو الداعي الكبير الحسن بن زيد، ويسمى الحسن الداعي الأول، والحسن لم أكتب ترجمته لظني حين مررت على موضع رقمه أنه يسمى بالإمامة(2)، والظاهر أنهما قاما ناصرين للحق، ومقامهما شهير، افتخر(3) السيد العلامة الهادي بن إبراهيم في (دامغة الدامغة) بملكهما وسلطانهما، وهو كذلك وللحسن بن زيد تأليفات في المذاهب(4)، منها (البيان)، ومنها(5) (الجامع في الفقه)، وكتاب (الحجة في الإمامة)، ولما مات، استولى على الأمر محمد هذا، وعارضه بعض العلويين بـ(طبرستان)، فزحف إليه محمد بن زيد من (جرجان) سنة إحدى وسبعين، فقتل العلوي وملك (طبرستان) وأقام بها سبع عشرة سنة وسبعة أشهر، وكان أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني الكاتب المعتزلي المفسر اللغوي البحري يكتب له، ويتولى أمره، واستولى على تلك الديار، حتى خطب له رافع بن هرثمة بـ(نيسابور) أياماً، ثم قتله محمد بن هارون صاحب إسماعيل بن أحمد الساماني على باب (جرجان)، /159/ وحمل رأسه إلى (مرو)، مع ابنه زيد بن محمد(6)، وزيد المذكور في الأصل، ثم حمل من هنالك إلى (بخارى)، ودفن(7) بـ(جرجان) عند قبر الديباج محمد بن جعفر الصادق، وكان محمد هذا كثير الفضل والإفضال، جليل القدر، ذا جود وشجاعة ومروءة، قصدته العلماء والشعراء، وأنشده أبو المقاتل(8) نصر بن نصير الخلوابي الضرير يوم مهرجان قصيدة أولها:
__________
(1) هذا البيت غير موجود في (ب).
(2) في (ب): تسمى.
(3) في (ب): بل افتخر.
(4) في (ب): في المذهب.
(5) في (ب): كتاب الجامع.
(6) في (ب): بن محمد بن زيد وابن زيد المذكور في الأسرين.
(7) في (ب): ودفن بدنه.
(8) في (ب): أبو القاتل.
لا تقل بشرى ولكن بشر بان ... غرة الداعي ويوم المهرجان
فأنكر عليه لا تقل بشرى، فقال أبو المقاتل: يا ابن رسول الله، إن أفضل الكلام(1) لا إله إلا الله، وأوله لا، فاستحسن ذلك منه، وأحسن جائزته.
ويروى أن أبا المقاتل هذا أنشده، وأنشد(2) أخاه، وفي بعض حواشي (المطول) أنه أنشد أخاه الحسن، وقد حكى ابن عنبة القولين معاً متشككاً: موعد أحبابك بالفرقة غد.
فقال: بل أحبابك يا أعمى، ولك المثل السوء(3)، ثم نهض من مجلسه.
__________
(1) في (ب): الكلم.
(2) في (ب): أو أنشد.
(3) في (أ): السواء.
وحكي أنه كان إذا اجتمع الخراج، نظر ما في بيت المال من خراج السنة الماضية، ففرقه في قبائل قريش، ثم في الأنصار، والفقهاء، وأهل القرآن، وسائر طبقات الناس، حتى لا يبقى منه درهم، فجلس في بعض السنين يفرق، فبدأ ببني عبد مناف، فلما فرغ من بني هاشم، دعا بسائر بني عبد مناف، فقام رجل فقال له محمد بن زيد الداعي: من أي بني عبد مناف أنت؟ فقال: من بني أمية، قال: من أيها؟ فسكت، فقال(1): لعلك من ولد معاوية؟ قال: نعم، قال: من أي ولده أنت؟ فأمسك. قال(2): لعلك من ولد يزيد؟ قال: نعم، قال: بئس الاختيار اخترت لنفسك، تقصد ولاية آل أبي طالب وعندك ثأرهم، قد كان لك مندوحة عنهم بـ(الشام) و(العراق) عند من يتولى جدك، ويحب برك، فإن كنت جئت على جهل بهذا، فما يكون بعد جهلك جهلاً، وإن كنت جئت مستهزءاً بهم، فقد خاطرت بنفسك، قال: فنظر إليه العلويون نظراً شديداً، فصاح بهم محمد وقال: كفوا عنه، كأنكم تظنون أن في قتل هذا دركاً لثأر الحسين، أي جرم لهذا، إن الله - عز وجل - قد حرم أن تكلف نفس بغير ما اكتسبت، والله لا تعرض له أحد بسوء إلا قدته به، واسمعوا حديثاً أحدثكم به يكون(3) لكم قدوة فيما تستأنفون: حدثني أبي عن جدي(4) قال: عرض على المنصور جوهر فاخر وهو بـ(مكة) فعرفه، وقال: هذا جوهر كان لهشام بن عبد الملك، وقد بلغني أنه عند ابنه محمد، ولم يبق منهم غيره، ثم قال للربيع(5): إذا كان غد، وصليت بالناس في المسجد الحرام، فاغلق الأبواب كلها ووكل بها(6) بقائك، ثم افتح باباً واحداً، وقف عليه، فلا تخرج إلا من تعرفه، ففعل الربيع ذلك، وعلم محمد بن هشام أنه هو المطلوب، فتحيز، وأقبل محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام -(7) فرآه متحيزاً، وهو لا يعرفه، فقال
__________
(1) في (ب): قال.
(2) في (ب): فقال.
(3) سقط من (ب): يكون.
(4) في (ب): عن أبيه.
(5) في (ب): الربيع.
(6) سقط بها من (ب).
(7) غير موجود في (ب).
له: يا هذا أراك متحيزاً، فمن أنت؟ قال(1): ولي الأمان؟ قال: لك الأمان، وأنت في ذمتي حتى أخلصك؟ قال: أنا محمد بن هشام بن عبد الملك ، فمن أنت؟ قال: أنا محمد بن زيد بن علي. فقال محمد: احتسبت نفسي إذاً، فقال: لا بأس عليك يا ابن عم، فإنك لست بقاتل زيد، ولا /160/ في قتلك درك بثأره، وأنا الآن بخلاصك أولى مني بإسلامك، ولكن تعذرني في مكروه أنالك به، وقبيح أخاطبك به يكون فيه خلاصك، فقال: أنت وذاك، وطرح رداءه على رأسه، ووجهه، ولبته، وأقبل يجره، فلما وقف على الربيع، لطمه لطمات، وقال: يا أبا الفضل إن هذا الخبيث حمال من أهل (الكوفة) أكراني جماله ذاهباً وراجعاً، وقد هرب مني في هذا الوقت، وأكرى بعض قواد الخراسانيين، ولي عليه بذلك بينة، فضم إليه حرسين، فمضيا معه، فلما بعدوا عن المسجد، فقال له: يا خبيث تؤدي إليّ حقي؟ قال: نعم يا ابن رسول الله، فقال للحرسين: انصرفا عنه، ثم أطلقه، فقبّل محمد بن هشام رأسه، وقال: بأبي أنت وأمي، الله أعلم حيث يجعل رسالاته، ثم أخرج جوهراً له قيمة عظيمة، فدفعه إليه، وقال: شرفني بقبول هذا، فقال: يا بن عم، إنا أهل بيت لا نقبل على المعروف شيئاً، وقد تركت لك ما هو أعز وأعظم من هذا، دم زيد بن علي - عليه السلام - فانصرف راشداً، ووارِ شخصك حتى يرحل هذا الرجل، فإنه مجد في طلبك.
__________
(1) في (ب): فقال.