(قصة نزول الأمير أحمد لا رحمه الله ابن الإمام المنصور بالله عليه السلام وجميع أهله الذين معه إلى سلطان اليمن الملك المظفر)
قال الراوي: ولما رجعوا إلى صنعاء على الصورة المذكورة نهض الأمير أحمد فيمن معه قاصدين إلى مدينة زبيد وهنالك السلطان، فلما هبطوا نقيل صيد علم السلطان بإقبالهم إليه فأمر بإنصافهم في الطرقات وصاروا حتى بلغوا زبيد لأيام دون نصف الشهر، فلما علم بهم السلطان من مدينة زبيد ونودي في لقائهم وقد كان أمر جنده وأهل تلك النواحي بلقائهم إلى جانب الطريق وعظم شأنهم ورفع في أعين الناس مكانهم، فلما التقى بالأمير أحمد رحب به وعظمه وأمر له بالمظارب والخيام وأمر بالسماطات والألوان الأنيقة إلى محطتهم وهي خارج الباب المسمى [.....بياض في المخطوط.......] وأقام الأمراء عنده تنقل إليهم الكرامات المختلفة ولم تمضي إلا الليالي القلائل حتى عرضت لحم الحمى الوبائية فلم يبق منهم إلا القليل، فتوفي منهم الأميران جعفر بن عبد الله بن الحسن بن حمزة، وأحمد بن جعفر بن الحسين وجماعة من أجنادهم وأخدمهم، ثم إن السلطان لما رأى ما نزل بهم خلا بالأمير أحمد وراجعه فيما لا بد لهم منه، ثم أمر الأمير أحمد بنيف وأربعين ألف دينار من الدنانير الملكية كل درهم أربعة دراهم ثلثي قفلة وأمر لهم جميعاً بالكساء ....... وخص البعض بشيء وحده، وأمر معهم بعصابة من جنده، فصدروا عنه شاكرين لإحسانه، وكان السلطان يأمر له بالاقتصاد والملابس حالاً بعد حال، وكتب الأمير شمس الدين إلى السلطان شعراً يستنصر به فيه ويستنجده ويحضه على الطلوع ويستزيده وهو قوله:
خل الليالي الماضيات تعود
عفى منزل ما بين نعمان واللوى
وكانت به العين الغواني أوانسا
مجر أنابيب الرماح ومبتنى
فيا دارنا بين العيينة والحمى
فكيف بمن أصفى ظفار محله
هواي بنجد والمنى بتهامة
وإن امرءاً تبقى مواثيق عهده
فهل لجنوب الريح أن تلثم الثرى
على أربع بين الصعيد وصعدة
مشاعر حج الطالبين فلا الأداء
كرمن فلا يخشى الغوائل عندها
ملاعب إقهار الجياد ومنتهى
وأبراج أشباه المها في كناسها

نعمنا بها أيام لا البغي نافث
ظلالي فيها للورى غير قالص
وقومي يوم الروع جن وفي الندا
فنحن نطول الشهب عز وتنتهي
إلى أن دعا داعي من البغي في الورى
ودل على الحلم قومي وأثبتت
لقد كفرتنا الناس كل صنيعة
وكم مات من قوم فحيوا بحلمنا
بسطنا على العرب المكارم بسطة
ولما صبرنا ظنت الناس أننا
فما سن فينا الناس إلا ظلامة
ولما قصدت الملك ذا التاج يوسفاً
دعوت فلباني فتى لا مربد
ومالي لا أزجي الركاب إلى ذرا
أعان وأعداني على الدهر من له
وألقيت كفي في أنامل لم تخن
وما ابن أبي حفص بدون الذي دعا
أعاد إليه ملك غمدان وابتنى
مكارم سنتها الملوك ويوسف
صبرت على حمل العظايم فانتهت
فسوحك مقصود وكفك قاهر
وفي كل يوم أنت تبدوا على العدى
سبيل فتى لا العسر يطرق همه
ويعلم أن الدهر ليس بدايم
أنخنا بك الآمال وهي ركايب
وقد كنت عريت الركايب برهة
وداويت لابن العم داءً وجدته
فأدنيت من أمواج بحرك غمرة
وحفت بسرجي العرب والعجم فاغتدى
كذا يستعين الحر بالحر واثقاً
بمن بشر المظلوم في كلماته
إذا أمطرت منا ومنك سحابة
تولت أسود الغاب وهي فرايس
?
?
فتبدوا نجوم الوصل وهي سعود
وجرت به للراسيات برود
فأضحت به العين الوحوش ترود
قباب فلبى ريقهن برود
هل الروض روض والزرود زرود
ومن بات قد حالت عليه زبيد
متى تلتقي بالمتمهين نجود
على مثل ما لاقيته لجليد
لنشر تحيات لهن صعود
وبين براش لي بهن عهود
أداء قريب ولا نجح الرجاء بعيد
منيب ولا يخشى الهوان طريد
مجامع لا يشقى بهن وفود
عليهن من نسج العفاف برود
بنار ولا بين الرجال حقود
وبري حوض لست عنه أذود
بحور وحلما كالجبال ركود
إلى الأفق أيدينا ونحن قعود
وأعلن منهم كاشح وحقود
جمالك لم ينظم لهن عقود
كأنا نصارى ملة ويهود
وكم أخلفت سحب ونحن نجود
لنا أبطرتهم والضلول جحود
على كل خلف سادرون هجود
كما سن في قتل الحسين يزيد
علمت بأن الهم ليس يعود
ملول ولا هي اليدين سليد
الشهب شهب والصعيد صعيد

مكارم لا يحصى لهن عديد
عهوداً ولم تخلف لهن وعود
به الحميري الملك وهو فريد
مفاخر في الدنيا لهن خلود
لآثار ما سن الملوك يشيد
إليك العلا إن الصبور سعيد
وجندك منصور وأنت حميد[115ب-أ]
بخطب وتبدي في الندى وتعيد
ولا الموت مما يتقى فتحيد
وأن خلود المكرمات فقيد
لأرسانها لطف الإله يقود
وأطربت حتى لا يقال مريد
على الصبر ينموا خطبه ويزيد
أصول بها فيمن بغى فأبيد
بعزك ركن اليوم فهو شديد
برب له كل الملوك عبيد
بنصر له أهل السماء جنود
لها الدم قطر والصليل رعود
وظلت جبال الأرض وهي تمي
ولما اشتهرت هذه القصيدة وما تضمنته من الرموز والكنايات أجاب عنها الفقيه الأجل العالم أحمد بن أسعد التميمي فقال في ذلك:
نازل منها قائم وحصيد
وآثارهم بين الغنيمة والحمى
ولم يبقى ما بين الصعيد وصعدة
ينوح عليها المترفون فوحدهم
ويبغون في الدنيا خلودا وجنة
يودون من فرط الصبابة والأسى
قضى الله أن تفنى الديار وأهلها
تبدل شمس الدين بعد يقينه
ولما دعا داع إلى الحق صادق
ووالى عليه الكافرين ولم يزل
وفي مثوة ما زال يحمل كيده
فأهلك أخبار الورى وهداتهم
وكم نالت الأخيار منه فبعضهم
وشاد مع الكفار مهدوم دينهم
ومرت به الأهواء شمالا وإنها
فكيف بشيخ قد حنى الدهر قدحه
وما انفك يقتاد الجنود لقائم
إمام دعا بالحق لما تنكرت
إذا سار سار النصر أو صال صولة
فساد الورى طراً علاها ومثله
وأضحى زمام الملك بين أنامل
ودانت له الأملاك قسرا فمنهم
وطرد شمس الدين كل مطرد
وأصبح يزجي الأرحبيات وافدا
يحن إلى سوح المظفر مولعاً
وحفت به غلف العلوج وحوله
فمن مبلغ عني الأمير وحزبه
وكابر ما قد شاءه لوليه
وأدرى رجالاً من قريش كأنهم
بهاليل من آل النبي عليهم
وقد كان يرجو من بنيه متبعاً
فياليت شمس الدين أمسى محله
ألم يأن أن يخشى القلوب وتتقي
وأن ينتهي أهل النهى عن جراير
ويكفي بني الزهراء أن نحوسهم
وأن قتيل الظالمين معذب
وأن لهم فيه سمواً وعزة

إمامكم المهدي حقاً وإنه
له شرف يعلو الورى وجدوده
تقي نقي العرض قد تعلمونه
لأهل التقى منكم شفاء ورحمة
مليك تحامته الملوك مهابة
ودانت له الأقدار عفواً فلم يعش
وأشبه ذي وجه بوجه محمد
مطهرة أخلاقه وطباعه
فضائله سارت بها الركب في الورى
دعاكم إلى نفي المعاصي فيكم
وهامت بكم أرآؤكم فكأنكم
وسامحتم في دينكم كل ملحد
وكانت لكم في الاحتساب زخارف
أبحتم بها الأرواح والمال برهة
فلما دعا من أكمل الله أمره
أتوق إلى نفي المناكير شيقاً
وعند بني الزهراء من دون دينهم
على آل طه رحمة الله إنه
?
?
فغار بها عوذ الوحوش هجود
عليهن من نسج العفاة برود
أنيس من الحي الذين تريد
إذا ذكروا تلك العهود جديد
وليس لحي في الحياة خلود
بأن الليالي الخاليات تعود
ورد الذي يفني القضاء بعيد
من الريب ما لا يرتضيه مجيد
سرت فيه أضغان له وحقود
لكل إمام كايد وحسود
ومن كايد الرحمن فهو مكيد
كما فعلت بالأنبياء يهود
قتيل وبعض في البلاد طريد
وهدم ما كان الهداة تشيد
لعار عليه والذوائب سود
كفى ذا يد بعد المشيب يذود
كريم له أهل السماء جنود
رسوم الهدى فانهد منه مشيد
غدت عدن مرعوبة وزبيد[117أ-أ]
إمام لأولاد البتول يسود
له كالغوادي المزن حين تجود
شقي ومن شاء الهدى فسعيد
وأمسى بأطراف البلاد يرود
جميلاً كما يزجي الركاب وفود
بتقريضه حتى يقال لبيد
دنان وأوتار ترن وغيد
لقد مر نهجاً ما اقتفاه رشيد
مليك له كل الملوك عبيد
إذا شجرت سمر الرماح أسود
سرابيل من نسج الحديد سرود
فأدى القضاء ما كان منه يحيد
ببلقعة تحوى عليه لحود
سعيراً له صم الصخور وقود
عليها رقيب لا يضل عتيد
لقائمهم لو يعلمون سعود
وأن قتيل المؤمنين شهيد
يدين لها نافي الإله جحود
لأكرم من تهفو عليه بنود
لكم حين تعداد الجدود جدود
بكسب المعالي مبتدى ومعيد
وللضد منكم علقم وصديد
وكادت له شم الجبال تميد
له بين قطر الخافقين ضديد
وفيه علامات عليه شهود
وعلم على علم الأنام يزيد

ومنكم عليها حاضر وشهيد
ولي حمى عن دينه ومريد
عن الرشد أغلال لكم وقيود
وما الناس إلا ملحد وعبيد
من القول لم ينظم لهن عقود
عليها رجال راكعون سجود
نأى منكم مستنصر وعنيد
ولكن حظي في الأمور زهيد
طعان ومني خطبة وقصيد
حميد لطيف بالعباد مجيد
وقال الفقيه اللسان الأوحد عيسى بن محمد التهامي في ذلك:
ا مثل كثبان وادي المنحنى كثب
فلا تلمني إذا ما اعتادني طرب
أهوى المقيمين في نجد وإن نزحوا
أقول والعيس تعدو في الفلاة بنا
يا عيس أمي بنا المهدي في حلب
إذا رأيت أمين الله فاعتمدي
وقبلي منه كفاً جودها غدق
المجتبى المنتقى من عترة طهرت
والباذل العرف والمعروف منتقداً
الخيل أيسر ما يعطي مسومة
وباعث الجحفل الجرار يقدمه
طلق المحيا ووجه الدهر .......
ما قام للكفر شمل وهو هادمه
ولم يضع للهدى سرح ولا سكن
لا سورة تتقى منه ولا بله
وباذل نفسه لله محتسباً
يا ابن النبي ويا من فضله أبداً
آيات فضلك في الأنام باهرة
أنت الإمام ومهدي الأنام إذا
ستملك الأرض من مصر إلى عدن
تفرق الناس في الأهواء كلهم
وحاربتك رجال لم يكن لهم
سلوا عليك سيوفاً هم لها جزر
فلا يغرك ماقالوا وما فعلوا
سيغلبون كما قال الإله معاً
ولا يغرنك أكياس لهم حملت
فاصبر إمام الهدى واسلم ودم أبداً
?
?
ولا كخرد نجد خرد عرب
فذو الصبابة قد يعتاده الطرب
عني وأزداد تبريحاً إذا قربوا
وسيرها الفسح والتقريب والخبب
فإن أكرم أرض زرتها حلب
منه جناباً رحيباً ليس يجتنب
وأخمصا يتمنى لثمه الشهب
إن النجيب من الأنجاب منتخب
والواكف الكف مهما شنت السحب
والألف أهون ما يعطي وما يهب
كأنما هو فيه جحفل لجب
ماض وكل كمي قبله نجب
ولا استقال عنادا حده الترب
وهو عليه المشفق الحدب
ولا يحيف رضا منه ولا غضب
إذ ليس في الناس من للنفس يحتسب
كأنه الصبح باد ليس يحتجب
قد أكدتها لنا الأخبار والكتب
وليس في ذاك لا شك ولا كذب
معجلاً رضي الأعداء أم غضبوا
وأنت قطب رحىً للدين منتصب

من طول حربك إلا الويل والحرب
وأوقدوا نار حرب هم لها حطب
فإن سألت يرد الدين مستلب
ويحشرون إلى نار لها لهب
فإنما هي في أعناقهم صلب
فالنصر بالصبر مطلوب ومرتقب
قال الراوي: وأقام القوم في صنعاء، وتقدم الأمراء الأجلاء آل يحيى بن حمزة بن أبي هاشم من ذيبين وذروة إلى بين يدي الإمام عليه السلام للاعتهاد والمشافهة والتهنئة بسلامته والاستدعاء لمراسمه وأقاموا أياماً، ووصل صنوه الأمير الكبير علم الدين أبو المظفر سليمان بن يحيى في عسكر وافر فسلم على أمير المؤمنين وقد كان في تلك الأيام لزم جبلاً ملاصقاً لجبل الأهنوم كان الأمير الحسن بن الإمام المنصور بالله عليه السلام عمره وحصله حصناً، فلما استحكم الإمام عليه السلام حط على هذا الحصن قبائل الأهنوم وغيرهم فسلمه الأمير الحسن بن الإمام المنصور بالله عليه السلام فأمر بخرابه لما يلحق أهل تلك النواحي من الضرر، وهم أهل البيت عليهم السلام، فلما علم أمير المؤمنين عليه السلام لزم الأمير علم الدين لهذا الجبل ضاق صدره وأمره بالانصراف عنه فضاق صدر الأمير من ذلك ووقع في نفسه تعب من ذلك، وكانت البلاد الظاهرية عموماً وإليه ولاية، فاعتزل لأجل ذلك من غير أن يرضي ذلك أمير المؤمنين وأقام أياماً وولى الأمير جمال الدين علي بن القاسم بن جعفر بن الحسين بن أبي البركات بن الحسين بن علي بن القاسم، ترجمان الدين عليه السلام، وهو يومئذ حدث السن، وأقام الإمام عليه السلام في حصن حلب المحروس وقد كان أمر بلزم موضع إلى جنب حصن بكر يضر بأهل بكر إذا عمر، وأمر أهل بيت متعين بالحلول فيه ووقعت حرب بينه وبين أهل بكر، والأمير أحمد بن يحيى بن حمزة في تلك الحال في الضلع في جانب القوم وغزا أهل بكر في تلك الأيام إلى تحت حصن حلب المحروس فقتلوا رجلاً عظيماً مجاهداً مع أمير المؤمنين وهو من الكرد يقال له: محمد بن عمير بن صالح، فاغتم الإمام بذلك ولم تمض إلا أيام قلائل حتى ندم الأمير شمس

الدين أحمد بن يحيى بن حمزة وعاد إلى الإمام واعتذر ورجع وتاب وأخلص وحسنت طريقته، والحمد لله رب العالمين، وأقام أمير الؤمنين في حلب المحروس من شهر رمضان المعظم في سنة اثنين وخمسين وستمائة إلى أيام مضت من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وخمسين وستمائة، وجرت نوبة الحشيشي وهذا موضع ذكرها وسببها وما قيل فيها من الشعر.
(قصة الحشيشي لا رحمه الله تعالى واختلاف الروايات في سبب وصوله)
قال السيد شرف الدين يحيى بن القاسم رضي الله عنه: ونحن نبرأ إلى الله تعالى من اختراع الكذب ونسأله التوفيق للصدق، والسبب في ذلك أن أمير المؤمنين المهدي لدين الله لما عظم شأنه عند ملوك الأرض خاف كل منهم على ملكه فاستغاث صاحب اليمن بخليفة بغداد، وأمكنوا في كيده بالسمومات وغيرها من أنواع المكر فدسوا عليه الحشيشية وهم فرقه من الملاحدة القرامطة المعطلة قوم يأتون من تخوم بلاد خراسان يعزيهم أهل تلك النواحي إلى بلد تعرف بالموت في نواحي الديلم لا يسكنها إلا [117ب-أ]الباطنية المعطلة أعداء أهل الإسلام، ولهم ملك معروف يستعبدهم حتى يعتقدون وجوب طاعته في كل أمر فيدسهم على الملوك ويأخذ بهيبتهم قطائع جليلة من الملوك.

قال السيد شرف الدين رضي الله عنه: أخبرني من لا أتهم أن هؤلاء إذا أتي بهم إلى صاحب الموت أدخلهم داراً قد أعدها لهم فيها أنواع الفواكه والملاذ والمآكل النفيسة الطيبة والأنهار المطردة فيرون شيئاً لم يرون قبله ولا يدخلون تلك الدار إلا بعد أن يسقوا شيئاً من المسكرات تزول معه عقولهم فلا ترجع معهم عقولهم إلا في تلك الدار ثم لا يخجون عنها مدة فإذا أراد أن يدس واحد منهم أو جماعة أمرهم فسقوا شيئاً يزول عقولهم ثم يخرجوا فإذا أخرجوا تركوا في أخس مكان حتى يرون من الهوان ما تقطع قلوبهم معه حسرة لفقد ما كانوا عليه، ثم يدس إليهم يسألهم عن حالهم فيقولون لا ندري كنا في دار كذا وكذا من النعم ثم صرنا إلى هذه الحالة من الهوان فيقول لهم: فإني أدلكم على أمر ترجعون به إلى دار أعظم مما رأيتم، فيقولون: وكيف لنا بذلك؟ فيوتى بهم إلى تلك الدار التي كانوا فيها فيمتلون فرحاً ويفتح لهم باب إلى شيء ينظرون من بعيد بينهم وبينه حجاب من زجاج ومن وارئه صور ناس عليهم أنواع الملابس وحولهم من الملاذ وحلي الذهب، والفضة، والجوهر، وتصاوير الأطيار وأشياء عظيمة يفتتنون بها ويصبون إليها ويستصغرون تلك الدار التي كانوا أعجبوا بها، فيقول لهم القائل: أرأيتم تلك الصور؟ فيقولون: نعم، فيقول: ذلك فلان أمره مولاه أن يقتل فلان الملك فقتله وقتل وانتقل روحه إلى هذه الصورة ثم هو في هذه النعمة أبداً، فإن أردت تنال هذه الدرجة فامتثل أمر مولاك؟ فيقول: حباً وكرامه، فيقول: إن حدثت نفسك بالسلامة بطل أجرك وغضب عليك مولاك أبداً وتنتقل إلى دار الهوان وتنتقل إلى روحك إلى كلب أو خنزير، أو غير ذلك أبداً، فيقول: كلا، وربما يختبرهم سلطانهم فيسيروا إلى الواحد فيرمي بنفسه من شاهق أو يقتل نفسه، وهذا ما نقل إلينا من هؤلاء القوم الذين لم يسمع مثلهم في الدنيا ودسيستهم على الملوك إما بأن يأتوهم في هيئة صانع من الصنع النفسية الغريبة، وإما في هيئة

الغرباء والصوفة، وإما في هيئة المماليك الذين يباعون فيبيع الواحد منهم أخاه أو أباه ممن يريد قتله من الملوك، فمنهم من يقتل بسكين تسمى الخوصية المحكمة الصنعة طولها نحو من ذراع بمقبضها مستقيمة مسمومة، ومنهم من يقتل بهيئات على هيئة الإبرة أو على الحسكة من الحديد المسمومة ويقيم الواحد منهم السنين الكثيرة حتى تمكنه الفرصة ممن يريد، ولهم حيل ويدخلون على الملوك الذي لا يبلغ إليه أحد سواهم ولم يعلم بدخلوهم اليمن على أحد من الملوك قبل إمامنا إلا أن يكونوا غير قاصدين لأحد، هذا فيما ظهر[118أ-أ]. والله أعلم.
قال الراوي: والسبب في وصول الحشيشي إلى اليمن أن سلطان اليمن في ذلك الأوان وهو يوسف بن عمر بن علي بن رسول لما قام في حرب الإمام عليه السلام كتب إلى الخليفة وأعلمه بما هو فيه من المدافعة عن ملك الخليفة فكتب إليه الخليفة وهو المستعصم بن المنتصر بن الناصر صاحب بغداد كتاباً وأمر إليه رسولاً وأموالاً وملابس نفيسة وعقد له السلطنة في اليمن وولاه من تحت يده فطال بذلك، فلما كان في أيام طلوع هذا السلطان إلى صنعاء وخروج الإمام عنها وجه رسولاً إلى الخليفه يقال له: ابن أبي الفهم، فأمر الخليفة إلى صاحب الموت فوجه إليه بحشيشين أحدهما: رجل قد طعن في السن أعور العين طويل القامه جليل المشاش شيطاناً مريداً، والآخر غلام حدث السن في سن الشباب كامل الخلق، واسم هذا الشيخ فيما حكى: يوسف بن حسن، زعم أنه من الموصل. والله أعلم.

فلما وصل هذا الرسول إلى زبيد كتم السلطان أمر الحشيشين واستدعى رسولاً من الإمام وأظهر أنه راغب في الصلح فوجه إليه الإمام القاضي التقي المخلص يحيى بن الحسين بن عمار من أهل الدين والعلم والحزم والثبات في أموره وأمر أن يدري بأمر السلطان فإن كان صادقاً كانت المراجعة والعمل معلوم وإن كان غير ذلك لم يكن قد ظهر وهو عليه السلام مقيم في حصن حلب وفي خلال استدعاء السلطان للرسول من عند الإمام وجه الحشيشين مع ابن أبي الفهم إلى صنعاء وأمر لهما بالملابس النفيسة والمركوب ولم يدر أحد بهما وأظهر أنهما رسولان مشرفان على خزائن الحصون أو نحو ذلك، فلما وصل ابن الفهم إلى صنعاء التقاهم السلطان أحمد بن علوان بن بشر بن حاتم بن أحمد بن عمران بن أبي الفضل اليامي وهو خاصة السلطان وبطانته وموضع سره وأمانته فأسر إليه ابن أبي الفهم الأمر، ووصل كتاب السلطان وظهر من أمرهم أن هذا ابن أبي الفهم وصل بخزانة وأنه يريد الصلح بين الإمام وبين السلطان وأن هذين الرجلين شاهدين أو نحو ذلك، وربما أظهروا أن تسليم حصن كوكبان للإمام وأن يؤخذ عوضه حصن هداد للسلطان وانتشر الكلام ومالت خواطر الناس إلى ذلك واضطرب أسد الدين ذلك الأمر راجع نفسه من مكر أو خديعة، وتقدم أحمد بن علوان والحشيشيان إلى حصن كوكبان وأظهروا للوالي تسليم الحصن، فاضطربت أموره، وأظهروا افتقاد الخزائن والشحن، وكاتب ابن علوان الإمام وأراه الرغبة من السلطان في الإصلاح وأظهر أنه يريد الوصول وأنه يطلب الرفاقة والذمة الأكيدة، فلم يبق عند الإمام عليه السلام شك في رغبة القوم في الصلح وأن وراءهم أمر هم عليه، فامر بالذمة فلم يلبث أن قدم الشيخ الحشيشين ومعه رجل من [118ب-أ ]مولدي الغز يقال له: ابن لبابة، يقال أنه خدع في صحبة الحشيشي، والظاهر يحكم عليه بالبغي والعدوان، فوصل الرجلان آخر يوم الخميس وهو السادس من ربيع الآخر ثلاث وخمسين وستمائة، فأمر أمير المؤمنين بإنصافهما

36 / 56
ع
En
A+
A-