فكيف تلوما من يبيت مسهداً ... جفا طرفَه سلوانه ومنامُهُ
يحن لفقد النائبين عن الحمى ... فما ذكروا إلا وجد غرامُهُ
فيا مخبري كيف الحمى بعد أهله ... هل أخضر منه زنده(1) وخزامُهُ
وهل جاده مزن الخريف ووبله ... وهل وكفت بعدي عليها(2) غمامُهُ
وهل ذلك الروض الأنيق كعهدنا ... تعانق منه شيحة(3) وبشامُهُ(4)
وهل غادة(5) الأغصان في جنباته ... يغني(6) بها أقماره وحمامُهُ
بنفسي حبيب كان فينا مخيماً ... يحاكي وميض البرق(7) منه ابتسامُهُ
فمن وجهه البدري ينفسر(8) الضحى ... ومن شعره ليل الدجا وظلامُهُ
فما عرف الأملود قبل تثنياً ... ولا الغصن(9) لولا قده وقوامُهُ
بدا لي وقد شد الرحال ضعانهم ... وقد جد عني بينه وانصرامُهُ
وغاب لذيذ العيش عني عشية ... بها قوضت عن حافتيه(10) خيامُهُ
وأغور حادينا وحادي ضعانهم ... (زبيد) لعمري قصده وسهامُهُ /122/
(11)أنحه بسفح(12) فيه عذب لوارد ... ومرعى خصيباً ليس يحمى ثمامُهُ
فيحيى عماد الدين أكرم من مشى ... وأكرم سوح في الزمان مقامُهُ
وحط به الأنساع والْثم ترابه ... فأيسر فرض الزائرين استلامُهُ
وعظمْه فالتعظيم حق لمثله ... كما حق للبيت العتيق احترامُهُ
فلله من بحر نزلت بسوحه ... ومن باسل أغنى الكماة لزامُهُ(13)
فتى شاد(14) من أبنا أبي النجم مفخراً ... فساد(15) ولم يمرر عليه فطامُهُ
__________
(1) في (ب): زبده.
(2) في (ب): عليه.
(3) في (أ): سبحة.
... الشيح: نَبْت.
(4) البَشَام: شَجَرٌ عَطِرُ الرائحة. القاموس المحيط 997.
(5) في (ب): عادت.
(6) في (أ): نعني.
(7) في (ب): يحاكي وميض البرق ابتسامه.
(8) في (ب): فمن وجهة البدري ينقشر الضحى.
(9) في (ب): الغص.
(10) في (ب): جهلتيه.
(11) زيادة في (ب): ومنها.
(12) في (ب): بسوح.
(13) في (ب): ومن نازل أعيى الكماة لزامه.
(14) في (ب): ساد.
(15) في (أ): فشاد.

تجود إذا ظلم الكريم(1) ثباته ... ويروى وما يروى السحاب سحامُهُ
إمام لمحرابٍ لسان لمنبر ... ومقدام خيل(2) لا يطاق صدامُهُ
وهي طويلة، وجميعها(3) إلى العلامة يحيى بن أبي النجم رحمه(4) الله تعالى.
محمد بن إسماعيل
العالم(5) العلم، الفاضل المفضال، محمد بن إسماعيل(6) - رحمه الله - هو الذي كان مرجع الفضلاء، وغوث الطلبة، وإنسان الكمال، جمع مع العلم فضائل عدة - رحمه الله - وبيتهم شهير، وقد قل المنتسب إليه بعد هذا العالم وأولاده، وكان موته وموت أولاده في سفر الحج في عام واحد بعد أن قضوا الحج والزيارة في أوائل سنة سبعمائة(7) يوم عاشوراء، وذلك تاريخ(8) وفاة هذا العالم، وموت أولاده لم أظفر بتاريخه، وكانت وفاته بـ(ينبع)، وكذلك ولده الفقيه الفاضل فخر الدين عبد الله بن محمد بن إسماعيل توفي هنالك، وأما الفقيه جمال الدين(9) علي بن محمد بن إسماعيل فتوفي بالمركب عند (اللحية)، وكان لموتهم موقع عند الفضلاء، ووجه الإمام شرف الدين(10) مرثية فيهم، وكان عمر الإمام يومئذ ثلاث وعشرين سنة، والقصيدة هي هذه:
لا تعذلي فالصبر أسما عيلا(11) ... والموت(12) فرق آل إسماعيلا
قوم أصيب الدين عند مصابهم ... والعلم أضحى حده مفلولا
وتهدمت أركان ملة أحمد ... لما أقاموا في القبور حلولا
وبكتهم عين الكمال بمقلة ... عبراً(13) تهمل بالدموع همولا
ما كان همتهم سوى كسب العلا ... والمجد دأباً بكرة وأصيلا
صاموا نهارهم وقاموا ليلهم ... وغدوا إلى سبل النجاة دليلا
__________
(1) في (أ): طم الكريم.
(2) في (أ): جبل.
(3) في (ب): وجهها.
(4) في (ب): رحمهم.
(5) في (ب): العامل.
(6) في (ب): إسماعيل الحجي.
(7) في (ب): تسع مائة.
(8) في (ب): تارخ.
(9) في (ب): - عليه السلام -.
(10) في (ب): - عليه السلام -.
(11) في (ب): إسماعيل.
... عيلا: عِيْلَ: غُلِبَ. أي نَفَذ، والألف للإطلاق.
(12) في (ب): فالموت.
(13) في (ب): عرا.

وتفردوا للعلم حتى أنهم ... صاروا لأفراس العلوم فحولا
سل عنهم الفرقان هل لم يوضحوا ... من لفظه الإعجاز والتأويلا
واسأل أصول الدين عنهم هل(1) غدوا ... في تاج همة علمه إكليلا
وكذا أصول الفقه إن عَلِيَّهُمْ ... كانت له فيه اليمين الطولا(2)
/123/ هذا تصريح بأن علي بن محمد متقناً لأصول الفقه، وذلك مأثور عنه،
وكذا الفروع فإنهم كانوا به ... للعارفين دعائماً وأصولا
ثم استتمَّ فخارهم فاستوجبوا ... عن هذه الدار الجنان بديلا
آهاً لمصرعهم فقد هدَّ القوى ... وأثار في كل القلوب غليلا
عمت محاسنهم فعم مصابهم ... فترى لكلٍ رنة وعويلا
يا نكبة نفت الرقاد وغادرت ... في الجسم منا ما حييت نحولا
الحزن إلا فيك كان مذمماً ... والصبر إلا فيك كان جميلا
يا هجرة الظهرين(3) ما لبدورك الـ ... لائي(4) بك استتمت(5) صرن أفولا
قد كنت عند محجة (ذو كعبة)(6) ... للعالمين ومقصداً مأهولا
من بعد مسعود سليمان ثلا ... ومحمد وابناه(7) راحوا جيلا
كانوا على الطاعات مجتمعين في ... الأولى وفي الأخرى(8) كما في الأولى
وآها لهم يا ليت إني بينهم ... فأفوز فوزاً لو ظفرت جليلاً(9)
نشر الآله عليهمُ من فضله ... سحباً وظلاً في الجنان ظليلا
وابني لإبراهيم كل رزية ... وأثابه أجراً يكون جزيلاً
والله إني آخذ مما به ... حظاً عريضاً بعدهم وطويلا
لكننا نرضى بحكم إلهنا ... فيما قضاه طاعة وقبولا
__________
(1) سقط من (أ): هل.
(2) في (ب): كانت له فيه الثمين الطولا.
(3) في (أ): الطهرين.
(4) في (ب): اللاتي.
(5) في (أ): استمر.
(6) ما بين القوسين فراغ في (ب).
(7) في (أ): وأبناؤه.
(8) في (أ): الآخرة.
(9) في (ب): جزيلاً.

ثم كتب الإمام(1) بعدها كتاباً ما سمحت بترك نقله لما اشتمل عليه من البلاغة والموعظة، وهو: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم، ?وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ?[لقمان:34]، {إن الله عليم خبير}، الدهر يومان: مشكو ومشكور، والدهر(2) يومان معسور وميسور، والعاقل(3) لم يكن للنعمى غابطاً، ولا للبلوى ساخطاً، أما بعد، فإنه لما(4) بلغنا ما قضاه الرحمن، وحكم به العدل الديان، من انتقال أرواح الفقهاء المتقين، من دار الهوان، إلى غرف الجنان، طرقنا من هذا العلم ما أذهب البصر، وألهب الصدر، وأسال الدمع، وكاد يصم السمع، وأصاب صميم القلب فأوجع، وسلب اللب والقوى أجمع، فيا لله من هذه الدنيا فإنها سحابة صوبها المصائب، وكنانة نبلها النوائب(5)، عهودها محفوفة بخديعة، ووصلها موصول بقطيعة(6)، وهديتها مسفوعة بوقيعة، وعذب مائها كسراب بقيعة، ولكن لنا برسول الله أسوة حسنة، وقدوة مستحسنة، والصبر أليق بالرجل الحليم، والحر الكريم، لأن أمر الله المحكم، وقضاؤه المبرم، لا يرده راد، ولا يصد عنه صاد، وإنما يهيج العبرة، ويعظم /124/ الحسرة، على من فارق الدنيا وهو محزون مكروب، من اقتراف السيئات والذنوب، فأما من راح وصحيفة عمله بالأنوار(7) مملوءة، وصحيفة سيئاته من صدى(8) السيئات مخلوة، فلا يصلح لعاقل(9) الجزع عليه، وإنما يليق به الاشتياق إليه، والله المأمول(10) أن يتلقى الهالكم(11) بالرحمة والرأفة، ويحسن على الباقي الجزاء والخلافة، ولولا أشغال عرضت، وأعمال على
__________
(1) في (ب): - عليه السلام -.
(2) في (ب): والعيش.
(3) في (ب): من.
(4) سقطت من (أ): لما.
(5) في (ب): الثواب.
(6) في (ب): وصلتها موصلة بفجيعة.
(7) في (ب): وصحيفة حسناته مملوءة.
(8) في (أ): صفا.
(9) في (ب): للعاقل.
(10) في (ب): المسئول.
(11) في (ب): إلهاك.

القلب ازدحمت، لما ناب القلم عن المشي بالقدم(1)، وإن كان لا يعيد فائتاً، ولا يحيى مائتاً، ?رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ?[الأعراف:126] انتهى.
وكان محمد بن إسماعيل هذا كالأب الحدب للإمام أيام قراءته(2)، وكان ينصحه، ومما أجاب الإمام عليه(3) في بعض النصائح، هذه الأبيات - ولله دره -:
شكراً لمن عرّض لي في مقال ... منظم اللؤلؤ رطب المثال
ما للفتى بالجد(4) فخر ولا ... بثروة المال ولا بالجمال
ولا(5) بقوم سابق أمرهم ... ولا بعز باسق الشأو عال
ولا بأن صار مليكاً ولو ... دان له من في مهب الشمال
كلا ولو أضحى له ذو الورى ... ما بين مولى وموالٍ ووال
إن كان في مهوى الردى ثاوياً ... مرتكباً في لج بحر الضلال
ولم تكن(6) تصدر أفعاله ... في الحال قصداً لصلاح المآل
وإنما فخر الفتى إن غدا ... جليسه الدفتر في كل حال
يفتض أبكار معان به ... عزت على أفكار كل الرجال
ويقسم الساعات من عمره(7) ... في طاعة الحي الذي لا يزال
حتى يحوز(8) السبق من بين من ... جاراه في مضمار خير المعال
ويقمر الخصم على قرنه ... عند طلاب الفخر يوم النضال
لو أنه لم يختلج وهمه ... بالفلك(9) في خلجان ظن المحال
ولم يقدر في ميول إلى ... جناب أرباب الشقا والضلال
ولا ملالاً عن طلاب العلا ... ولا اطراحاً لخصال الكمال
ولا طرا الشك على علمه ... لكنه استهواه قِيْلٌ وقال
ومن وعى للناس أقوالهم ... مال به الناس يميناً شمال(10)
ولم يدع في دهره صاحباً ... إلا لسوء الظن فيه افتعال
يا نسل إسماعيل يا ذا الذي(11) ... جالت به الأوهام كمن(12) محال
__________
(1) في (ب): على القدم.
(2) في (أ): قرابة.
(3) في (ب): السلام.
(4) في (ب): بالمجد.
(5) في (أ): ويا.
(6) في (ب): يكن.
(7) في (أ): عمر.
(8) في (أ): يجوز.
(9) في (ب): في الفلك.
(10) في (أ): وشمال.
(11) في (ب): ياذا الثرى.
(12) في (ب): كم من.

لا تحسبن(1) إني ممن إذا استميل ... عن علياه بالمال مال
/125/فو الذي أوسعني همة(2) ... قعساء(3) تسمو فوق شم الجبال
ما أقبل الدنيا وإن أقبلت(4) ... إن كان في أخراي منها(5) اختلال
ولا أمني النفس بالرزق إن ... لم يحصل الرزق بغير السؤال
ولا أرى في العمر خيراً إذا ... لم يك(6) بالطاعات فيه اشتغال
فهذه سبلي التي أقتفي(7) ... أهلي طراً في القرون الخوال
لا أنثني عنها ولو عضني ... دهري وأبدا السوء(8) نحوي ومال
ثم صلاة الله تترى على ... محمد وآله خير آل
محمد بن جابر الزائمي
العلامة الفقيه، الفاضل الأصولي، بدر الدين محمد بن جابر الزائمي - رحمه الله - ترجم له السيد صارم(9) الدين - رضي الله عنه - فقال (.....) وكذا ترجم له صاحب (النزهة)، وذكر مدرسه في أصول الفقه، وقال: إنه جرى بينه وبين الأمير الحسين في ذبائح أهل الكتاب لما حضرهما طعام مأدوم بلحم من ذبائحهم، وطالت المراجعة حتى رجع الفقيه إلى كلام الأمير من جواز أكلها، وكان هذا الفقيه من فضلاء الشيعة الأتقياء، (10) ومن تلامذة عبد الله بن زيد، انتهى.
محمد بن جبريل بن محمد
السيد الأمير، الكبير الخطير، عين أعيان الأمراء محمد بن جبريل بن محمد بن علي بن الإمام الداعي يحيى بن المحسن، قال الإمام عز الدين: هو السيد العلامة الشهير، وهو أحد أنصار الإمام علي بن المؤيد، وله مصنف في التفسير، وقبره بالقرب من (المعلي)(11) في أسفل (فللة)(12)، وعليه مشهد محاط (13)، توفي في زمان علي بن المؤيد، وذكره أيضاً صاحب (اللآلئ).
__________
(1) في (أ): تحسب.
(2) في (أ): همه.
(3) في (ب): فعسى.
(4) في (ب): ولو زخرفت.
(5) في (ب): فيها.
(6) في (أ): يكن.
(7) في (ب): اكتفى.
(8) في (أ): السواء.
(9) في (ب): الصارم.
(10) في (أ): وهو من تلامذة.
(11) في حاشية (ب): بالغين المعجمة.
(12) في (ب): فلة.
(13) سقط من (ب): محاط.

محمد بن جحاف بن عز الدين
السيد العارف، عز الدين، سليل الأكرمين، محمد بن جحاف بن عز الدين بن الحسن القاسمي - رحمه الله -(1)، كان من أعيان السادة، له معرفة في النحو، وله فصاحة وخط حسن - أعاد الله من بركته -.
محمد بن جعفر بن أمير المؤمنين
الأمير الهمام، سلطان الإسلام، ناصر الحق، برهان الدين، عز الملة(2)، محمد بن جعفر بن أمير المؤمنين المنصور بالله القاسم بن علي - سلام الله عليهم - هو أحد أساطين(3) الإسلام وأحد أعلام الدين، أشهر في الفضل من نار على علم، وقد سبق له ذكر عند ترجمة أخيه الفاضل، وذكرنا أهلية كل واحد منهما للإمامة العظمى، وأنهما لم يتركا الإمامة إلا (4) لما كان الطبق الأدهم(5) من الشيعة يعتقدونه، وأن هذا القول - أعني حياة الحسين(6) بن القاسم - لم تكن له بمعتقد(7)، وقدرهما يجل عن هذه الجهالة، ولعلنا قد ذكرنا في ترجمة الفاضل من أين نشأ هذا المعتقد لأهله، وهو أنه رأوا(8) الشريف أحمد العباسي المحسني اجتماع الأشراف القاسميين عند طلحة الملك بـ(جراف خمر)، ووصلوا جعفر بن القاسم والد الأميرين إلى هنالك، وتلقى أهل بيته ووجوه الناس له بالعزاء، وإظهاره لهم الإنكار لقتل أخيه الحسين، ثم أنه خلا بأهله القاسميين، /126/ وقال لهم بأمثال هذه العقول (يعاشرون الناس وكرنا الذي يصاب وأفرحنا فيه وبهم نفذت)(9) أحكامنا، وذكر همدان بجميل وحسن، ثم قال: والعجب منكم أنكم تدعون أنهم قتلوا إمامكم، إن أهدرتموه أخزيتم، وإن قتلتم به ظلماً أخربتم، وبطلت عدالتكم، ثم إنه(10) ذكر أنه حي، وأنه من بمدرك ابن إسماعيل (بالكساد)(11)
__________
(1) في (ب): تعالى.
(2) في (ب): ذو الشرفين.
(3) في (ب): سلاطين.
(4) سقط من (أ): إلا.
(5) في (ب): الأوهم.
(6) في (ب): حسين.
(7) في (ب): [لم أتمكن من قراءتها].
(8) في (ب): روى.
(9) في (ب): تعاشرون الناس أن همدان وكربا الذي بضبنا وأفرخنا فيه.
(10) سقط من (أ): إنه.
(11) جاء في حاشية (ب): الكساد اسم بلد في بلاد مرهبة قد قدرنا منه في هذه [.......لم أتمكن من قراءته.....].

وروج لهم هذه الدعوى لهذا المقصد.
قلت: ويدل على صدق براءة الأميرين من ذلك قصة الضرير الذي كان بـ(شهارة) يعرف بالبصير، وكان مولى بن أهل درب شاكر بناحية (بني صريم)، وأنه كان يستعمل حيلاً وأخباراً لا يليق ذكرها، والحاصل أن الناس اعتقدوا فيه، وكان يكثر الزعمات في حياة الحسين، قالوا: فكان الأمير ذو الشرفين يداريه بهذا اللفظ أعني بلفظ يداريه، ومن ذلك قصة الحسين السراج الصنعاني(1).
__________
(1) وتقدمت في ترجمة في (ب).

قلت: كان هذا الأمير آية من آيات الله في الكمالات، هو(1) وأخوه الفاضل يمدان إلى الصواب يداً واحدة، وكانا شمسين في فلك واحد، ولما استشهد الفاضل - رحمه الله - قام ذو الشرفين بالأمر وشن الغارات، ونال من أعداء الله منالاً عظيماً يتزين بذكرها التواريخ، وكان - رحمه الله -(2) حليماً في القول والفعل، وله حكم نافعة، وله(3) قصائد، ومن الدلائل على حلمه ما كتبه إلى أبي محمد بن(4) عبد الرزاق بن أحمد(5) بن عبد الباعث وإخوته من الزيدية المخترعة بـ(شبام): وفهمت ما ذكرتم يا إخوتي(6) وسادتي، رفع الله ذكركم، وأصلح بلطفه أمركم، من الخلاف(7) الذي وقع بين من يدعي التشيع في مسائل ذكرتموها في كتابكم، واعلموا أن الخلاف(8) لا يؤدي إلى مصلحة ولا رشاد، ولا يسلم من تعلق به من الفساد، والاختلاف في أمور الدنيا لا يصلح لتناقضه بعده (9) من النصفة وتداحضه، فكيف يجوز الاختلاف(10) في دين الحكيم والصراط المعتدل والمستقيم، وقد حرمه الله كما حرم سائر المعاصي تحريماً أوعد من تعلق به عذاباً عظيماً، فقال - عز من قائل كريم - ?وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ(11) الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ?[آل عمران:105] فحكم عليهم رب الأرباب في تفرقهم واختلافهم كما تسمعون من العذاب(12)، وقال أيضاً قبل ذكر(13) الآية قولاً فيه الشفاء والكفاية لمن اكتفى، وهو قوله جل وعلا: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ *
__________
(1) في (ب): وكان هو.
(2) سقط من (ب): لفظ الجلالة.
(3) سقط من (ب): وله.
(4) سقط من (ب): ابن.
(5) في (ب): وأحمد بن.
(6) في (ب): إخواني.
(7) في (ب): الاختلاف.
(8) في (ب): الاختلاف.
(9) سقط من (ب): بعده.
(10) في (ب): الخلاف.
(11) في (ب): جاءهم.
(12) في (ب): بالعذاب.
(13) في (ب): هذه.

وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ?[آل عمران: 102- 103]، فاحرصوا إخواني وساداتي(1) على التباعد من الاختلاف(2)، وعلى صلاح ذات البين والائتلاف، فمن قبله أتي الأولون والآخرون، وبه /127/ هلك المتقدمون(3) المجترون، سلمنا الله وإياكم من المهالك، وسلك بنا وبكم خير المسالك، وقد نظرت يا إخواني وساداتي في مسائلكم فإذا هي على وجهين، أحدهما ما لا يغني(4) المتعبد عن المراجعة فيه، والاستفادة لمعانيه، والثاني مما يسع المتعبد جهله، ويكفي عن فروعه أصله، فأما ما لا غنى عنه في الدين، ولا يسع جهله(5) أحداً من المتعبدين، فبيانه من كتب أئمتنا - عليهم السلام - واضح، ونور برهانه بين فاتح(6)، فانظروا في تلك الكتب، وقفوا عليها تجدوا(7) بيان ما تحتاجون إليه لديها، وأنا أسميها لكم ليسهل عليكم في الحال في اتباعها(8)، وهي كتاب (التفريع للقاسم بن علي - عليه السلام -)، وكتاب (المختصر لولده المهدي)(9)، وكتاب (المسائل التي أجاب عنها الإمام القاسم بن علي - رضي الله عنه -)، وكتاب (التثبيت)، و(الدلالة) أيضاً، وكتاب (الاستفهام) الذي سأل عنه زين بن أحمد الحميري(10) له أيضاً، وجواب (مسائل الطبري) له - عليه السلام - أولها: سألت أيها الأخ أعطيت سؤلك، وبلغت من السؤل مأمولك،
__________
(1) سقط من (ب): وساداتي.
(2) في (أ): التباعد والخلاف.
(3) في (ب): المقدمون عليه.
(4) في (ب): يسع.
(5) في (ب): جملة.
(6) في (ب): لائح.
(7) في (أ): تجدون [والصواب ما أثبتناه].
(8) في (ب): ابتغائها.
(9) في (ب): - عليه السلام -.
(10) في (ب): الحمزي.

154 / 182
ع
En
A+
A-