قلت: والفاضل - عليه السلام - قد صار أهل هذه المملكة الصليحية، وفي ذهني أنه في أيام شباب دولتهم دخل (الحجاز) و(مكة)، واجتمع بالشريف شكر بن أبي الفتوح الحسني الزيدي - رحمه الله - ورأيت بخطي(1) ولعله منقول من (اللآلي) عن سيرة مفرح أنها كانت أيام عمر الفاضل قبل بلوغ الحلم خمس عشرة سنة، وفي سفر الشام سبع سنين، وفي حرب بني الصليحي بعد مراحه من الشام عشر سنين، وفي الدراسة ست عشرة سنة، وفي أيام حربه للسلطان علي بن محمد بني (الهرابة) وحصّنها، وأجرى إليها وشلا من موضع عندها، فسار إليه علي بن محمد الصليحي بجميع أهل (اليمن) وملوكه، فحاصره سبعين ليلة وقاتل عليها قتالاً شديداً، وقطع الماء عن السيد الفاضل حتى قال: والله ما أعلم أحداً بُلي /37/ قبلي بمثل ما بليت به، فإن الحسين - عليه السلام - منع الماء ثلاث(2) ليال وأنا منعت الماء سبعين ليلة، ولما دخل الصليحي (الهرابة) عقيب استيلائه عليها دخل وهو ضام لأنفه من رائحة جيفة الموتى وأخذ يتعجب من صبر من كان (3) بها حتى قال: والله لو ملكت رجالاً كرجال (الهرابة) لأملكن بهم (العراق)، ثم إن السيد الفاضل وقف في (صنعاء) محبوساً نحو عامين، وكانت زوجة الصليحي أسماء محسنة إلى الفاضل في أيام حبسه، ثم أطلقه الصليحي.
__________
(1) في (ب): أو أظنه.
(2) في (ب): ثلاث.
(3) سقط من (ب): كان.
قلت: وقد ذكر الإمام(1) صلاح بن الجلال أن الفاضل وذا الشرفين (حبسا بجميعاً)(2) كانا بـ(الهرابة) وحبسا جميعاً، وهكذا حكاه ابن المظفر عن غيره في (الترجمان)، وأن الشريفين حبسا جميعاً، ثم أطلقهما بشفاعة أبيهما جعفر بن الإمام(3)، والأشهر أنه الفاضل وحده، وكان الصليحي يعظم جعفر بن الإمام، وأنه في مقامه عنده ما سبقه إلى صباح قط بل يسبقه الصليحي فيصحبه، قيل: وكان موت جعفر عند الصليحي. وسبب موته فيما ذكره مفرح أن الصليحي جمع ملوك (اليمن) وحصر الكريدين ملوك المعافر في حصن (السواء) وحصن (السمدان)، فنازلهم الصليحي هنالك وجعل وباء البلاد وعفونتها كالسم لملوك (اليمن) الذين معه، فمرض الملوك وماتوا، وكان الأمير جعفر بن أمير المؤمنين من أجلهم، وهو أجلهم، فتوسط بين الصليحي وبين الكريديين(4) بأمان وضعه الصليحي لهم ثم غدر الصليحي في الأمان، فمات الأمير جعفر من الغيظ والشريف الفاضل يستغرق أحواله مجلدات، ولكن هذا اللائق بهذا التاريخ، ومن عجيب أمره أنه كان للدولة منجم يسمى بحرا، وهو مشهور، وكان متبحراً في علم الفلك، وكان يسأل في الموالد والعزاءات، فعرض رجل مولد الشريف الفاضل ولم يخبره من هو فلما نظر إليه تأمله وعرف مضمون دلالته، فقال بحر: لمن هذا الولد؟ فقال السائل: لرجل من أجاد الناس، فقال بحر: فكيف بك إذا خفقت الرايات فوق رأس هذا المولود وملك الناس والبلاد؟ حكى هذا عن بعض العلماء بني الوزير(5) - رحمهم الله تعالى-(6)، أعني ما قاله المنجم.
__________
(1) في (ب): الأمير.
(2) زيادة في (أ): حبساً جميعاً.
(3) . هو الذي خصه .... مفرح مؤلف سيرتهما.
(4) في (ب): الكريدي.
(5) في (ب): آل الوزير.
(6) سقط من (ب): تعالى.
استشهد الفاضل - رحمه الله - يوم الثلاثاء لسبع بقين من صفر سنة ثماني وستين وأربعمائة، كان ذلك بـ(الجوف)؛ لأنه أراد عمارة غيل (عمران)، وكانوا كارهين لذلك فاستجعلوا جعالة من أحمد الصليحي، فلما قتله المستجعلون وهم من قبائل (نهم) جاءوا إليه للجعالة، فقال(1): تقتلون ابن رسول الله(2)، ثُمَّ تأتون للجعالة، فرجعوا خاسرين للدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين.
القاسم بن جعفر
السيد(3) الأمير السامي القاسم بن جعفر، من أولاد ذي الشرفين، فاضل كامل صحب الإمام أحمد بن الحسين، وله(4) قصيدة مديح، ومما قاله في قصة(5) العلامة أحمد بن يحيى الصعدي الذي قتل بـ(سيان) من أعمال /38/ سنحان بعناية جعدان.
سيعلم قوم خالفوك وجانبوا ... سبيل الهدى أن قد ظفرت وخابوا
فما كل من جاؤا بذنب غفرته ... ولا كل ما خاضوا الجهالة تابوا
لقد شقيت طرّاً بجعدان قرية ... وحق عليهم أن يحل عذابُ
سطا سطوة عما قليل يروعه ... عليها لمولانا الإمام عذابُ
القاسم بن الحسن بن يحيى
السيد الوجيه، الصدر الرئيس، علم الدين القاسم بن الحسن بن الأمير شمس الدين يحيى بن أحمد بن يحيى بن يحيى، - عليهم السلام - كان سيداً سرياً، كامل الصفات، حميد النعوت.
قال الأمير السيد صلاح بن الجلال، كان رجلاً وجيهاً بادياً مسوداً أسس هجرة الرواني في يسنم(6) ومسجدها، ومات في (الضيعة)، ضيعة الهادي إلى الحق - عليه السلام - وقبره فيها مشهور مزور.
__________
(1) في (ب): قال.
(2) زيادة في (ب): لم أتمكن من قراءتها.
(3) في (ب): الشريف.
(4) في (ب): وله فيه.
(5) في (ب): وله فيه.
(6) سقط من (ب): في سم.
أبو القاسم بن حسين بن شبيب الحسني
الحسام المشهور، وعلم الهداية المنشور، صاحب اللسان والسنان، والعلم والبيان، أبو القاسم بن حسين بن شيب الحسني التهامي - رحمه الله - أحد الأعلام وأوحدهم، ومقدم الفضلاء وسيدهم، صاحب البلاغة والفصاحة، والعلم الوسيع والرجاحة، الإمام البارع الأصولي المنطيق، وصل من تهامة إلى (براقش) من جهة (الجوف) إلى الإمام - عليه السلام - يقرأ عليه، ويذاكره، ويسأله عن دقائق العلوم، وله حدس وذكاء (ودس)(1) وهمة، وكان قد برع في الكلام وأصول الفقه والتوحيد، نقل(2) القاضي عبد الله بن زيد أن والده كان يرى التطريف، ثم رجع عنه بعد وصول البيهقي من (العراق)، ورجع لرجوعه خلق كثير؛ لأنه كان إماماً مرجوعاً إليه، وذكر القاضي علي بن نشوان مجالسته للإمام(3) واستقائه من معين فوائده، قال: كان يسأل ويستفيد ويبسط في كل ما يريد، والإمام - عليه السلام - يجيبه في دقائق العلوم وغوامضها، قال: وارتجل الإمام في ذات يوم بـ(براقش) بيتاً من الشعر، ثُمَّ قال للفقيه أتم عليه شعراً، فأجازه الفقيه بالقصيدة الآتية جميعها على لسان الإمام، والبيت الذي (ارتجله)(4) الإمام هو قوله:
أليَّة بالجياد الجرد ساهمة(5) ... تردي بكل طويل الباع دفَّاعِ
فقال الفقيه(6):
وكل مسرودة كالنهر سابغة ... وكل ماض رقيق الحد(7) قطاعِ
ومدلف الأسد نحو الأسد عابسة ... تحت العجاج وبيض فيه لماعِ
والسمر ترعف والأبطال طائشة ... وكل أزرق للأرواح نزاعِ
39/ لأبعثن على العجمان داهية ... رجافة في حزوم الحزن والقاعِ
شهباء ترفل في المادي فوارسها ... وفي الوشيح إلى الهيجا بإيضاعِ
__________
(1) في (ب): ودنس.
(2) في (ب): ونقل.
(3) في (ب): واستقائه لطلب علم الإمام واستقائه من معين...
(4) لا توجد في (ب): ويوجد بدلاً منها: والبيت الذي قبله هو قوله:…
(5) السَّاهمة: الناقة الضامرة. القاموس المحيط 1125.
(6) في (ب): فقال الفقيه بعده.
(7) في (ب): رقيق العضب.
كأنما البيض والنقع المثار(1) بها ... بوارق بين وطف ذات تهماعِ
قد طال ما ملكت خيلي مساجلها ... غيظاً عليهم وطالت منه أوجاعي
كم معلم لمنار الحق قد طمسوا ... وأهطعوا(2) في الخطايا أي إهطاع(3)
فدع ملاميَ إذ أمسيت(4) مرتقبا(5)ً ... أرعى النجوم بطرف غير هجاعِ(6)
فما يلذ لنفسي عيشها أبداً ... ولم يحل بهم بطشي وإيقاعي
ويصبح العدل في الآفاق قاطبة ... طلق المحيّا طويل الزند والباعِ
وقل إذا ما سمعت الدهر ذا عذل ... أقْصِرْ فكلُّ امرئٍ في شأنه ساع
يا حبذا الجرد تطعو(7) في أعنتها ... إذا دعى لقراع المقنب(8) الداعي
على مناسجها أسد جحاجحة ... بكل(9) بدر بأفق الحرب طلاَّعِ
يرى الغنيمة في ثجاج عارضها(10) ... والعين(11) إذ أذنت يوماً بإقلاعِ
وأسمعاني صليل السيف(12) لا نغم الأوتار ... إني له سماع(13) أسماعِي
وأورداني حياض الموت منزعة ... بين الخميسين لا أدنان نقاعِ
يا قاتل الله من يضحي بعيشته ... قرير عين أخا لَهْوٍ وتهجاعِ
ولم يكن برفيق العرب مرتقياً ... ذوائب العز والعليا بإزماعِ
على صها شطم(14) عبل الشوى نزف(15) ... قيد الأوابد(16) إذ يعدو بإرجاع
__________
(1) في (ب): المشار.
(2) أهْطَعَ: مَدَّ عُنُقَه، وصوب رأسه. القاموس المحيط (775).
(3) في (ب): هطاع.
(4) في (ب): أمسيت.
(5) في (ب): مرتفعاً.
(6) الْهُجُوع: النوم ليلاً. المرجع السابق (774).
(7) في (ب): تطفو.
(8) المِقْنَب من الخيل: ما بين الثلاثين إلى الأربعين، أو زهاء ثلاثمائة. القاموس المحيط (127).
(9) في (ب): من كل.
(10) في (ب): في سحاح عارضها.
(11) في (أ): فالعين إن.
(12) في (ب): صليل البيض.
(13) في (أ): سماع سماع.
(14) في (أ): شيْظم: الطويل الجسيم الفتيّ من الإبل والخيل والناس. القاموس المحيط(1126).
(15) نَزِفٌ: نُزِفَ: ذهب عقله أو سكر. المرجع السابق (855).
(16) الأوابد: الوجوش. وقيد الأوابد تدل على أن الحصان يقُيّد الوحوش بسرعته.
يكاد من لبده ينسل مبرزما(1) ... خوف القطيع ولم يذعر بإيجاع
أرساغه ركبت في جندل(2) شَظِفٍ ... يفلق الصخر في عدو وإسراع
بالأعوجيات قد (نيطت) مفارقة ... فهو الجواد على إحسانها راع
فمن يكن عادلاً يوماً بصهوته ... حسبته بين أسجاف وأوضاع
فقد دنت عن بروح المجد همته ... وإنني لعلاه نادب ناع
أنا ابن من أسمع الواعين حجته ... والسيف أسمعها من ليس بالواعي
فلا وربك لا أنفكُّ منصلتاً ... حتى يعز به ديني وأشياعي
ويصبح الحق عالي الكعب مبتهجاً ... وفيه يكثر أشياعي وأتباعي
__________
(1) في (ب): مبررما.
(2) جندل: الجندل: ما يُقِلُّهُ الرَّجُلُ من الحجارة. القاموس المحيط (980).
أقول - أيدك الله - أيها السامع: تدبر هذا النظام العجيب والأسلوب الغريب سبحان المانح، وهذا الفقيه من آيات الله الباهرة، وحسبه ارتجاله لخطبة يقصر عنها /40/ القاضي الفاضل، ويكاد أن يقال لا يقاس(1)بها خطب قِس، وتسحب عندها ذيل العجز سحبان وائل، وذلك أنه أحس في بعض المجامع الإمامية بتثاقل بعض الشيعة عن البيعة، وذلك بملقى (الأهجر)، فقام، وحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ثم قال: يا أمير المؤمنين لتطب نفسك، وليكثر أنسك، وليشرح صدرك، ولا يلتبس عليك أمرك، فإن من بايعك من سلاطين العرب وبني عمك وشيعتك هم أهل الهمم العالية، والعزائم الماضية، والليوث الهصر، والأبطال الجسر، والمصاليت البتر، والمساعير الصبر، أعلى الناس مقاماً، وأثبتهم أقداماً(2)، وأقلهم في الحرب إحجاماً، يرون طاعتهم لك فرضاً واجباً، ومعصيتهم لك إثماً لازبا، قد دعوتهم فأجابوك، وحضروا فبايعوك، واختبروك فوجدوك خضماً زخوراً، وبطلاً جسوراً، وليثاً هصوراً، وعاينوا منك وجهاً(3) صبيحاً، ولساناً فصيحاً(4)، فما عذرهم غداً إن جاثيتهم الخصومة بين يدي ربهم، يسألهم عن بيعتهم لك، وعقدهم إذاً يكونوا محجوجين، وعند ربهم مفلوجين، وكلا وحاشا أن يرغبوا بأنفسهم عن نفسك، وأن يأنسوا بغير أنسك، وفي ذلك أقول - وانتضى سيفه من غمده-:
كيف فرار المرء عن إمامه ... والعار والإذلال عن إحجامه
والعز والإجلال في إقدامه ... والفوز بالجنات في صدامه
يا حبذا من كان عن حسامه ... يأخذ من يهواه عن مرامه
__________
(1) سقط من (أ): بها.
(2) زيادة في (ب): وأكثرهم إقداماً. وجاء في الحاشية وأكثرهم ليناسب أقلهم (ظ).
(3) سقط من (أ): وجهاً.
(4) زيادة في (ب): وشفيقاً نصيحاً.
انتهت هذه الكلمات الغرر(1)، والجواهر التي تصغر عندها كبار الدرر. وله من هذا القبيل، كل فاضل من الكلم نبيل، بما لا أعلمه لغيره من أهل عصره، ولا من قريب منهم، فلا يعيب عائب على من كانت هذه في حضره، فإنه وجد مكان القول فقال، ولا جرم أن الإنصاف سيد أخلاق الرجال. ومما اتفق له أنها لما اجتمعت القبائل والعشائر والسلاطين والأمراء بـ(مدع) من بلاد (حمير) وناحية (حضور المصانع) قام - رحمه الله - فحيا من حضر، ثم حمد الله تعالى، وأثنى عليه، وصلى على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ثم قال: يا معشر القبائل، ويا أسود الجحافل، ويا معشر المسلمين خاصة، دون الناس عامة، إني قائل فاسمعوا، فإذا سمعتم فعوا، إعلموا أن الأمر الذي كنتم تطلبونه، والنور الذي كنتم توقعونه، وتعدون له الليالي والأيام، والشهور والأعوام، ها هو في عترة نبيئكم - صلى الله عليه وآله وسلم - قد لمع، وضياؤه قدسطع، وقائمهم للفضائل قد جمع، وفي العلم قد برع، وفارق الطمع، وباشر الورع، وفارق الراحة، وجانب الاستراحة، واشتدت على الظالمين شكيمته، وتقوت عزيمته /41/ وغزرت ديمته، وعلت(2) قيمته، وقام لله تعالى راغباً، ولأعدائه مناصباً، ولصليب صلبه ناصباً (3)، حين بدلت الأحكام، وعطلت الشرائع، وشرب المدام، وارتكبت الآثام، واستغني عن الحلال بالحرام، وكثر الفساد بالبلاد، واستطالت أيدي أهل العناد، فبايعه السادة الأجلاء، والكبراء الفضلاء، أهل السؤدد الباذخ، والشرف الشامخ، والعلم البارع، والورع الدامغ، من أهل بيت محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - وغيرهم من أولياء الله المتقين، والعلماء المخلصين، وأهل الورع واليقين، بعد الاعتبار، والسبر والاختبار، فوجدوه خضماً لا تنزفه الدلاء، وطوداً لايناله الارتقاء، وليثاً لا تهوله الأهوال، ولا تقوم بصولته الأبطال، حساماً لا تقوم له الجبن؟ ولا
__________
(1) في (ب): الغر.
(2) في (ب): غلت.
(3) في (ب): ولصت جبينه ناصباً.
تروعه الفتن، وعزاماً لا يصاحبه الوسن، وجند له يدمي منها المهاجم(1)، وتتحاماها المراحم، فاقصدوا رحمكم الله ناجم الشك، وتعاونوا على حصاد أولي الإفك، وسابقوا إلى سمعته، وسيروا إلى طاعته، تحيوا سعداء، وتموتوا شهداء، فإن عترة نبيئكم - صلى الله عليه وآله وسلم - هم السادة القادة، الذادة الحماة، الأناة الكفاة، وسفن النجاة، التي من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى، لله أتوكم(2) من أي نور بعدهم تقتبسون، وبعد كتاب الله وسنة نبيئه تلتمسون، فمن كان منكم ذا شك وارتياب، ومستمسك من الخير بأسباب، فما هو في معرض الاعتراض، واقف نفسه لا يعبأ عن جواب، ولا يكل عن خطاب، عالم بالسنة والكتاب، وهو الجدير بقول جده - عليه السلام -:
دبوا دبيب النمل لا تفوتوا ... وأصبحوا في حربكم وبيتوا
فإنني قد طال ما عصيتُ ... قد قلْتُمُ لو جئتنا فجيتُ
ليس لكم ما شئتمُ وشئتُ ... بل ما يشأ المحيي المميتُ
ثم انتضى سيفه وقال:
ولو لم أكن فيكم خطيباً فإنني ... بسيفي إذا جد الوغى لخطيبُ
أخوض(3) به للضرب في كل غمرة ... فأثني به عن تلك وهو خضيبُ
__________
(1) في (ب): المحاجم.
(2) كذا بالأصل ولعل الصواب: لله أنتم.
(3) في (ب): أغوصُ.
ومن أخبار ابن شبيب - رحمه الله - أنه ولاه الإمام الخطبة بـ(صنعاء)، وتوجه الإمام إلى (ذمار) لأخذها وفيها رئيس الغز(1) شهاب، فلما بلغ شهاب الخبر رجح لنفسه أن تترك في (ذمار) أربعمائة فارس للقيا الإمام، وتقدم في مائتي فارس يخلف الإمام على (صنعاء)، فلم يشعر أهل (صنعاء) إلا بالخيل والألوية والبنود، فناداهم أصحابه أنا قد قتلنا الإمام والسلطان سيف الإسلام حكو - رحمه الله - فافتحوا المدينة، فكاد ينخدع للغز(2) من في قلبه /42/ مرض، وثبت الله الذين آمنوا، فخرج القاضي أبو القاسم(3) - رحمه الله تعالى - بتلامذته، وجماعة من المسلمين، قليل إذا عدوا، كثير إذا شدوا، وقد كثر الرهج والاضطراب، فانتضى سيفه، وانتضى أصحابه سيوفهم عند باب المدينة، ونادى - رحمه الله -: يا أهل البيعة يا أهل البيعة، أنا عبد بني حسن، أنا عبد بني حسن، ثم ارتجز على البديهة:
أنا الهزبر لا براح ... حتى تسل (بالرماح) (4)
وتخضب البيض الصفاح ... دون (صنعاء)
والله هذه السيوف يا أهل آزال، يا معشر الزيدية، كذبت والله الحياطة، وأخذ يجول في الناس طولاً وعرضاً، والأنفار الذين معه حتى تراجع إليهم الناس، وقد رد إليهم أرواعهم وشددهم فقرت قلوبهم ونزعوا سيوفهم، وأجمع أمرهم على طرد شهاب، وأصحابه فرجموهم وطردوهم وأغلظوا لهم في القول ولم يثبت من سحر شهاب شيء، فانقلب(5) صاغراً مخذولاً (6)، حكى هذا جميعه علي بن نشوان.
__________
(1) لعلها زيادة في (ب): السلطان.
(2) لعلها زيادة في (ب): الغزو من.
(3) لعلها زيادة في (ب): الحسني.
(4) في (أ): الرماح.
(5) في (أ): فانفلت.
(6) سقط من (ب): مخذولاً.