[دخول الحسين بن الإمام الظفير وجهات حجة]
وأما جهات حجة ونواحي لاعة وما إليها فإن الإمام عليه السلام استرجح دخول مولانا الحسين رحمه الله بلاد حجة وقدم إليها جماعة من الأعيان والمجاهدين كالسيد علي بن الحسن رحمه الله تعالى فإنه في حكم من فتح حجة لأنه لما فتح الله عليه بلاد عفار وما إليها (احتازت جنود الظالمين إلى حصونهم ككوكبان قدم وكوكبان الجبر وحصن مبين وما إليها) وجهات مسور المنتاب، فاتفق في هذه الأيام المراكزة المشهورة في بيت علمان وكانت مما يضرب بها المثل، وكان فيها من قبل مولانا الحسين القاضي العلامة عبد الرحمن بن المنتصر العشبي.
قال السيد أحمد نفع الله به: وتقدم الفقيه الفاضل المجاهد العالم عبد الرحمن بن المنتصر العشبي إلى بني الطربي ثم إلى جهات مسور، ثم قال: وكان في بيت علمان رتبة من أهل كوكبان قدر خمسين نفراً فتقدم الفقيه عبد الرحمن ومن معه فحصرهم يوماً وليلة، ثم أخرجهم بأمان بعد أن قبض سلاحهم جميعه، وكان في حجر بني الفليحي بالمصانع رتبة للأتراك فتقدم إليهم الفقيه المذكور فقتل بعضهم وأسر بعضهم وأطلق بعضهم، وكانت هذه مع وقعة الزافن بيومها، ثم استقر السيد علي في الأشمور، والفقيه عبد الرحمن في بيت علمان ويمد بعضهم بعضاً عند الحاجات، ومما اتفق فيها يعني هذه المراكزة أنه كان لواء أهل كوكبان مع سعيد اليغنمي وكان داهية حربهم معروفاً بالقوة والشجاعة، وله وقائع معروفة هائلة، وحامل لواء جند الحق في بيت علمان الشيخ محمد بن دشلان المرهبي وكان مثله في جنود الحق، له ملاحم وقضايا فاتفق أنهما كانا يثبتان حتى أن الريح يخلط راياتهما وفي بعضها يسكنا بين الصفين وتجالدا فلم يقدر أحدهما على الآخر، فاعتنقا وتصافحا، وأقر كل واحد منهما لقرينه بالمكافأة، وفي جانب بلاد مسور القاضي العلامة شمس الدين أحمد بن محمد السلفي من بلاد مسور، واستقامت الحروب الشديدة أياماً إلى أن رجع حيدر من الصرارة، وغزا الأشمور [ق/401] إلى العرة كما سيأتي، انحاز السيد جمال الدين ومن معه من السادة إلى جهة حجة، وكذلك الفقيه وجيه الدين عبد الرحمن بن المنتصر، والقاضي شمس الدين أحمد بن محمد السلفي وغيرهم، وفي هذه حروب ووقعات منها فيما بين حيدر والسيد الضرغام الليث الهمام علي بن الحسن بن شرف الدين وهو في الأشمور كما تقدم، والسيد العلامة المجاهد عز الدين محمد بن صالح بن عبد الله الغرباني رحمة الله عليه اليد في أكثرها لجنود الحق.
[حروب العرة]
قال السيد أحمد نفع الله به: ووقع في هذه النهضة على العرة وأيامها حروب، باشر فيها السيد جمال الإسلام علي بن الحسن ضرامها بنفسه فأغاظ حيدر وأشجى حلقه ونغص عيشه، وقطع حيدر أنه لا نجاة له من السيد جمال الإسلام لما كان يرى من شدة بأسه وإقدامه وإقدام أصحابه مع قلتهم وكثرة عدوهم، وكان تسليم العرة في المرة الأخرى في شهر شوال عام ثلاث وعشرين وألف، ثم عاد السيد جمال الدين إلى عزان بني عشب، وكان [قد] أرسل الترك إليه محطة لحفظه فسبقهم إليه وغلبهم عليه وعمر فيه عمارة، وراوحه الأتراك القتال وباكروه أياماً في كلها اليد له عليهم ولا يزال منهم القتل الكثير، وأعمل الترك الحيلة بالأموال ودخلت مواضع من خلف ظهر السيد المذكور والمراتب الإمامية فعاد إلى الصرحة من بلاد عفار، واستشهد من أصحابه ستة أنفار مع الانتفال، ثم قصد الأتراك بيت علمان وفيه الفقيه عبد الرحمن كما تقدم فهزمهم جنود الحق، وقتلوا كثيراً منهم فوق الثلاثين النفر، ثم اختلت مقدمته بالمال فدخل العجم بيت عذاقة فانحدر الفقيه عبد الرحمن إلى قيلاب، هذا معنى ما ذكره السيد في هذه الجملة، ثم لا زالت الأموال تفعل حتى عادت المراتب إلى حجة بعد حروب يطول تفصيلها، وعاد أصحاب الإمام من حجة إلى الظفير، ثم غزوا منه حورة واستعادوا حجة، ثم عاد عليهم الترك وأهل البلاد بالخدع فصاروا إلى مولانا الحسين رحمه الله إلى المعبر من أعمال الظفير كما سيأتي، وهذه المراتب كلها بنظره إنما هم مقدماته وهم عدة أمراء لم نذكر منهم إلا أقل من النصف، وكل هذه القضايا في سنة ثلاث وعشرين وأربع وعشرين وألف.
[مؤازرة الحيمة للإمام]
وأما جهات الحيمة ونواحيها فقد تقدم أن حي الشيخ المجاهد فخر الدين عبد الله بن سعيد الطير رحمه الله بقي في [ق/402] الحيمة وأحوج مع هزيمة الإمام عليه السلام إلى الشام وحوزة شهارة المرة الأخرى إلى الإنفراد، وهم بالخروج من الحيمة، فلما صح له ظهور الإمام عليه السلام وانتصاره كما تقدم اجتمع إليه أهل الحيمة وقاموا معه القيام المحمود وظهرت مناقب لكبرائهم، وكان قد تقدم لهم المواقف المحمودة، والمحامد المشهودة، وغلظ جنده، وطلع بهم حضور واستولى عليه، وغزا جهات سنحان وبلاد كوكبان مراراً حتى بلغ عصر أعلى من صنعاء.
ويروى أن الباشا جعفر سلم حصته مما صالح به أهل الأملاك من أهل صنعاء وجند الظلمة في حدة وسناع وبستان عصر، وعظم جانبه وأمده الإمام عليه السلام بعيون كالقاضي العلامة سعيد بن صلاح الهبل، وسيدنا القاضي العلامة عبد الهادي بن أحمد الثلائي رحمه الله، ومن أهل الحيمة القاضي المجاهد السابق عماد الدين يحيى بن أحمد المخلافي وإليه الرئاسة في كثير من قبائل الحيمة، وله التأثير الحسن في الجهاد، ومن أهل الحيمة كثيرون كالشيخ علي بن عبد الله المنامة وغيره، ثم إن الشيخ عبد الله جعل كميناً مما يقرب من صنعاء فانتهبوا غنماً للباشا وثياباً كثيرة لأهل الصابون، وكان قد نهبوا قبلها غنماً مراراً، ولما كانت هذه النهبة الأخرى من باب السبحة وكونها للباشا عظم ذلك عليه فغضب وجمع عسكراً من العرب والعجم كثيراً، وأرسل عليهم ثلاثة أمراء من العجم منهم إسماعيل آغا، ومن العرب الأمير حسن الداعي وخمسمائة نفر من همدان، والشيخ جميل القشم وقريباً منهم من بني الحارث، ومن سنحان كذلك، ومن العرب النقيب محمد سعدان أخ سعدان الشقي وكان تلوه، وكان على العرب وهم الذين لا بنادق معهم، ثم أرسلوا بعدهم الأمير الحسين بن محمد بن ناصر الحمزي بعد أن أخرجوا من الحبس وأقاموه مقام عمه الأمير عبد القادر بن ناصر المقتول في غارب أثلة ومن معه في جانب بني مطر في الدار البيضاء.
قال السيد عيسى: وأحربه فيها بنو مطر وهزمهم وقتل منهم أنفار، ومن أصحابه كذلك، وصعدت المحاط إلى جهات حضور ولبثوا ليالي في حصن المساجد وأحربهم المجاهدون فيه حرباً لم يقعوا فيه على طائل لكثرة خيلهم، ثم زحف الظالمون إلى قرية بيت ردم المعروف، وتقدم إليهم جنود الحق وتعبوا لهم وجعلوا في مقابلة [ق/403] الخيل مراكز من الرجال أهل البسالة ومن انتدب لذلك من أهل الصبر والشجاعة، فداخلوهم بحرب عظيم قتل فيهم كثير من العجم وجنودهم ولا لخيلهم أثر بل أثرت فيها البنادق فهزموهم حتى ألجوهم إلى محطهم وأمسوا عليهم وقد قتلوا من العجم مقتلة عظيمة، فأغار مدداً لهم الأمير الحسين بن محمد الحمزي بمن معه من الخيل والرجل وقد أظهر شجاعة، وبذل للعجم نصيحته فكاد يؤثر في المسلمين فرماه جماعة منهم القاضي المجاهد أحمد بن عامر بن محمد الذماري رحمه الله تعالى فيقال: إنه الذي أصابه، وخذل الله المبطلين، وقتل منهم مقتلة عظيمة، ثم اشتدت عليهم الغارات من الحيمة وحضور وبني مطر وألجؤهم إلى البيوت وإلى الحصن، والقتل فيهم كثير، ومن المجاهدين القليل، فراسلوا طاغيتهم بالمدد وأرسل إلى كوكبان فيما أخبرني من وقف على ذلك ممن صار في جنود الحق من عسكرهم فكان الجواب أن عندنا شاغلاً أعظم، وكان النقيب محمد سعدان لا رحمه الله لين العريكة يخالط العرب ويظهر تودداً، وقد يكاتب الإمام عليه السلام ويدعي أنه مخالف لأخيه، فجرى الخطاب على يده على أن يجعلوا لجنود الظلمة وأمرائهم صلحاً ويعودون صنعاء كما خرجوا، وبذلوا مالاً فقبل منهم الشيخ عبد الله بعد أن شاور من عنده من
العلماء والرؤساء ورأوا ذلك صلاحاً فوضعوا لهم ذلك وأخذوا ما أعطوهم من الفداء، وما عجزوا عن حمله من الأثقال فإنها للمجاهدين وأفرجوا لهم فعادوا ليلاً حتى أصبحوا في باب صنعاء، وكان عظم موقع كسيرتهم هذه قريب من قضية غارب أثلة عند أهل صنعاء، واستمر الشيخ عبد الله في الحيمة وبلاد حضور على نحو ما تقدم وأشد قوة، وأمر الإمام عليه السلام الشيخ عبد الله بأن يجهز من عنده رئيساً لفتح جبل تيس فأرسل لذلك الوالد السيد جمال الدين علي بن المهدي الآنسي رحمه الله وضم إليه قبائل من الحيمة من الأحبوب والقبائل، وكان رأي الإمام عليه السلام المسارعة بدخول جبل تيس لأجل أنهم يشغلون كوكبان عن تكاثرهم على المراتب الإمامية المتقدمة في بيت علمان وبيت عذاقة من مسور وما إليها، فلما استبطأهم الإمام عليه السلام أمر من عنده السيد المجاهد عبد الله الهادي المحنكي الحيداني رحمه الله تعالى، وكانت طريقه من عند مولانا الحسين رحمه الله من حجة، ثم الخبت من بلاد نمرة وطلع قبلة جبل تيس بعسكر ليسوا بالكثير فوجد السيد علي في سافوف قد سبقه [ق/404]وضايقوا كوكبان وخرجت عليهم المحاط، وكانت المراكزة قريباً من أربعة أشهر، واستشهد الشيخ المجاهد الرئيس شمس الدين بن صلاح العزب وهو عمدة من أهل الجهاد وجماعة وكانوا في جماعة السيد علي رحمه الله ثم هزموا إلى جانب الحيمة.
[مقتل عبد الله بن الهادي]
وأما السيد عبد الله بن هادي رحمه الله فعاد جهات خبت نمرة من بلاد ابن الأهيل فتلقاه الشيخ محمد عديعد وأضافه حتى اطمأن وغدر به وقتله وتفرق أصحابه ونهب مامعه، وكانت غدرة يضرب بها المثل ثانية لغدرة الجرمي لعنهما الله {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} وكان الشقي بعدها لا يقر له قرار بل كان يغزوه أصحاب الإمام عليه السلام في أكثر الأوقات وخاف خوفاً شديداً، وجرى عليه وعلى بلده مصائب، ثم لما فتح الله البلاد على مولانا أمير المؤمنين المؤيد بالله سلام الله عليه وصل هذا المحروم وأظهر توبته وما ذاك فيما يذكر إلا خوفاً من ظهور الحق عليه، وأعطى ورثة السيد المذكور الدية، وبعد أيام أرسل الإمام عليه السلام السيد محمد بن علي المعروف بالقراع وكان قد صار إلى الظلمة وغرته هذه العاجلة، ثم إنه عاد تائباً إلى الإمام عليه السلام فأرسله أخرى لفتح جبل تيس بأمداد الحيمة، واستقر في جبل بني حبش من جبل تيس، وله حروب حسنة، وكان القاضي عماد الدين يحيى بن أحمد المخلافي رحمه الله عند الإمام عليه السلام فأرسله إلى الحيمة ممداً للسيد المذكور فخرج بجمهور أهل الحيمة، وله وللسيد محمد بن علي حروب كثيرة وطردوا من في جبل تيس من الظالمين، وغلبوا عليه أياماً ثم هزموا فعادوا الحيمة.
[أخبار خولان العالية]
وأما بلاد خولان العالية فإنهم في هذه النهضة تثاقلوا وأفسد سراياهم الترك أخذهم الله بالمال، وكان السيد العلامة شمس الدين أحمد بن علي بن الحسن الهادوي الشامي وصنوه الشهيد الهادي رحمه الله في صنعاء تلازم عليهم المقام فيها فإنهم دخلوها من بلادهم لطلب العلم فظهر فضل السيد أحمد في العلم وكان إمام مسجد الشهيدين وذكر بالعلم والفضل فراجع نفسه واستدرك ما فات من أداء ما وجب لله من الجهاد والهجرة، فندم وتاب، وخرج من صنعاء إلى بلاد خولان فكان لظهوره فيها أثر عظيم، وذكر فخيم، واجتمعت عليه خولان وغزا بهم مراراً وأمده الإمام عليه السلام بالقاضي العلامة جمال الدين علي بن أحمد بن أبي الرجال فأخرج العجم محطة إلى جبل اللوز فأحربوها [ق/405] وكادوا يأخذونها، وحصل أسباب من مشائخ خولان أهل الرهائن حتى أخرجوا الأمير محمد المعروف ببوتج من كبراء الترك وملوكهم، وكان هذا الأمير قد ملك ريمة وبلادها بعد الأمير عبد الله شلبي فإن ريمة وبلادها بقيت في يد أهلها منذ ما تقدم للباشا علي من القتل حتى استعادها عبد الله شلبي، ثم ملكها بعده الأمير محمد هذا ولما كان ما تقدم من ظهور الإمام عليه السلام ثارت عليه القبائل من ريمة ووصاب وغيرها حتى حاصروه وقتلوا من عسكره كثيراً، وقتل من القبائل كذلك، ثم أخرجوه على أخبار طويلة إلى زبيد، وجمع عسكره ووصل صنعاء فوجهوه مع غيره من أمراء صنعاء إلى بلاد خولان فاستعادها، فرجح الإمام عليه السلام عود السيد أحمد في جهة الحيمة، فصار إليها وقسمت الحيمة بينه وبين الشيخ عبد الله الطير نصفين.
وأما القاضي علي فأقام مختفياً تارة وظاهراً أخرى في بلاد خولان حتى كان ما سيأتي من استشهاد القاضي الهادي رحمه الله وطلبه الإمام عليه السلام لجمع كلمة حاشد وبكيل والقيام مقام القاضي المذكور رحمة الله عليهم.
[مؤازرة بلاد آنس للإمام]
وأما بلاد آنس فإن الفقيه المجاهد يوسف بن محمد الحماطي وهو ابن أخ سيدنا القاضي يوسف رحمه الله وصل إلى الإمام عليه السلام وطلب ولاية لفتح بلاد آنس في عام ثلاث وعشرين [1614م] ووافق وصول الشيخ مجلي بن ناصر بن راجح إلى الإمام عليه السلام وهو في أول الشباب كان مغاضباً لوالده، فاجتمع لهم من بلاد الحجرة وبعض الحيمة وحراز رجال ثم تقدموا فأجابهم أكثر بلاد آنس ووصلوا إلى حوالي بيت الشيخ أحمد الملاحي وقد انحاز فيمن عنده من العجم وأحربهم وقتل من أصحابه أربعة أنفار، ومن المجاهدين نحو عشرة أنفار، وانهمزوا إلى أسفل بلاد آنس ولم يقدروا على المعاودة، وبعدها اتفق أن حي القاضي العالم الزاهد يحيى بن إبراهيم وسيدنا القاضي عز الدين محمد بن عبد الله الغشم رأوا من الناس إجابة فقاما واستدعيا الفقيه يوسف المذكور، ووصلوا أسفل بني قشيب ووصلهم جنود الظلمة فهزموهم وأخربوا بلاد بني قشيب ولم يقعوا على طائل.