[أخبار حجة]
فصل: ولنرجع إلى أخبار القبلة ومولانا [ق/406] الإمام عليه السلام قد تقدم ظهور جنود الحق وإحاطتهم بمحاط العجم حتى ضايقوهم واستولوا على المغارب كما تقدم فاجتمع عليهم جنود العجم لما أمنوا من جهات خولان وجبل تيس وقصدوا جنود الحق في وقعات متفرقة وقضايا يطول تفصيلها، فهزموا جنود الحق من بلاد مدع ومسور وبلاد عفار، وعادت العساكر الإمامية إلى الظفير من حجة إلى مولانا الحسين رحمه الله كما تقدم، وكان أهل الظفير يرون عليهم نصرة الإمام عليه السلام ويجاهدون معه ولا يرون مصير الإمام وجنوده في حصنهم لقولهم إنه هجره ليس للحرب والمحاربة ولا تستقر فيه دولة تقهرهم وتخالف عوائدهم فإن لهم قواعد في بعض منها حسن وفيها غير حسن، فمن الحسن: أنهم يحتكمون للشريعة حتى في القصاص وغير ذلك، ومن غير الحسن نحو ما تقدم من عدم إيواء أئمة الهدى والمجاهدين إلى حصنهم عند الشدائد، وعدم العمل بالشريعة في المواريث وغيرها، وحصنهم هذا لا نظير له فيما أعلم بأرض اليمن فإنه يغلق على نحو من ألف وخمسمائة رجل بالسلاح الحسن والرجال النفعة ومبلغ أهل البنادق منهم ألف، ولهم أسواق في أعلاه، ويدر الله عليهم الأرزاق في أوديتهم وبيعهم وشرائهم، وصار مولانا الحسن عليه السلام في المعبر خارج الظفير مما يلي حجة وقد تشعرت جنود العجم في حجة ووقع مع ذلك حروب شديدة أعظمها قضية جبل عمرو وما اتفق فيها، وذلك أن مولانا الحسين رحمه الله أراد أن يحفظ جبل عمرو وغيره مما يتصل به وهو متصل بالظفير وهو من بلاد الجبر فجعل فيه السادة الفضلاء الذين هم: السيد جمال الدين
علي بن الحسن بن شرف الدين، والسيد شمس الدين أحمد بن الحسن بن شرف الدين، والسيد حفظ الدين بن علي سحلة والقاضي شمس الدين أحمد بن محمد السلفي، والقاضي عبد الرحمن بن المنتصر العشبي، والفقيه عماد الدين يحيى بن صلاح الثلائي وغيرهم، وأراد عليه السلام أن يحفظوا هذا الجبل وهو حصن عظيم يداً على حجة تمد يميناً وشمالاً، ثم يفتح حجة.
قال السيد أحمد نفع الله به: وكان صفة ذلك أنه أرسل القاضي شمس الدين أحمد بن محمد السلفي إلى الأمرور من جهة الشرف وأنه يدخل من هناك مغارب حجة ويكون مدده من صنوه صفي الدين أحمد بن أمير المؤمنين أطال الله بقاه من الشرف، وأرسل السيد جمال الإسلام [ق/407] علي بن الحسن وصنوه شمس الدين أحمد بن الحسن والسيد زيد بن علي القراع إلى جبل عمرو في عسكر كثير من حاشد وبكيل وبلاد حجة وغيرهم، وأرسل الفقيه وجيه الدين عبد الرحمن بن المنتصر إلى بني هجر من بلاد الجبر وقريب من بلاد عمرو فتقدم القاضي شمس الدين أحمد بن محمد السلفي إلى جبل وضرة واستقر فيه وغزا الصلبة وغنم منها كثيراً، فاجتمعت محاط الأتراك وغاب الخبر من حجة وقصدوا جبل عمرو، ولزم عليهم طريقاً ضيقاً كان فيها علي دشيلة الجبري فانهزم لضعف أو دسيسة عذر، فلزم البغاة لجنود الحق المضيق فاجتمع جنود الحق وحملوا بقوتهم حتى هزموا الذين لزم عليهم الطريق من جنود الظالمين ففرقوهم على مشقة، وخرجوا وقد استشهد جماعة فأقبلت جنود العجم حتى كادت جنودهم تملأ بلاد حجة وقصدوا السادة إلى هذا الموضع، وحصل حرب شديد ظهر فيه الجنود الظالمة على جنود الحق، واستشهد السيد الفاضل
شمس الدين أحمد بن الحسن بن شرف الدين والسيد الفاضل علي بن حفظ الدين الحمزي من قرابة السيد الحسن أيضاً، والسيد الحسن بن أحمد بن الناصر، والفقيه الفاضل علي بن سعيد من القبلة وفوق العشرين النفر من سائر المجاهدين، وأصيب السيد علي بن الحسن بجراحة في يده ونجاه الله تعالى كما أشار إلى ذلك السيد العلامة شمس الدين أحمد بن محمد الشرفي رحمه الله في قوله:
وحجة النصب والفجار كان بها .... وقائع ومصائب السادة الطهر
وعاد العجم على جبل وضرة فهزموا القاضي شمس الدين أحمد بن محمد رحمه الله تعالى، واستشهد من أصحابه نفرين ومن أهل البلاد أنفاراً، وعاد إلى بلاد الشرف واستقر مولانا الحسين في المعبر.
قال سيدنا الفقيه عماد الدين يحيى بن صلاح الثلائي رحمه الله: وكان في هذا المقام من المشقة لكثرة العسكر وقل ما يقوم بهم من النفقات والخصم قريب منا لا نأمنه ليلاً ولا نهاراً ودخول الحصن متعذر، وترك المركز فيه الضرر الكبير على شهارة المحروسة بالله فإنها لو انهزم مولانا الحسين رضوان الله عليه بعد هذه القضية لدخلت جنود الظالمين إلى بلاد الشرف، وكانوا من خلف شهارة المحروسة بالله ويقطعون مواد الشرف، وكانت أعظم مادة في تلك المدة.
قال سيدنا رحمه الله: فأكثر مولانا الحسين سلام الله عليه من زيارة الإمام المهدي والإمام شرف الدين عليهما السلام وهم لا يمنعون ذلك، ويسير معه جماعة لا يتشوش منهم أهل الحصن، وقد تعاقد أهل الحصن على أن لا يضيف مولانا الحسين وأصحابه أحد فيه، بل من أراد المعروف أخرجه إلى المحطة، ولما طال ذلك دخل سيدنا المذكور في الشيخ محمد المعروف بأبي قمر وطرحوا شرطاً على أنه يضيف مولانا الحسين ويلزمه للضيافة على سبيل الإكرام، وما لحقه من المؤنة فعلى الحسين رحمه الله ففعل، فعظم على أهل الظفير ولم يقدروا يحدثوا حدثاً لكثرة المحبين منهم للإمام عليه السلام وهذا الشيخ من آهل التأثير في أهل الحصن فعند ذلك اقتدى به غيره حتى أضافوه ثلاثاً أو أكثر، وفي كلها يدخل إليه من أصحابه مع السادة كثير حتى حصل الأنس بين الفريقين، وجعل من يتحدث من أهل الظفير لا ندري هو الفقيه يحيى كما تقدم أو السيد المجاهد علي بن الحسن رحمه الله أن هؤلاء العسكر الذين في المعبر يفتتح لهم ابن الإمام يعزمون عند الإمام عليه السلام وما هو لهم من الجامكية والكيلة كانت لأهل الظفير فطمعوا في ذلك، وكان هو المطلوب لأجل ينفعون الإمام حفظه الله، ويكون مولانا الحسين في حصن ومنعة يحفظونه بحفظ الله ويدافع بهم عن بلاد الشرف، وصحَّ لهم ذلك وتزوج رضوان الله عليه من مشائخهم أم ولده محمد العالم النجيب واضطربوا عليه مراراً وهو يصبر على جفاهم ويحسن إلى من أساء منهم ويغتفر له، وفي بعضها ألصى سفهاؤهم النار ونصروا للسلطان وهو صعد أعلى داره وألصى معهم النار ونصر للإمام عليه السلام، وفي
بعضها قتل رسلاً من العجم ودولة كوكبان، وقد دخلوا بمال ومكائد إلى الحصن واحداً بعد واحد وهم بأهل الظفير لأجل ذلك فأجابهم بأني منكم وعلي لكم في هذا ما توجبونه على أنفسكم وهو مع ذلك يحسن إلى كبرائهم ومن هو من أهل النفع منهم حتى تم له المراد، ولا وقع عليه ولا على أهل البلاد المغربية ضرر والحمد لله رب العالمين، واحتال العجم وأهل كوكبان في بعضها بإرسال علي بن يحيى بن المطهر بن شرف الدين أن يدخل الظفير هجرة جده وبيته المعروف، وفيه بعض أهله أيضاً وهو أحد أعوان العجم وعرفوا أن أهل الظفير لا يمنعونه، فعرفهم مولانا الحسين رحمه الله أن يمنعوه، فقالوا: لا نمنعه بيته وهجرة جده، فقال: اتركوني وإياه وأخذ سلاحه ولقيه فعاد من قريب الباب [ق/409] منهزماً، وقد جعل السيد المجاهد حفظ الدين علي بن سحلة في عسكر رتبة في حصن نيسا وأجرى لهم نحو ما تقدم لأهل الظفير.
[أخبار جهات بلاد عفار]
وأما جهات بلاد عفار وما إليها من بلاد الطرف فقد تقدم استقرار السيد العلامة محمد بن صالح الغرباني رحمه الله في بلاد السودة فقصدهم محاط الأتراك فثبت الله جنود الحق وقتلوا منهم كثيراً وغنموا منهم، ثم إنه خان بعض أهل البلاد ودخلوا محطة إلى عران بني حيش من وراء السودة فانحاز السيد محمد رحمه الله ومن معه إلى بلاد جنب، ثم داخلهم الرعب فوالى الأتراك بعض جنب وخرج مع السيد بعض ولحق بالإمام عليه السلام وبلاد شظب وما إليها وبلاد بني صريم والظواهر، فنذكر جملاً من أخبارها كما قد دخل إلى عرة الأشمور أيام حروب الزافن وبلاد مدع الشيخ صلاح من أهل الأشمور وأصحابه، ولزموها مدة، وغزاهم حيدر وأحيط بهم وردوه مراراً وجر عليهم المدافع حتى خانهم بعضهم بني قطيلة وكان قد أيس منهم، فكان ما تقدم، وأخذهم العجم أسرى ودخلوا صنعاء، وفي بلاد عفار حروب أيضاً [...........] وكان في بلاد شظب مراتب منها السيد محمد بن الحسن المحرابي في عسكر في نشمة، والسيد العلامة محمد بن صالح الغرباني في بلاد جبر شظب، والسيد محمد بن حميد الدين بن عاهم في سد الأقرح، والشيخ المجاهد شجاع الدين صالح بن محمد ن حمران النهمي في شعر وكان قد دخل نشمة وبقي فيها أياماً قبل السيد محمد بن الحسن، وكان الفقيه عماد الدين يحيى بن صلاح الثلائي في الرأس من جبل بني حجاج [ق/410] وعلى حصن السودة المسمى قرن الناعي جماعة محاصرون لهم منهم الفقيه الفاضل عماد الدين يحيى بن محمد بن صلاح الأهنومي والفقيه قاسم الشهاري وجماعة من مشائخ الأهنوم، وفي نشمة الشيخ المجاهد
صالح بن أحمد بن محمد حمران، ثم صار إلى شعر، وفي جانب من شظب الفقيه المجاهد عماد الدين يحيى بن صلاح الثلائي رحمه الله كما تقدم فحصل لما تقدم أن تكاثر عليهم العدو وقد اختل أهل البلاد فهزموا إلى جانب غربان إلى أسفل بني موهب من بلاد شظب، والذين كانوا في الميقاع وبلاد غشم كالمسيجد والنائف وخيران فتأخروا إلى غربان وجانب وادعة، والفقيه عز الدين بن علي تأخر من كولة آل أبي الحسين، وانهزمت في هذه الأيام مراتب القاضي الهادي من الكلبيين، وغزا الأمير حيدر بعدها الصيد فلم يظفر بشيء وعاد مكسوراً وغزا قبلها غولة فقتل من أهلها نحو السبعين النفر وهدمها وغزا إلى أعلى بني جبر من الشظبة وبتان وإلى الداحضة من أعلى مرهبة ولم ينل مراده وعاد مقهوراً محسوراً.
[وقعة الفايشي]
قصة القتلة التي اتفقت في الفايشي من أسفل بني موهب من شظب لما تكاثرت جنود الترك ودخل الأمير عمر والأمير محمد السودة مع الأمير إبراهيم بن المعافا وهزموا من في شظب من جنود الحق، والإمام عليه السلام في أبرق ظليمة، ومولانا محمد في شهارة المحروسة بالله أمر طاغيتهم الأمير حيدر عسكراً من عنده من الصرارة زيادة على الذين في السودة، وأمرهم بالخروج على من في الفايشي من الجنود الإمامية وكان عليهم السيد المجاهد محمد بن الحسن المحرابي، والسيد العلامة محمد بن صالح الغرباني رحمه الله، وكان مريضاً قليل الحركة في ذلك اليوم، والفقيه علي بن جميل وفي مواضع رتب فخرج عليهم الجنود الظالمة وكان الإمام عليه السلام قد جعل في العجر من بني عبد رتبة مع القاضي شمس الدين أحمد بن محمد السلفي رحمه الله، وقد كادت هذه المراتب تختل من قلة المواد، وكان في الوقت شدة فما كان بعد صلاة الفجر إلا وأحاطوا بهم، وكان أول من رآهم الإمام عليه السلام وهو في الأبرق كما تقدم كما أخبرني حاجبه الحاج محمد بن مسعود فأمر بضرب المرفع والغارة وكان في الناس عنده عليه السلام قل فاجتمعت الغارات إلى القاضي شمس الدين، فصعد بهم طريق القران، ولاحم من كان مقابلاً لتلك الطريق من مراكز العجم فقتلوا منهم [ق/411]واحتزوا رؤوساً، وكان حي الشيخ صالح بن حمران رحمه الله في غرب غربان فأغار بمن عنده ومن صار إليه من غربان حتى دخل المكمهل قرية شرقي بني وهب، وأحرب من كان مراكزاً هنالك من العجم، ولما سمع الملازمون لأهل الفياشي الحرب من ورائهم يشتد خافوا أن يقطعوهم من
العودة فانهزموا إلى مركزهم فوجدوا مراكزهم قد انهزمت فلاحمهم المجاهدون، وقتلوا منهم قتلاً ذريعاً، ولولا أن فيهم قلاً يعني أهل الفايشي لأخذهم وقد تزايلت مراكزهم من الشرق والمغرب وما زال فيهم القتل حتى ألجؤهم إلى الخف أسفل السودة، وقد غنم الناس الغنائم الواسعة بحيث أن الرعيان والنساء الحواطب وجدوا في الشواهق قتلاء بسلاحهم بعد هذه الوقعة بسنين، وأحصي القتلاء منهم فوق أربعمائة قتيل ولزم المجاهدون الموسم وجعلوا حوله رتباً وفي بلاد الجبر كذلك، وحصن عتاد والعمشة وحصن بداد، واستقرت المراتب فيها كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وكانت هذه الوقعة في إحدى وعشرين من رجب سنة أربع وعشرين وألف[16 يوليو 1616م].
نعم، ولما توجهوا من السودة وما إليها لغزو أهل الفياشي أرسلوا محطتهم التي في حمومة تفتح على غربان لئلا يمدوا من في الفايشي، وكان في غربي غربان حي الشيخ المجاهد صالح بن محمد حمران رحمه الله تعالى كما تقدم، فأغار بمن معه وأهل غربي غربان [إلى الفايشي فكان ما تقدم، وأما أهل الشرقي من من غربان] فلقوا المحطة التي من خمر إلى ظلعة حاحم موضعاً هناك، واستقام حرب عظيم على عود العجم محطتهم من غير ما أرادوا وقد قتل منهم جماعة، واستشهد في هذا اليوم حي السيد الفاضل الحسين بن عبد الله الشظبي رحمه الله وأنفار معه، وكان أرسل الإمام للمدد إلى غربان السيد العالم الفاضل محمد بن صالح بن عبد الله الغرباني فلم يدرك الحرب.
[حرب غربان ومقتل الأمير محمد شلبي]
قصة الحرب على غربان وقتل طاغية الترك الأمير محمد شلبي، والحرب على مرتبة المقعد من مرقص فإنها في يوم واحد فالذين خرجوا لحرب مرقص الأمير محمد المعروف ببوتج وابن المعافا وكثير من أمرائهم وكانوا نحو ثلاثة آلاف، فثبت لهم جنود الحق وهزموهم، وقتل منهم كثير واحتز منهم رؤوس وعادوا، وذكرنا المقعد قبل ذكر فتحه وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
وأما قضية غربان في ذلك اليوم فصفتها أن الأمير حيدر لما أمر من في شظب بالحملة على المقعد تقدم إلى خمر وأرسل الأمراء ومن [ق/412] وصل به وكانوا كثرة فيهم عدة من أمراء العرب والعجم، فمن العجم الأمير المعروف بخمخم كان عظيماً عندهم، والأمير محمد شلبي وهو صاحب تدبيرهم، والأمير عبد الله بن مطهر والأمير علي بن مطهر وغيرهم، وقد بلغ الإمام عليه السلام ذلك، وكان في غربان السيد المجاهد أحمد بن محمد الحيداني في حصن قيضان في جماعة ليسوا بالكثير، وفي الغربي السيد المجاهد ناصر بن محمد صبح في بيته المعروف بالصابة فأرسل الإمام عليه السلام الحاج المجاهد أحمد بن عواض رضوان الله عليه في جماعة يسيرة إلى قصبة عيال الأمير فدخلها وجه ليل وكان في جانب وادعة، فلما أصبحوا على قيضان وقد أطمعهم بعض الأشرار من أهل عزان ورجل من عيال قاسم، ويروى أن السيد صلاح بن أحمد صبح عم السيد ناصر بن محمد منهم -والله أعلم- فجعلوا الحملة من ثلاث جهات، فمنهم من قصد طريق الواكفة ليمنع غارة غربان ومن يأتي من عند الإمام عليه السلام والجهة الأخرى قصدوا طريق الحصن، والفريق الثالث قصدوا غربان