قال الشريف ابن عنبة: أما محمد بن أبي أحمد الحسن بن موسى الأبرش، فهو الشريف الأجل، الملقب بالرضي، ذو الحسبين، يكنى أبو الحسن نقيب النقباء بـ(بغداد)، وهو ذو الفضائل الشائعة، والمكارم الرائعة، كانت له هيبة(1) وجلالة، وفيه ورع وعفة وتقشف، ومراعاة للأهل والعشيرة(2)، ولي نقابة الطالبيين مراراً، كانت إليه إمارة الحاج والمظالم، كان يتولى ذلك نيابة عن أبيه ذي المناقب، ثم تولى ذلك بعد وفاته مستقلاً، وحج بالناس مرات، وهو أول طالبي خلع(3) عليه السواد، وكان أحد علماء عصره، قرأ على الأجلاء(4) الأفاضل، وله من التصانيف كتاب (المتشابه في القرآن)، وكتاب (مجاراة الآثار النبوية)، وكتاب (نهج البلاغة)(5)، وكتاب (تلخيص البيان عن مجازات القرآن)، (6) وكتاب (الخصائص)، وكتاب (سيرة والده الطاهر)، وكتاب (انتحاب شعر ابن حجاج)، سماه الحسن من شعر الحسين، وكتاب (أخبار قضاة بغداد)، وكتاب (رسالة) ثلاثة مجلدات، وكتاب (ديوان شعره)، وهو مشهور. قال الشيخ أبو الحسن العمري شاهدت مجلداً في تفسير القرآن منسوباً إليه، مليح حسن يكون بالقياس في كبر تفسير أبي جعفر الطوسي أو أكبر، وشعره مشهور، وهو أشعر قريش، وكان لا يقبل من أحد شيئاً، حكى أبو إسحاق محمد بن إبراهيم بن هلال الصابي الكاتب قال: كنت عند الوزير أبي محمد ذات يوم، فدخل الحاجب، واستأذن للشريف الرضي، وكان الوزير قد ابتدأ بكتابة رقعة، فألقاها، وقام كالمدهش حتى استقبله من دهليز الدار، وأخذ بيده، وأعظمه، وأجلسه في دسته، ثم جلس بين يديه متواضعاً، وأقبل عليه بمجامعه، فلما خرج الرضي، خرج معه، وشيعه إلى الباب ، ثم رجع، فلما /150/ حف المجلس، قلت: أيأذن لي الوزير - أعزه الله تعالى - أن أساله عن شيء،
__________
(1) في (ب): هيبة.
(2) في (ب): وللعترة وفي.
(3) في (ب): طلع السواد.
(4) في (ب): أجلاء الأفاضل.
(5) ارحع إلى السطر الثاني أوله
(6) من هنا إلى نهاية الترجمة لا يوجد في (ب).

قال: نعم، وكأني بك تسأل عن زيادتي في إعظام الرضى على أخيه المرتضى، والمرتضى أسن منه وأعلم. قلت: نعم أيد الله الوزير. فقال: اعلم أنا أمرنا بحفر النهر الفلاني، وللشريف المرتضى على ذلك النهر ضيعة، فتوجه عليه من ذلك قدر ستة عشر درهماً أو نحو ذلك، فكاتبني بعدة رقاع يسأل في تخفيف ذلك المقدار عنه، وأما أخوه الرضي، فبلغني ذات يوم أنه ولد له غلام، فأرسلت إليه بطبق فيه ألف دينار، فرده، وقال: قد علم الوزير أني لا أقبل من أحد شيئاً، فرددته إليه، وقلت: إني إنما أرسلته للقوابل، فرده ثانية، وقال: قد علم الوزير نساؤنا عربية، فرددته، فقلت يفرقه الشريف على تلامذته من طلاب العلم، فما جاء الطبق وحوله طلاب العلم، قال: هاهم حضور، فليأخذ كل واحد ما يريد، فقام رجل وأخذ ديناراً، فقرض من جانبه قطعة، فأمسكها، ورد الدينار إلى الطبق، فسأله الشريف عن ذلك، فقال: احتجت إلى دهن السراج ليلة، ولم يكن الخازن حاضراً، فاقترضت من فلان البقال دهناً، فأخذت هذه القطعة لأدفعها إليه عوض دهنه، وكان طلبة العلم الملازمون للشريف الرضي في دار قد اتخذها لهم سماها دار العلم، وعين لهم جميع ما يحتاجون إليه، فلما سمع الرضي ذلك، أمر في الحال أن يتخذ للخزانة مفاتيح بعدد الطلبة، ويدفع إلى كل واحد منهم مفتاحاً ليأخذ ما يحتاج إليه، ولا ينتظر خازناً يعطيه، ورد الطبق على هذه الصورة، فكيف لا أعظم من هذا حاله؟ وكان الرضي مترشحاً للخلافة، وكان أبو إسحاق الصابي يطمعه فيها، ويزعم أن طالعه كان يدل على ذلك، وله في ذلك شعر أرسله إليه، ووجدت في بعض الكتب أن الرضي كان زيدي المذهب، وأنه كان يرى أنه أحق قريش بالإمامة، انتهى ما أردت نقله من كلام ابن عنبة.

وذكر السيد النسابة أبو فضيل منكراً محمد بن أبي الفتوح الأوسط بن أبي (اليمن) سليمان بن تاج الملة الشهير بصدر العالم - رحمه الله تعالى - في كتاب (النفحة العنبرية في أنساب خير البرية) الذي صنفه لمحمد بن الناصر أحمد بن المتوكل على الله المطهر بن يحيى بن المرتضى بن المطهر بن القاسم بن المطهر بن علي بن الناصر لدين الله أحمد بن الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين - عليهم السلام - وهو كتاب حسن في بابه، ذكر فيه ما نصه: قال ابن مهنى: وجدت في بعض الكتب أن الرضي هذا كان زيدي المذهب، وأنه كان يرى أنه أحق قريش بالإمامة، وقد ذكر الإمام المنصور بالله في جوابه (الشافي) الذي أجاب به أبا القبائل عبد الرحمن بن منصور الأشعري كلاماً معناه: أن الشريف الرضي كان فريد وقته ونسيج وحده، وكان من خلصان الزيدية، ومثل هذا ذكره الحاكم في (العيون) /151/.
قال السيد العلامة أحمد بن عبد الله الوزير - رحمه الله -: ويدل على ذلك أشعاره.
قلت: من ذلك ما أنشده ابن عنبة في ترجمته شعراً:
هذا أمير المؤمنين محمدٌ ... طابت أرومته وطاب المحتدُ
أو ما كفاك بأن أمك فاطمٌ ... وأبوك حيدرة وجدك أحمدُ
قال ابن عنبة: وأشعاره مشحونة بذلك، ومدح القادر بالله، فقال في تلك القصيدة:
ما بيننا يوم الفخار تفاوتٌ ... الكل منا في المفاخر معرقُ
إلا الخلافة قدمتك فإنني ... أنا عاطل منها وأنت مطوَّقُ
قال له القادر بالله على رغم أنف الشريف.
قلت: هكذا قال هؤلاء الكلمة، وأفادنيه بعض شيوخي عن غير هؤلاء، فاستشكلت الأبيات التي تروى حين نقله أبو عبد الله الداعي في النقابة، فإن فيها:
لو لم أقل بالنص في مذهبي ... وكنت كالصارم من حيلة
لقلت قد قام إمام الهدى ... فاجتمع العالم في ظله

فأجابني بعض شيوخي الحفاظ - أدام الله عزه - بأنه قد بحث على هذا فلم تكن هذه للشريف الرضي بعد البحث، وأقام - رضي الله عنه - على ذلك دليلاً، مولد الشريف سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، وتوفي يوم الأحد السادس من محرم سنة ست وأربعمائة، ودفن في داره، ثم نقل إلى مشهد الحسين - عليه السلام - بكربلاء، فدفن عند أبيه، وقبره ظاهر معروف، ولما توفي، جزع المرتضى جزعاً شديداً لا أبلغ منه إلى أنه لم يتمكن من الصلاة عليه، ورثاه هو وغيره من شعراء زمانه، وأمه وأم أخيه المرتضى فاطمة بنت أبي محمد الناصر الصغير، يعرف بناصرك بزيادة الكاف، ومعنى هذه الكاف التصغير في لسان العجم، والناصر الصغير هو ابن أبي الحسين أحمد بن الإمام الأعظم أمير المؤمنين أبي محمد الأطروش الماضي ذكره، ولهما ولها الكرامة المذكورة التي حكاها السيرافي، وذلك أنه رأى أن فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - جاءت إليه بالحسن والحسين تقربهما، فكان في الغد، وجاءت فاطمة بنت أبي محمد بالشريفين على صفة ما رآه ليلاً، ولم يشتغل بإنشاد شيء من شعره وشعر أمثاله ممن شعره أشهر من نار على علم إلا ما دعت إليه ضرورة حال. انتهى).
محمد بن الحسين بن محمد المحرابي
السيد العلامة، المتعبد الزاهد، بدر الدين محمد بن الحسين بن محمد المحرابي - رحمه الله -(1)، كان سيداً فاضلاً صالحاً مطلعاً، له إشراف كامل على العلوم بطريق المطالعة والقراءة على الشيوخ، إلا أن سعة حفظه عن المطالعة، وكان متكففاً متعففاً لم يخرج من بلده (المحراب) إلا لزيارة الأئمة بـ(شهارة)، وكان يأكل من نذره، ووالده - رحمه الله تعالى - [كان] سيداً فاضلاً، أكبر من ولده قراءة(2) سيما في أصول الدين إلا أن حظه في الحفظ قليل - رحمه الله تعالى - وفاة السيد محمد فيما أظنه في أفراد عشر الخمسين وألف في أواخر سنيها، وهذا تقريب لا تحقيق.
__________
(1) في (ب): تعالى.
(2) في (أ): قرأ.

محمد بن الحسين بن القاسم [ - 1067 ه‍ ]ت
/152/ السيد السَّرِيُّ الهمام، العالم الأديب، قائد الجنود، عطر الأخلاق، محمد بن الحسين بن أمير المؤمنين المنصور بالله القاسم بن محمد سلام الله عليهم، عالم بن عالم بن عالم، كان من أهل الأدب والرعاية(1)، مطلعاً على مقاصد الأدباء ومناهجهم، ومع ذلك فهو مكين في علوم الأدوات، يعاطى الاستنباط والتكلم في المسائل عن نظرة من غير متابعة، وذلك في آخر أمره(2)، واشتغل بشرح آيات الأحكام التي جمعها السيد المحدث الحافظ محمد بن إبراهيم الوزير، وعددها مائتا آية ونيف وعشرون آية، ففسرها، واستنبط منها، وأظهر عجائب من علمه، وخرج الأحاديث من أمهاتها، وكان من أعيان الدولة المتوكلية من وجوه سادات أهلها في البسطة منهم، وكان بعد موت والده - رحمه الله تعالى -(3) مقيماً بالبستان غربي (صنعاء)، يحف به فقهاء وجماعة من الجند، ولما اختار الله للإمام المؤيد بالله جواره، وحصل ما حصل من الاختلاف، قصد(4) حضرة والده المتوكل على الله من البستان(5) إلى محروس (ضوران)، وكانت طريقه على (أعشار)، وهي طريق(6) مسلوكة، فأنسه الإمام، وأنزله(7) منزلته التي يستحقها، ثم إنه(8) وجهه إلى (خدار) للقاء العساكر الخارجة من (صنعاء) من جانب مولانا شمس الدين(9) أحمد بن أمير المؤمنين - رحمه الله تعالى-(10)، فاتفقت حروب في (خدار)، وما زالت الحروب مماسية مصابحة للفريقين حتى طلع مولانا سيف الإسلام أحمد بن الحسن بن أمير المؤمنين من (ذمار) لحصار (صنعاء)، فاجتمعا لذلك ثم نفذ إلى (ثلا)، واتفق تسلم(11) مولانا صفي الإسلام(12)
__________
(1) في (ب): ورعاية.
(2) في (أ): مرة.
(3) سقط من (ب): الترحم.
(4) في (ب): فقصد.
(5) في (ب): من العراس.
(6) في (ب): طريقة.
(7) في (ب): وأنزلته التي يستحقها.
(8) سقط من (ب): إنه.
(9) في (ب): شمس الإسلام.
(10) سقط من (ب): تعالى.
(11) في (ب): تسليم.
(12) في (ب): صفي الدين بثلا.

الثلا، والأمير الجليل الناصر بن عبد الرب، ثم عاد مكرماً، وارتفعت حاله، وعلت كلمته، واجتمعت له جنود مثل جنود أبيه، وولي أضعافاً كثيرة عن(1) أمر إمامه وأبيه - عليهم السلام - ثم توجه في جنده مع صنوه سيف الإسلام أحمد بن الحسن إلى (نجد السلف) لقتال سلاطين المشرق، واقتضت تهيئة الحرب وتعبيته جعله من جانب مفرد فقضي الأمر، وكان النصر(2) الذي لم يعهد مثله في ساعة من نهار، ذهبت سلاطين المشرق على كثرتهم ونجدتهم بين قتيل وأسير في لمحة الطرف، ولم يصل(3) إلا وقد انجلت المعركة عن الفتح والنصر، لم(4) يزل حريصاً على أن يظفر بمثلها، فكان في (يافع) ما كان من الحرب؛ لأنهم لم يسلموا يومئذ تسليم طاعة، فاجتمعوا وطلع(5)، وتلاه مولانا صفي(6) الإسلام، وصفوة عز الإسلام(7)، محمد بن أمير المؤمنين، وهو أحد أقطاب الحرب في (نجد السلف)، وأبلى بلاء حسناً، فطلعوا جبل (يافع)، وتم النصر - بإذن الله وفضله -(8)، واستراح قلب مولانا محمد بن الحسين لظفره بنصيب وافر، وعاد هو ومولانا(9) سيف الإسلام مرة أخرى إلى هنالك، وكان النصر المبين، والتفت في آخر عمره إلى العلم التفات أمثاله، وكانت الشيوخ تفد إليه إلى منزله، واجتمع له(10) من الكتب ما لا يجتمع إلا للعلماء السلاطين، أخبرني في أوساط المدة بل هو أقرب إلى إقبال الكتب عليه إلى(11) أنه يملك من دواوين الشعر مائة كتاب وخمسين كتاباً، وما جاء الكثير إلا من بعد. توفي بعد عصر الجمعة ثامن شهر شوال سنة سبع وستين /152/ و ألف، ودفن بالتربة المشهورة بالبستان بباب صنعاء الغربي، وبجواره فيها السيد العلامة أحمد بن
__________
(1) في (ب): ثُمَّ.
(2) في (ب): النظر.
(3) في (ب): فلم يصل.
(4) في (ب): فلم.
(5) في (ب): وطلعوا.
(6) في (ب): سيف.
(7) في (ب): وصنوه عز الدين الإسلام محمد بن أحمد بن أمير…
(8) في (ب): بفضل الله واستراح.
(9) في (ب): والمولى.
(10) سقط من (ب): له.
(11) سقط من (ب): إلى.

علي الشامي(1)، وعمه السيد عماد الدين يحيى بن أمير المؤمنين المنصور بالله - رضي الله عنهم - ويحيى بن أمير المؤمنين هذا(2) كان سيداً قد تأهل للرئاسة، وتولى أموراً نيابة عن أخيه العلامة(3) الحسين بن أمير المؤمنين، وكانت له مكارم، ومات في ريعان الشباب في عام مات فيه صنوه نجم آل الرسول يوسف بن أمير المؤمنين المنصور بالله، توفي بـ(الحمى)، ودفن هنالك، هو والسيد الرئيس الشهيد الهادي بن علي الشامي، أظنهما في تابوت واحد، وكان يوسف هذا من كملة أهله، ووجوه آل محمد من أهل مكارم الأخلاق باسماً، ومع ذلك كان(4) يزاحم إخوته الثلاثة في الصلاحية، والرتب العلية، ومكافحة الأعداء، وكان محبباً إلى الأمة المحمدية، ولعل ذلك سر محبة والده، فإنه(5) كان عنده يوسف إخوته، وكمَّله(6) الله في الخلق اليوسفي، ومات في عام موتهما السيد النجيب الفارس الهمام الحسن بن الشهيد علي بن أمير المؤمنين، وكان سيداً تلوح عليه أشعة الرئاسة، يحب المعالي، وتمكن من ركوب الخيل تمكناً عجيباً، فيه يضرب المثل، وتوفي بـ(ضوران)، وقبره(7) في المقبرة التي يأخذ من جانب القبلة إلى جانب الغرب عن مدينة (الحصين)، وكان يوسف حقيقياً بإفراد ترجمة - أعاد الله من بركتهم الجميع - وكان موتهم في وقت متقارب في حدود سنة خمس وأربعين وألف أو قبلها بعام لم يحضرني ما اعتمده، وفي هذا المعنى كتب علامة (اليمن)، أحنف الحلم، مولانا الحسين بن أمير المؤمنين - عادت بركاته-(8) إلى أخيه شيخ آل الرسول وسيد أبناء البتول وإمام الأمة وأمانها مما يهول ويصول المتوكل على الله إسماعيل بن المنصور بالله أعلا الله شأنه، ورفع مكانه، وأمضى على كل سلطان
__________
(1) في (ب): - رحمه الله -.
(2) في (أ): هذا سيداً.
(3) سقط من (ب): العلامة.
(4) في (ب): فكان.
(5) في (ب): له فكأنه كان عنده.
(6) في (ب): وكلمه الله كلام في الخلق يوسفي.
(7) في (ب): وقبر بالمقبرة.
(8) في (ب): بركته.

سلطانه، هذا الشعر - رحمهم الله تعالى -(1):
سادة عوجلوا(2) بكأس المنايا ... عجباً ما أمر كأس المنية
من نقيبين(3) سيدين بـ(صنعا) ... وبضوران قبل نفس زكية
ثم من بالحمى أجل فقيد ... يوسف ذو المحاسن اليوسفية
يا لها أوجهاً غدت في لحود ... كالنجوم التي تضيء بهية
ما رعى الموت في علاهم ذماماً ... للمعالي وللخلال السنية
أودع القلب(4)فقدها نار حر ... ضاعف الله أجرها من رزية
محمد بن الحسين الأصفهاني
العلامة المحقق، الراسخ الحجة، بدر الدين محمد بن الحسين الأصفهاني - رحمه الله تعالى-(5)، كان من عيون العلماء محدثاً، قرأ عليه الفقيه المجتهد يوسف بن أحمد الأكوع(6) - رحمه الله تعالى - (تيسير المطالب)، وهو أحد تلامذة شعلة وسع الله في أيامه حتى لحق به الكملاء.
محمد بن حمزة بن المظفر
إمام المفسرين الحافظ، شيخ الأئمة، إنسان العلماء وقدوتهم، محمد بن حمزة بن المظفر - رحمه الله - ترجم له الإمام عز الدين بن الحسن - عليهما السلام - ومحمد بن أحمد بن المظفر، وابن /154/ فند وغيرهم، واتفق الفضلاء على فضله، ورجع إليه المحققون، وصنف في أنواع(7) العلوم، ومن عجيب تأليفاته كتاب (البرهان) يشتمل على عشرين علماً، أحدها التفسير، وفيه: الأصول، والكلام، والفقه، والفرائض، والحديث، واللغة، والتصريف والنحو، والمعاني، والبيان، والبديع، وسيرة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وابتداء الخلق، والطب، والنجوم، والمنطق، والعروض، والرمل، والسحر.
__________
(1) في (ب): - رحمهم الله جميعاً -.
(2) في (ب): علجوا.
(3) في (ب): فقيدين .
(4) في (أ): وادع الله.
(5) سقط من (ب): تعالى.
(6) سقط من (ب): الأكوع.
(7) في (أ): في إنفاع.

قلت: يذكر أحكامه وخواصه أعني السحر ليتمكن المسلمون(1) من حله وإبطال(2) مكر أهله - علمت الشر لا للشر ولكن لتوقيه - وهو من مهمات الإسلام، وللعلامة أحمد الشامي في هذا القاضي خمس قصائد منها:
يا حبذا قاضياً شاعت فضائله ... في الشرق والغرب والشامات واليمنِ
قال المقري(3) - رحمه الله -: له كتاب تأليف في جميع الفنون.
قلت: وله (المنهاج) وغيره كـ(شرح الظاهرية) وغيره مما لم آت عليه، وتوفي بـ(صعدة) المحروسة، ودفن قبر الجبان الذي يصلى فيه العيد شامي (صعدة) في تاريخ (……)(4).
وذكر الإمام عز الدين بن الحسن أنه ممن حضر عقد إمامة الإمام الجليل علي بن المؤيد، وذكره في رسالة له محتجاً بشيء من كلامه، لما ذكر السيد الخطأ اعتراضاً على الإمام في إعطائه لأهل الطبول عطايا سنية، وأنهم لا يستحقون ذلك فذكر في الرسالة علوماً، ومن جملتها أن القاضي هذا لما عقد وأعقد الإمام الهادي لدين الله علي بن المؤيد، وانتظم الأمر، واجتمعت الجماعة، ولزمت الحجة، والعقد الوثيق.
قال القاضي: لا أنفصل عن الحضرة إلا وقد سمعت الطبول تضرب؛ لأنها شعار كامل، وبها علو الكلمة، وقمع(5) هامات المفسدين، فلما ضربت، انفصل عن الحضرة - رحمه الله تعالى -.
محمد بن حمزة بن إسماعيل(6) [ - 533 ه‍ ]ت
ومن مراة الزمان أيضاً محمد بن حمزة بن إسماعيل بن الحسن بن علي بن الحسين بن الحسن أبو المناقب الحسني العلوي، من أهل (همدان)، رحل إلى البلاد، وكتب الحديث الكثير، وسمع وجمع، وكان يروي عن جده علي بن الحسين أشعاراً حسنة منها:
ومالك من دنياك إلا بليغة ... ترجى بها يوماً وتقضى بها ليلا
وما دونها مما جمعت فإنه ... لزيد وعمرو أو لأختهما ليلا
توفي سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة.
__________
(1) سقط من (أ): المسلمون.
(2) في (ب): إبطاله.
(3) في (ب): المقراني.
(4) في حاشية (ب): في تاريخ شهر ربيع الآخر سنة 880.
(5) في (ب): ودمع.
(6) هذه الترجمة ليست موجودة في (ب).

محمد بن حميد الزيدي
شحاك الملحدين، وواحد(1) الموحدين، ولسان المتكلمين، محمد بن حميد الزيدي - رحمه الله - هو العالم الكبير، والخضم الزاخر الغزير، كان بحراً من البحار، مطلعاً على العلوم، مستقيم الطريقة مع اعوجاج أهل زمنه بالتطريف، فكان شجى(2) في حلوقهم، وكانت له الغلبة، فما زالت المطرفية تفتري عليه، وتقلل(3) مدحه، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، وأعظم ما قالوا فيه: أنه تصدر في المجالس، وتقدم في الكلام، وأحلته السلاطين إلى القبيب(4)، وأنه كتب بخطه علوماً من علوم الأوائل، وقد علمت أن الذي ذكروه من خلطة السلاطين، له وجوه ربما وجب ذلك، والمسألة مسألة خلاف بين العلماء - رحمهم الله - يعني مع عدم المقتضى، فأجازها أقوام من العترة، ومنعها الرَّسِّيُّون - عليهم السلام - كما حقق ذلك الأمير الحسين في المسائل /155/ العقبانية، وحققه عمران في رسالة له، وأما مع ظهور المصلحة، ورجاء النفع، فيجب على العلماء ذلك، والأعمال بالنيات، وأما ما كتبه بخطه، فالذي عابوه به لم يعينوا أي شيء، وقد زعموا أن مذهب البهشمية والجباية(5) من علوم الفلاسفة، وسطروا(6) ذلك في أوراقهم، ولذلك وغير(7) قتلهم الأئمة، واستباحوا أموالهم؛ ولمحمد بن حميد هذا أرجوزة في ثلب التطريف، منها ذم رجال المطرفية، وتكذيبهم في القول(8) عليه، وكان من المتعولين(9) الأفكين عليه رجلان بمدينة (شبام)، جدليان متكلمان، منهم يقال لأحدهما(10) مبارك الدريان، والآخر حسين السراج، وكان منهم شيخ القول(11) إبراهيم بن أبي الهيثم، فعرض ابن حميد بصاحبي (شبام) بقوله:
ومرجف يرجف في شبام ... يقول للأوباش والطغام
__________
(1) في (ب): وأوحد.
(2) في (ب): شجا.
(3) في (ب): كثير مدحه.
(4) في (ب): العنقد.
(5) في (ب): والهباية.
(6) في (ب): وينظروا.
(7) في (أ): وغيرهم.
(8) في (ب): في التقول.
(9) في (ب): المتقولين.
(10) في (أ): لأحدهم.
(11) في (ب): القوم.

159 / 182
ع
En
A+
A-