قتادة بن إدريس [ - 617 ه‍ ]
سلطان الحرمين الشريف أبو عزيز قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى بن حسن بن سليمان بن علي بن محمد بن موسى بن عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه-، كان من أكابر العلماء الرؤساء القادات، وكان يعرف بالنابغة عند كثير من الناس؛ لأنه بهمته علا على الأقران ودوخ البلاد، وأزال مملكة الهواشم، واستعظم(1) عن بني العباس مع تطبيقهم على ما قَصِىَ ودنا، وكانت أيامه أيام الناصر العباسي، وكان يصرح بأنه أحق بمنصب الخلافة منه، وهو كذلك، وكان في الحقيقة أحد أعضاد(2) المنصور بالله عبد الله بن حمزة - عليهما السلام - واستعان به الإمام وخرج من مواليه وقراباته جماعات بين يدي(3) الإمام المجاهر للجهاد والمثاغرة، وأنفذ إليه الإمام أعياناً من أصحابه، منهم البليغ(4) الحسام المرهف القاسم بن شيب(5) الماضي ذكره، وأهدى له الإمام(6) الفرس اليمنية التي ما ذكر في عصرها ولا بعدها لها ثان في الجودة، وكان من صفاتها أنها تخرج من الصف التي(7) هي فيه سابقة لأهله الجميع، حتى تدخل في الصف الذي قبلها وتمضي إلى الغاية في المضمار مجلية منفردة، ثم تعود إلى حيث كانت من الصف، فتسبق أخرى جميع أولئك الحاضرين. وأصحبها الإمام قصيدة فاخرة ورسالة غراء، ومن شعر الإمام إليه:
أبلغ لديك أبا عزيز مالكا ... بحر العطا ونظام آل محمدِ
الطاعن النجلاء في رهج الوغى ... والخيل يغسل بالحميم المزبدِ
والمخصب العرصات فيض بنانه ... والأفق مدرع كعين الأرمدِ
أسليل إدريس الفتى ابن مطاعن ... الطعان(8) في رهج العجاج الأربدِ
__________
(1) في (ب): واعتصم.
(2) زيادة في (ب): الإمام.
(3) في (ب): وجماعات استقروا بين يدي الإمام للجهاد.
(4) زيادة في (ب): العلامة.
(5) في (ب): شبيب.
(6) في (ب): الإمام له.
(7) في (ب): الذي.
(8) في (أ): الطاعن.

إني أتتني والديار(1) بعيدة ... أفعال محمود الشمائل فارددِ
وما أحسن قوله فيه من جملة القصيدة الفائقة التي أولها:
دعا(2) ذكر المنازل في مطارٍ ... أصابتها الغوادي والسواري
ولا تستنبحا في الليل كلباً ... ولا تتنورا إيماض نارِ
وبصا(3) العيس سامية الهوادي ... تبارا كالنقانق في البراري
إلى السادات من سلفي علي ... لباب اللب من سلفي نزارِ
أنيخا بالأباطح وانزلاها ... وقولا لا سبيل إلى السرارِ
بني حسن نداء من إمام ... يناديكم على نأي المزارِ
إلى أن قال - عليه السلام -:
أتاني منكم نبأ شفاني ... كحلك للأسير من الأسارِ
طهارة (مكة) من كل عاف ... ودحض عراصها من كل عارِ
61/ بعزم الطالبي أبي عزيز ... أبي الفتكات والهمم الكبارِ
شريف لم تدنسه الدنايا ... ولا مرت له بفناء دارِ
نشأ للمكرمات وأحرزتها(4) ... يداه قبل تلويث الإزارِ
وهي طويلة وأمره الإمام - عليه السلام -(5) ببناء مشهد الإمام الحسين الفخي - عليه وعلى سلفه السلام-، ففعل ذلك عن رأي الإمام، وقد ذكر مؤرخو (مكة) كيفية تحول المملكة إليه كالشريف القاسمي (6) والقطبي وغيرهما، قال في (قلائد الجمان): إنه أول من(7) ملك (ينبع) و(الصفراء)، ثم ملك (اليمن) المصافت لـ(مكة) و(الحجاز) وبعض أطراف المدينة وبلاد (نجد)، ثم ملك (مكة).
__________
(1) في (أ): والديا.
(2) في (أ): دع.
(3) بُصَّا: اعطيا. القاموس المحيط (613).
(4) في (ب): فأحرزتها.
(5) سقط من (ب): عليه السلام.
(6) في (ب): القاسي، ولعل الصحيح القاسمي.
(7) في (ب): ما.

قلت: صفة ملكه (مكة) معروفاً(1) مما ذكرنا(2) في تواريخها، حاصل ذلك أنه كان من قبله من الأشراف يخرجون من (مكة) للتنزه إلى التنعيم أو نحوه، وكانوا يحفلون بالعامة والخاصة ولا يتركون حافظاً لـ(مكة) فدخلها(3) وقت خروجهم، وأمسك طرقها، وصد(4) عنانها، فطاوعته الخاصة والعامة، وبقيت في يد ولده إلى يومنا هذا، ولم يبق للهواشم الذين كانوا قبله من الأشراف يد، وقتل رئيسهم يومئذ، وهو محمد بن مكين بن عيسى بن فليتة.
قال ابن عنبة: كان الخليفة الناصر العباسي قد استدعى الأمير قتادة إلى (العراق) ووعده ومناه، فأجابه وسار من (مكة)، فلما صعد من (النجف) خرج أهل (الكوفة) لتلقيه، وكان من جملة من خرج في غمار الناس جماعة معهم أسد في سلاسل، فلما رآه قتادة قال: لا أدخل بلداً يذل فيها(5) الأسد، ثم رجع من فوره إلى (الحجاز) وكتب إلى الناصر الخليفة هذه الأبيات:
بلادي وإن جارت علي عزيزة ... ولو أنني أعرى بها وأجوعُ
ولي كف ضرغام إذا ما بسطتها ... بها أشتري يوم الوغى وابيعُ
معودة لثم الملوك لظهرها ... وفي بطنها للمجدبين ربيعُ
أأتركها تحت الرجا ثم أبتغي ... خلاصاً لها إني إذاً لرفيعُ
وما أنا إلا المسك في أرض غيركم ... أضوع وأمَّا عندكم فأضيعُ
__________
(1) في (ب): معروفة.
(2) في (ب): ذكرناه من.
(3) في (ب): فدخلوها.
(4) في (ب): وحيد.
(5) في (ب): بها.

توفي الشريف قتادة في سنة سبع عشرة وستمائة بعد موت إمامه المنصور بالله - عليه السلام - لأن الإمام مات في سنة أربع عشرة وستمائة، هذا الذي ذكره بعض مؤرخي أصحابنا، وفي (قلائد الجمان) غير هذا، وكان له من الولد حسن وراجح وعلي، ولِّي بعده الحسن، وكان شجاعاً شديد الأيد(1)، فاتكاً ملك (مكة)، ثم وقع بينه وبين أخيه راجح خلف وافتراق، فكتب في ذلك السيد الأمير الناصر لدين الله محمد بن أمير المؤمنين المنصور بالله عبد الله بن حمزة كتابين أفرد إلى كل واحد كتاباً ورثىوالدهم بمرثية بليغة طالعها:
ألا إن زاد الركب أمسى بملحد ... لدى بلد خير البقاع بقاعها
/62/ وقال في فصل من كتاب حسن بن قتادة: وقد بلغنا ما كان بينه وبين صنوه الأمير الشريف المنتخب المحمود جمال الدين راجح بن أبي عزيز - شيد الله ملكه(2) الجميع - من الفرقة، وتشتت الكلمة، ولعمر الله إن هذا(3) يسوء الصديق، ويغص له كل ولي بالريق، وهم أولاد من ألف الشمل، وحاز في مضمار حسن السياسة ، وكرم الشمائل شريف الخصل، فهم أطواد الوقار والحلم، وينابيع الفضل والعلم، وإنا لنعيذ تلك الهمم السامية الحميدة، والشيم(4) الكريمة الرشيدة، عن(5) أن يميل بها ريح الطيش في كل جانب، ويذهب بها هديا عقارب الوشاة إلى مهالك المذاهب،
يا قوم بيضتكم لا تفحصن بها ... إني أخاف عليها الأزلم(6) الجدعا
يا لهف نفسيَ إن كانت أموركمُ ... شتى وأحكم أمر البين فاجتمعا
وما جئنا بشيء من ذلك إلا وقد بينت لنا مكنونه التجارب، وأبدت لنا أحوال الدهر منه العجائب.
وكم من أخ لي قد رأبت على الأذى ... كما ترأب الباز(7) ابنها وهو أجربُ
مزجت بحلمي جهله فعدلته ... وقد يمزج الماء الأجاج فيعذبُ
__________
(1) الأيد: القوة.
(2) في (ب): مجد.
(3) في (ب): ذلك.
(4) في (ب): والشيمة.
(5) في (ب): على.
(6) في (ب): الألزم.
(7) غير واضحة في الأصل.

والله تعالى يوفقهم في الموارد والمصادر، ويحوطهم من حوادث الدهر وصروف المقادر، ويُعلِي كلمتهم في البادي والحاضر، ويجمع شملهم على أحسن الأحوال، ويشيد(1) بهم أمر الدين ويطمس بهم رسم الضلال، وفي كتاب راجح لما بلغنا ما بين المجلس السامي وصنوه الأمير السيد الشريف الكبير المعظم الأعز الأكرم المحمود المؤيد الفاضل الأمجد أمير الحرمين شهاب الدين الحسن بن أبي عزيز قتادة بن إدريس، شيد(2) مجد الجميع من تشتت الكلمة، وركوب صعائب(3) ركوب الفتنة، واختلاف الأمر وتباين العشيرة، احتبينا بذكر المجلس السامي بما(4) ليس بغائب عن فطنته السنية، وألمعيته الحسنية، من معرفة ضعف هذا الرأي الذي لا يأتلف إلا من اختلال التدبير(5) وسوء القطيعة، وتضيق به مسالك الرئاسة وإن كانت أي وسيعة، وللأواخر عبرة في الأوائل، ولله القائل:
وإني لترَّاك الضغينة قد أرى ... ثراها من المولى فما استثيرها
مخافة أن يجني علي وإنما ... يهيج كبيرات الأمور صغيرها
وفي العدو متسع لهذا المجال، وغير ذات البين أولى بهذا الحال، وفي الألفة عز الذليل الحقير، وفي التشتت هوان العزيز الخطير،
وأحسن جهل القوم ما في عدوهم ... وأقبح أحلام الرجال غريبها
__________
(1) في (ب): ويشهد، (وأيضاً ويشد ظ).
(2) في (ب): شيد الله مجد.
(3) في (ب): صعاب ركائب.
(4) في (ب): ما.
(5) في (ب): لا يليق الأمر اختلال التدبير.

وهو - أدام الله معاليه - من سد هذا الفتق بما هو ربما يكون أعلم بسده، وكف(1) التباين والتضاغن، فقد آن أن يبلغ إلى حده والسلام. فلما وصلت الكتب إليهما لم تفد وتم الخلف بينهما، فاغتنم السلطان يوسف فرصة القوم ونهض من (زبيد) في جنوده /63/ وعظماء مملكته، فطوى المراحل إلى أن لقي راجح بن قتادة في (العسرين)(2)، فحلف له السلطان أني مسترجع لك (مكة) - حرسها الله تعالى - من أخيك ومسلمها إليك، فساروا جميعاً والحسن بن قتادة يومئذ أمير (مكة)، فلما وافاه الغز افترقت عليه عساكره وأسلمه من معه، وقد أحاطوا بـ(مكة) - حرسها الله تعالى - واستحلوا ما حرم الله ولم يكن همَّ الشريف الحسن(3) بن قتادة ومن بقي معه من خواصه إلا أن ركب فرسه وركبوا خيولهم، وخرجوا من بعض الأبواب فلم يعومهم(4) الغز وتموا على رواسهم، واحتوى الغز على ما بقي في دار آل قتادة في (مكة) وجرت بينهم وبين الغز وقائع كان فيها عليهم الدوائر، فنعوذ بالله من غضبه وقلة توفيقه، ونسأله التوفيق لما يرضيه، ثم إن السلطان يوسف لم يتم لراجح شرطه بل قصره على (السرين) و(حلي) ورضي بذلك حتى ضعف أمر أخيه الحسن، وانتهى به الحال إلى أن أوفد نفسه على الكريدي سلطان دمشق، فلم تفده الوفادة إليه للؤم الطبع، فتوجه بعد ذلك إلى محمد بن خوارزم العجمي، فأدركه الموت بـ(بغداد). وأرسل السلطان يوسف بن وردسان في مائتي فارس لقبض راجح، فأجلى من (السرين) هارباً وما بسطت هذا إلا عظة لمتعظ وعبرة لمعتبر، فكأنما الشريف أبو نمي قصد هذه الحال بقوله:
بني عمنا من آل موسى وجعفر ... وآل حسين كيف غيبتكم عنا
بني عمنا إنا كأفنان(5) دوحة ... فلا تتركونا تتخذنا القنا فنا
إذا ما أخ خلى أخاه لحادث ... تبدى به في الأكل ثم به ثنا
__________
(1) في (ب): حد التباين.
(2) في (ب): (السرين).
(3) في (ب): حسن.
(4) لعلها: يعرفهم، ولكنها في الأصل كما أثبتناه.
(5) في (ب): كاكناف.

قيس بن الربيع
العلامة المجاهد قيس بن الربيع - رحمه الله - كان أحد الأعيان الآخذين عن الإمام الأعظم، وبقي بعدما استشهد الإمام الأعظم - عليه السلام - ظاهر الفقه تام النفع، ذكره شيخ الإمام أبي طالب - عليه السلام - وهو العلامة أبو القاسم البغدادي - رحمه الله -.
حرف الكاف
كثير النوى
الشيخ مفزع العلماء كثير النوى، تلميذ الإمام الأعظم، اشتهر فقهه بعد موت الإمام - عليه السلام - ذكره البغدادي - رحمه الله -.
كوربكة الديلمي
الشيخ العلامة رئيس (العراق) جامع الفروع والأصول، وبرهان معلومها والمجهول، أبو ثابت كوربكة(1) الديلمي - رحمه الله - والد الشيخ العلامة المحقق شهر دبير، وعنه أخذ وهو تلميذ الأستاذ (صاحب تغليق الإبانة الكبير يعقوب بن أبي جعفر بن محمد بن يعقوب، ذكره العلامة)(2) أحمد بن أمير(3) الحسني - رحمه(4) الله-.
كوركة العراقي
الشيخ المفتي العلامة كوركة العراقي - رحمه الله - هو أحد علماء الجيل المبرزين، ذكره العلامة الشيخ نعمة شارح (الإبانة) ونقل عنه في عدة مواضع، مما نقل عنه أن /64/ الوقف إذا انقطع مصرفه رجع إلى المصالح ملكاً، على معنى أنه يجوز تسليمه إلى الفقير، أو يملك الفقراء عينها ويجوز بيعها وهبتها، ونقل الأستاذ هذا القول عن العلامة شهراشويه(5) وغيره، وأما الشيخ نعمة المذكور فاختار أنه يرجع إلى المصالح وقفا(6)، وقرره العلامة أحمد الكوكبي الزيدي - رحمه الله تعالى -.
__________
(1) في (ب): كوربكير.
(2) ما بين القوسين غير موجود في (ب).
(3) في (ب): مير.
(4) في (ب): رحمهم.
(5) في (ب): شهراشق.
(6) في (ب): وفقاً.

حرف اللام
لطف الله بن محمد الغياث [ - 1035 ه‍ ]
شيخ الشيوخ، وإمام أهل الرسوخ، الحري بان يسمى أستاذ البشر، والعقل الحادي عشر، بهاء الدين سلطان المحققين لطف الله بن محمد الغياث بن الشجاع بن الكمال بن داود الظفيري - رحمه الله - ليس عندي عبارة تؤدي بعض صفاته، ولا تأتي بالقليل من سماته في جميع أنواع الفضل، أما الحلم فكان بمحل لا يلحق(1) لا يذكر له سقطه في قول ولا فعل، وكان يحصر العلماء على كلماته لوقوفه في الكلام على ما يقضي به الرجاح، وكان في العلم غاية لا يصل إلى رتبتها في زمنه إلا القليل، قد استجمع العلوم الإسلامية والحكمية، وحققها وعارض أهلها واستدرك ما استدرك، ولم يكن لقائل بعده مقال فيما تلكم به، بل صار حجة إذا ذكر خضع لذكره النحارير، ولقد صار مفخرة للـ(يمن) على سائر البلاد، ونقل أهل الأقاليم الشاسعة أقواله وما وضعه من الكتب هو مرجع الطالبيين(2) في (اليمن)، منها (المناهل الصافية) كـ(المختصر) للرضي، فيها أبرز الفوائد من الرضي في صور تعشقها الأفهام، وأتى للمنتهي والقاصر بما يريده حتى لم يفتح الطالبون بعدها كتاباً في الفن إلا المتوسع المتبحر، وقد صارت الشروح كالمنسوخة بالمناهل، وكان العلامة أحمد بن يحيى حابس أراد التقريب لنجم الأئمة إلى أفهام الطلبة، فلما رأى هذا الكتاب أعرض عن ذلك وقال(3): إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، وله عليها حاشية وولع بهذا الكتاب من رآه، ولقد جعله شيخنا القيرواني من فوائد سفره إلى (اليمن) واعتنى بتملكه، وله شرح على الكافية(4)، لكنه ما تم له، ومن أعجب كتبه (الإيجاز) في علمي المعاني والبيان، شرحه بشرح مفيد(5) فيه يزيد المقالات لأهل الفن، وله الحاشية المفيدة على شرح التلخيص الصغير، وهي حاشية مفيدة ما تناقل الناس بعدها غيرها، وكان حاشية الخطابي كثيرة الدوران، وإن لم تكن كاملة فألغاها الناس،
__________
(1) في (ب): لا يليق.
(2) في (ب): الطالبين.
(3) في (ب): فقال.
(4) في (ب): الكفاية.
(5) زيادة في (ب): أتى.

وحاشية ابن المصنف وغيرهما، ولم يسمها الشيخ - رحمه الله - باسم فسماها السيد صلاح الدين بن الجلال بن أحمد بن المهدي المؤيدي - رحمه الله - (بالوشاح(1) على عروس الأفراح)، والسيد - رحمه الله - اختار هذا الاسم بناءً منه أن الشرح الصغير يسمى بعروس الأفراح، وهو كذلك شائع في الطلبة، وليس كذلك إنما عروس الأفراح شرح السبكي ونعمّا هو، فإنه شرح مفيد جداً، وللشيخ لطف الله شرح على الفصول /65/ اللؤلؤية، ثم لم يتم له، لعله بلغ فيه إلى العموم، وهو كتاب محقق منقح مفيد، وكان قد اشتغل بكتاب فيه العبارات المبهمة من الأزهار بنحو غالباً ومطلقاً، ونحو ذلك، ومقاصد أخر(2) أرادها، ولم يكن قد علم بشرح الفتح لأنه كان يومئذ بـ(الطائف)، فلما وصل (اليمن) اطلع على كتاب يحيى حميد المسمى (بفتح الغفار) وشرحه المسمى (بالشموس والأقمار)، فاكتفى بذلك لموافقته لما أراد، وله في الطب ملكة عظيمة، كان القاسم - عليه السلام - وهو من علماء هذا الفن(3) يقول: الشيخ لطف الله طبيب ماهر، ومع ذلك(4) فلم يتظهر بهذا العلم ورعاً، وله في علم الجفر والزبجات وغيرها إدراك كامل، وكان قد أراد إلقاء شيء إلى تلميذه المولى العلامة الحسين بن أمير المؤمنين أرسل إليه قبل وفاته أن يبعث إليه بالقاضي العلامة أحمد بن صالح العنسي - رحمه الله - ليستودعه شيئاً من مكنون علمه، فوصل القاضي وقد نقله الله إلى جواره، ومما ينسب إلى الشيخ أرجوزة مثل الأرجوزة المسماة برياضة(5) الصبيان، وكان كابن الخوام في الفرائض والحساب، إليه(6) النهاية في هذا العلم، وكتب إليه جعفر بن وبير العيفاوي الحسني أيام إقامته بـ(مكة)، فإنه أسلف في
__________
(1) في (ب): باسم فسماها السيد الإمام صلاح الدين صلاح بن أحمد بن المهدي المؤيدي - رحمه الله - بالوشاح.
(2) في (ب): أخرى.
(3) جاء في حاشية (ب): وهو علم هذا الفن.
(4) سقط من (ب): ومع ذلك.
(5) في (ب): بنصات.
(6) سقط من (ب): إليه.

(مكة) أياماً غراء واختلط بالفضلاء، واختلط به الفضلاء، وكان مبجلاً مكرماً، فكتب الشريف المذكور كتاباً يلتمس منه تأليف كتاب الفرائض والفقه، ولفظ الشريف:
أيا شيخ لطف الله إني لقائلٌ ... بلا شك من سماك فهو مصيبُ
لأني رأيت اللطف منك سجيةً ... ولله في كل الأمور حبيبُ
سألتك سفراً أستعين به على ... عبادة ربي لا برحت تجيبُ
فتوضح لي يا شيخنا ما أقوله ... فأنت لداء الجاهلين طبيبُ
وأنت(1) لنا في الدين عون وقدوة ... بقيت على مر الزمان تصيبُ
فأجابه الشيخ - رضي الله عنه - ونظم له أرجوزة في الفرائض وكتاباً يتعلق بربع العبادة ككتاب أبي شجاع عند الشافعية، ولم يخرجا إلى (اليمن)، وأجابه الشيخ بنظم فقال:
أمولاي يا من فاق مجداً وسؤدداً ... وما ان له في الخافقين ضريبُ
أتانيَ عقدٌ يخجل الدر نظمه ... ويعجز عنه أحمد وحبيبُ
معان وألفاظ زكت وتنافست(2) ... فكل لكل في البيان نسيبُ
وما كان قدري يقتضي أن أجيبه ... ومثلي لذاك السمط ليس يجيبُ
وقلتم بأن اسمي بشير(3) بأن لي ... نصيباً وكلا ليس فيه نصيبُ
أيحسب ما أعطيت من لطف سمه ... يقصر عنها شمال وجنوبُ
تعدى إلى مثلي وأنى وكيف ذا ... وإني من أدنى الكمال سليبُ
ولكن حويت اللطف أنت جميعه ... فقلت على ذا الناس أنت عجيبُ
66/ وأمركم ماض وحظي قبولكم ... وإني على قدر القصور مجيبُ
__________
(1) في (ب): فأنت.
(2) تناسقت.
(3) في (ب): شبير.

143 / 182
ع
En
A+
A-