فوقع أمر ليس بالهزل وكادوا يقبضون على السيد أحمد ومن معه بالأيدي، وكان من جملة أصحابه السيد المجاهد مطهر بن ناصر الدين الحمزي رحمه الله وجماعة من المذاعير وخلصان الأنصار فجاهدوا وصبروا ولا علم لهم بمن قد حال بينهم وبين عيال قاسم وعيال الأمير ومن يأتي من عندهم وهم العمدة في غربان، وكان ذلك في أول طلوع الفجر، وفي جملة أهل قيضان جماعة من عيال قاسم قد سبقوا إلى عند السيد أحمد ومن معه فوقع نظرهم مع طلوع الفجر على المحاط تشرعت لبلدهم الواكفة فلحقهم الخوف على أهلهم فوجدوا لواهم الأعظم في مغربة قيضان مما يلي الواكفة فرماه بعضهم فقتل صاحبه، ثم رمى غيره فكذلك فانهزم أهل ذلك المركز، ثم تحرك مركز الحاج شمس الدين وسيف الله على المعتدين من القصبة، وأوقع هو ومن معه من أوساطهم، ووقع أمر ليس بالهزل، وحصلت الغوائر والأمداد وهم يهزمونهم حتى ألجؤهم إلى الظلعة المقابلة لعزان فانهزم من في مقابل قيضان وكذا من في عزان، ووصل السيد ناصر بن محمد وغوائر بني مكنى والغوائر فهزموهم أيضاً وقد قتل من جنودهم كثير، وقتل السيد صلاح بن أحمد صبح المتهم، ويقال: إنهم وجدوا معه خطوط الظلمة بالمعاملة في المراكز، وأصيب الحاج [ق/413]شمس الدين برصاصة في جانب من بطنه وسلمه الله بعد أن مرض أياماً، وقد تكايلت عليهم جنود الحق حتى قتل من العجم قريب المائتي النفر، وقتل أمير العجم المسمى محمد شلبي، فلما صح لهم قتله حملوه على بغالهم وانهزموا، وكان الأمير حيدر في أعلى من العفري وقد قتل من المنهزمة نفراً وعادوا كما عاد أهل شظب خائبين، وكان مغزاهم في يوم

واحد وهو غرة شهر صفر من سنة أربعة وعشرين وألف[ 2مارس 1615م]، واستقرت مرتبة غربان بعدها ولم يقصدها العجم وإنما كان السادة يقصدونهم إلى حوالي الفصيرة، وفي خلال هذه القضية اجتمع جنود للعجم [إلى أبي عريش] خيلاً ورجلاً وقصدوا رازح من بلاد صعدة والوالي فيها السيد الرئيس الكبير أحمد بن المهدي المؤيدي كان قد بلغه فحشد من أجابه، ولزم لهم موضعاً يعرف أنما لهم طريق غيره فأحربهم حرباً عظيماً انجلى على هزيمتهم، وقد قتل منهم جم غفير وأخذ من سلاحهم كثيراً ونحو من ثلاثين فارساً غنيمة فلم يعودوا بعدها والحمد لله رب العالمين، ووقعت حروب الفصيرة المعروفة، وفي بعضها ينهزم جنود الحق، وفيها كثر إيعاد العجم بإعادة الغزو إلى غربان وكثر الرجيف والتأهب لهم، فرجح السادة أنهم يقصدون المحطة الظالمة إلى خمر عقيب صلاة الجمعة ابتداء، فتوجه السيد شمس الدين أحمد بن محمد بجمهور الناس ظاهراً، والسيد ناصر بن محمد عافاه الله سلك بجماعة ممن انتدب لذلك وبذل نفسه لله سبحانه في ذلك المقام طريق الفصيرة، ثم جعل على رتبة فيها من حاصرهم وقرب من المحطة من غربها حيث لم يكن للخيل فيه مجال، وكان قد خرجت خيولهم وجمهور قومهم إلى لقاء السيد أحمد بن محمد ومن معه في الظلعة المسماه الجفر فما راعهم إلا والبنادق قريب غروب الشمس في أطراف المحطة فانهزم الملاحمون للسيد أحمد بن محمد، وقتل منهم جماعة ولم يجمحهم إلا الخيل، وغربت الشمس والبنادق تضرب في أطرافهم فقل طمعهم بعدها، واشتدت القلوب حتى حصل الصلح كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

[الاستيلاء على المقعد وبلاده]
ولما استقرت المراتب في غربان والموسم وبلاد الجبر، وكان الشيخ محمد بن داود القحيف الحجاجي صاحب المقعد من مرقص قد هاجر إلى الإمام عليه السلام وله ولصنوه وجماعة من أصحابه جهاد وملازمة جمع أصحابه واستعان بالله سبحانه وطلع إلى حصنه المعروف [ق/414] وهو إذذاك خراب ليس فيه ما يواري شخص الإنسان، وعمروا فيه ليلتهم متارس تحفظهم وقد طلب أمداد غربان وكتب إلى الإمام عليه السلام فأصبحت عليه المحاط التي في جبل بني حجاج فحاصروه وكادوا يصلون إليه، وقتل من أصحاب الشريف المجاهد قاسم بن صالح الحجاجي وكان هو أكثر أثراً من الشيخ المذكور، ووصلت الغارات من المراتب الإمامية مثل غربان وبني موهب فأفرجوا عنه، ثم وصل من عند الإمام عليه السلام الشيخ المجاهد صالح بن محمد حمران والسيد الفاضل مطهر بن صالح بن المرتضى المعروف بسحلة، ثم الفقيه الفاضل عماد الدين يحيى بن صلاح الثلائي رحمه الله بعصابة من أهل الفضل من السادة والفقهاء، واستقر مظاهراً للمقعد ومحل الشيخ، ولازالت الحرب عليهم قائمة لم يقع العجم فيها على طائل وانهزموا فيها، ولما عمر الشيخ الحصن المذكور وكثر أصحابه عاد المجاهدون مواضعهم وبقي الفقيه العدل يحيى بن صلاح الثلائي رحمه الله نحواً من أربع سنين وقد يخرج منها ويعود إليها كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وله رحمه الله في هذه المرتبة عناء ونصب، وكان لا يستنفق من غير ما يملكه ويؤجر نفسه للنسيخ في النهار وقراءة القرآن بالأجرة، والليل يحرس المسلمين، وطلب من الإمام عليه السلام في تلك الأيام الطيافة على

أولاده إلى بلاد برط، وأرسل إلى الإمام عليه السلام بشعر منه قوله:
يا مربعاً للنازح المستبعد .... وطول أحباب بتلك الأنجد
ومعاهداً في الرمضتين وحيدها .... والسفح من سرع كدارة أسعد
سقياً لهاتيك الديار وأهلها .... من صوب سارية تدوم إلى غد
حتى إذا روت البقاع وأعشبت .... فيها مراتع كل ظبي أغيد
ساجي اللحاظ مكحلاً قد زانه .... ربي وأغنى عن كحال الإثمد
وتقنعت ساحاتها ورفوفها .... بنفيس لون لجينها والعسجد
أهدت نسيمات السحور بنازح .... منها بأرواح يروح ويغتدي
فهناك يرتاح الفؤاد لذكركم .... ويضيع مني عند ذاك تجلدي
وأقول ما قال الذي قد شاقه .... تذكار منزله وعيش أرغد
قسماً بوجهك حلفة مبرورة .... لولا رجائي طيفكم لم أرقد
إني وإن طال المزار على النوى .... باق على عهدي وحسن توددي
[ق/415]
فعساكم ترعون حقاً سابقاً .... قد مر من ميثاقنا المتأكد
يا صاح عد عن الحسان وأهلها .... واطو المقال بها وذكر المعهد
وانشر مقالك مادحاً مولى الورى .... واذكر ثناه بملئ فيك وغرد
إن راعني دهر وضقت لصرفه .... وتعاورت نحوي هموم تعتدي
أعددت صبراً أرتجي في غبه .... فرحاً به صدري عقيب المورد
هذا رجاي في الإله وعطفه .... المولى أنال بها قصارى مقصدي
القاسم المنصور من صعدت به .... عزماته فوق السما والفرقد
ترب المعالي من غدا في عصره .... بين الورى كالكوكب المتوقد
جم النوال فكل راج فضله .... نال المنى من مغور أو منجد

من لم يزل يسمو بصالح فعله .... حتى تمكن من غريب السؤدد
حلف التقى بحر الندى سم العدا .... بل ابن بجدتها كريم المورد
يا خير مأمول إذا أملته .... سيبر لي قسمي وينجح مقصدي
طال اغترابي والنواء أضرني .... أمسي وأضحى حائراً لا أهتدي
فبحق من فتق الهدى ومن بنى .... سقفاً ولم احتج لنصب الأعمد
وأبان بين الأفق كم من آية .... غراء دامغة لهام الملحد
وأرى بديعاً من عجائب صنعه .... وأسال ماء من صميم الجلمد
والخمسة الأشياخ من أسمائهم .... كلمات آدم إذ بفضلهم هدي
إلا سمحت بزورة هي مطلبي .... في فرد شهر أو وعشر ترددي
واضرب لعودي موعداً لا يعتدي .... فإذا ضربت فإنني لا أعتدي
فالقلب يصدى كالحديد من النوى .... ماذاك لي يجلي الفؤاد إذا صدي
واسلم ودم في خفض عيش طيب .... وبلوغ آمال وملك أتلد
ثم الصلاة على النبي وآله .... مالاح برق في البهيم الأسود
ولما وقف عليها الإمام عليه السلام أمر بعض حضرته بالجواب عليها فقال:
ذكر المعاهد والطلول الهمد .... يشفي فؤاد النازح المستبعد
ويهيج التذكار منه مهجة .... ما إن تزال تحن نحو المعهد
وإذا رأى برق الحمى متبسماً .... يبكي بكاء الحائر المتبلد
[ق/416] وإذا تذكر في الديار خرائداً .... من كل هيفاء كالقضيب الأملد
لم يبق منه بقية من عقله .... ويصير مثل الهائم المتردد
شوقاً إلى ساجي اللحاظ وقربه .... وإلى مغازلة الغزال الأغيد

إن التذكر فتنة لأولي النهى .... يدع من الأشياء ما لم يحمد
يا صاح عد عن الحسان فإنما .... وصل الحسان كوصل طيف بمنجد
دع ذا وقل يا راكباً عد بي .... وجنابها جناب المقعد
وانزل على العلم الهمام المنتقى .... يحيى الغمطمط في العلوم المزبد
واقر السلام عليه ثمة قل له .... وافى نظامك مثل عقد العسجد
ففضضته ولثمته وقرأته .... فإذا سموط لآلي وزبرجد
وعرفت فيه ما شرحت من الهوى .... والعذر نحو الأهل قدر الموعد
تالله إن رضاك عندي بغية .... لكن رضاء الله أعظم مقصد
فإذا اعتذرت وأنت أكبر قدوة .... كل بفعلك في المراتب يقتدي
وإذا اعتذرت وأنت خير مرابط .... فمن الرجاء لحسم داء المعتدي
فاصبر لعل من المهيمن غارة .... يطفي بها نار العدو المفسد
ويبيد أرباب الضلال بنقمة .... منه معجلة لكل معربد
يا وارثاً علم النبي محمد .... اصبر كصبر الهاشمي محمد
وكصبر أبناء النبي المصطفى .... فلكم تغرب منهم من سيد
تركوا المنازل والبنين ونابذوا .... أهل الضلال بحد كل مهند
فحووا من الذكر الجميل محامداً .... فاقت على تعداد كل معدد
ولأنت منا إن شيعتنا هم .... منا فكم قد نابذوا من ملحد
بسيوفهم ورماحهم وبألسن .... بالقول مشجية قلوب الحسد
فغداً ترافق أحمداً خير الورى .... وهو الشفيع غداً لكل موحد
وتفوز من حوض النبي بمشرب .... صافٍ لذيذ الطعم عذب المورد
وتزوج الحور الحسان بمقعد .... عند المهيمن ياله من مقعد

ومنها قوله:
ولديك شيخ ماجد متفضل .... ينسيك كل فتى كريم المولد
[ق/417]ذاك ابن داود محمد ماله .... من مشبه في فرعه والمحتد
لله در محمد وقبيله .... أهل المكارم والفخار الأتلد

[حرب مرقص]
وفي أيام حروب مرقص وصل الحاج شمس الدين أحمد بن عواض رحمه الله تعالى إلى غربان من جهات المشرق بقوم ليسوا بالكثير، ثم حشد غربان حتى صار معه نحو ستمائة نفر، وتقدم إلى وادي الثاجة ما بين مرتبة الموسم والمقعد، وكان في أعلى الوادي رتبة من العجم في موضع يسمى العبرين فجعل عليهم من حاصرهم، وجعل أعلاه كميناً، ثم تقدم آخر نهار حتى قرب من الجبوب أول الناس، فخرج الترك من السودة وحملوا على المجاهدين فرموهم بما في بنادقهم فأصابوا جماعة، ثم انهزموا لهم يعني جنود الحق فلما لاحموهم ثار فيهم الكمين الأول فرماهم كذلك وقتلوا جماعة، ثم انهزموا وثار الثالث فكان كذلك، ثم عطف عليهم المجاهدون فاستولوا على أكثر قتلاهم وجرحاهم، واحتزوا منهم خمسة وثلاثين رأساً، ثم عاد الحاج وقد أظفره الله بهذه المقتلة وعاد المشرق، وكانت مما اشتهر ذكرها لأن الله سبحانه نصر المجاهدين ولم يقتل منهم أحد.

نعم، وبقيت المراتب متقابلة وهذا تعداها من ظفير حجة إلى جانب الخشب من مخاليف، أولها الظفير وإليه رتب تحفظ لهم الطرقات، ثم (نيسا) من أسفل بني شاور كذلك، ثم جميمة سنجدا وظليمة، ثم خبر شظب في عتاد وبداد والعمشة، ثم الموسم من بني موهب وإليه رتب تحفظ أطرافه، ثم مرقص المقعد والحمراء، وإليهما رتب صغيرة تحفظ الطريق والأطراف، ثم غربي غربان وفي المواجل وسائل والصابة، وحصن قنصان ونعمان والواكفة والقصبة، ثم في بني مالك من بني صريم، وأعالي وادعة كقيهمة والعفيرة، ثم بني قيس، ثم الدحضة من مرهبة وبتان من بني جبر وقاع الشمس، وجانب الصيد ثلاث مراتب أو أربع، ثم بيت القديمي والمحم من الصيد أيضاً، ثم بني الأعور وما إليه من بلاد خشب الزيادي، ويقابل هذه المراتب من العجم في حجة جبل عمرو وماذن والمصنعة وما إليها، ومن بلاد عفار قيدان وصبرة وعزان، وفي بلاد قدم وبني حيش الأعرام وفي شظب السودة، وفي الجبل الظهراوين والظلاعة وذبيل وشعر، وسيد الأقرح ورتب صغار كذلك وفي العرضي من بلاد الميقاع رتب، وفي غشم الفصيرة وما إليها من خمر مقدمات ورتب، ثم كذلك إلى مقابل ما تقدم ولم يطمع أحد [ق/418] الفريقين في هزيمة الآخر حتى فتح الله بالصلح.

[سبب الصلح]
وسببه أنه قد تقدم أن جعفر باشا عاد لولايته وقتل عبد الله شلبي وكثيراً من العرب والعجم لموالاته، فعزله سلطان الروم بمحمد باشا أرسله من مصر كما سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى، فلما صح له ذلك وقد نشب خواصه مثل الأمير حيدر في الظواهر والأمير صفر ومن إليه في صعدة وهما في جملة مماليكه وخاصته، وخاف أن يسير والفتنة في أثره مثل ما تقدم ولا يتمكن من استخراج أصحابه إلا وقد وصل الباشا محمد فيطلب منه الحساب وخزانة يتركها للعسكر ويطالبه بمال إبراهيم باشا وعبد الله شلبي، فطلب أهل المشورة من أصحابه فأشار عليه بعضهم أنه يفتح له الخطاب ابن الإمام يعني سيدي الحسن بن الإمام عليهما السلام فطلبه إليه، وقال له: تكتب إلى أبيك يصلح بيننا وبينه وأنه واصل باشا من الأبواب متولياً فإن يحصل الصلح ويخرج الأمير صفر من صعدة سالماً أبقيناك في اليمن وكذا، وإن يجري والعياذ بالله فيه شيء أو يمنع أبوك من إخراجه حملناك معنا إلى الروم أو كما قال، فاعتذره رضوان الله عليه بأني في يدك نفراً واحداً والإمام ليس في يدي وحيث قد رأيتم فافعل ما ترون، ولما عاد مكانه كتب إلى الإمام عليه السلام كما أخبرني الفقيه العدل المجاهد عماد الدين يحيى بن صلاح الثلائي رحمه الله أيام إقامتنا معه في مرتبة الحمراء من مرقص، قال: إنه دخل إلى الإمام عليه السلام وفي يده ورقة يقلبها، فقال: تقرأ هذا يا فقيه يحيى وتجيب عليها وإذا هي شعر أنشدناه، ورأيناه في يد غيره أيضاً وهو قوله:
مولاي إن الصلح أعذب مورداً .... فاسلك له سبلاً سوياً أجردا

93 / 109
ع
En
A+
A-