[من كرامات الإمام]
قال الأمير عبد الله المذكور: وكنت أختص بعمي هذا ولا أفارقه ووصلنا من ذيفان أخبار الصيد وقيامهم مع الإمام عليه السلام وغزوهم مواضعنا وأطرافنا، فكنت أقول لعمي: نعود جهاتنا [ق/452]ونقاتل عن بلدنا وقطائعنا وهو لا يرضى شيئاً من ذلك ويتعلل علي فشكوت على الأمير التركي واتفقت معه أنه يكتب لي إلى طاغيتهم سنان لعنه الله أن يجهز معي محطة إلى المنجدة من أعلى البون المتصل بذيفان حتى نحفظ البون وما إليه، ففعل وأرسل معي الباشا سنان لعنه الله عسكراً مع رئيس عليهم وقد أغضبت عمي فقل طمعهم من بلادنا، ثم إنه بلغني أن الصيد يحتاجون الأسواق والحوائج من جهات المغارب فيجتمعون إلى ثلاثين أو أربعين نفراً ويقطعون البون إلى بلادنا، فقلت في نفسي لما فيها من عداوتهم وبغضهم لو كمنت لهم في البون وأشفي صدري بقتل ما قدرت عليه منهم فإنما هم أهل سفر لا حالة لهم وأقطع أني أقدر أقتلهم لما أجد في نفسي من القوة وما قد خالطني من عداوتهم مع أن لي فرساً لا نظير لها في ذلك الوقت، فكمنت ليلة ثم أخرى ولم أجد منهم أحداً، وفي الثالثة أو الرابعة نظرت سواداً مقبلاً من جهة الصيد حزرت ذلك سواد أربعين رجلاً فاستفرهت فرسي وتأهبت لهم، فلما قرب مني ذلك السواد فإذا هي دابة عظيمة كأنما هي البيت القصير المتوسط لها عنق ليس بالطويل، وعرض ظهرها وطولها نحو من عشرة أذرع أو يزيد على ذلك تمشي رويداً ولها حركة، قال: فقلت وهذه قتلها مفخرة أحوزها فحركت فرسي للحملة عليها ويممت الرمح معظم سوادها، فلما قربت منها رفعت أذنيها كأنما كل واحدة إهاب شاة ففرت
الفرس من تحتي لا أملكها حتى جاوزت غلوة شوط الفرس، ثم أعدتها فعادت كذلك ثم لا زال كذلك مني ومنها حتى تعلقت هذه الدابة جبل الكلبيين من جهات صيحان، فلما صعدت الجبل ترامى من حافرها الشرر ونزل من الجبل حجارة كل حجارة منها كالشاة فأخذتني رعدة وفشل، وعدت موضعي ولم أعد لمثل ذلك ولا تعرضت بعدها إلى ما يكره الإمام عليه السلام وأخبرني أنه لما أخبر الإمام عليه السلام بهذه الآية وقد عرفه أن مثل هذه لا نعرفها لا في بلادنا ولا في غيرها وإني أعرف الجبال المذكورة ما أعلم فيها بمغارة تواري هذه، قال: فقال الإمام عليه السلام: هذه يا ولدي مما علمه الله ولا يعلمه الخلق جعلها لك موعظة وذكرى وحماية لك مما كنت عزمت عليه، قال: وقال السيد الحسن مثل ذلك وزاد بأن ذلك [ق/453]من كرامات الإمام عليه السلام، وذكرنا هذه الكرامة بطولها عبرة وتذكرة. انتهى.
[ولاية أحمد بن الإمام القاسم على صعدة]
وفي بقاء مولانا الإمام عليه السلام في وادعة وهذه الأيام لم يتقيد أهل الشام للسيد شمس الدين أحمد بن المهدي رحمه الله وكادوا يفسدون عليه صعدة وأدلوا عليه بأنهم الذي فتحوها من غير الإمام عليه السلام وكثرت مطالعته إلى الإمام عليه السلام بمثل ذلك حتى استرجح الإمام أن ولى ولده مولانا أحمد بن أمير المؤمنين أطال الله بقاه فحفظها وقمع مردتها وغزا الأطراف حتى استقامت له، وقد عهد إليه الإمام عليه السلام في مثل ذلك، ولا بد من ذكر ما تيسر من جمل أخباره فيها إن شاء الله تعالى.
[أخبار الوالي محمد باشا]
فصل: في أخبار جهات الحيمة وحضور جهات آنس وحراز في هذه النهضة الرابعة، فذكرنا استيلاء حي الشيخ المجاهد عبد الله بن سعيد الطير رحمه الله على حضور مع الحيمة وأن السيد العلامة أحمد بن علي الشامي أطال الله بقاه كان على نصف الحيمة، والنصف الآخر وحضور إلى الشيخ عبد الله، وكان القاضي عماد الدين يحيى بن أحمد المخلافي منضماً إلى الشيخ عبد الله وإليه بلاد، ولحق به الشيخ محمد بن عز الدين البروي في آخر الأيام وصارت إليه بلاد بنظر الشيخ المذكور وعظم جانب الحيمة على الترك أخذهم الله، فلما وصل محمد باشا وكان من شياطين العجم وذوي تدبيرهم بحيث أنه وضع في نظم الأمور ما يضرب به المثل، ولقد كان يخبرني حي مولانا الحسن رضوان الله عليه بعجيب وكذلك غيره، وكان كاتباً بليغاً وينظم أرزاق العسكر بيده وكان كثير المال، مما أخبر عنه أنه كان ينفق على العسكر من ماله الذي وصل به من مصر.
وأخبرني حي الأمير سنبل رحمه الله بمثل ذلك وقال: لا يختلط معه مخزان المخرج والمدخول ويصف من نظمه دنياه عجباً، وهو الذي وسع ما كان أسس من تأليف من يخافه بأن يكتبه جامكية ويفسده حتى يصير من أعوانه، ولذلك إنه أغلق باب جهات القبلة بمن فيها من الرتب لأنه جعل جوامك كما تقدم لأهل البلاد وكذا خولان، ثم إنه صرف همته إلى جانب الحيمة فأمر وزيره الأمير دمر الخارج معه من مصر وجماعة الأمراء مثل الأمير محمد بن سنان وكان من ملوكهم وأبوه سنان معروف بالظلم [ق/454] والعتو، وكان هذا تلو أبيه في خصاله، وكان كثيراً التوابع والمال، ومنهم الأمير خضر، ومنهم الأمير سهيل، ومنهم الأمير إبراهيم الداعي، ومنهم من الأشراف الأمير محمد بن عبد الرحمن وغيرهم، ثم مشائخ جهات اليمن وآنس حتى روي أن الذي طلع حضور ستة آلاف من غير الخيل، ولما بلغ السيد شمس الدين أحمد بن علي والشيخ المجاهد عبد الله بن سعيد الطير جمعوا له قبائل الحيمة واجتمعوا إلى بركة متنة من سهمان، وتعاقدوا وتعاضدوا أنهم يداً واحدة لقتال العدو، ووصل لهم رايات وأحمال باروت ورصاص من الإمام عليه السلام وطلع العجم وألفافهم إلى بيت ردم وزحفت إليهم جنود الحق، وكانت حروباً شديدة ثم غلبتهم الخيل فانتقلت المراتب الإمامية إلى جانب بني مطر بشطوان وبيت الجهراني المسمى شعبان، فكان فيه الشيخ المجاهد علي بن عبد الله الطير والشيخ المجاهد عبده ركبة الكشري، وكان نادرة في الرمي وغيرهم، وإليهم عيون مثل القاضي شمس الدين أحمد بن عامر الذماري وغيرهم، وفي يازل من بني سوار القاضي المجاهد عماد الدين
يحيى بن أحمد المخلافي وإليه عيون من قبائله، وبلد القذف فيه الشيخ جمال الدين علي بن عبد الله المنامة وعيون قبائله بالأحبوب، وبنو السياغ عليهم الشيخ الكامل وصنوه الشيخ غانم العجلي وداعر في الحازة فيه قبائل بني مهلهل وبنو عمرو وبنو النمري وحلفاؤهم، ومثل بيت شعيب فيه بلاد القبائل ومن أسفال الحيمة من بني يوسف، وبني الحذيفي وحجحج وبني حجاج وغيرهم، فتقدم العجم إلى بيت الجهراني بالمدافع وحاربوه أربعة أشهر وأياماً حتى هدموا منازله، وكان المدافع والزبرطان يثقب الدار، وانقسم أهل المركز منهم من يرمي من موضع الثقب، ومنهم من يعمره حتى طال عليهم، وقد ملك العجم شظوان بعد حروب كثيرة وكان المجاهدون يحصرونهم حتى تمدهم الغارة من بيت ردم، ولما طال عليهم ذلك تأخرت المراتب التي في جانب بني مطر إلى بلاد الثلث وما يقرب منه، وتقدمت العجم بجميع محاطهم إلى بركة متنة أعلى قاع سهمان، وكانوا يتشرعون للحرب على القذف وهو أقرب مرتبة إليهم حتى يحيطوا به، ثم يجتمع المجاهدون إلى السيد أحمد والشيخ عبد الله ثم يحملون عليهم ويهزمونهم إلى المحطة، وكانت هذه المراكزة أكثر من تسعة أشهر وقد يسرحون إلى غير القذف ويعودون كذلك حتى ضربت [ق/455] الأمثال بأهل القذف.
[ذكر اختلال الحيمة وأسبابه]
وذلك أنه كان بينهم اختلاف بسبب حصن يناع ووقع في أيام استقرار الشيخ عبد الله الطير في حضور والسيد أحمد في الحيمة اختلاف كثير وحروب، وتداعت الأحلاف حتى قيل: إن بسببهم اختلفت القبائل إلى بلاد الجوف والمغارب، وكان أصل ذلك أن الحصن هذا صار إلى السلاطين ثم إنهم خرجوا منه فبعضهم صار إلى بني السياغ، وبعضهم إلى بني مهلهل وهما صفان يعني بني مهلهل صف، وبني السياغ صف، ثم إن رجلاً من السلاطين الذين في بني السياغ يسمى الأسد غدر بأصحابه السلاطين من بني مهلهل وسرق عليهم الحصن، فاختلف القبيلتان لأجل ذلك وحصل الضرر على بني مهلهل، وعظم بينهم ذلك حتى أن الترك لما خرجوا عليهم أصلحوا وتعاهدوا وتعاقدوا كما سبق، وكان منهم ما تقدم من الجهاد ويعطي بينهم الاختلاف، ثم إن صاحب يناع غزا على سبيل الغيالة بني مهلهل لغارات فشكى بنو مهلهل على صفهم كأهل المخلاف، وبني سليمان وبني شهاب وغيرهم وبني عمرو ففتحوا على مشائخ الصف الآخر، فأجابوهم جواباً حاصله: إنا على عهد وكذا ولم ينفعوهم بما أرادوا حتى يقال إنهم أعادوا إليهم خطاباً في ذلك فأجابهم بنو السياغ على أنا في الجهاد والسلطان عندنا فالله أعلم أن شكواكم من أمراته أو كما قال، فعظمها يعني الكلمة الهوى وأساس العداوة وزخرف شياطين الإنس والجن، وصار إلى الترك الشيخ محمد بن عز الدين البروي فأعطوه وضيفة آغا من أغواتهم وجعلوه مقدماً لهم فأفسد غيره من ذلك الصف، ثم كاتب الأشرار إلى الباشا إلى صنعاء أن يرسل إليهم الشيخ الشقي قاسم الجرمي لعنه الله قاتل الحماطي فأرسلوه إلى
كوكبان، ثم انحدر إلى أسفل جبل تيس، وخرج إلى أسفل الحيمة إلى موضع من بني عمرو يسمى نعام وصار إليه كثير من ذلك الصف وكتبهم عسكراً والعجم يمدونه بالمال حتى خلص له خمسمائة نفر من بني عمرو ومن إليهم، ومع ذلك الحرب قائمة والمخلصون من الصف المذكور ومن الصف الأعلى أصحاب الشيخ علي المنامة ثابتون في الجهاد ويحاربون أعداء الله ومن إليهم، واليد فيها لجنود الحق.
[ذكر استشهاد الشيخ المجاهد الصابر عبد الله بن سعيد الطير رحمه الله]
قد تقدم أنه كان في قرية جبل بيت خولان وكذلك السيد أحمد عافاه الله تعالى في الجبل فإذا أحاط العجم والعرب [ق/456] في مرتبة القذف أغاروا فأفرجوا عنهم وهزموا العجم هذا دأبهم، فكان في بعض هذه الأيام وقد تعاقد العجم على الوصول إلى القذف والدخول على الرتبة لو يهلكون على آخرهم، ولما أحاطوا به بمثل العادة أغار الشيخ جانباً والسيد أحمد جانباً، وكان أمر ليس بالهزل فلا زالوا حتى هزموا جنود الظالمين، والشيخ رحمه الله مشهر نفسه ويقاتل، فوصله رصاصة من بنادقهم مع هزيمتهم وحمله المجاهدون فما رآه حين صرع إلا الشيخ علي المنامة، وقليل من الخواص فوضعوا عليه ثوباً وستروه عن أعين المجاهدين، فهزموهم على العادة حتى أدخلوهم مخيمهم.
أخبرني الفقيه أحمد بن علي العلفي من السكون في سر بني الشقاق من الأحبوب أنه رآه على حال صرعه رحمه الله ولم يثبته معرفة لشدة الأمر ، قال: ثم رأيت الشيخ علي المنامة رحمه الله ممسك بقدميه وهو ساتر عليه بالثوب ويبكي وقد جعل قدميه في وجهه وهو يقول فيما بين ذلك: لا أبكي عليك وإنما أبكي على ديني فإني لا أصبر بعدك لأحد أو كما قال، ولما بلغ الترك أخذهم الله أظهروا البشارات في جميع محاطهم وفي صنعاء.
وأما أصحابه رحمة الله عليه فلما توفي أرسلوا لولده الشيخ المجاهد علي بن عبد الله الطير وكان تلو أبيه في الجهاد، وله قراءة وفقه ومجالس، فلما وصل عزوه بوالده، وقبروه في قرية بيت خولان وعقروا عليه وحلفوا لولده وعرفوا الإمام عليه السلام فصوب فعلهم وقرره، وكان الحرب على الظالمين ولم ينالوا خيراً، هذا وبنو عمرو والجرمي على تلك الحالة فلا زال حتى دخل المخلاف وكاد يخرب المراتب من وراءها بمن قد اجتمع له وهم كثيرون، والصف الأعلى قد بذلوا النصيحة التي لا وراءها لئلا يقال: بنو فلان نقصوا عن مقامهم في الجهاد، وأن أصحاب الجرمي أقدر منهم على الظهور والتأثير، وكان [قد] وضع الترك أخذهم الله لبني عمرو وبني مهلهل ومن إليهم إرجاع يناع إليهم وكذا، فبلغني من كثير من أهل الحيمة أنه اجتمع كبراء الصف أصحاب المنامة وقالوا: الآن غلبنا ثم اتفقوا على أن الشيخ غانم السياغي العجلي يتقدم يواجه الأمير محمد بن سنان، ولا يصل إلى عند أمير العجم المسمى دمر، ففعل فعظم ذلك على دمر، وشمخ به، وبمن وصل معه الأمير محمد بن سنان، ثم استدعى أنه يصل إلى الباشا محمد بمسارة الأمير محمد بن سنان فطلبه الباشا، فلما وصل إليه قال: أنا رسول الشيخ علي [ق/457] المنامة، وكان قد عظم ذكره وعلا صيته عند العجم يعني الشيخ علي المنامة: وقال: لا يمكن أني أواجه ودمر كيخيا على هذه العساكر فإنه لا يعرف حقي ولا ولا، فعجل الأمر إلى الأمير محمد بن سنان وعزل دمر، فلما صار الأمر إلى ابن سنان هبط المنامة ومشائخ الصف الأعلى إليه، وأخرجوا الشيخ علي الطير إلى أسفل بلادهم، ثم