فصل: وأما أخبار بلاد الظواهر، وبلاد حاشد، وبكيل، وبلاد خولان، وبلاد سفيان ومحطة عيان فإن الإمام عليه السلام جهز إلى بلاد خولان الحاج شمس الدين أحمد بن عواض رحمه الله، فلما وصل إليها اختلفوا عليه فوصل إلى الإمام عليه السلام منهم طائفة ودخل صنعاء عند العجم طوائف وقد أشرنا فيما تقدم أن السيد محمد باشا أفسد كثيراً من القبائل بأن كتبهم جوامك، وجعلهم كلهم عسكراً لأجل أن نفعهم لحفظ بلادهم آكد، فممن اصطنع من القبائل خولان الثلاث القبائل بني حبر وبني شداد وبني سحام حتى بلغهم عددهم قريباً من الألفين وجعل عليهم الأمير حسين بن محمد الجوفي الحمزي وأمير من العجم، حتى لقد كان الأشرار يصلون من بيوتهم جبل اللوز ويقبضون جامكية كثيرة ولا يباتون إلا في بيوتهم.

وروي أنهم يغفلون ويسافرون ويستأجرون من يقبضها لهم والعجم يعرفون ذلك حتى لم يبق إلى الحاج أحمد [رحمه الله] التفات ومثلهم وأكثر منهم الكلبييون من الظاهر وبني صريم وأن الرجل صار يكتب ابنته جامكية ويسميها ولداً في الدفتر بأن يحذف هاء التأنيث من نحو سعيدة، فصاروا منهم وحفظوا بلادهم من جنود الحق وقتلوا دونها كما سيأتي قاتلهم الله، وكان وصل الإمام عليه السلام الأمير المسيح ابن المطهر بن ناصر الحمزي من الجوف حابساً نفسه للجهاد في نحو من ستين فارساً فقام به الإمام عليه السلام وقد كان الإمام عليه السلام جعل البلاد التي كانت بنظر القاضي الهادي رحمه الله بنظر القاضي الأعلم جمال الدين علي بن أحمد بن أبي الرجال، وقد صلحت به البلاد، وأمره الإمام عليه السلام لهذا الأمير بالطاعة فصار إليه وامتثل فيه أمر الإمام عليه السلام وطلع من بني قيس إلى الحيري من آل أبي الحسين، وقصده العجم من خمر والأمير علي بن المطهر بن الشويع فقاتل يوماً وقتل من أصحابه نفر من الأشراف، (وانقضت حالته) على هزيمته إلى بني قيس ونهبت أثقاله وبقي أياماً، ثم عاد إلى موالاة الترك، ثم صار إلى ابن عمه الأمير حسين إلى جبل اللوز، وبقيت بلاد المشارق قبل هربه تضطرب.

وأما بلاد سفيان ومحطة عيان فقد تقدم أن الأمير عابدين بن مطهر واثنان من أغوات العجم كانوا رتبة في عيان أيام جعفر باشا وأيام الأمير حيدر والأمير صفر فأفسدوا قبائل سفيان حتى كتبوا منهم نحو ألف نفر [ق/447] كما تقدم من خولان والكلبيين، فخاف الإمام عليه السلام على صعدة، وقد جعل أيضاً أهل بلاد خيوان رتبة مع الشريف أبي الغيث بن [.........] من قرابة الأمير علي بن مطهر، والأمير عابدين بن مطهر وكان [قد] هرب من عند العجم إلى عند القاضي الهادي رحمه الله أيام جعفر باشا، وغزا مع القاضي الهادي ونصح، ووقع فيه صائبة في غزاة جرف عبلة من أسفل السر من بلاد ذي مرمر فإن هذه الغزاة قل مثلها لأنها قريبة من الباشا جعفر وكان مخيماً في روضة صنعاء فحصل من هذا طيبة نفس الإمام عليه السلام عليه فولاه بلاد خولان وخيار وبني قيس، وأمره بحفظ الطريق في ما بين خيار وعيان فخان الله سبحانه وتعالى وكاد يفسد البلاد ويجمع خيلاً إلى عيان، ثم يستعيدون صعدة للعجم، وقد اجتمع بخاله الأمير عابدين سراً وقدم إلى حوالي صعدة فبسط له السيد شمس الدين أحمد بن المهدي رحمه الله حتى دخل صعدة وهو لا يعرف أن السيد أحمد قد عرف ما هو عليه، ثم قبض عليه وعرف الإمام عليه السلام فأمر بأخذ سلاحه وفرسه وهي من شرائف الخيل قل مثلها، وطرده الجوف ولم يلبث إلا قليلاً بعدها، وهلك هنالك، فأرسل الإمام عليه السلام لحفظ ذلك المحل السيد أحمد بن محمد الطويل والسيد عبد الله بن الهادي الرحبي، ثم خاف الإمام عليه السلام من هذه المحطة في عيان أن يستفحل أمرها وأن غيره لا يؤثر فيها فإنه

قد أفسد أهل المشارق بالعطاء فاستعان الله سبحانه وتعالى، وطلب الحاج شمس الدين من خولان بلقاه، وكتب إلى السيد أحمد بن المهدي والسادة في الشام وإلى القضاة أهل برط ونواحي المشرق، وأبقى ولده صفي الدين أحمد بن أمير المؤمنين حفظه الله في شهارة، وكان قد ولى على المشرق الشيخ واصل بن علي السيراني عافاه الله، ثم خرج والمراتب كلها على مولانا محمد رضوان الله عليه فتقدم إلى الهجر وجهز الأمير مطهر بن عبد الرحمن إلى حجة كما تقدم، وكانت القضايا المذكورة ووصله إلى الهجر الشيخ صلاح بن محمد الغشمي من غشم المسيجد، وكان مع العجم معظماً، وكان تلو الشيخ أحمد الشامي صاحب الفصيرة الآتي ذكرها هارباً إلى الإمام عليه السلام وطلب من الإمام عليه السلام الإعانة ويلزم بيته على العجم ويعمره، ففعل الإمام عليه السلام وكتب إلى السيد شمس الدين أحمد بن محمد المحنكي الحيداني وغربان أنهم يعينونه ويمدونه ففعل وفعلوا وعمر بيته وغزاه الترك مراراً وهو يحفظ [ق/448] نفسه ويقتل منهم، ثم تأتيه الأمداد من غربان والمراتب الإمامية، وتم على ذلك حتى حصل الصلح الكبير، واتفق في الهجر قضية سمعناها من غير واحد ولا أعرف أسماء أهلها ولا كنت شاهداً إلا أن الإمام عليه السلام طلب بزاً ودراهم قرضة من بعض تجار الهجر فاعتذره ثلاثة أنفار وحملوا دراهمهم وأرادوا النزول تهامة فوصلوا إلى خارج الهجر قريباً من غربي عذر وعميت أبصارهم فلا يهتدوا فصاحوا بالحي وهم قريب أن ردونا فردوهم فتوسلوا إلى الله سبحانه بالإمام عليه السلام ودعا لهم فشفاهم الله تعالى وأعانوه بما أمكن، وتقدم

إلى موضع يسمى الرحضة من أعلى سفيان، وكان حي الفقيه الفاضل عماد الدين يحيى بن صلاح الثلائي من قواعده مع أصحابه أنه يلزم أحد الفقهاء يمضون على الراتب كل ليلة أحد وأربعين شرفاً سورة يس ومن قوم سورة الفيل، ولما علم بخروج الإمام عليه السلام إلى هذا الموضع وجهات سفيان وهو يعرفها فبقي حائراً متبلداً شجناً على الإمام عليه السلام ثم ثنى الراتب، وكان كثيراً لا ينام حتى وصل الخبر بطلوع الرحضة فرأيته يعيد ذلك على الرسول ويقول: ظهر الإمام والحمد لله رب العالمين، فلما وصل الإمام إلى هذا الموضع وصل السيد شمس الدين أحمد بن المهدي بأهل الشام والأمداد الكثيرة وأهل برط وجهات المشارق، [ووصل الحاج شمس الدين كذلك بجمع من بلاد سفيان وغيرهم] فلما تكاثرت المراكز حول مدينة عيان وأحاطت المراتب خاطب الأمير عابدين إلى الإمام عليه السلام أنه يفرج عنه ويخرج الجوف بمن معه من عسكر الترك، وكان عليهم حمزة آغا وآخر خفي علي اسمه فأجابه الإمام عليه السلام إلى ذلك ورآه الصواب فإنه خاف من طول المقام اختلال ما بعده ومع المباشرة للحرب خاف افتراق سفيان واختلالهم فإن عسكره من عيونهم فعرفه الإمام عليه السلام على أنه ينزل الجوف وطلب من الإمام عليه السلام أربعمائة جمل تحمل أثقاله ومن معه، فحصلها له الإمام ثم يخرجون من الجوف بيحان ثم رداع من مشارق اليمن، فلما ذهبوا تقدم الإمام عليه السلام ورأى خراب هذه البلد، وكانت فيما يقولون حصينة على باب فهدمها ووجد فيها خموراً كثيرة، وعدل السائلة العظمى إليها ولم يبق إلا المشهد المقدس مشهد القاسم بن علي عليه

السلام وهو خارجها المعروف بمذاقة، ولقد أخبر البريد أنه كان يباشر الخراب بيده الشريفة ويقرأ {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ}، وكان خرابها [ق/449] في شهر القعدة سنة ست وعشرين وألف[أكتوبر 1617م]، ثم توجه إلى بلاد وادعة بجموع كثيرة من أهل المشارق وصار إلى قرية الأشطوط من بلاد الصبيحات وكتب إلى غربان وطلب الفقيه عماد الدين يحيى بن صلاح للاجتماع إلى غربان، ثم يكون القدوم على محطة خمر في يوم واحد وقد فرق للقبائل رايات، وأرسل السيد الطاهر العلامة محمد بن علي بن عشيش رحمه الله ليصلح ما بين عيال قاسم وعيال الأمير من غربان فوصل وفعل ذلك، ثم اجتمع غربان وعزموا إلى المسيجد وهم نحو من ثمانمائة عسكراً مع السيد أحمد بن محمد المحنكي والفقيه يحيى بن صلاح على أصحابه، فلما جاوزنا المسيجد نريد القرب من محاط الإمام عليه السلام حتى اتصلنا بخيران من أقرب موضع من محطة حمومة، وتظهرنا وونحن ننتظر محاط الإمام عليه السلام وإذا بالتعشيرة في المحطة والبيارق منشورة نراها في محطة حمومة فاختلج علينا الأمر، وإذا برجل من غشم يخبر السادة الذين يعرفهم ويعرفونه بصوت مرتفع: لا يغرونكم فإنما الرؤوس الذين أخذوا ثمانية عشر رأساً وكذا، فإذا الإمام عليه السلام قدم السيد عز الدين محمد بن عامر بن علي (رحمه الله) ، والسيد الحسن الشامي الواصل بغارة من قبل السيد أحمد بن المهدي رحمه الله فأشار عليهم من أشار بطلوع العسكر أول الليل إلى وادي دماج، ولما صح لأهل خمر طلوعهم إلى ذلك الموضع، والحاج شمس الدين في جبل صبيح وكان

في خمر عدة أمراء عليهم أمير يسمى شالق مصطفى فيقال إن المشير عليهم الأمير علي بن مطهربن الشويع إنكم اغزوهم إلى الوادي في الليل قبل أن يجتمعوا عليكم، فتجهز إليهم أمير وعسكر في الربع الأخير من الليل فألفوهم آمنين لا يخطر ببالهم أن العجم تقصدهم وإنما هم في انتظار الدخول عليهم محطتهم، فأوقعوا بهم وهزموهم واحتزوا رؤوساً من القتلى أكثر مما ذكره العشمي، وانتهبوا المحطة وما فيها وبغل السيد الحسن.
وأما الحاج شمس الدين فأغار عند طلوع الشمس إلى الحشحلش ففاتوه فانتهب من قراش أهل الحشحلش، وجموع غربان رجعت المسيجد، فلما بلغ الإمام عليه السلام أغار بنفسه حتى طلع قيهمة من أعلى بني مالك ووجد الناس قد تفاشلوا ولم يكونوا عسكر حرب إنما هم غارات مجموعة فإن عساكره عليه السلام من بلاد بني حيش وحجة ولاعة كما تقدم ذكر ذلك، وكان عسكر الترك أخذهم الله في خمر فوق ثلاثة آلاف قصبة بندق من غير أهل البلاد والخيل [ق/450] والعرب فيكونوا قريباً من خمسة آلاف، فرجع عليه السلام وتردد في وادعة كما سيأتي إن شاء الله تعالى واتهم وادعة بعض كبرائهم بأنهم أعملوا في الهزيمة فحلفهم الإمام عليه السلام طيبة لنفسه ونفوس وادعة.

[أخبار ذيفان]
وأما قضية موالاة أهل ذيفان ورتبة العرقة من أعلى الصيد فإنه اتفق على الأمير ناصر بن حمزة الذيفاني من الأمير محمد خمخم ما أغضبه، وكان عنده رتبة من العجم فطردهم ونصّر للإمام عليه السلام وأرسل إلى بلاد الصيد وبني زهير فتقدم بهم القاضي جمال الدين علي بن أحمد بن أبي الرجال، وحفظوا ذيفان وقطعوا الطريق على محطة العجم، وغزا الأشراف إلى البون، ثم إن الأمير المذكور أرسل عليهم محطة من عنده من الصرارة، ثم خرحت أخرى من صنعاء وجمعوا عليهم فأخرجوهم من ذيفان بعد حرب شديد قتل فيه من الفريقين جماعة، وأخرج الأشراف أهلهم إلى العرقة أعلى الصيد مما يلي ذيفان، وكان في خمر عند شالق مصطفى بن عم الأمير ناصر الشريف الفارس عبد الله بن محمد وكان له مع العجم حالة فلما بلغه ما بين [ابن] عمه والعجم وقد كاتبه أن ينجا بنفسه إلى الإمام عليه السلام لا يؤاخذ بجريرته هرب إلى الإمام عليه السلام إلى شهارة المحروسة، وكانت هذه الفتوحات قبل خروج الإمام عليه السلام عيان فعظمه الإمام وكان هذا الأمير عبد الله في حكم الغافل عن الإمامة وطريق آبائه الكرام، فلما عرف الإمام عليه السلام ورأى أحواله الشريفة ومن عنده من الفضلاء أقبل إلى الله سبحانه وتعالى بالتوبة الخالصة وأذهب ما عليه من لباس العجم، وكان له أحوال طيبة، واستمر على ذلك كما سيأتي إن شاء الله تعالى وقد تقدم في ذكر غارب أثلة أن من أسرائها الأمير عامر بن حسن الذيفاني وابن أخيه أحمد، ولما صلح حال هذا الأمير عبد الله ضمن على الأمير عامر وجماعة مثل جوهر كاشف من أصحاب الأمير درويش

وأصله من عبيدهم، والشيخ محمد عجير المعروف بأبي وردة إلى نحو اثني عشر فارساً وأطلقهم الإمام عليه السلام من الحبس، وأحسن إليهم وأعطاهم سلاحاً وخيلاً ثم أرسلهم إلى الأمير ناصر.
وأما الأمير عبد الله فلم تطب نفسه لمفارقة الإمام عليه السلام ولهم في أيام بقائهم في العرقة بعض مغازي ثم انقطعوا من بلادهم وذهبت أموالهم فثقل على الإمام عليه السلام كفايتهم، وكانوا أهل سعة دائرة ولا يعرفون قانون الإمام عليه السلام [ق/451] فكفاهم الإمام وأعطاهم العطاء الجزيل، وكان فرحان كاشف قد صبغ فيه عطاء العجم وكان من الأشرار، فحملهم آخر المدة على الرجوع في الحافرة وذهاب الدنيا والآخرة، ولم يفعل لهم العجم غير أن أرجعوا لهم حصنهم، ثم تعقب فضيحتهم الصلح، ولما طلع الإمام عليه السلام إلى ظفار وذيبين لزيارة الأئمة عليهم السلام واستنهاض حاشد وبكيل، ووصله هذا الأمير حمزة وأنا شاهد ذلك، وأعطاه الإمام عليه السلام ما وصل له من النذور وغيرها حتى لقد حملوا على الجمال البر وغيره من غير النقود والسلاح، ولما تودع الإمام عليه السلام وقد وصل له من المشارق نذور من الغنم الكبار والضيافات فأمر أن يلحقوه ما بقي منها فكانت ستمائة رأس غنم من الكبار، واستمالهم هذا العبد حتى خسروا الدنيا والآخرة، ولقد كان الإمام عليه السلام يحمل لهم الطعام من شهارة إلى العرقة كل شهر قافلة من غير ما يحصل من الصيد وجهاته.

وأما الأمير عبد الله بن محمد فاستقام على التوبة وأقبل إليها وظهر أثرها عليه، وكان كثير الملازمة للمسجد ووضائف الطاعات حتى توفي رحمه الله بعد وفاة الإمام عليه السلام بأشهر في درب الأمير من أعمال أقر، وأراد الإمام المؤيد بالله سلام الله عليه أن ينزل من شهارة للصلاة عليه فاستناب لذلك، وكان في هذا الأمير شجاعة وفراسة غير أنه غافل عن النظر في سبيل سلفه وثمرة تكليفه، ولقد حدث الإمام عليه السلام وكذا مولانا الحسن بن شرف الدين نفع الله به وغيرهما وسمعت ذلك منه أيضاً بغريبة وآية عجيبة أنه كان حي عمه الأمير الكبير الفارس الشهير حمزة بن أحمد الذيفاني بعد انقطاع دولة المطهر بن الإمام شرف الدين وأولاده صار إلى العجم وعظموه، ولما دعا الإمام عليه السلام وقد تولج في صنعاء وكثر أولاده فيها أمر ولديه ناصر والهادي بالمسير إلى الإمام عليه السلام وأن يجاهدوا معه على أنهما خالفاه، وكان لهما في القضية الأولى جهاد حسن وتأثير، ثم إن الترك أمروه بالخروج معهم لحرب الإمام عليه السلام فتعلل على الانتصاب في وجه الإمام عليه السلام فما قبلوا منه، ثم أخرجوه مع أمير للعجم يسمى أحمد شوبان إلى جهة ألهان.

98 / 109
ع
En
A+
A-