يشتكي فيه من نوائب دهر .... وصروف أعيت له الأدواء
يا سليل الإمام حركت شجواً .... وشجوناً ذابت له الأعضاء
وأذبت القلوب طراً بنظم .... ما حكته مدامة صهباء
وأفضت العيون دمعاً غزيراً .... ما حكته الأمطار والأنواء
مثل هذا يكون ليس كل مقال .... يسلب النوم منه والإغفاء
فدعني كل مهجة منه حزن .... وعناء وكربة وضناء
ولأصناك منه هم عسير .... وعتيدك كما هم الأصناء
لا تراهم ينسون من بره الدهر .... عياناً وهم له شهداء
ما يزالون ينبذون دموعاً .... تتباكي لقطره الصحراء
كل حين لهم عليك التهاف .... والتفات وحسرة وجواء
[ق/427]
كيف من ينسون من هو الشمس شأناً .... وهي الشمس ما عليها رداء
كيف ينسون من غدا يحب سجن .... مثل بدر ألوت به الوطفاء
أي يوم غديت فيه أسيراً .... ما حكى مثله لنا بلاء
أنت يا جامع المحامد والفخر .... لهم مفخر سما وارتقاء
فإذا جاوزوا إليك اقترافاً .... لحقوق فالصفح منه عطاء
أسبلن سترك الكريم اغتفارا .... مثل هذا قد يفعل الكرماء
أفترضي بأن عتبك أشجى .... كل قلب وحل فيه عناء
كيف من يومك الذي جل يوماً .... وغدا للأنام منه بلاء
وترى الدين باكياً منه دمعاً .... قد عراه أسى له وذواء
ليت يا دهر لو فعلت جميلاً .... ما غدا من له الحجا والذكاء
تحت سجن في قصره أي سجن .... قد حوته دار لهم حمراء
إن سجى الليل بات يلتاح شوقاً .... وعرته صبابة حراء
أو بدا الصبح واستبان ضياء .... قل من الرجاء وتم العزاء
يا سليل الإمام بالفضل صبراً .... لك في الله قبل كل رجاء
فعساه يحل عقداً وثيقاً .... وتزول البأساء والضراء
فهو ما نرتجي وأبلغ ما نهوى .... وذاك النوال والإعطاء
واعطفن عطفة تعود علينا .... تتدانى لنا بها الأهواء
فلكم نظرة له بعد بؤس .... تحتها غارة له شعواء
يا كريم الفعال يا خير مرجو .... إليك انتجاعنا واللجاء
خلصن ليثها المقيد في السجن .... أميراً تعنو له الأمراء
كم كفوف تمد نحوك صفراً .... فأعدها وقد أتاها العطاء
جعلوا نحوك الوسيلة حقاً .... منهم الأنبياء والأوصياء
ثم آل أكارم ونجوم .... طالعات والبضعة الزهراء
وحسين وصنوه البر أعني .... من حواه مع النبي كساء
ثم زيد وآل زيد جميعاً .... فبهم قد تزحزح البأساء
وبمولى الأنام والدك البر .... ومن هو للمسلمين الدراء
[ق/428]
من به تنجلي الخطوب ويكفى .... بدعاء الضراء واللأواء
من أرانا الرحمن فيه صفات .... قد حكتها قدماً لنا الأنبياء
يبرئ الأكمه المريض ويشفى .... يبديه الضرير والأعماء
كم له من فضائل ليس تحصى .... أبداً دائماً لها إحصاء
دام في نعمة على أبد الدهر .... معافاً تجلى به الظلماء
وعليه السلام ما لاح برق .... وبكى عارض له بكاء
وعليك السلام مني خصوصاً .... ما أضا شارق وهبت صباء
كنسيم سرى صباحاً بروض .... جاده الصبح من غمام حياء
كفريد للدر ينظم سلكاً .... زينته الفريدة العصماء
وصلاة الآل تغشى رسول .... الله ما افتر ضاحك وسناء
وكذا الآل منه أنجم الأرض .... ومنهم سفينة ونجاء
ولما وصل سيدنا عامر رحمة الله عليه صنعاء كما أخبرني القاضي العلامة صفي الدين أحمد بن سعد الدين أطال الله عمره ذكر الباشا ووزيره حيدر القاضي العلامة سعد الدين رحمه الله وسألا القاضي عامر عنه وقد عرفاه مع دخوله صنعاء لعقد الصلح الكبير، فقال حيدر: يا قاضي حصل لنا من بعض بلاد العصيمات وسفيان كتب القاضي سعد الدين، ولها قضية أنهم هربوها من الهجر لما دخلها العجم، وكانت بنظر سيدنا القاضي العلامة جمال الدين علي بن الحسين المسوري رحمه الله فوقع فيها قضية خفي علي تفصيلها، خلاصتها مصيرها إلى حيدر، وكان فيها مجموع سيرة الإمام عليه السلام لسيدنا علي بن الحسين فقال القاضي عامر: القاضي سعد الدين يطلب منكم إرجاع كتبه وكذا، قال: واغتنم القول فأعادوها في الحال لم يفت منها إلا شيء يسير مما يعرفونه والكراريس التي من سيرة الإمام عليه السلام وأرسلها سيدنا عامر إلى السودة، ثم سارعت لها وسلمها الله وله الحمد كثيراً.
[مشاورات بشأن إخراج الحسن بن الإٌمام من السجن]
وأخبرني مولانا أحمد بن أمير المؤمنين أطال الله بقاه أن سيدنا العلامة عامر بن محمد رحمه الله لقي حيدر باشا وكان في تلك المدة مملوكاً ووزيراً لجعفر باشا وخاض معه في إطلاق مولانا الحسن رحمه الله وقرب كثيراً وقال افعل ما قدرت عليه عند الباشا، ولكن أقدم إليه أنت وافتح عليه حتى أقدم، وكان إذ ذاك في الصرارة وأنا [ق/429] أطبخ إن شاء الله تعالى في ذلك رأياً مع الاجتماع بالباشا ثم قال: التمس لي من الإمام هيكلاً أتبرك به، فعرف القاضي الإمام عليه السلام فلم ير هذا لمثله القران، فأرسل له بمسبحة مرجان ثمينة وقال القاضي: هذه مسبحة الإمام فكان لها محلة عنده، ثم إن القاضي عرف الباشا وبسط القول فقرب وبعد، ولما وصل حيدر عالجه فقال: هذا الأمر لا أفعله إلا برأي السلطان فإني كتبت به أو كما قال، وكان القاضي قد استروح التمام فبكى عند الباشا فتوسط حيدر وقال: يترك الإمام حضور للسلطنة ويفعلوا صورة تحسن فيها العذر للباشا في إطلاقه وهو أنهم يهولوا بمضرة حضور على صنعاء وأن مشربها منه وأنه لم يتمكن من الصلح عليه إلا بإطلاق ابن الإمام، ويكتب سجلاً وشهادة العلماء في صنعاء وعظماء العجم والعرب ويخرجوه وأتموا على ذلك، ووصل القاضي إلى الإمام عليه السلام وأخبره فطلب العلماء وأهل الفضل من خواصه فكلهم استرجح ذلك فلما سمعهم الإمام عليه السلام قال: لا يراني الله تعالى أخونه في بلاده وعباده ثم ذكر كم في هذه البلاد المذكورة من نفوس وقال: أبيعها بنفس واحدة، ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم: ((لعن الله إماماً يتجر في رعيته)) أو ما معناه، فبكى القاضي أيضاً، وقد قال الإمام عليه السلام: أنا مستودع ولدي من هو أقدر على خلاصه أو كما قال، وكان قد رضي مشائخ حضور والحيمة بذلك، وحيث قد ذكر مسير الباشا جعفر فلنعد إلى طرف من أخبار أسر مولانا الحسن رحمه الله ومقدمات ما يسر الله من خلاصه مما أخبرني به سلام الله عليه مراراً، فلنذكره على جهة الاختصار إن شاء الله تعالى، قال رحمه الله: كنت في حبور في الصلح الكبير وبنظري بلاد عذر وظليمة وجمهور عسكر الإمام عليه السلام وكان حي الفقيه بدر الدين محمد بن سعيد النمة كاتب العسكر فكان كثيراً ما يشكونه إلى الإمام عليه السلام وقد يكتب الإمام عليه السلام عليه وعلينا، ثم إن بعض ظليمة وبعض عذر التمسوا خطوطاً من الإمام عليه السلام أن يكونوا ما تعين عليهم من الحقوق والمعاون إلى الإمام عليه السلام من غير واسطتنا، فكبر ذلك وخشيت تفرق العسكر وقصور الحال عن حفظهم مع قوة العدو فأرسلت الفقيه المذكور إلى الإمام عليه السلام وكتبت معه بكتاب حملني عليه عظم الموقع، وخلاصته إيمان إن لم تعن على حفظ العسكر لأتركن المكان، وأصل إليك أفر أو ألجأ إلى هجرة حوث ولا ألتفت إلى غير العلم.
فأخبرني الفقيه محمد [ق/430] بن سعيد أنه وصل إلى الإمام عليه السلام وهو في المدان من الأهنوم قال: وصلته في نصف نهار وما عنده إلا من يحتاج إليه، فلما رآني قال: رأيته متغيراً، ثم أغلق علي الباب وسالت دموعه وكان عليه السلام مهيباً فظننت أن في نفسه علي من شكوى العسكر فأردت أعتذر، وإذا الأمر خلاف ذلك بل قال والدمع على خده: كيف الولد الحسن حفظه الله؟ فقلت له: في خير وعافية قراءته في كذا وحاله كذا، فقال: الله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين، ثم أجاب عن كتابي وفعل ما طلبته من تقرير قواعد البلاد والعسكر، وقال في الجواب: أكثر يا ولدي من الإستغفار واجعل راتبك لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، هذا اللفظ ومعناه، قال: فلما قرأته حصل معي أن ذلك بسبب أليتي وأني أضجرته عليه السلام فحصل معي الخوف الشديد من ضجره وظننت التقصير في حقه، فبردت بريداً وعرفته واستغفرت وقلت يخبرني، فلم يزدني على المقالة الأولى فتوهمت وعرفته، فقال: كذلك ثم طلعنا للقاء العدو وفتح البلاد وكتبت إليه من بيت علمان فكان الجواب كما تقدم، ثم كان ما عرفت من تلك الفضيحة في العرة، وكان كثيراً ما يذكرها في هذا الاسم تواضعاً وإلا فلو أراد الفرار لما أسروه كما قال الإمام المهدي إبراهيم بن تاج الدين عليه السلام:
فإن غلبت فما هذا بمبتدع .... فكم بهاليل غلابون قد غلبوا
وكما قال ابن الرومي في الإمام يحيى بن عمر الزيدي سلام الله عليه:
كدأب علي في المواطن قبله .... أبي حسن والغصن من حيث يخرج
ثم صرنا إلى صنعاء، وكان الأسر، ومشقته أهون عندي من دموع الإمام عليه السلام قال رحمه الله: ولما أذن لي بكتاب إلى الإمام عليه السلام عن ذلك وقلت: ها أنا في هذا الموضع فما أشق منه أو كما قال، قال: فكان الجواب على نحو الأول فحصل معي لأجل ذلك أعظم من الأول، ثم كتبت إلى إمامنا الصنو محمد حفظه الله فقال ذلك لأجل رؤيا رآها لم يستحسن إعلامك بها، ثم إلى الصنو الحسين فقال: أنا في الظفير ولكن قد سألت الصنو محمد فقال: كذا فلما يسر الله الخروج كما سيأتي إن شاء الله سألت مولانا محمد عليه السلام في الهجر في أول الاتفاق به، فقال الإمام عليه السلام: أمرنا أن نكتم الحقيقة مخافة أن تعرفها فيحصل اليأس من الفرج ويقل الدعاء إلى الله أو كما قال، فقلت: كيف الرؤيا؟ فقال: إنه رأى لصبيحة وصول الفقيه محمد بن سعيد النمة [ق/431] أنه يمشي في طريق ونحن بعده واحداً بعد واحد يعني أولاده محمد وعلي والحسين فلم يسمع للحسن بعده حساً فالتفت فإذا الأرض قد انهارت به وصار في بئر قال: فرآه الإمام عليه السلام في البئر وقد علاه أسد هائل وهو بين مخالبه، فصاح الإمام عليه السلام بالمسلمين يمدونه فلم يؤثروا فأمر بأن يكبس البئر بالتراب حتى يرتفع الأسد فيقاتله عن ولده ففعل المسلمون فلم يؤثروا، واستيقظ والحال هذه فهذا الذي كتمه عنك. انتهى.
[أخبار الحسن بن الإمام في سجنه]
طرف من دخوله صنعاء حسب ما تقدم في أخبار أسره رضوان الله عليه، قال: لما وصل عند جعفر باشا لم ينصفه بما يحق لمثله بل عبأ وأرسله وأصحابه إلى الدار الحمراء، قال: ففرقوا أصحابي عني وجعلوني في منزل منها يسمى حبلة منفرداً وغفلوا مني فصليت على الحالة وقد جعلوا في رجلي قيد أربعة وخمسين رطلاً عجزت عن القيام به وإنما حملني وإياه عتال من أهل القوة وتبلغت بشيء من رحير السمسم المعصور منه السليط من يد صبي باب المكان يحمله على رأسه بما لا أدري أين يريد، وبقيت ثلاثة أيام، وجعلوا عندي تركياً لا يعرف كلمة واحدة بالعربية فكنت أخاف وأظن إنما أرسلوه ليغتالني، قال وإذا هو نائم لم يتحرك فعرفت أنهم أمنوه يحفظني تأكيداً مع الأبواب والرسم والحرس، قال فكنت بعدها إذا رأيته آنس إليه، فلما كان اليوم الثالث استأذن الحاج أحمد الوادي من الباشا بالوصول إلي وكان عندهم مقبول القول، قال فوصلني بعنب وفواكه وفراش وقال يا سيدي ألك حاجة أقضيها أو كمال قال؟ فقلت: نعم أطلب منك ثلاثاً ما قدرت عليه منهن فهذا وقت النفع، الأولى: غير هذا القيد فقد كاد يهلكني ولا أستطيع معه الصلاة، الثانية: إن من أصحابي فضلاء سادة أحب أن يكونوا عندي آنس إليهم ويأنسون إلي، والثالثة: أنه كان معي عبيد بعضهم من عبيد عبد الرحيم وبعضهم من عبيد ابن المعافا كلهم أحرار وإنما خدموني بالإحسان فلا يستعبدون على أنهم مماليك، قال فقام من حينه وقضى هذه الحوائج كلها وصلح الحال كله وأجرى علينا الكفاية من الطعام والماء، وانقطع من عندي ذلك الحرسي، قال
وكان ثم سائس يخدم في خيل الباشا ممن قد خدمنا فكان إذا رآني في طاقة ذلك المكان سلم علي ويشير إذا لم يكن عنده من يخافه بما اتفق من الحروب فكنت أجد لإشارته لذة لأنا لا نعرف حال الإمام [ق/432] عليه السلام وما كان من عدم المواصل لنا، فلما كانت قضايا الشام كما تقدم من عرو والحضائر وعلاف رأيت للأمراء حركة إلى عند الباشا فأشار ذلك الغلام بما فهمت أنها وقعة عظماء فيهم فكانت بشارة ولا علم لي فما شعرنا إلا وقد أخرجوا من كان عندي من الأصحاب كالسيد الحسين بن إبراهيم، والسيد الهادي بن جحاف، والفقيه عثمان بن سليمان والفقيه عبد المغني بن عيسى الشرفي وضربوهم وعنفوا عليهم وأغلقوا علي أو قال وزادوا قيداً، قال وحصلت وحشة عظيمة وظننت الظنون، وذلك أن الباشا أراد المكر وأن يقتلني لما وقع في نفسه ممن قتل في جنده، قال: وكان في أصحابه رئاسة وشهامة بحيث أنهم كانوا خيراً منه فكرهوا له قتل الأسرى الذين لا ذنب له فلازالوا به حتى برد، ثم بقينا ليالي وأعادوا لنا أصحابنا وبقوا حتى رأينا أعظم من الأولى وذلك الغلام يشير بأعظم، قال ففعلوا معنا ومعهم أعظم من الأولى وكان ذلك العجمي الذي رأيته أنست لأنه لا يتعقب وصوله غير أن يفرش ويرقد ويغلق الأبواب وإذا لم أره خفت وقلت في نفسي قد بدا لهم بادٍ، ثم بلغنا أن الباشا لما صح له قتلة غارب أثلة وقتل الأزرقي وحجار ومن قتلهم الإمام عليه السلام من الأسرى وقد هولوا عند الباشا أن الإمام طرحهم الخوار أحياء فلم يقبل مراجعة من أصحابه بل قال: يفعل هذه مع الأسرى وأنا أفعل بولده كذا مما نعوذ بالله منه، قال:
فدافعه أصحابه وسماهم من عبد الرحمن شلبي، وعثمان أفندي وإسماعيل آغا والخزرجي الكاتب، فلما لم يقبل منهم أرسلوا إلى الحاج أحمد الوادي أن أدركنا، قال فوصل فلما رآه الباشا تنفس إليه، وشكى عليه من الإمام ومن قتل، وإنا قد عزمنا أن نقتدي به، ونقتل ولده، ومن عندنا من أصحابه، وكان أحمد الوادي له صناعة في الحديث فتبسم إلى الباشا، وقال: يا سبحان الله إن كان قد فعل الإمام خطأ فتكن مثله مخطئاً أو كما قال، ولكن قد بلغني غير هذا قال: وما هو؟ فقال: أخبرني الثقة أن هؤلاء المذكورين لما صاروا إليه وقد عرفت كم قتلوا من أصحابه طالبهم الورثة للمقتولين فأمرهم إلى حاكم الشريعة فقضى عليهم بالقصاص فإن اقتصوا منهم وأنت إذا أحد يسأل هؤلاء الذين عندك دماً أمرتهم إلى الشريعة وكذا، وأحسن المدخل إلى تدبير الملعون، قال فوصل ذلك العجمي وقد أيست بعد نصف الليل وقد كنت أعددت لباسين لئلا تبدو [ق/433] عورتي، وأعددت فلقتين من الحطب أقاتل بهما جهدي إذا قصدني، فقال حال وصل تستأهل السلامة، وسيأتي إن شاء الله تفصيل خروجه من الحبس وما يسر الله من الأسباب وأبدله من الرخاء بعد الشدة وله الحمد على كل حال.