[المناطق الخاضعة لسيطرة الإمام التي أقرت في الصلح]
ولنرجع إلى تمام عقد الصلح، ولما وصل محمد باشا في سنة خمس وعشرين وألف [1616م] كاتب الإمام عليه السلام بتمام السنة التي عقدها جعفر باشا فقط والمراكز في مواضعها في المشرق والمغرب وجهات القبلة بجهة صعدة.
قال السيد أحمد نفع الله به: وطلب محمد باشا جهات حضور ووعد بإطلاق مولانا الحسن رحمه الله ومن معه فلم ير ذلك الإمام عليه السلام كما تقدم.
قلت: ورأيت للإمام عليه السلام مسودة في حدود البلاد التي وقع عليها الصلح الذي ذهب فيه جعفر باشا وهو صلح السنة، هذا ما نشعر بحاجته إليه وأنه الأنفع للمسلمين ومن ألفاظه إلى الباشا: أنتم أهل الإحسان والتفضل والمطلوب من البلاد الظفير ونيسا وما وراء ذلك من الشرف وغربان والمقعد، والموسم والعجر وما وراء ذلك من البلاد التي نحن فيها وبني زهير وخارف ما خلا الكلبيين والبطنة من بني جبر فلا سبيل لنا إليهم، ومن الذي نطلبه الحيمة وما إليها ومرهبة وبني قيس وشاظب وخيوان، ومن بلاد صعدة الحدود[غربي بني غوير وآلة يعقوب والأرقوك، وحطم فلله وما وراء هذه الحدود] من بلاد خولان ورازح، ثم ذكر ما بقي لهم من حوالي صعدة مع نجران وبلاد سفيان والطريق لهم، ثم قال عليه السلام: السلطان الأعظم أعظم أن يلحظ إلى هذه البلاد الحقيرة والوزير الأكرم أكرم أن [يشاح] على بلاد أهلها يطلق اسم الفقر عليهم لأنهم يأكلون الجشب ويلبسون الخشن لأن أكثر قوتهم الذرة، وفي كتاب فقه اللغة من يستمر على أكل الذرة يطلق عليهم اسم الفقر. وهو يطول بخط يده الطاهرة وحروفه.

قلت: وهذا التواضع لهذا الطاغية يدل على معرفته للمصلحة للمسلمين وتسكين فورتهم بلين الكلام أقل ضرراً على المسلمين من نحو ما تقدم من الملاحم والأيام، فجزاه الله عن الإسلام أفضل ما جزى إمام على مثل قيامه قام.

[فتح صعدة]
قد تقدم أن الأمير صفر خرج منها ليلحق بالباشا جعفر واستخلف الأمير صلاح بن أحمد بن حسين المؤيدي على الرتبة المأخوذة وهم نحو ألف نفر ومائتي فارس من [ق/434]غير من خرج مع صفر فاتفق أن هذا الأمير صلاح كان له خادم غالب على أمره يسمى صلاح السقاء فطلب من حول صعدة من القبائل مالا يحملونه لا سيما مع أن الجبال من جهة خولان وبني جماعة إلى الإمام عليه السلام لا شيء عليهم مما على سحار يعني الذين في الصعيد منهم، وإلا فإن الشيخ أحمد بن علي بن كباس وبني معاذ والأرقوك في صلح الإمام عليه السلام فأوغر صدروهم، ثم إنه طلب من الشيخ علي بن سليمان بن محرب وكان ناصحاً للعجم، وكان له شوكة ورئاسة معتادة ثلاثمائة حرف يحصلها في يوم واحد، فعظم على الشيخ المذكور وأنف أن يطالبه مثل هذا الخادم، وأن الشيخ أحمد بن كباس وغيره ممن هم دونه في ناموس ونعمة وعدل ظاهر، فندم على تخلفه عن الإمام عليه السلام غاية الندم فاستمهل في تلك المطلب وخرج إلى بلدة أيلة مجرب، وأرسل بالعقائر إلى جميع قبائله سحار وحلفاؤهم فمدوه برجال ووالاه كثير من أهل صعدة، وأمدوه بمال، ثم أرسل عقائر أيضاً إلى مشارق صعدة فأجابوه وقصدوا صعدة فحاصروها حتى منعوا منها جميع المنافع، ثم قصدوا المصلى والمقابر على نحو ما تقدم في المرة الأولى وناشبوهم الحرب ليلاً ونهاراً والزيادات إليهم من القبائل ومع ذلك يراسل المذكور إلى الإمام عليه السلام فلا يجيبه بل يمنع أهل بلدته ويتشدد عليه السادة، وقال: دعوهم وبعضهم بعضاً واحتالوا بأن دخلت المدينة على نحو ما تقدم في القضية الأولى،

وانهزم جنود الظلمة إلى القصر والمنصورة فحاصروهم أيضاً حصاراً شديداً وهم يراسلون إلى الإمام عليه السلام فلا يجيب عليهم إلا هذه رعيتكم التي ثارت عليكم، واشتغل الباشا محمد مع وصوله عنهم حتى طال عليهم الحصار، فاتفق أن رجلاً يسمى محمد عناش من أهل الحقل بايع جماعة من أهل البسالة والاجتهاد أن يفعل ثقباً تحت الأرض طويلاً حتى يفتحه من داخل المنصورة، وشاع ذلك فخاطب الأمير صلاح ومن معه وطلب الرفاقة على تسليم صعدة ويفتحون له الطريق إلى صنعاء، ففعلوا وأخذوا سلاحاً كثيراً، وبقيت صعدة في يد الشيخ علي بن سليمان والقبائل، وأظهر القبائل أن صعدة للشيخ علي بن محرب وقد تقسمونها فكل حافة من حافاتها استجارت بقبائل فراسلوا الإمام عليه السلام يرسل لقبضها فلم يجبهم حتى كملت السنة، وانقضت أيام الصلح، وأمر السيد الكبير شمس الدين أحمد بن المهدي المؤيدي رحمه الله تعالى [ق/435] لقبضها وقبض ما حولها، فدخلها السيد شمس الدين وقد خالط أهلها القبائل وملكوا أمرها وغيروا قانونها، فعالجهم السيد أحمد علاجاً شديداً وكان فيه رحمه الله رئاسة وكرم أخلاق وسخاء، وساقها إلى الإمام عليه السلام وعظم نفعها كما سيأتي إن شاء الله تعالى من نقض الصلح وما بعدها من الحوادث بعد الصلح المذكور.

[قضية مقتل القاضي حسام الدين الهادي]
استشهاد القاضي العلامة حسام الدين الهادي بن عبد الله بن أبي الرجال رحمه الله، وصفة ذلك أنه كان إليه رحمه الله بلاد حاشد وبكيل من حدود وادعة إلى حدود بلاد نهم وعليه حفظ هذه البلاد وحروبها، فحصل من بعض الفضلاء أن قال في حضرة الإمام عليه السلام أن بنظر فلان بلاداً كثيرة وهو ربما يقصر في إمداد الإمام عليه السلام بشيء من محاصليها وكذا، ثم كثر ذكر مثل ذلك وكان رحمه الله يتألم من ذلك كثيراً، وكان من أهل الزهد الخفي والورع الشحيح بحيث أنه لا يملك شيئاً من العقارات ولا عمر بيته الذي خربه الترك في هجرة حيط حمران وإنما سكنوه في بيت الإمام الشهيد أحمد بن الحسين سلام الله عليه، ويؤثر غيره بما عنده مشهور السخاء، وكان مع اشتغاله بالجهاد والقضاء بين الناس لا يبرح عن عمارة المساجد حتى لقد عمر كثيراً منها، وكان له في هذا البلاد المذكورة قوة نهضة وهيبة بحيث أنها صارت كالهجر، وله رحمه الله سياسة وحسن معرفة لأخلاق الناس وطباعهم، ولقد قدر على استخراج كتب الطاغوت التي تترك مع رؤساء بلاد حاشد وبكيل وغيرها وأحرقها بالنار، ولما بلغه مثل ما تقدم، وعرف أنهم قد ظنوا فيه الظنون لما يبلغهم من عطائه لأهل النفع من هذه القبائل، وسمعته رحمه الله مراراً يقول لعيون من بلاد خارف وبني زهير: مرادنا نزور الإمام ويسير معنا المشائخ والعسكر من جميع أهل بلادنا يعرف الإمام عليه السلام والأصحاب أن علينا في المراتب النصف أو كذا، وليس كثير على أهل هذه المراتب أن يصير إليهم من بلادهم ما يقوم بهم في الجهاد أو كما

قال، وأخذ يعلمهم بذلك لقصد أنهم يساعدونه وأن لا يطلبون من الإمام عليه السلام عطاء بل يخصهم على أنهم لو أعطاهم الإمام عليه السلام شيئاً امتنعوا للتخفيف على الإمام عليه السلام ولتكون زيارة خالصة من الشوائب، فلما أبرم ذلك وأخذ في الأهبة عرف إلى مولانا محمد عليه السلام وكان صديقاً له خالصاً فرجح له ذلك، ثم توجه حتى وصل بلاد وادعة موضعاً يسمى عصافر، ولا له ولا [ق/436] لمن معه غير قصد الإمام عليه السلام وكان معه قريب من ثمانمائة نفر، وكان من قوم من العصيمات قد أفسدوا في طريق الفقع وغيرها، فكتب مولانا محمد عليه السلام إليه أنك تطلب وادعة جميعاً وتأخذ هؤلاء الأشرار مع طريقكم فإنهم غير خائفين فما هي إلا مصلحة خالصة وبين وادعة والعصيمات خصومة ودخول متقدمة فوصلوا إليه في الليل، وتقدم بهم الأدلاء حتى أشرفوا على مواضعهم ولم يعرفها القاضي قبل ذلك، فركز رايته في جبل أعلى من حوث وأمر بالغارة على الصروم بعد صلاة الفجر، فأغاروا عليهم وهم متفرقون في شعاب فتفرق العسكر بتفرقهم حتى قتلوا في الشعاب وأخذوهم وطمعوهم، وأغارت العصيمات والقاضي يضرب المرفع ليرجع الغارة إليه ويكون ردءاً لهم، وقد خرج إليه من حوث السادة الفضلاء السيد أمير الدين والسيد محمد بن علي بن عشيش، والسيد الحسن بن محمد رضوان الله عليهم وقالوا له: ادخل الهجرة للغداء، فقال: لا أبرح حتى يعود العسكر إلى هذا الموضع وليس مع السادة عليه شجن أصلاً فاتفق أن غارت العصيمات قطعت ما بين القاضي والعسكر من أصحابه، فجاءوا طريقاً أخرى خرجوا منها إلى جهة وادعة ولا علم له

بخروجهم فإنما هو في انتظارهم، فتقدمت قبيلة منهم غارة يسمون ذو الفصل إليه رضوان الله عليه ولم يكن عنده إلا القليل فقاتلهم ساعة ثم قتلوه وثمانية ممن معهم ونهبوهم وعادوا جهاتهم، فبلغ السادة الفضلاء القضية فعادوا وقد هلك رحمه الله فاحتملوه إلى الهجرة وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه فيها رحمة الله عليه.
ولما بلغ الإمام عليه السلام وقع معه الأمر الأعظم وعرف أنه لو يتفرغ لجهاد العصيمات ولا خصم له غيرهم لأحوجهم إلى أمر عظيم وخطب جسيم، فما وجد غير الإنكار في أنه لم يأمره بغزوهم وأظهر مثل ذلك كما كان من السيد الفاضل القاسم بن جعفر وأخيه ذي الشرفين محمد بن جعفر سلام الله عليهما حيث قالا عمهما الحسين بن القاسم لم يقتل رحمة الله عليه، وذلك لئلا يقولا هما وشيعتهما: قتله قوم لا يقدر ينقم بثأره منهم كذلك.
قال الإمام عليه السلام بلسان الحال لا بلسان المقال ومثل هذه لا يطلق عليها اسم الكذب، ومما رثي به القاضي رحمه الله قول ولد عمه القاضي الأعلم شمس الدين أحمد بن علي بن أحمد بن أبي الرجال:
أبكي مصابك والسخاء والرحما .... وأصبح الدين مثلوماً ومنهدما
[ق/437]
فللأنام وقد ذاقوا مرارته .... يحق للعين أن تبكي عليه دما
يا حائزاً كل معروف ومكرمة .... ومن على هامة العلياء رسا قدما
من للمساكين كهف يوم مسغبة .... ومن لهم ذخرة إن أملقوا عدما
وللمجالس تاج راق منظره .... وللمدارس نور زحزح الظلما
يا ملجئاً لطريد عضه زمن .... ومن يعد لكشف الخطب إن عظما
ومن إذا أعيت الأعلام مشكلة .... وجاش من فوقها طوفانها وطما

قالوا جميعاً لهذا فيصل فطن .... أتوا عليها بخاف أمرها علما
أما الجهاد فلا يحصى وقائعه .... فيه ومن يحصر الأمران والديما
من بالصلاة وبالصولات مشتهر .... يروي بهذين حد السيف والقلما
كذا الزمان فلا تحصى مصائبه .... جنى علينا ولم يحفل بنا ورمى
وما أصبنا خصوماً في قضيته .... بل تلك بلوى أتتنا عمت الأمما
إن العصيمات أخلى الله أرضهم .... عن كل حي ولا آتاهم النعما
دحوا مشيداً على الإسلام واعتمدوا .... قتل الهمام سليل القادة العلما
وإن يقولوا مقالاً يفخرون به .... على الأنام ليزدادوا به كرما
بأن يقولوا شفينا غيضنا بحجا .... كما شفاه روس قبلنا قدما
آباؤنا استغرقوا الأقرام من قدم .... ولم يروا أحداً للثار منتقما
قلنا لنا مفزع بعد الإله إلى .... حام حمى الدين بل من شاده وحمى
ما يظفرون وملجأنا أبو حسن .... يبني لنا ما دحاه الدهر وانحدما
بقي لنا فهو نعم المستغاث به .... سعداً لمن بعراه لاذ والتزما
والصبر خير وقد قالت الحكماء .... لكنه لم يفد ما قالت الحكما
متى النصيف أمير المؤمنين متى .... يكون ممن لهذا الدين قد ثلما
وجرع النظيم أرحاماً يبيت لها .... تحت الدجى نحيب تجلب الألما
وللبنين وللأطفال نائحة .... يحسها من حوث آذانه الصمما
وزادهم حسرة من فوق ما بهم .... بطؤ النصيف من العداء والخصما
ما أدرك الروم بل طابت دماؤهم .... بمرهفاتك وانقادت لك الزعما

أتاك للسلم باقيهم محاذرة .... من أن يحل بنا ما حل بالقدما
[ق/438]
وتحت أمرك أملاك غطارفة .... من هاشم يضربون الهام والقمما
أبناؤك الصيد الحامون الحدود ومن .... لهم إلى الرتبة القصوى ارتقى ونما
وواحد إن تهيأ في سريته .... أفنى العداة وأوفى الفيء والقسما
إذا رأيت لشمس الدين أرسلها .... شعثاً وأسقاهم بالصارم السقما
يجرها من نواحي الشام عادية .... فرسان صدق عليها أمره حكما
شامية تملأ الأقطار هيبتها .... ليوث حرب إذا ما شادوا الحزما
تأتيهم تحت أعلام وألوية .... ليلاً فيصبح ربع القوم منحسما
فذاك والله ما صعب يقوم له .... إلا تيسر ما يرجوه والتأما
بجودة الرأي والبأس الذي انصدعت .... منه الجبال إذا ما جيشه اصطدما
حاشاك أن تكسب السرى حلائلهم .... سمتاً وأرحامنا الأحزان والندما
هذا أوان الوفاء إن كنت فاعله .... فأنت ممن إذا استرعى رعى وحمى
إن لم يكن منك في سلم مناصفة .... فمن يرجى انتصاف حيث لا سلما
ثم الصلاة على المختار ما خطرت .... عيس وما شن مزن هاطل وهمى

[أخبار النهضة الرابعة]
فصل: في ذكر النهضة الرابعة التي توفي فيها صلوات الله عليه، وذلك في شهر شعبان وأنه لما أبرم الصلح توكل على الله سبحانه واستعانه وجمع عساكره المنصورة فكان أول ابتدائه طمع في فتح بلاد شظب لقربها، وقد تقدم ذكر من فيها من أمراء العجم والمواضع التي هم فيها رتباً بمكاتبة الشيخ بدر الدين داود بن قاسم القحيف رحمه الله تعالى فإنه عاقد جماعة من أهل جبل بني حجاج، فأرسل الإمام عليه السلام جمهور عساكره لذلك مع السيد الرئيس المجاهد علي بن الحسن شرف الدين والسيد المجاهد بدر الدين محمد بن صالح بن عبد الله الغرباني، والسيد العلامة المجاهد ناصر بن محمد صبح الغرباني، ثم القاضي شمس الدين أحمد بن محمد السلفي رحمه الله، وكان سيدنا الفقيه العدل العالم يحيى بن صلاح الثلائي رحمه الله في جماعة من السادة والفقهاء في الحمراء كما تقدم، فلما وصل السادة من عند الإمام إلى وادي عصمان خاف الشيخ محمد أن يعرف أهل الجبل فتقدموا رتباً بلزم مواضع فتعذر الطلوع الجبل كما وقع، فرجح تقدم سيدنا عماد الدين رحمه الله [ق/439] لأصحابه، وأصحاب الشيخ يلزمون موضعين أحدهما يسمى الدربين أساسات بناء قديم على رأس قبة وهي أيضاً العقبة إنما هي لرجل فقط، والآخر يسمى درب السقم، فلما صعده بعد صلاة المغرب وقسم من معه في الموضعين وعلى أنهم يحفظونهما حتى الصباح وتصل العساكر الإمامية وتصول على محاط الترك أخذهم الله في الظهراوين والظلامة ونحوها، ثم يتقدم من يتقدم للزم بيت ابن علاء لقطع مواد صنعاء والصرارة ويحيط بالسودة ومن فيها، وكان في السودة

96 / 109
ع
En
A+
A-