محمد بن إبراهيم بن يحيى
السيد العلامة محمد بن إبراهيم بن يحيى بن صلاح بن محمد بن أبي الفضائل - رحمه الله تعالى-(1). قال السيد في تاريخهم: الولد النجيب، والسيد الجليل درة الأصداف، شريف الأوصاف، توفي والده وهو طفل صغير، وتوفي(2) في حجر عمه السيد شمس الدين أحمد بن يحيى، وكان اشتغال محمد بتدريس(3) العلوم، ومعرفة المنطوق منها والمفهوم، حتى لاحت عليه أنوار السمات الشريفة، وكملت فيه خصال الرتب المنيفة، من الدين المتين، والحلم الرصين، والأبهة والجلالة، قرأ علوم العربية، فأتقنها على الفقيه عبد الله بن مسعود الحجي، وما زال جاداً في الطلب، حتى اقتطعته المنية دون بلوغ الأرب، فتوفي بالطاعون الواقع في سنة ثلاث وثلاثين - رحمه الله - ونفع به شاباً لم يبلغ الثلاثين، وكان أحسن الناس وجهاً وأجملهم صورة، وله خط حسن، أخذ فيه طريقة السيد محمد بن المرتضى البليغ المشهور، ومحمد بن المرتضى أخذ طريقة السيد محمد بن عبد الله بن الهادي - رحمهم الله تعالى -.
__________
(1) سقط من (ب): تعالى.
(2) في (ب): أو رُبي.
(3) في (ب): يدرس.
محمد بن إبراهيم بن المفضل [1022- 1085 ه ]
بحر العلم الخافق في الخافقين، وبدره الذي أنار المغارب والمشارق(1) (كالشارقين)(2)، إمام المعقولات والمنقولات، والمبرهن على حدودها وبراهينها والمعقولات، السيد العلامة صدر السادة وبدر القادة: محمد بن إبراهيم بن المفضل بن إبراهيم بن علي بن أمير المؤمنين المتوكل على الله يحيى شرف الدين - سلام الله عليهم-، كان - قدس الله سره - نسيج وحده وفريد وقته، وإنسان زمانه الكامل، والقاضي في العلوم على كل فاضل، والحاكم الذي لبه رزين، والواسطة التي بجواهر العقدين تزين، كان - رحمه الله - ربّاني وقته معمور الباطن والظاهر، مسعوداً في حالاته، ملحوظاً إليه بعين التكريم أينما توجه، مع كمال في سمته وجلالة باهرة، حتى قال بعض الفضلاء: أحسب أنه لو اجتمع الخلق في المحشر وخرج السيد محمد بينهم علم كل أحد أنه عالم، وكان مع تلك الجلال ملاطفاً سهل الأخلاق، غير مترفع ولا ينقص ذلك من مقداره شيئاً، وكانت له فكرة سليمة كما قال شيخه وشيخنا الوجيه عبد الرحمن الحيمي في صفته: إنه مستغرق الفكرة بالله تعالى(3)، وهو مع الناس ظاهراً، هكذا ذكره(4) شيخنا مشافهة أيام قراءته عليه في (الكشاف)، وكانت أحواله أحوال الأمراء، وصيته أعلى من ذلك، لما حواه من هذه الكمالات ولماله من النسب الشريف الذي لا(5) يسامى، وكان في أهل بيته الكرام كالبدر بين النجوم، ولم يزل مواظباً على العلم من صغره إلى كبره، يستفيد منه الطالبون، ويراجعه الفضلاء بالكتب من الآفاق، ويستمطرون ديمة آدابه، ويفجرون معين علمه، فيأتيهم من قبله - رحمه الله - كل عجيب غريب، وقراءته في الفنون جميعها بمدينة (صنعاء) المحروسة من(6) بلده المحروسة /89/ (كوكبان) و(شبام)، ورحل إلى (الطويلة) لسماع شيء من كتب أصول الفقه على السيد
__________
(1) في (ب): المغربين والمشرقين.
(2) سقط من (ب): الشارقين.
(3) سقط من (ب): تعالى.
(4) في (ب): ذكره لي.
(5) سقط من (ب): لا.
(6) في (ب): وبلده..
العلامة عز الدين دريب(1)، وأكثر ما تعلق به في (صنعاء) علم الأدوات والتفسير، وأما الحديث فأكثر قراءته على شيوخ وردوا إليه إلى محله المقدس، فقرأ في(2) كل فن وجوه كتبه، وهيمن على غرائبها، وكان واسع الحفظ، بادرة في ذلك، سيال الذهن، ولا يلقي المسائل إلا على جهة الإجابة، وقد أثبتنا له - رحمه الله - ذكراً في ترجمة صنوه السيد شمس الدين أحمد بن الحسن بن حميد الدين، وذكرنا شيئاً من شعره وكلمات من إنشائه، وما كنت أحسب أنا نكتبه في التاريخ لكثرة رجائنا في الله أن يطيل عمره، ولكنها خيرة الله العليم الحكيم، فلله الحمد على كل حال، واستوطن في آخر أيامه (وادي ظهر) وأنس به الناس هنالك، وازداد الوادي بهجة، وعلق به من لا علاقة له(3)، وكان - رحمه الله - استشارني لمكان المودة في إنزال أهله الوادي(4)، فما رجح لي وظهر له الرجحان فكان الصواب رأيه، وهو الحري بذلك، ومما كتبه إلى صديق أتشوق به إلى هذا السيد السري - رحمه الله - من النوع المسمى عند الأدباء دو بيت:
وادي ظهر أنت وادي صدري ... جادك وكاف غزير القطر
لو كنت تدري كفؤادي يدري ... أي حبيب فيك عظيم القدر
__________
(1) في (ب): بن دريب.
(2) في (ب): من.
(3) في (ب): علاقة له به.
(4) في (ب): إلى الوادي.
وله - قدس الله روحه - أجوبة مسائل، وله نظم الورقات للجويني في غاية الحسن، وكان شيخنا الوجيه يتعجب من حسنه، ويسر الله لي أيام القراءة أشرحها(1) بشرح مفيد، ولكنه لم يظهر وغاب عني بين الكتب بعد مطالبته - رحمه الله - لي بإظهاره وشرحها، رجل من بني النزيلي(2)، وله كرامة عجيبة لم أستثبت إلى الآن في نقلها وتحقيقها، كان مولده - رحمه الله - في سنة اثنتين وعشرين بعد الألف، ووفاته في نهار الاثنين غرة رجب سنة خمس وثمانين وألف بمنزله بـ(شبام)، وكان لموته موقع عظيم عند العلماء وغيرهم، وما أحقه - رحمه الله - بقول الزمخشري في الإمام بن سمعان:
مات الإمام ابن سمعان فلا نظرت ... عين البصير إذا ضننت بأدمعها
وأي حوباء ما صمت ولا عميت ... ولا استفادت بمرآها ومسمعها
أين الذي لو شريناه لما أخذت ... ببعضه هذه الدنيا بأجمعها
أين الذي الفقه والآداب إن ذكرت ... فهو ابن إدريسها وهو ابن أصمعها
من للإمامة ضاعت عند قيمها(3) ... من(4) للبلاغة عيب عند مصقعها
(5)سرد الأسانيد كانت قيد لهجته ... ككف داود في تسريد أدرعها
خلي الأئمة خيراً عند(6) أعلمها ... على اتفاق وأزكاها وأورعها
__________
(1) في (ب): شرحها.
(2) في (ب): نزيل.
(3) في (ب): قيمتها.
(4) في (ب): من البلاغة.
(5) في (ب): بيت زائد قبل هذا البيت:
من للأحاديث يمليها ويسمعها
بعد ابن سمعان ممليها ومسمعها
(6) في (ب): فقد.
قلت: وقد صار عند التاريخ يعمر عليه تربة، ورثاه من يعرفه ومن لا يعرفه و(1) من /90/ جملة من رثاه: القاضي العلامة بدر الدين محمد بن الحسن الحيمي، وجماعة من بلاد (كوكبان)، أجادوا، والشيخ البليغ إبراهيم الهندي، والصنو القاضي جمال الدين علي بن صالح بن أبي الرجال، ولم يحضرني من هذه المراثي غير ما يسره الله لي، ولست بكامل الصنعة في الشعر، وقد كتبت ذلك وبعض قصيدة الصنو علي - حماه الله-، وكان إنشائي لهذه المرثية عقيب سماع الخبر الرائع، قرأت الكتاب من ولده أحمد، وكتبت هذه الحقيرة والله يعيد من بركاته:
الله أكبر فلك الصالحات رسا ... الله أكبر زاد الأفق عاد مسا
والمجد هدت على رغم قواعده ... كم معلم بعد عز الملة اندرسا
ومسمع المجد والعليا به صمم ... ونطقه عن فصيحات اللغا خرسا
هي المصيبة عمت كل ناحية ... يا أيها الناس هذا البدر قد طمسا
فابكوا جميعاً فهذا الهول عمكمُ ... هد القوى من رجالٍ منكمُ ونسا
من ذا لعلم رسول الله ينشره ... يحييه يمليه يبدي منه ما التبسا
من للأصول ومن ذا للفروع ومن ... بالمنطق الفصل يمليها لمن درسا
لهفي عليه وما لهفي شفا كمد ... شوى فؤادي وأورى في الحشا قبسا
آه وما هي في خطبي بنافعة ... وإن رثى لي منه(2) الضد والجلسا
مصيبة قد دهت من قد قصا ودنا ... وأعظم الناس خطباً معشر الرؤسا
قد كان فينا كشمس الدّار مشرقة ... ما إن نخاف ظلاماً أو نرى غلسا
وكان فينا كثهلان نلوذ به ... إذ الزمان علينا بالخطوب أسا
وكان فينا فراتاً مروياً فإذا ... يدنس الدين أمرٌ طهر(3) الدنسا
ماذا أقول وقولي فيه ذو(4) قصر ... ومنطقي بعد إفصاحي قد انحبسا
بلى ألوذ بصبر فاز لائذه ... كم لان بالصبر ما بالنار لان قسا
مالي سوى الصبر في خطبي ألوذ به ... عسى يخفف من قلبي الهموم عسى
__________
(1) سقط من (ب): الواو.
(2) في (ب): منها.
(3) في (أ): أطهر.
(4) في (أ): ذا.
يا من نأى عن فؤادي وهو موطنه ... وفي سويداه حب منه قد غرسا
نأيت عنا إلى الجنات منتعماً ... مع الأحبة من آل(1) وأهل كسا
ونحن نبكي كما تبكي مولعة ... بنجلها إذ رأته صار مفترسا
لكننا قد رضينا حكم خالقنا ... وإن تجرع كل من نواك حسا
وسوف نفزع في ذا الخطب نحو أسا ... كم بردت من حرارات القلوب أسا
مات النبي وأهل الفضل قد عبروا ... انظر هل الموت حاشا سيداً ندسا
أين الملوك الأولى حاطوا البلاد معاً ... وأكثروا الجند والاتباع والحرسا
ما دافعت عنهم الأبراج موتهم ... ولا رأوا معقلاً يجدي ولا فرسا فرسا/91
وأين أهل الثرا والمال كم بخلت ... نفوسهم ثم لم يغنوا بما نفسا
وأين قوم لعز الله قد خضعوا ... وذللوا أنفساً كانت لهم شمسا
وحقروا الدار والدينار ما ذكروا ... لغير ما حاجة عشراً ولا خمسا
أهل المحاريب خير الناس قد جعلوا الـ ... ـذكر المنير لهم في ليلهم أنسا
راضون(2) عن ربهم في كل أمرهم ... فيما يدبر فيما(3) سر فيه وسا
هم الملوك وإن ذلوا لخالقهم ... ألفيتهم حين يبدو مرة(4) حمسا
لا يرهبون بني الدنيا وإن كثروا ... طوبى لمن بينهم والله قد جلسا
جليسهم ليس يشقى طاب ذكرهمُ ... ما زال ذكرهم كالشمس ما انطمسا
صلى عليهم إلهي كل آونة ... ما استنشقت أنف نجدي به نفسا
وإن عز الهدى هذا رئيسهمُ ... وفخرهم إن ذكرنا فيهم الرؤسا
صلى عليه إلهي بعد معشره ... من مجدهم فوق هامات النجوم رسا
وقال للصنو(5) جمال الدين(6) علي بن صالح(7) - حماه الله - مرثياً للسيد - قدس الله سره -:
ما زالت الأيام من قبل سام ... تسقى الكرام الغر كأس الحمام
وتزعج المرء(8) لترحاله ... فلا يرى للناس فيها مقام
كم من كريم قد مضى عاجلاً ... والله ما الدنيا محل الكرام
__________
(1) في (أ): مال.
(2) في (ب): رضوان.
(3) في (ب): مما.
(4) في (ب): أمره.
(5) في (ب): الصنو.
(6) سقط من (ب): جمال الدين.
(7) في (ب): صلاح.
(8) في (أ): المراء.
لو أن للموت دواء بها ... لمل جالينوس طول الحمام
واحربا من حكمه إنني ... أراه ماض في جميع الأنام
لا يرهب الضرغام فيها ولا ... يرثي لضعف الطفل عند الفطام
ولا يرى حقاً لذي شيبة ... أو ذي شطاط مثل غصن البشام
ولا مليك لاح في دسته ... قد غصّ ناديه بكثر الزحام
وافى سليمان على ملكه ... فعذب الجن بطول المقام(1)
ويوسف وافاه في مصره ... وهو كبدر التم عند التمام
فما ثناه الحسن عن قصده ... بل أنفذ الأمر وأمضى الكلام
وكان إدريس له صاحباً ... فما رعى للشيخ حق الذمام
واختار للمختار أن يرتقي ... من هذه الدار لدار السلام
ولاقت الزهراء من بعده ... ما يمنع الناظر طيب المنام
(مصائب صبت عليها فلو ... صبت على الأيام عادة ظلام) (2)
وها هو الآن تخطَّى إلى ... أعلى محل نيله لا يرام
/92/ سما لبدر المجد في أفقه ... حتى ثوى يا قوم بين الرغام
لهفي لبحر غاص في غرفة ... من غرف الجنة بعد الحمام
بحر يفيد الناس من علمه ... درًّا فريداً عند رجع الكلام
مهذب الأخلاق آدابه ... تفضح زهر الروض بين(3) الكمام
كم عقدة قد حل إشكالها ... لولاه أضحى حلها لا يرام
وليس للحق بساحاته ... إذا التقى الخصمان من إنكتام
لهفي عليه إنه ماجد ... ما جدّ إلا في طريق الكرام
مفضل تنبيك عن فضله ... جوانب المحراب حتى(4) الظلام
مصيبة جلاء قد أورثت ... في كل قلب من لظاها ضرام
مصيبة عمت جميع الورى ... ينهد منها زمزم والمقام
من أجلها يا صاح قد أصبحت ... تنوح في الأغصان ورق الحمام
والشامخات الشم قد زلزلت ... وكاد أن ينهد منها (شبام)(5)
حتى خشينا أن يوارى لها ... معقله الفرد نواحي (شبام)
لا برحت تبكي على قبره ... في كل يوم(6) هاطلات الغمام
__________
(1) في (ب): القيام.
(2) في هذا البيت اقتباس من بيت الزهراء سلام الله عليها:
صبت علي مصائب لو أنها صبت على الأيام عدن لياليا
(3) في (ب): وسط.
(4) في (ب): جنح الظلام.
(5) في (ب): شمام.
(6) في (ب): حين.
وزارت الرحمة من ربه ... في كل يوم روحه والعظام
وليهنه الفوز بما نال من(1) ... جنات عدن عند خير الأنام
وعظم الله لمن بعده ... فيه جزيل الأجر بعد السلام
محمد بن إبراهيم
الفقيه الفاضل العلامة محمد بن إبراهيم صاحب عرثومان علامة كبير، مقدم خطير، ترجم له سيدنا شمس الدين أحمد بن سعد الدين المسوري - رحمه الله - وغيره، ووصفوه بالعلم الواسع، وأجازله الإمام عز الدين - عليه السلام - إجازة عظيمة. وقال الفقيه العلامة أحمد بن مطير الشافعي: إنه انتقل من (الحيمة)(2) إلى (عرثومان)، وليس من الغر، وكان متولياً لأمور كثيرة من مصالح الإسلام، وتتلمذ له أجلاء فضلاء، منهم علي ومحمد ابنا داود بن حاتم، ومحمد بن سليمان بن سياس(3) عالم كبير، تولى القضاء للإمام شرف الدين - عليه السلام - ومن عجيب ما روي عن محمد بن إبراهيم، أنه كان له ثلاث بنات، وكان صاحب ثروة ومقام عظيم، ففعل طعاماً واسعاً وجمع الناس، ولم يعرف الناس(4) الوجبة، فلما تم الطعام وانقضى قال للناس: أريد أن الفقهاء الثلاثة علي ومحمد أبناء داود ومحمد بن سليمان يتزوجون بناتي، ففعلوا بعد أن اعتذروا لعلو مقامه، وراموا ان يقبض منهم أموالاً، فمنع - جزاه الله خيراً -، وقبر محمد بن إبراهيم في رأس الطود من (عرثومان).
__________
(1) في (ب): في.
(2) في (أ): المحيمة.
(3) في (ب): ساس.
(4) سقط من (ب): الناس.
محمد بن إبراهيم الظفاري
الفقيه الفاضل /93/ بدر الدين محمد بن إبراهيم الظفاري - رحمه الله - من وجوه العلماء أيام السيد الإمام العالم إبراهيم بن محمد صاحب الفصول، ذكره(1) بعض المؤرخين، ولم أطلع من فضائله على تحقيق، ولا أدري هو المشهور بعلم القراءة أو غيره، وصاحب علم القراءة هذا علامة محقق ، له كتاب لا يوجد في علم القراءة، أجمع منه، وسكن (حدة) أعني صاحب هذه الترجمة و(صنعاء)، ومؤلف الكتاب المذكور، سكن (حدة) المحروسة، وله(2) بها عقب.
محمد بن إبراهيم بن يحيى المتميز
الفقيه بدر الدين محمد بن إبراهيم بن يحيى (النمير)(3) المتميز الصعدي - رحمه الله - كان فقيهاً فاضلاً، درس في الفروع على شيخه العلامة علي القصار وغيره، وكان سهل الأخلاق كثير الخشوع.
__________
(1) في (ب): أعذروا.
(2) في (أ): ولد.
(3) سقط من (ب): النمير.
محمد بن أحمد بن الناصر
السيد الإمام العلامة مفخر الزيدية، ونور هالة العصابة الأحمدية: أبو القاسم محمد المسمى بالباني بن أحمد بن الناصر بن الهادي إلى الحق - عليهم السلام - ذكره القاضي أبو علي التنوخي في كتاب نشوات المحاضرة، فقال: ورد (اليمن)(1) وأقام بـ(البصرة) سنتين، وما رأيت بعد أبي عبد الله بن الداعي أفضل في العلم، والدعاء إلى الله - عز وجل - من أبي القاسم هذا، وكانت فيه فصاحة وتوئده، وكيس تام(2)، وكان كثير المواعظ، يخلط بها كلامه بذكر الله تعالى بأحسن عبارة في مجالس الأمراء والوزراء وغيرهم، ومجالسه في بيته، ولا يخلى(3) له مجلس من وعظ وذكر الله تعالى ودعاء إليه، وحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطاعة أولي الأمر وجهاد من ليس بأهل، والأكثر في كلامه المواعظ والتخويف من الله تعالى، وذكر الآخرة، وكان مستقيم الطريقة، نظيف الباطن والظاهر(4) والمكسب، حسن الهدى، يلبس الطيلسان، قد درس الكلام على أبي إسحاق بن عباس التستري غلام أبي على بن خلاد العسكري، غلام أبي هاشم الجبائي، تعلم منه قطعة حسنة، وعرف من الفقيه(5) صدراً صالحاً، يخلط بهما كلامه ليبين عن محله فيهما، قال: وشاهدته يوماً بـ(الأهواز) وقد دخلها منصرفاً من حضرة الأمير عضد الدولة في مجلس كان أبو القاسم - علي بن الحسين بن إبراهيم الكاتب الشيرازي بن بنت أبي الفضل العباسي بن قبا - حسير عقده لنفسه في داره للجدل، وهو إذ ذاك(6) يتقلد الأشراف والاستنفاء على عمال(7) (كور الأهواز) لمعز الدولة، وقد سئل أبو القاسم عن رؤية العباد لله تعالى في القيامة، فقال: لا يرى الله عز وجل بالأبصار في الدنيا ولا في الآخرة، ثم قص مذاهب المعتزلة في الأصول كلها أحسن قصص وأبلغ كلام(8)
__________
(1) في (ب): ورد من (اليمن).
(2) في (ب): تامة.
(3) في (ب): ولا يخلى مجلساً له من وعظ.
(4) في (ب): نظيف الظاهر والباطن.
(5) في (ب): من الفقه.
(6) في (ب): إذ أدراك.
(7) في (ب): عمار.
(8) في (ب): كلامه.