وكان الشيخ مع سكونه في (مكة) وأهلها يتعلقون بأشياء قد استنكرها العلامة ابن حجر، وصنف للزجر عنها كتابه المسمى (بكف الرعاع عن تعاطي اللهو والسماع)، فقل من يسلم من ذلك إلا من توفرت أسباب تقواه كالشيخ، فإنه أعف خلق الله عن كل ريبة، وحكي أنه مرض مرضاً آل به إلى السكتة وتغير الحس، فقال بعض مهرة الأطباء أنه يفيده السماع، فقال المعتني بشأن الشيخ أنه لا يرضى ذلك، فقال: افعلوا مع غفلة حسه، ففعلوا فتحرك - رحمه الله تعالى - ثم استمروا فميز، فلم يكن المهم له غير سكتتهم - أعاد الله من بركته-، وله شرح على خطبة الأساس(1) كتاب الإمام القاسم - عليه السلام - وأجوبة مسائل منقحة، وتوفي - رحمه الله تعالى - في (ظفير حجة) في شهر رجب سنة خمس وثلاثين وألف.
لقمان بن أحمد بن شمس الدين
السيد الأديب العارف، ضياء الدين لقمان بن أحمد بن شمس الدين بن أمير المؤمنين المهدي لدين الله أحمد بن يحيى - عليه السلام - كان فاضلاً سيداً كامل الصفات، أديباً، لبيباً، عالماً بالعربية، لطيف الطباع والشمائل، أدركه شيخنا السيد الحسن بن أحمد الجحافي - رحمه الله تعالى - وصفا بينهما الود، ودارت بينهما مراسلات وأجوبات، وكان في ذلك الوقت عيناً من أعيان (كوكبان) المحروس، وكان أيضاً يتراسل هو والسيد محمد بن عبد الله بن الإمام شرف الدين، وأنشدني السيد الحسن بن شمس الدين قصائد بينهما، ولم أعتن في ذلك الوقت بالرقم، ولم يبق في ذهني إلا مطلع قصيدة لأحدهما:
حيا الديار وحيا من ثوى فيها
__________
(1) في (ب): أطابير.
وأما محمد بن عبد الله فممَّا دار بينهما ما نقلته عن السيد محمد، ولفظه: قال محمد بن عبد الله بن الإمام شرف الدين ما لفظه إلى سيده وأخيه لقمان بن أحمد بن شمس الدين بن أمير المؤمنين - أبقاه الله جلياً لعطل الزمن، وسناً لمحيا (اليمن) - وقد ذهب عني وأنا نائم فانتبهت وقلت وأرسلت بها إليه، وقد طلع إلى محروس (ذمر مر) - حرسه الله تعالى(1)-.
من عذيري مولاي منك فقد غا ... درت قلبي لما به من غرامِ
رحت عني في نومتي فتوهمـ ... ـت بأن اللقاء طيف منامي
وشجا نفسيَ الفراق فناجتـ ... ـني إن الفراق في الأحلامِ
زعمتني وسنان وجداً ومالت ... بيَ لما زخرفت من الأوهام
وأنا الآن لست أدري أيقضا ... ن أنا أم مهوم لهيامي
سكرة من جوى فراقك مولا ... ي ولا سكرة الرحيق المدامِ
فقال: أمتعني الله بطول محياه، وحياه عني بأشرف التحيات وأبقاه، آمين.
سيدي لا ترى عليّ فإني ... بطلوعي بادرت صوب الغمامِ
وبناني عما(2) عملت من الرقـ ... ـة قد أذنت بصدق انصرام
لو ترى السحب قد أطل لسالت ... فوق متني أتت ليل التمام
فابسط العذر يا أخي إن فعلى ... قد تجاوزت فيه حد احتشام
ونظامي هذا فقير إلى ستـ ... ـرك فاستر فأنت رب النظام
ومما كتبه السيد لقمان - رحمه الله تعالى - إلى محمد بن عبد الله بن الإمام، وهما بيتان قد طارا كل مطار
واسطة العقد متى تأتنا(3) ... فعقدنا أضحى بلا واسطة
وحالنا أضحت بلا صاحب ... وجمله الوصل بلا رابطة
__________
(1) زيادة في (ب): الله تعالى.
(2) في (ب): كما.
(3) في (ب): تأتيا.
لقمان الشريحي المؤيدي
القاضي العلامة بهاء الدين لقمان الشريحي المؤيدي - رحمه الله تعالى - من علماء (العراق) الكملة، قرأ على العلامة علي الدشلي، وقرأ عليه ولده العلامة يحيى بن لقمان الفاضل الكامل، ذكره الشريف أحمد بن أمير(1)، وقال: إن يحيى قرأ على والده (الإبانة) وزوائدها والمذاكرة التي زادها، وهذبها محمد بن(2) صالح -رحمه الله تعالى -.
أبو الليل الحرابي
السيد السري، الكامل الهمام، عين السادة النجباء فريد الدين أبو الليل الحرابي الحسني - رحمه الله -(3)، ذكره العلامة الحسين بن يعقوب الجامع لأيام المنصور بالله القاسم العياني - سلام الله عليه-.
قال: كان أبو الليل هذا من علماء آل محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - وفضلائهم، وذكر أنه وفد والإمام في بلاد (الظاهر) في محل يسمى (أهل عامر)، وكان قدومه إليه من (الحجاز) ومعه صحابة له من أهل بيته، ومن يخدمه، فسلم على الإمام - عليه السلام -. وقال له: أتيتك(4) زائراً يا بن والدي مؤدياً لحقك لما أحلك الله فيه من المحل الجليل، وشريف المنصب في أهل بيتك والبراعة في العلم والفضل المشهور في الأمور، ولما اختصك الله به من المقام المحمود. فرد الإمام - عليه السلام - جوابه بالشكر والترحيب لقدومه وأنزله أكرم(5) منزلة، وقربه أفضل قربة، ثم رجع الشريف أبو الليل بعد أن شهد بفضل الإمام، وراح(6) إلى عيسى بن جعفر وجماعة من بني الحسن في (الحجاز) فنهاهم عن رفضه وأوجب عليهم طاعته وحجته وأنها لازمة لهم.
__________
(1) في (ب): مير.
(2) سقط من (ب): بن.
(3) في (ب): زيادة تعالى.
(4) في (ب): أتيت لك.
(5) في (ب): وأكرم.
(6) في (ب): وارجعا.
ليلى بن النعمان
ناصر الشريعة الغراء، عضد الخلفاء من بني الزهراء، سلطان الإسلام معز الدين، ليلى بن النعمان - رحمه الله - هو كبير الزيدية ومقدمهم، سلطان الجبال، ظهير الأئمة، كان فاضلاً كاملاً، سرياً زعيماً، صادعاً بالحق، قائداً للجنود، مناصراً للناصر للحق - عليه السلام - ترجم له الأصفهاني فأوسع، وذكره صاحب تاريخ بغداد، ومن جملة ما ذكر أنه أحد أسباب ضعف (بغداد)، وذكره المنصور بالله في (الشافي)، ولما اتفق من الإمام الداعي إلى الله الحسن بن القاسم بن الحسن بن علي بن عبد الرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام - ما اتفق، وذلك أن الداعي - رحمه الله - كان صاحب(1) جيوش الناصر والمستولي على الأمر(2) لشهامته وحسن بلائه بين يديه وورعه ودينه؛ لأنه(3) لم يكن في أولاده من يعتمد للولاية؛ لأن أبا الحسن كان مع /68/ فضله في الأدب على غير طريقة السداد، وكان الناصر - رضي الله عنه - معرضاً عنه منكراً عليه، وأبو القاسم وأبو الحسين كانا صغيرين، فلما تزعزعا كان يستعين بهما فيما يجوز أن يستعان فيه لمثلهما من الثبات، فينفذهما في بعض السرايا، ويوليهما بعض الجيوش ولما فتح (آمل)(4) ودخلها تولى أبو القاسم سارية، ووقع بينه وبين الداعي تنافر ونزاع وطال في ذلك، ولما أوقع الناصر للحق - عليه السلام -(5) وأنفذ على مقدمته أبا القاسم إلى (آمل)، وكان الداعي - رضي الله عنه - يطمع في أن يختار للتقدم، فاستوحش من ذلك ولم يظهره، وكان أول نفوره عنه سراً، فقد كان - رضي الله عنه - له أثر ظاهر جميل في تحمل المبادرة بنفسه والتقدم إلى حيث لم يتقدم أحد، وكان أصحاب الناصر الذين هم أهل الدين والورع، مثل أبي محمد بن عبد الله بن أحمد بن سلام - رحمه الله - ومن دونه، يميلون إلى الداعي - رضي
__________
(1) في (ب): قائد.
(2) في (ب): الأمرة.
(3) في (ب): ولأنه.
(4) في (ب): فلما فتح آمل.
(5) سقط من (ب): عليه السلام.
الله عنه - لدينه وورعه واستقامة طريقته، وينحرفون عن أولاد الناصر - عليه السلام - لسلوكهم غير طريقة مرضية في الباطن(1)، واستوحش الداعي ونفر عن الناصر لمكان أولاده وقصدهم إياه، وأدى ذلك النفار إلى العفوة(2) التي اتفقت منه في القبض عليه وإنفاذه إلى قلعة اللادر، وقد ذكر من اعتذر عنه أنه كان كارهاً لما جرى وأن الإقدام على ذلك ندر من فقهاء (الجيل والديلم) الذين كانوا وردوا في صحبة الداعي - رضي الله عنه - فعند حصول هذه الحوادث كان ليلى بن النعمان قد قدمه الناصر إلى ناحية (جرجان) مع عسكر كثيف، فاتصل الخبر به وهو بساريه، فانصرف بجيشه ودخل على الداعي في مضربه وقال: ماذا صنعت بأبينا - يعني الناصر - هذا حقه عليك.
__________
(1) في (ب): لسلوكهم لطريقة غير مرضية.
(2) في (ب): الهفوة.
وعلى الجملة(1) فقال: إنه لم يفرج على المال، ولم يطعم العساكر ما لا بد لهم من الخبز، فقال له: والأب إذا لم يطعم الخبز يحبس، ثم ركب وعدل برايته إلى جانب وصاح من كان متبعاً للحق مريداً له فليعدل إلى هذه الراية، وقد كان أصحاب الداعي ندموا على ما بدر منهم إلا عدداً يسيراً هم خواصه، فعدل الجيش كلهم إليه إلا هذه الطبقة، ففزع الداعي حينئذ فقال له: هات خاتمك فأخرجه من يده وسلمه إليه فأنفذه في الوقت(2) مع جماعة من الثقات لإخراجه من القلعة ورده، وهرب الداعي في الوقت مع نفر من خواصه إلى (الديلم) فقال الإمام الناطق بالحق: أخبرني أبي - رحمه الله - بهذه الجملة وحدثني بأنه شاهده - عليه السلام - حين رد من القلعة (يوم دخوله (آمل) وقد استقبله أكثر أهل البلد صغيرهم وكبيرهم، وكان على بغلة) (3) فكاد الناس(4) يقلعون بغلته من الأرض لازدحامهم عليه وخدمتهم له، ورأيته وهو يدفع الناس عن نفسه بطرف مقرعته إذا تكابسوا عليه تمسحاً به وتقبيلاً لرجليه حتى كادوا يزيلونه عن الركوب(5) يسير بها وينحيهم عنه. وحصل الداعي بالديلم فلما حانت وفاته - عليه السلام - استؤمر فيمن يقيمونه مقامه إذا حدث به قضاء الله - عز وجل - /69/ وسأله بعضهم وهو وهري بن شهريار(6) أن يعهد إلى بعض أولاده، فقال - عليه السلام -: وددت أن يكون فيهم من يصلح لذلك ولكن لا استحل فيما بيني وبين الله - عز وجل - أن أولي أحداً(7) منهم أمر المسلمين. ثم قال الحسن بن القاسم الأحق بالقيام بهذا الأمر من أولادي وأصلح له منهم، فردوه ولم يمنعه ما كان أسلفه عندهم من إيثار الحق في المشورة به، وقد كان نفر عند الداعي - رضي الله عنه - قبل هذه الكناية(8) مرة أخرى، وخرج إلى
__________
(1) في (ب): الجماعة.
(2) في (ب): للوقت.
(3) ما بين القوسين غير موجود في (ب).
(4) سقط من (ب): الناس.
(5) في (ب): من المركوب.
(6) في (ب): شهريان.
(7) في (ب): واحداً.
(8) في (ب): الكانيه.
(الديلم) ثم توسط المشائخ والأشراف والفقهاء بينهما وعقدوا الصلح وردوه إليه، قال الإمام أبو طالب - عليه السلام -: وسمعت أبي يحكي عن عبد الله بن أحمد بن سلام - رحمه الله تعالى- (1) أنه قال: أردنا عقيب هذا الصلح أن نتوصل إلى تلقيب الداعي - رضي الله عنه - وقلنا للناصر أن أبا محمد قد شاع في الناس استيحاش الناصر منه فينبغي أن ينعته بنعت وترسم له لقباً يرفع به عنده، قال: ففطن(2) لما يريد ولم يكن ممن يذهب عليه لمثل هذه الأغراض ويتمكن من مخادعته، فقال: لقبوه بالتائب إلى الله، فقلنا: أيها الناصر نريد غير هذا، فقال: فالراجع إلى الحق، فقلنا: لا، فلم نزل به حتى تنجزنا منه، فلقبه(3) الداعي إلى الله، ثم ورد الداعي - رضي الله عنه - (آمل) شهر رمضان يوم الثلاثاء رابع عشر، فبدأ بقبر الناصر ومعه أولاده أبو الحسن وأبو القاسم وأبو الحسين، فألصق خده بالقبر وهو يبكي، فقام أبو الحسن ابنه وأنشد قصيدة في مرثيته أولها:
أيحسن بي ألاَّ أموت ولا أظني ... وقد بعدت عيناي من حسن حسنا
وقصيدة أخرى أولها:
دم الخوف يجري في الحشا متصعداً ... فينهل دمعاً صافياً متبدداً
وبويع للداعي في ثانية يوم الأربعاء(4)، فعدل واشتهر المثل بعدل الداعي، وخطب(5) ليلى بن النعمان بـ(نيسابور) ونواحيها مدة، وخطب له بـ(الري) ونواحيها، وبقي اثنتا عشرة سنة وأشهر.
قلت: قد اشتملت هذه الترجمة ذكر(6) جماعة، لعل ذا الهمة يتطلع على شيء من أخبارهم.
__________
(1) سقط من (ب): تعالى.
(2) في (ب): فقطن.
(3) في (ب): تلقيبه.
(4) في (ب): الربوع.
(5) زيادة في (ب): له.
(6) في (ب): على ذكر جماعة.
وأما أولاد الناصر - عليه السلام - فلهم في(1) العلم والأدب والنجابة الدنياوية ما لو كانوا في غير رجال الزيدية لطار ذكرهم كل مطار، وافتخرت بهم الأسفار غاية الافتخار، فإن كثيراً من أرباب التاريخ يزينونها بملح القول سيما الهزليات والمجونات وغرائب الماجريات، فتجد الناس يعكفون عليها لذلك، وانظر إلى عناية العلامة عمران بن الحسن - رحمه الله - بالسؤال عن أولاد الناصر لظنه أنهم من أهل العلم، فأجابه يوسف بن أبي الحسين الجيلاني أن مثل أولاد الناصر لا يذكر في التواريخ، ثم قال: هم موجودون حقيقة معدومون حكماً، هذا كلامه، وانظر إلى المؤرخين بعد هذا، ذكروهم بالتعظيم كما ترى شيئاً من كلام الثعالبي وغيره، وميلنا إلى الاختصار، وقد اشتهر عن الناصر أنه كان يقول: بيتان كبيران معموران بيتي وبيت القاسم بن إبراهيم، فأما بيتي فيخرب على قرب، وأما بيت /70/ القاسم فيبقى الدهر أو كما قال، فلنذكر شيئاً من أحوال أولاد الناصر - عليه السلام -(2) المذكورين في هذه الترجمة، وأذكر معهم من ظهر من إخوتهم ولا أتجاوز ذلك إلى غيره، أما أبو الحسن علي بن الناصر الذي ذكر في الترجمة أنه أديب، وكان الناصر معرضاً عنه، فقال ابن عنبة: إنه كان يذهب مذهب الإمامية الاثنا عشرية ويعاتب أباه بقصائد ومقطعات، وكان يناقض عبد الله بن المعتز(3) في قصائده على العلويين، وكان يضع لسانه حيث شاء من الناس.
قلت: وقد حكيت عنه حكايات طوينا ذكرها، فأنشد(4) له الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة - عليهم السلام - في الشافي قصيدة يرثي بها محمد بن زيد الداعي، قال المنصور بالله: ورويناها بطولها لاستجادتنا لها.
قلت: وترجمة محمد بن زيد أحرى بذكر القصيدة فسنذكرها - إن شاء الله تعالى- هناك(5)، وطالعها:
__________
(1) في (ب): من.
(2) سقط من (ب): عليه السلام.
(3) لا توجد في (ب): بن المعتز.
(4) في (ب): وأنشد.
(5) في (ب): هنالك.
نأت دار ليلى بسكانها ... وأوحش معهد جيرانها
وعاقك من وصلها عائق ... يرد النفوس بأشجانها
وهي من غرر القصائد، وأما أبو الحسين أحمد بن الناصر فهو كان صاحب جيش أبيه فيما نقله ابن عنبة، ولما مات الناصر - عليه السلام - التفت الناس إليه للبيعة فامتنع، وهذا دليل كماله؛ لأنه لم يلتفت إلى غيرهن ثم إنه امتنع، وكان الحسن الداعي غائباً فاستقدمه أحمد هذا وبايعه، وأما أبو القاسم المذكور في الترجمة فاسمه جعفر ناصرك، لما كتب أخوه أبو الحسين إلى الداعي وبايعه غضب أبو القاسم هذا وجمع عسكراً وقصد (طبرستان)، فانهزم الداعي يوم النيروز سنة ست وثلاثمائة، وسمى أبو القاسم، نفسه الناصر، وأخذ الداعي (بدماوند) وحمله إلى (الري) إلى علي بن وهشودان، فقيده، وحمله إلى قلعة (الديلم)، فلما قتل علي بن وهشودان خرج الداعي وجمع الخلق وقصد جعفر الناصر فهرب إلى (جرجان) فتبعه الداعي فهرب ابن الناصر وأجلى إلى (الري) وملك الداعي الصغير (طبرستان) إلى سنة ست عشرة وثلاثمائة، ثم قتله من داوح، وقد ذكر الثعالبي في (يتيمة الدهر) أشياء من أحواله فقال: هو من بازلي (استراباذ) وأفاضل العلوية وأعيان أهل الأدب، كتب إلى القاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز رقعه يشتمل على النظم والنثر استحسنها(1) الشيخ(2) - أدام الله عزه-، وقد أعلقني من مودته ما لا أزال أحرص عليه، وأفادني خطا كثرت مني المنافسة(3) فيه، إذ هو الأوحد الذي لا يجارى إلى غاية طول وكرم(4)، وإن من اعتلق منه سبباً واستفاد منه وداً فقد أحرز الغنيمة الباردة، وفاز بالخير والسعادة، ورجوت أن يكون الحال بيننا زائدة ومحله عندي المحل الذي لا يتقدمه فيه أحد، وشغل قلبي بانقباضه عني مع الثقة الوكيدة بأني معمور المحل عنده، وموفور الحظ من رأيه وعنايته، لا أعدمني الله(5)
__________
(1) سقط من (ب): والنثر استحسنها.
(2) في (ب): نسخها.
(3) في (ب): المنافسة مني.
(4) زيادة في (ب): طبع.
(5) سقط من (ب): لفظ الجلالة.
النعمة ببقائه ودوام سلامته، وانهضني بالحق في شكره /71/ وما هو إلا ولي من قصر النفس على مطلب محمدته، والسعي بها إلى مرضاته، وقد كتبت في هذه الرقعة أبياتاً مع قلة بضاعتي في الشعر وكثرة معرفتي بأن من أهدى إليه الشعر الجيد المطمع المتمنع(1) كمن حمل التمر إلى (هجر) والعضب إلى (اليمن)، وهي:
يا وافر العلم والإنعام والمنن ... ووافر العرض غير الشحم والسمنِ
لقد تذكرت بيت الموصلي لما ... أراه من لفظك العاري عن الدرنِ
يا سرحة الماء قد سدت موارده ... أما إليك طريقاً يا أبا الحسنِ
إني رأيتك أعلى الناس منزلة ... في العلم والشعر والآراء والفطنِ
فاسمع شكاة ودود ذي محافظة ... يصفي المودة عند السر والعلنِ
أنا بنفسي من لقياك أبخل من ... نصيب من وده سلم على إحنِ
لقد نمتك ثقيف يا علي إلى ... مجد سيبقى على الأيام والزمنِ
مجد لو ان رسول الله شاهده ... لقال إيه أبا إسحاق للفنن(2)
صلى الإله على المختار من رجل ... ما ناحت الورق فوق الإبل والفنن
فإن وقع فيها خطأ أو جاء بها زلل، فعلى الشيخ الاعتماد في إقالة العثرة وصرف الأمر إلى الجميل الذي لا يواري فضله ويشاكل نيله؛ لأني كنت من قبل أهدي البيت والبيتين إلى الإخوان، وبعد العهد به الآن، فإن رآه - أراه(3) الله محابة أن ما(4) يتأمل ما خاطبته به - فعل إن شاء الله تعالى.
قلت: وعلي بن عبد العزيز هذا الذي كتب إليه من رؤساء العدلية ووجوههم، وكان يتفقه للشافعي - رحمه الله - وله شعر كله في الذروة، منها ما أنشده الإمام ابن الشجري، وهي:
يقولون لي فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما
وهي طويلة طائلة، ومن شعره:
قالوا توصل بالخضوع إلى الغنا ... وما علموا أن الخضوع هو الفقر
وبيني وبين الحال سيان حرما ... علي الغنا نفسي الأبية والصبر
__________
(1) في (ب): الممتنع.
(2) في (ب): للفنن.
(3) في (ب): فإن رأى فجازه الله.
(4) سقط من (ب): ما.