صحيح، ولفظ فصيح، وحجة لازمة، وأدلة جازمة - عقلية ونقلية - وتضعيف في بعض الأدلة مثل ذلك، ولا يتبع في ذلك إلا محض الدليل، ولا يكتفي في ذلك(1) بمجرد أنه قيل على ما عليه(2) أكثر الناس تساهلاً، وعدم تمكن واقتدار، وأمره في التفسير لكتاب الله(3) كذلك في معرفته نفسه، ثم معرفة قرابة ومعرفة المفسرين، والنقل عنهم ومعرفة أحوال الجميع ومعرفة أسباب النزول وزمانه ومكانه، ومعرفة الألفاظ وكثير مما يتعلق بالتفسير وآيات الأحكام، ويبني عليه شرائع الإسلام مما يطول ذكره، وهو مذكور في الكتب المعروفة، وكان في كثرة تصفحه للكتاب لا يقرأ بين الظهر والعصر إلا ربع الجزء فقط /77/ ولا يزيد عليه، حتى إنه كان أنسه لمعرفة آيات الأحكام وما نزل منها على الأسباب وما نسخ منها وما لم ينسخ، والمتكرر منها وغير المتكرر، كمعرفة غيره وأنسه بلفظ فاتحة الكتاب، وإنما الغرض التعريف بأن حال هذا الرجل - رحمه الله - ليس كحال غيره، وأن اجتهاده كاجتهاد أئمة المذاهب لا كالمخرجين ومجتهدي المذهب ولا كالمخرجين الذين يرجحون تغير(4) المعقول ويشق عليهم معرفة الآثار النقلية والاطلاع على الإسنادات ومعرفة الرجال، ويعسر عليهم الأخذ من لطائف أدلة الكتاب والسنة، ومعرفتها، ومعرفة أنواع الحديث ومراتبه وأقسامه، من الصحة والحسن ونحوهما التي عليها مدار الاجتهاد، والترجيح والانتقاد، وليس لغيره مثل هذه الأهلية، ولا أعطاهم الله سبحانه مثل هذه العطية، وحكي عن السيد العلامة شمس الدين أحمد بن محمد الأزرقي أنه قال: لا يبلغ أحد في زماننا هذا من الاجتهاد ما بلغ إليه السيد عز الدين محمد بن إبراهيم، وقد أحسنا كل شيء إلا ما بلغ إليه، فلم نقدر عليه لتمكنه من معرفة الحديث ورجاله، وتبحره في السمعيات، ويحكى أيضاً: أنه سئل عنه رجل من فقهاء المالكية فقيل له: ما
__________
(1) في (ب): فيه.
(2) في (ب): يمليه.
(3) في (ب): رب العزة.
(4) في (ب): لا يرجحون بغير المعقول.
مذهب السيد محمد بن إبراهيم؟ فقال: وراء الدليل، وروى عن(1) شيخه العلامة علي بن أبي الخير قال له: لما استحكم اتقانه في علمي الأصولين لا يشتغل بعد ذلك إلا بالحديث، وكان عمدة قراءته التي أفنى فيها عنفوان شبابه، علم الأصول والعربية جود فيها غاية(2) التجويد وفحص وحقق، وبحث وبلغ الغاية القصوى، واطلع من أحوال(3) أهل الفنين على ما لا يكاد يعرفه إلا مثله، وحكى في مسألة خلق الأفعال خمسة عشر قولاً، ورد على الرازي في مسألة العلم بردود باهرة، ومن أحب معرفة ذلك طالع كتابه (العواصم)، وسئل عنه أخوه الهادي - عليه السلام - فقال له: يا مولانا السيد محمد عالم (اليمن)، فقال: وعالم الشام، وقال أخوه صلاح: أخي محمد عارض بأقواله مالكاً والشافعي، ولما ظهر منه الاختيار وصح منه عدم التقليد كما قال فيه بعض علماء الزيدية الأكابر، الطيبة معارفهم والعناصر، هذا رجل حسده الأكابر وجهله الأصاغر، فأرادوا(4) بتشييعات وتشنيعات وإلزامات صورية لا ظنية ولا قطعية ولا مسلمة، وليس لمخلوق قدرة على منع ما وهبه الله تعالى ولا وضع محل رفعه الله - سبحانه وتعالى- (5) رحمة الله عليه، أحب كثير من علماء المذاهب أن يكون من جملتهم وأن يميل إلى مذهبهم، وكوتب في ذلك من النواحي من علماء كل جهة، وكانت الجهات جميعاً مشحونة بالعلماء، وكان جوابه عليهم جواباً واحداً مسكتاً، وممن شافهه القاضي العلامة قاضي القضاة الشافعية بالحرم الشريف محمد بن عبد الله بن طهيرة - وهو أحد مشائخه - وقف عنده مدة لسماع الحديث النبوي، فلما رأى منه ما لم تره عينه ولا سمعته أذنه عن أحد من أهل الزمان، مع أنه في مكان يجتمع /78/ فيه الناس من طوائف المسلمين وأهل المذاهب أجمعين، وذلك أنه قال له ذات
__________
(1) في (ب): وروي أن شيخه الفقيه العلامة..
(2) في (ب): جرد فيها غاية التجريد.
(3) في (ب): أقوال أهل.
(4) في (ب): فأرادوا عرضه بتشييعات.
(5) سقط من (ب): سبحانه وتعالى.
يوم: أيها الشريف لو أنك تممت كمالك بتقليد الإمام محمد بن إدريس، فقال له: سبحان الله أيها القاضي! إنه لو كان يجوز التقليد لم أعدل عن تقليد جدي القاسم والهادي، إذ هما بالتقليد أولى من غيرهما؛ لمكان العناية - في أهل البيت - الإلهية، والمادة المعصومة السماوية. وما أحسن قول الوجيه عبد الرحمن بن أبي بكر(1) العطاب اليمني في كتابه عند(2) ترجمة سيدي عز الدين - رحمه الله تعالى- (3) في أثناء كلام(4) له في شأنه، قلد وما(5) قلد، وألفى جيد الزمان عاطلاً فطوقه بالمحاسن وقلد، إلى آخر كلامه. ولإسماعيل المقريء وغيره من علماء الشافعية(6)، وللعامة فيه وفي مدحه كلام يطول، ووقف - رضي الله عنه - في (فلة) مدة مع حي الإمام علي بن المؤيد على جهة الاعتبار(7)، ورافقه إلى بعض(8) بلاد (الأهنوم)، ولم يكن بينه وبينه شيء من المصنفات إلا شيء يسير، وقع فيه عتاب سهل، وكتب فيه(9) سيدي عز الإسلام(10) أبياتاً حسنة رقيقة من محاسن الشعر وأجود(11) قافية منصوبة الروي أولها:
ولو شئت أبكيت العيون معاتباً ... وألهبت نيران الوقود رقائقاً
__________
(1) سقط من (ب): عبدالرحمن بن أبي بكر.
(2) في (ب): عند ذكر ترجمة.
(3) في (ب): عليه.
(4) . أوله الإمام الحافظ أبو عبد الله العلوم وإمامها ومن في .... قلد فيها إلخ، صنف في سائر فنون كتباً تقدم فيها وما يخلف ول... النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - الباع المدبر و.... التعبد الذب ما عليه من ..... وله شعر تجسده زهر النجوم وتود لو أنها في سلكه المنظوم، ثم أورده، ثم أبنانا أولها: شجتني الديار الدارسات .....................
(5) في (ب): ولا.
(6) في (ب): الشيعة.
(7) في (ب): الاختبار.
(8) سقط من (ب): بعض.
(9) في (ب): وكتب فيه حي سيدي.
(10) في (ب): الدين.
(11) في (ب): وأجوده.
(وكان بينهما مودة أكيدة حتى نزل من عنده) (1)، وهي مذكورة من جملة أشعاره في ديوانه، ثم دخل إلى (ثلا) إلى حي الإمام المهدي أحمد بن يحيى - عليه السلام- (2)، ووقف عنده مدة يسأله ويراجعه ويباحثه، ومن جملة ذلك أنه سأله عن خمسة وعشرين سؤالاً في مسألة الإمامة فلم يجبها، فكتب إليه أبياتاً أولها:
أعالمنا هل للسؤال جواب ... وهل يروى الظمآن منك عباب
وكان بينهما مودة أكيدة حتى نزل من عنده وفتر ذلك الأمر، ووقع بين السيد عز الدين وبين شيخه جمال الدين علي بن محمد بن أبي القاسم منازعة في مسائل، وكان من حي السيد جمال الدين - رحمه الله - طرف من الحيف في السؤالات، وتحويل لما يرويه عن حي سيدي عز الإسلام على صفة أنه يأخذ من كلامه مفهوماً لم يقصده، وقد(3) صرح بنفيه، والإجماع منعقد على عدم اعتبار مفهوم وقع التصريح بخلافه، وما كان(4) إلا لمكان دعوى الاجتهاد وفضل الله واسع، فكان بينهما ما كان، وترسل السيد جمال الدين برسالة حكى فيها كلام سيدي عز الإسلام(5)، فأجابه على حسب ما حكاه وطلح في مواضع التطليح وساقه(6) بسياقة العلماء وعلى منهاج الاستدلال، وادعى السيد عز الدين أن بعض ما نقله السيد علي بن محمد لا يقتضي ما فهمه من طريق المفهوم المعتبر، فلما بين له السيد عز الدين ذلك ولم ينجح، رجع جواب السيد محمد على شيخه بالتظلم منه لنسبته إليه من القول ما لم يقل به، ثم بإبطاله ما أخذه من كلامه على تقدير صدقه، مع كونه حياً يدفع عن نفسه هذه المقالة وينكرها(7)، وكيف يلزم الأمر من ينكره، ثم بعد ذلك بالمعارضات له بأقوال صدرت عنه لا ينكرها، وأوهام في معان، ونسبة /79/ أقوال إلى كتب ورجال لم تصدر عنهم، ثم الحجج، وبراهين واسعة اقتضت التطويل، فكان ذلك في كتب
__________
(1) ما بين القوسين لا يوجد في (ب).
(2) سقط من (ب).
(3) في (ب): أو.
(4) في (ب): وما كان ذلك إلاَّ.
(5) في (ب): الدين.
(6) في (ب): مساقة.
(7) في (ب): ويذكرها.
مجلدة ومقالات في بطون الأوراق مجلدة، واستدعى ذلك ذكر جمل من المسائل، وحكاية ما قال الأواخر والأوائل، وكان أعظم ما دعا إلى ذلك دعوى اللحوق بأهل السبق من المجتهدين والانعزال والارتفاع عن رتبة المقلدين، وبعَّد السيد جمال الدين الاجتهاد غاية التبعيد، ومنعه عن أكثر الأمة من أهل التوحيد، واستظهر بكلام الغزالي، وحكى في ذلك أقواله، وممَّن(1) منع من الفقهاء من الاجتهاد بعد محمد بن إدريس، وساق من الحكايات والمقالات ما يعضد ذلك ممن يسلك(2) هذه الطريقة، فكان حي الإمام المهدي مع سيدي في رد ذلك، وفي تقوية الدليل والاستظهار على صحة وقوع الاجتهاد وإمكانه وتيسره (3) وتسهيل طريقه، واستحجوا وأوضحوا الحجة، وأقاموا بالبرهان المحجة، وعارضوا تلك الحكايات بأكثر منها، وأوسع عن أكثر الأمة، وألزموا في ذلك إلزامات لا محيص عنها، وفي ارتكابها شناعة وبشاعة، ولما ظهر لحي الإمام المهدي (- عليه السلام -)(4) من سيدي عز الدين الانعزال، وسرى الأمر في المراجعة إلى بعض مسائل الكلام، أبحرت بينه وبينه المراسلة، ووقعت بينهما(5) المراماة والمناصلة في المنثور والمنظوم، وكل ذلك موجود في كتبه وأشعاره، حتى أزف الرحال، ودانا(6) الانتقال وتحول الحال، فاعتذر كل من صاحبه وقبل أعذاره، وأوضح اعتذاره، وكان الساعي بين حي سيدي عز الدين والإمام المهدي الفقيه العلامة العابد الزاهد أحد العلماء العباد المنورين جمال الدين محمد بن علي بن إسماعيل الكناني، وكان من تنويره أنه أخبر في بلده بحصن(7) (ذي مرمر) يوم فتحه. وقال: فتح حصن (ذي مرمر) في هذا اليوم، فكان ذلك كذلك، وهو(8) أحد عجائبه وكراماته، وكان صاحباً لهما جميعاً، فذكر لهما ما يقتضيه الحلوم والعلوم(9)
__________
(1) في (ب): وبمن.
(2) في (ب): سلك مثل.
(3) سقط من (ب): وتيسره.
(4) سقط من (ب).
(5) في (ب): بينه وبينه.
(6) في (ب): ودنى.
(7) في (ب): أخبر في بلده بفتح حصن.
(8) في (ب): وهذا.
(9) في (ب): العلوم والحلوم.
والقرابة والنسبة والنسابة، فرغب كل(1) إلى ما عرض عليه، وكان من كل منهما ما طيب(2) نفس الآخر، وأزال الوحشة الجارية والحمد لله على كل حال. وأما السيد جمال الدين فكان بينه وبين سيدي عز(3) الإسلام بعد هذا مواطن واجتماعات وطيبة نفوس ومباراة، كذا نقلته(4) من خطه، وأمر سيدي جمال الدين ولده صلاح بن علي بن أبي القاسم قرأ عليه في علم المعاني والبيان، وكان يمدحه السيد علي - رحمه الله - وينصحه، وروينا عنه أنه قال له: يا ولدي اتبعهم يتبعوك فإن لي مذهباً لا أخبر به محمداً ولا صلاحاً، وله إليه معاتبات في أبيات فريدة، منها:
عرفت قدري ثم أنكرته ... فما عدى بالله مما بدى
/80/ وكل يوم لك بي موقف ... أسرفت في القول(5) بسوء البدا
أمس الثنا واليوم سوء الأذى ... يا ليت شعري كيف تضحي غدا
يا شيبة العترة في وقته ... ومنصب التعليم والاهتدا
قد خلع العلم رداء الهدى ... عليك والشيب رداء الردى
فصن رداءيك وطهرهما ... من دنس الإسراف والاعتدا
__________
(1) في (ب): في عب.
(2) في (ب): ما يطيب.
(3) في (ب): عماد الدين.
(4) في (ب): نقله.
(5) في (ب): بالقول.
ثم إنه - رحمه الله - اشتغل بالذكر والعبادة، وملازمة الخلوات والأماكن(1) الخالية بمسجد وهب، ومسجد نقم، ومسجد الرونة، ومسجد الأخضر، وفي المنازل العالية على سطح الجامع، ينقطع في بعض هذه الأماكن ثلاثة أشهر، رجب وشعبان ورمضان، ويعتذر(2) فيها عن موافقة أهله وأرحامه، ويسألهم إسقاط الحق من الزيارة، وله من الكرامات والمنامات الصادقة ما يطول ذكره، وبعض ذلك مذكور في ديوانه وبعضها مرسوم بخطه بين كتب الأهل - رحمهم الله تعالى - وكان إذا اختلى في مسجد نقم وخرج في الليل إلى موضع نهر نازح عن المسجد لأن المسجد قد يخلو عن الماء يسمع أصوات الجان وبكاء أطفالهم فلا يجد وحشة ولا يداخله(3) رعب، ومما سمعناه(4) عن بعض سادة الخيمة(5) العلويين وكان رجلاً فاضلاً له به خلطة، إن سيدي عز الدين - رحمه الله - وقف بمسجد الرونة في بعض خلواته، ولم يكن في ذلك الزمان يوجد العنب في مكان قط، فتاقت(6) نفسه إلى شيء من ذلك فلم يلبث أن وجد في ناحية من ناحية المسجد عنباً حسناً كامل الطيب طري القطف، فأكل منه، وحمد الله ،وأثنى عليه.
قلت: ومصنفاته غرر، وكلماتها درر، و(7)تسفر عن شمس واضحة المعنى أو قمر، منها (العواصم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وآله وسلم -) أربعة أجزاء مجلدة، تشتمل على ما لم يشتمل عليه كتاب، ولا يحتاج الناظر فيه إلى غيره فهو مد بصر وختمه بأبيات نحو اثني عشر بيتاً منها:
جمعت كتابي راجياً لقبوله ... من الله فالمرجو منه قريبُ
ومنها:
ومهما رأيتم من(8) كتابي قصورة ... فستراً وغفراً فالقصور معيبُ
ولكن عذري واضح وهو أنني ... من اللائي أخطي تارة وأصيبُ
__________
(1) في (ب): في الأماكن.
(2) في (ب): ويعذر.
(3) في (ب): ولا يدخله.
(4) في (ب): سمعنا.
(5) في (ب): الحيمة.
(6) في (ب): ففاقت.
(7) سقط من (ب): ....؟
(8) في (ب): في.
ومنها كتاب (ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان) كتاب مفيد وختمه بعشرة أبيات منها:
منطق الأولياء والأديان ... منطق الأنبياء والقرآنِ
ولأهل اللجاج عند التماري ... منطق الأذكياء واليونانِ
وإذا(1) ما جمعت علم الفريقين ... فكن مائلاً مع الفرقانِ
ومنها: كتاب (البرهان القاطع في معرفة الصانع وجميع ما جاءت به الشرائع)، صنفه سنة إحدى وثمانمائة، ومنها (تنقيح الأنظار في علوم الآثار) صنفه في آخر سنة ثلاث عشرة وثمانمائة. ومنها كتاب (التأديب الملكوتي) مختصر فيه عجائب /81/ وغرايب. قال السيد صلاح الدين(2) بن أحمد بن عبد الله - رحمهم الله تعالى -: لم أجد هذا الكتاب في الخزانة ولا والدي، وإنما وجدت منه وريقات يسيرة من مسوّدته (زادت الأسف عليه) (3).
وله كتاب في التفسير من الكلام النبوي، ذكره في كتابه (إيثار الحق على الخلق)(4)، قال جمع ما في جامع الأصول وما في (5) الزوائد والمستدرك للحاكم. قال السيد صلاح الدين: ولم يوجد هذا الكتاب أيضاً.
__________
(1) في (ب): فإذا.
(2) زيادة في (ب): صلاح.
(3) فراغ في (ب).
(4) في (ب): إيثار الحق. (وجاء في الحاشية بدلاً من كلةم إيثار أثار).
(5) في (ب): مجمع.
ومنها: كتاب (الأمر بالعزلة في آخر الزمان). ومنها كتاب (قبول البشرى في تيسير اليسرى)(1)، ومنها كتاب (نصر الأعيان على شر العميان)(2) رداً على أبي العلاء المعري، قال فيه ما لفظه: قد ولع أهل الجهل والغرة بإنشاد الأبيات المنسوبة إلى ضرير المعرة، وهي أحقر من أن تصدر، وأهون من أن تذكر، لم يشعر هذا المسكين أن قائلها أراد بها القدح في الإسلام من الرأس، وهدم الفروع بهدم الأساس، وليس فيها أثارة من علم فيستعاد(3) بناؤها ولا إشارة إلى شبهة متوضح بطلانها، وإنما سلك قائلها(4) مسلك سفهاء الفاسقين، والزنادقة المارقين، وما لا يعجز عن مثله الأرذال من ذم الأفاضل، بتقبيح ما لهم من الحسنات، وتسميتها بالأسماء المستقبحات، تارة ببعض الشبهات، وتارة بمجرة(5) التهويل في العبارات، كما فعل صاحب الأبيات. فصدر الكتاب المذكور بهذه الأبيات:
ما شأن من لم يدر بالإسلامِ ... والخوض في متشابه الأحكامِ
لو كنت تدري ما دروا ما فاه بالـ ... ـعوراء فوك ولا صممت صمام
لكن جمعت إلى عماك تعاميا ... وعمومه فجمعت كل ظلام
فاخسأ فمالك في العلوم دراية ... القول فيها ما تقول حذام(6)
ما أذكر العميان للأعيان بل ... ما أذكر الأنعام للإعلام
وإذا(7) سخرت بهم فليس بضائر ... إن هر كلب في بدور تمام
من لم يكن للأنبياء معظماً ... لم يدر قدر أئمة الإسلام
(لم تدر تغلب وائل أهجوتها) (8) ... أم بلت تحت الموج وهي ظوام
__________
(1) في (أ): تيسير اليسر.
(2) زيادة في (ب): فيها.
(3) في (ب): فيستفاد.
(4) زيادة في (ب): فيها.
(5) في (ب): بمجرد.
(6) في (ب): فإذا.
(7) في (ب): فإذا.
(8) اقتبس هذا الشطر من قول الشاعر:
ما ضرّ تغلب وائل أهجوتها أم بلت حيث تناطح البحران
ومن كتبه كتاب (إيثار الحق على الخلق)، صنفه سنة سبع وثلاثين وثمانمائة رأى بعد فراغه من تسويده قوله تعالى، ?فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا?[الرعد:17]، وقوله تعالى: ?فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا?[النساء:69]، ورأى بعد الفراغ من تبييضه سورة النصر بكمالها، ومن سورة الضحى: ?وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ?[الضحى:11]، ومن سورة يس: ?قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ?[يس:26]، مرتين، ومرة ثانية(1):?إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ?[يس:25]، ورأى أنه أعطي فواتح كثيرة من فواتح السر(2).
قلت: ومن مصنفاته (التحفة الصفية في شرح الأبيات الصوفية) والمشروح قصيدة أخيه العلامة الهادي /82/ بن إبراهيم - رحمه الله - التي أولها:
تقدم وعدكم فمتى الوفاء ... وطال بعادكم فمتى اللقاء
__________
(1) في (ب): ثالثة.
(2) في (ب): السور.