وكتب على قبره عادت بركاته (ولعلها للفقيه العلامة مطهر بن علي الضمدي رحمه الله تعالى):
هذا الضريح ضريح السيد البطل .... نجل الإمام الولي ابن الولي علي
العابد الزاهد الميمون طائره .... وقارن العلم بالإخلاص والعمل
الباذل المال لا من يكدره .... والثابت الجأش يوم الروع والوهل
الطاهر القلب من عجب ومن صلف .... ومن رياء ومن غش ومن دغل
يا سيدي يا علي يا ابن الإمام لقد .... أدركت منزلة في الفضل لم تنل
ما زلت في طلب العلياء مجتهداً .... من يوم أدركت حتى منتهى الأجل
هبطت تبغي جهاد الترك محتسباً .... لله من غير ما رهب ولا فشل
وحين أبصرك الأعداء منفرداً .... مالوا إليك فلم تجزع ولم تمل
وحين وافوك راموا أن تطاوعهم .... على الأسار فقلت القتل أشرف لي
فاستشهدوك حميداً يا أبا حسن .... ومزقوك ببيض الهند والأسل
لم يرقبوا فيك إلاً يا ابن فاطمة .... ولم يخافوا غداً من خاتم الرسل
ففاحت الأرض طيباً إذ ثويت بها .... وريع أهل التقى والفضل عن كمل
واستبشرت بك جنات النعيم معاً .... وقالت الحور والولدان حي هل
عليك أزكى صلاة الله دائمة .... تغشى ضريحك في صبح وفي طفل
[وصية الإمام لأولاده]
ومما نقل من خط القاضي العلامة ضياء الدين سعد الدين بن الحسين المسوري رحمه الله تعالى ما لفظه: ومما كتبت هذه الوصية من خط مولانا أمير المؤمنين المنصور بالله القاسم محمد صلوات الله عليه وقرأتها عليه، وذلك في سنة أربع وعشرين وألف عقيب السنة التي استشهد فيها مولانا جمال الدين علي بن أمير المؤمنين عادت بركاته: يا بني اتقوا الله يكرمكم [ق/393]، وصلوا أرحامكم يطول أعماركم ويبارك لكم في أموالكم، وتصدقوا ترزقوا، وامروا بالمعروف تخصبوا، وانهوا عن المنكر تنصروا، وأخمصوا بطونكم من أموال الناس يكن طلبكم جميلاً، وإياكم ودماء الناس فإن تبعاتها في الدارين عظيمة، وأصلحوا المال حذار جفوة مخلوق تلجؤن إليه، ونبوة زمان يقل الصبر فيه، وإذا ابتليتم بمسألة أحد فقفوا عند أولها وكفى بالرد منعاً، وأكرموا الضيف بما تجدون ولا تكلفوا له فإنكم مع ذلك تملونه، ولا تكرهونه ولا يكن لكم على طلب العلم مانع، فيستغرق أوقاتكم ولكن اقسموا أوقاتكم واجعلوا خيرها وأكثرها في طلب العلم إلا ما كان لا بد منه في صلاح مالكم في أوقاتها، وحين تدعو الضرورة إليه، وإذا طلبتم العلم فعليكم بالعلم النافع وهو علوم آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعليهم، ودعوا الإغراق فيما لا ينفع فرب طالب علم جهل ورب ساع فيما يضره، هذا مع استقامة دينكم وعدم معاونتكم للظالمين فإن لم يستقم دينكم أو حملكم ظالم على معاونته والعياذ بالله فعليكم بالفرار إلى الله، واعتمدوا على الله وتوكلوا عليه وهو سبحانه لا يضيعكم، والسلام. كتب الفقير إلى الله أمير المؤمنين
القاسم بن محمد لطف الله به آمين.
(وممن ورد على الإمام عليه السلام عقيب هذه الوقعة الكبرى الفقيه الفاضل رضي الدين أبو بكر بن عبد الله الشافعي الحضرمي رحمه الله وأنشد هذه القصيدة الرائقة والكلمة الفائقة، وكان لها موقع عظيم، وذكر فخيم، وأعطاه الإمام عليه السلام في تلك الأيام مع قلة البلاد والمواد وكثرة الوفاد ثلاثمائة طاقة كندكي ونقداً وطارت في البلاد، وهي:
قل للمنازل بالكثيب الفرقد .... يا راحلاً طاب الزمان فغرد
إن الإمام القاسم بن محمد .... فتح البلاد بأسمر ومهند
دانت له شوس الملوك مهابة .... فرمى بحد السيف كل معربد
أضحى بنو عيص بن إسحاق وهم .... من حربه في جنح ليل أسود
سلكوا طريقاً شينة أفضت بهم .... قوداً إلى درك الحضيض الأوهد
سفكوا الدماء بغير حق بعدما .... أخذوا رياش اليعربية عن يد
شربوا الخمور وجاهروا رب السما .... بتزين الولد الحسين الأمرد
[ق/394]
ولو أنهم تركوا الفساد وسلموا .... أمر الخلافة للإمام الأوحد
وأتوا إليه خاضعين بأسرهم .... لنجوا به من هول ذاك الموعد
ونجت به أموالهم ورجالهم .... وتفيأوا في ظل آل محمد
لكنهم عرفوه فاختاروا العمى .... وتمردوا في الأرض أي تمرد
فأراهم المنصور كل كريهة .... قص الرؤوس بكل قرم أمجد
أنصاره مثل النجوم وأنه .... قمر يراه كل عبد مهتدي
حاز الفصاحة والسماحة والتقى .... وحوى الشجاعة والبراعة عن يد
وإذا سألت عن العلوم فإنه .... متضلع منها كبحر مزبد
أحيا منار الدين بعد خموله .... وأباد كل مريض قلب مفسد
أفنى جنود الروم بعد فسادهم .... ولحوق آخرهم بهم فكأن قد
والطير أضحت والوحوش تفضله .... وبنصرة في طيب عيش أرغد
في كل يوم سيفه أهدى لها .... منهم لحوماً بالعشي وبالغد
ما شح في حرب العدو بنفسه .... عشرون عاماً للعدو بمرصد
أقسمت لا سمح الزمان بمثله .... الله يحشرني بزمرة سيدي
أني أتيتك يا إمام زماننا .... أرجو دعاك به يقوم تأودي
فلأنت أفضل من على وجه الثرى .... يا قائماً لله درك منتدي
عذراً أمير المؤمنين فإنني .... في بدع أبيات النشيد لمبتدي
وأنا الفرزدق فيكم يا سادتي .... عبد يعيش بحبكم فلقد هدي
أنتم مصابيح الدجى سفن النجا .... أصل التقى وذخيرة المتزود
في حبكم أشنى معاوية الخنا .... إني سألعنه ولو قطعت يدي
وبني أمية كلهم أشناهم .... إلا أبا عمرو فلست بمسعد
وأخا بني تيم أبو بكر فلست أسبه .... يا سيدي وكذا شيخ بني عدي
وعقيدتي أن الإمامة فيكم .... وسواكم أخذ الخلافة معتدي
والله لا يرضى القبيح لنفسه .... أبداً ولا يرضى لكل موحد
والله ما خلق الفساد سوى الذي .... ركب الفساد مجاهراً بتعمد
وقطعت أن الله رب لا يرى .... فلعنت كل مجسم ومجسد
[ق:/395]
هو أول هو آخر هو قادر .... هو قاهر بعطا الخلائق مبتدي
هذي عقيدة شافعي صادق .... يرجو النجاة بحب آل محمد
وعليك مني ألف ألف تحية .... ترعاك ما تلي الكتاب بمسجد
وعلى نبيك وتابعيك بأسرهم .... ما مال غصن أخضر بتأود
أوهب ريح صبا بنشرٍ طيب .... نحو المنازل بالكثيب الفرقد)
[.........................................].
[الأحداث بعد وقعة الشقات]
[ق/397] رجعنا إلى أخبار الإمام عليه السلام وما تعقب من الفتوح في اليمن بعد هذه الوقعة فإنها أطارت أفئدة الظالمين، وحيت بها قلوب أولياء الدين، لولا أمران للتمحيص ما كان عقبها إلا حصار صنعاء أحدهما ما يعقبها من وقعة الشقات وما كان من استشهاد مولانا علي بن أمير المؤمنين رحمه الله، والثاني اشتغال مولانا محمد سلام الله عليه بالأسرى والغنائم وتفاوت المجاهدين حتى خلص حيدر ومن معه من وادعة وطاروا على وجوههم إلى خمر، وكان الحاج شمس الدين رحمه الله في جانب من وادعة فلاحمهم بقوم ليسوا بالكثير لأنه وصلهم الخبر بأخذ محطتهم قبل أن يصح للحاج والقبائل فاغتمنوا الفرصة، ولما وصلوا إلى خمر ومحطتها المعروفة بحممة أراد حيدر الهرب قبل أن تعلم القبائل والعسكر الذين في خمر، وكان في جملة أمرائهم الأمير عبد الله بن مطهر بن الإمام شرف الدين عليه السلام، وكان معظماً فيهم، والأمير محمد شلبي وجماعة من أمرائهم، والأمير علي بن مطهر بن الشويع فمنع الأمير عبد الله بن مطهر الأمير حيدر من الهرب وتكلم عليه كما روى ذلك غير واحد، وقال ما هو إلا هروبك من هذا الموضع وهلكت أنت وجميع العساكر وعرف العجم للمذكور ذلك مع عدم الفراغ لملازمتهم كما سبق، فأقام العجم في خمر، وتقدمت السرايا من عند الإمام عليه السلام شرقاً وغرباً ويمناً، وأحيط بجميع محاطهم.
ولنذكر من هذه الجمل ما أمكن لكثرتها على سبيل الإختصار إن شاء الله تعالى لما استقر المخذول في خمر صارت مراتب الإمام عليه السلام محيطة به فدخل أصحاب الإمام عليه السلام الجراف والعيانة، وخيران، والنائف، والسنتين وحازت جنود الحق من جميع الجهات، وفي هذه حروب مهيلة، وقضايا طويلة.
أخبرني السيد المجاهد عبد الله بن محمد صبح الغرباني القاسمي والسيد المجاهد مطهر بن ناصر الدين الحمزي المعروف بسحلة، وصنوه السيد علي بن زين العابدين والسيد علي بن محمد بن شمس الدين الغرباني أنهم أحصوا الحروب والمغازي في هذه الأيام على المسيجد من بلاد غشم ما يقرب من سبعين وقعة في أكثرها يدخل جنود الظلمة عليهم شوارعها وينهزمون، وفيها السيدان المجاهدان ناصر بن محمد صبح، والسيد أحمد بن محمد الحيداني [ق/398]رحمه الله، وفي النائف قريب منهما السيد المجاهد عز الدين محمد بن عامر بن علي بن عم مولانا الإمام عليه السلام، وفي خيران ما يتصل بمحطة خمر قريب من ذلك، والحاج شمس الدين أحمد بن عواض رحمه الله في غيل مغدف بلاد الأشراف، و بقي مدة يراوح العجم ويراوحوه.
وأخبرني السيد مطهر بن ناصر الدين الحمزي رحمه الله وكان في جماعته أنه أحصى في تلك المراكز أربعة وستين حرباً اليد في أكثرها لجنود الحق، وكان قبلها قد تقدم السيد العلامة ناصر بن محمد المعروف بصبح أطال الله بقاه إلى بني عبد وأبلى في تلك المرتبة، ولهم عليه حروب كثيرة أظنها أقل مما في جانب الحاج شمس الدين رحمه الله.
وفيها القضية العظيمة وهي أنهم حاصروه في بلد يسمى بيت الدرسي من بلاد بني عبد وأحاطوا به وكادوا يستأصلونه فيها، وقد قتل هو وأصحابه من جنودهم مقتلة عظيمة، ثم أفرده أهل البلاد واستأصل العجم البلاد فخرج السيد في حال الملاحمة يريد الإلتجاء بقرية أسفل من موضعه فيها جماعة من المجاهدين محصورين ويتصل بالغارة مع الحاج شمس الدين رحمه الله وغيره، فألجئ إلى بيت من بيوت العنب فدخلها هو وأخوه السيد عبد الله بن محمد والحاج صالح بن عبد الله حاجب الإمام عليه السلام فأحاطوا بهم، وقتلوا بالبنادق جماعة من العجم ما يقرب من الأربعين النفر وأيسوا من أنفسهم، فوصل طاغيتهم الأمير حيدر مغيراً ومركزه في الظاهر، فسأل كم المحتازون في تلك القصبة؟ فقيل: أربعة أنفار أو خمسة، فقال: اتركوهم وارتفعوا فإنهم لا يؤخذون حتى يقتلوا كثيراً أو كما قال، ولا علم له بأن السيد فيهم، وهذا من لطف الله سبحانه، فخرجوا سالمين، والحمد لله رب العالمين، وهدم العجم البلد وقد قتلوا من أهلها كثيراً فوق مائتي نفس صغاراً وكباراً حتى لقد قتلوا نساء قاتلهم الله ولعنهم.
ويروى أن بعض العرب الذين مع العجم احتز رأس عجوز زمنة في غاية الضعف وطرحها عند طاغيتهم مع الرؤوس فضحكوا عليه، فقال: هذه جدة الزيدية وأعطوه مالاً وزادوا في عطاه، وعادت المراكز غيل مغدف من بلاد الميقاع، والمراتب المتقدمة على حالها.
[أخبار جهات المشرق]
وأما جهات المشرق فقد تقدم أن فيها القاضي الهادي رحمه الله، والفقيه المجاهد [ق/399] عز الدين بن علي الأكوع، والشيخ صالح بن محمد حمران رحمهما الله فكانوا تارة يدخلون إلى جانب خمر ويقطعون ما بين محطة حممة والصرارة وما بين خمر وحمومة، ولهم مواقف حميدة، وملاحم عديدة كحرب السنتين والعجم قد جعلوا فيها محطة تحفظ لهم الطريق إلى صرارة وعمران مع الأمير أحمد بن عبد الرحمن.
قال السيد عيسى بمشورة الأمير عبد الله بن مطهر بن الإمام كما تقدم فحفظت لهم الطريق، وأما نقيل عجيب فقد قطعهم المجاهدون فلا يصلهم من جهته مدد وتنقلت هذه المراتب إلى حوالي كولة آل أبي الحسين من بني صريم وغيرها، وأعلى مرهبة وفي أكثرها حروب دون ما تقدم، وفي القليعة من الكلبيين وغيرها حتى أن الرتب ممتدة إلى حمدة البون وإلى أبرق جبل عيال يزيد، وإلى جانب الصيد وإلى بلاد الخشب مما يقرب من صنعاء وطمعهم في تلك البلاد أقل فالحرب عليهم في هذه النهضة أخف من جهات القبلة.
وأما بلاد شظب ونواحي بلاد الطرف فتقدمت إليهم الجنود، واستقرت المراتب في سهران من أعلى الأقهوم وما إليها من بلاد حنب وبني حيس الأعرام وهم جماعة من المجاهدين منهم الشيخ [..............] والقاضي جمال الدين علي بن أحمد بن أبي الرجال، والفقيه قاسم بن سعيد الشهاري وغيرهم، والحروب عليهم لا تزال.
[وقعة الزافن]
وأما بلاد عفار ونواحي كحلان وما إليها فتقدم إليها السيد المجاهد المنصور جمال الدين علي بن الحسن بن شرف الدين الحمزي وأخوه السيد شمس الدين أحمد بن الحسن، والسيد عز الدين محمد بن صالح بن عبد الله القاسمي وغيرهم، وكان عليهم السيد علي فاستولوا على جميع بلاد كحلان وبلاد عفار وانتهوا إلى حصن مدع والأشمور، ولهم في تلك الجهات حروب على نحو ما تقدم، وفيها قتلة الزافن معروفة على يد السيد جمال الدين رحمه الله، وذلك أنه كان للترك في الزافن رتبة فغزاها السيد جمال الدين ومن معه من المجاهدين فأحاطوا بها، وكان السيد جمال الدين رحمه الله في جانب مدع فأغار عليهم، وكان رحمه الله من سرعان الغارة وأول من وضع فيهم السيف وأحصى له عدة من القتلى في هذه الوقعة فهزموا الظالمين وقتل من جنودهم كثيرون، وكانت وقعة كبرى مما قلل الله بها شرهم، وكان في قرية مدع محطة من الأتراك [ق/400]، وكان السيد جمال الدين مراكز لهم فلما رأوا وقعة الزافن ووقعة الرتبة في حجر بني الفليحي فهي في يوم ولوا هاربين إلى حضور الشيخ.