وقال السيد أحمد نفع الله به في أخبار غارب أثلة من نحو ما تقدم ما لفظه: ومن العجائب أن خبر هذه الوقعة بلغ إلى كوكبان ذلك اليوم وهو يوم الإثنين وبلغ أيضاً خبر نزول الأتراك من وادعة إلى بلاد عذر ذلك الوقت الذي دخلوا فيه قرن الوعر وهو بعد العصر ثاني عشر جمادى الأول.
أخبرني السيد العالم الكبير المهدي بن إبراهيم بن جحاف رحمه الله.
قلت: وأخبرني القاضي العلامة أحمد بن سعد الدين أطال الله بقاه أنهم تحدثوا بهذه الواقعة باسمها واسم الموقع في بلاد الشرف قبل الوقعة بنحو شهرين، ومثل هذه ذكر في سيرة الإمام الأعظم المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام أنهم تحدثوا بفتح صنعاء في منى، وكان الفتح في ربيع الأول أو صفر -الشك مني- فيتحقق في السير وإنما المقصود أنها نظير هذه بل أكثر مدة، وقد ذكر فيما سبق كثيراً ولا أدري إلى ما يرجع ذلك، فسبحان من أحاط بكل شيء علماً.
نعم، وسمعت من بعض من كان مع الظالمين أن أول خبر وصل حيدر إلى وادعة من رجل يسمى علي سقا كان مع المحطة ووقع فيه صوائب كلها غير حائفة، ولكنها كثيرة قل من لحمه ما لم يكن فيه موضع سليم من ضربة أوطعنة ففرغ بعد الوقعة في الليل لقوته حتى وصل حيدر صباحاً فأخبره الخبر وأظنه قال مات بعدها، وضرب جنود العجم المثل بذلك حتى إنهم يقولون فيمن بالغوا في إثخانه وقتله: قتلة علي سقا. والله أعلم.
نعم، وأخبرني الشيخ محمد القارني [ق/387] وكان شاوشاً مع الإمام عليه السلام وهو من مشائخ قارن أن الإمام عليه السلام قبل وقعة عرو والذواهب رق عسكره وقل ناصرهم والإمداد إليه، فطلع أعلى صخرة في بعض بلاد خولان وناداني أفرق في الناس ما بقي من الدقيق فأخذت أباشر ذلك بنفسي وأتحرك لتفريقه وقد علاني غباره وأنا أرجو في تلك الحال دعوة منه عليه السلام صالحة، فلما فرغت دعاني فوصلت إليه وإذا هو متغير اللون، فقال: هذه المشقة وما ترى مما اتفق من أسر الولد الحسن والشيخ علي بن عبد الملك القارني فيه أعظم عذر سلط الله عليه الترك وكرر ذلك، قال: فقطعت بهلاك الشيخ المذكور وهو من قرابتي وذكر آخرين معه، ووقع في نفسي عطف رحيم على المذكور، قال فقام رجل وقال: يا مولانا وأهل وادي عقار جلبوا العنب طرياً للترك ولم يكن العنب إلا معهم، فقال وهو مغضب أيضاً: عقر الله عنبهم ومحق بركتهم أو كما قال، ثم قام آخر وقال: أهل قرية جدر من مخاليف صنعاء الذين يمدون الترك بالدقيق إلى محطتهم، قال فتغير أخرى وقال: وما معي لهم يعينوهم عليّ جدر الله عليهم الرحمة، قال فما كان أقل من شهر إلا والخبر عندنا أن الترك أخذهم الله قتلوا الشيخ علي القارني بأن سلخوا جلده وهو حي يصيح ويقول: الله الله في الإمام فإنما صرت فيما ترون لما خنته، وأنهم قتلوه في الأسبوع الذي دعا عليه الإمام عليه السلام فيه، والذي أعانهم أهلكهم الله بما لا أتحقق تفصيله.
وأما وادي عقار فأرسل الله عليهم الجدب المتتابع حتى يبس العنب وأذوى وبقي بعض سنين، ووصل أهله يستعطفون الإمام عليه السلام فعاد لهم دون المعتاد، وهذه القضية ظاهرة مشهورة.
وأما قرية جدر فكذلك حتى خربت وتقلع أهلها من الجدب المختص بها، ولما طال وصلوا مع الفقيه الفاضل صالح بن جابر العلماني تائبين ووصلوا بنذور فعاد دون المعتاد، وهذه في الشهرة أعظم من قضية عقار. انتهى.
وجمعنا ذلك في هذا الموضع لقصد اجتماع الفائدة، رجعنا إلى تمام الحوادث بعد قضية غارب أثلة.
فصل: ولما انقضت هذه الملحمة وكان مولانا علي بن أمير المؤمنين رضوان الله عليه في حصار صعدة ولهم حولها ملاحم عديدة، وقضايا هائلة، واستشهد في أيامها الأمير الشهيد الفارس الصنديد أحمد بن محمد الأخرم الجوفي وكان فيما يقال عليه ثلث القتال على صعدة، واستشهد الشيخ الفارس عوض بن نسر القحطاني من الحرجة، وكان تلو الأمير أحمد في الفراسة [ق/388]، ولغيرهم ذكر حسن مثل الشيخ ابن عرفج والفقيه المجاهد أحمد بن محمد ملقاط وغيرهم، وكان مولانا الحسين رضوان الله عليه معهم في تلك القضايا، ومولانا علي بن أمير المؤمنين عليه السلام بقي على أمر الجنود الإمامية، وكان فارساً شجاعاً بطلاً يعرف له ذلك الموالف والمخالف، وكان الإمام عليه السلام يخاف عليه كثيراً حتى لقد أرسل من يقبض حصانه لكثرة مباشرة الحروب الشديدة.
[وقعة الشقات واستشهاد علي بن الإمام القاسم]
فلما وصل خبر هذه الوقعة في غارب أثلة انحدر من جبل حسن إلى موضع أعلى من الصعيد يسمى الشقات قريباً من محطة العجم، وكان أمراؤهم قد عرفوا المقتلة الهائلة في غارب أثلة وهم يدبرون الحيلة في الخطاب أو الدخول المدينة ويحتازون فيها حتى ينظروا في أمرهم كما أخبرني من كان في جملتهم وصار إلى دولة الحق من غير واحد من الناس فلم يشعروا إلا بوصول مولانا علي بن أمير المؤمنين رحمة الله عليه، والسيد شمس الدين أحمد بن الإمام الحسن في جانب من ذلك الموضع، واغتنم الأمير صفر الفرصة بالقتال بالعسكر من أصحابه قبل أن يعلموا بالواقع، فخرج عليه السلام عليه طائفتان فانهزم السيد أحمد بن الحسن وأحيط بمولانا علي بن أمير المؤمنين عليه السلام فقتل من أصحابه ما يقرب من ثلاثمائة، واستشهد رضوان الله عليه وقد أبلى بلاء حسناً، واحتز رأسه الشريف.
قال السيد عيسى: وكانت الوقعة في جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وألف [مارس 1615م]، وعاد العجم إلى محاطهم وأخبروا جنودهم وقالوا هذه بتلك أو كما قالوا فخف الحصار على صعدة ونالوا من الطرقات بعدها والأطراف، وتحدث الناس بأن السيد أحمد بن الحسن الذي عامل في مولانا علي رحمة الله عليه وكان إليه ولاية بلاد خولان، فأمر الإمام عليه السلام السيد العلامة الأفضل عبد الله بن محمد المحرابي لولايتها والقيام بها، وأمر السيد أحمد أن يلزم بيته، وكثرت عليه المقالة فكاتب الظلمة وصار إلى صعدة فعظموه، وغزا بهم مغازي حتى أفرج عن صعدة وبقي المجاهدون مع السادة في جانب فللة وفي علاف، ثم إنهم تحدثوا أنهم يطلبون له صنجقاً وأنهم طلبوه من صنعاء كما أخبرني الفقيه الأديب ناصر الحاصبي الحيمي وكان كاتباً مع العجم في صعدة في تلك المدة، قال: فلما رآهم في غاية الإعظام له توهم أنهم يريدون اغتياله وأنه لا صحة لما قالوه وكان قد أدخل ولده السيد المجاهد العالم عز الدين محمد بن أحمد بن أمير المؤمنين أطال الله بقاه وهو ابن نحو من [ق/389]عشر سنين فخاف أن يأخذوه رهينة فكاتب السادة الفضلاء سراً السيد عز الدين محمد بن أحمد بن عز الدين المعروف بابن حورية، والسيد شمس الدين أحمد بن المهدي فلقوه إلى بعض أودية فللة مما يقرب من بني حذيفة، وقد خرج رئيسان من أعوان العجم وعسكرهما على أنهم يغزون معه السادة وقد أمكنته فرصة في جانبهم، فلما قرب منهم وانفرد من أصحابه وولده في ظهره على السرج ولا علم للعجم إلا أنه في صعدة، ثم لقي بني عمه وصار إليهم مدد الترك أخذهم الله،
وأمر الترك بالرجوع، ثم حشد للجهاد وتاب وأظهر التوبة والندم، وقد عرف مواضع مدد الترك أخذهم الله.
قال الفقيه ناصر بن صلاح الحاصبي: فكان عليهم أعظم مما كانوا بالقرب منهم على صعدة وقل عليهم الطعام حتى كادوا يهلكون، قال الفقيه ناصر المذكور: وانقطع عليهم المدد من صنعاء بالجامكية أربعة أشهر فوصلهم كتاب من الأمير عابدين بن مطهر بن الشويع من عيان أن جامكية العسكر لها أربعة أشهر عندي ذهباً أحمر ولم أجد من يوصلها، فأجابه الأمير صفر هذا إنكم تلقون بها إلى العيون من بلاد آل عامر، ثم جعل على المحطة فلاناً من العجم وخرج في الخيل وبعض البنادق، ثم جعل مركزين حتى اتصل بأولئك حوالي العيون وقبض الجامكية، ووصلته الغوائر فناوشوه، وقتل من أصحابه جماعة، ومن المجاهدين أقل، وعاد فاحتالوا باغتيال السيد العلامة محمد بن أحمد بن عز الدين رحمه الله فقتل ليلاً في هجرة فللة على ضوء السراج، ثم احتالوا بعد ذلك بأن دسوا السم للسيد أحمد بن الإمام الحسن رحمه الله ودفن مع ابن عمه في فللة.
رجعنا إلى تمام أخبار مولانا علي بن أمير المؤمنين عليه السلام فإن العجم أخذوا رأسه الشريف، وسلخوه وأرسلوا بجلدة رأسه إلى صنعاء وكان حامله من سفيان، فلما وصل به إلى بلاد وقف على أمره منصور وصالح التامين وهما أخوان من قوم يعرفون بآل جبير فقتلا حامله وأخذا رأس صاحبهما وحملاه إلى الإمام عليه السلام.
وأما رأسه الشريف فحمل إلى الإمام عليه السلام من صعدة فأمر الإمام بدفنه في الحال.
أخبرني حي الحاج عبد الله أبو شفلوت الحاجب أنه الذي دفنه في موضع معروف الآن عند قبر السيد العلامة علي بن صلاح العبالي رحمه الله ولم يصل عليه مولانا عليه السلام كما هو المختار من مذهب الهادي عليه السلام، وهذا المسجد هو الذي أسسه فإنه معروف بمسجد علي بن الإمام، وجسده الشريف احتمله الشيخ المجاهد شمس الدين أحمد بن علي بن [ق/390] كباس السحاري من أهل علاف وكفنه ودفنه عنده، وابتنى عليه مشهداً فهو هناك مزور مشهور رضوان الله عليه.
[مراثي في علي بن الإمام]
ومما قيل من المراثي ما قاله القاضي العلامة جمال الدين علي بن الحسين المسوري وهي هذه مخاطباً للإمام عليه السلام:
محلك أعلى أن ترى الدهر باكياً .... على من غدا في جنة الخلد ثاويا
وإن كان قد أشجى المعالي فراقه .... وضعضع منها منزلاً كان ساميا
فقد صار في دار النعيم محله .... علياً وللحور الحسان مدانيا
يطاف عليه بالكؤوس ويكتسي .... بها سندساً عضاً ويحلى لآليا
هنيئاً له أن بات لله مرضياً .... وعنه فرب العرش قد صار راضياً
فتى نازل الأعداء قبل احتلامه .... لهم لم يزل كأس المنية ساقيا
فتى علق الحرب العوان فلم يزل .... إليها على الحال الكريهة ساعيا
بغير المواضي البيض ما كان مولعاً .... كأن المواضي البيض بيضاً صوافياً
سواء عليه أن يلاقي جحفلاً .... بحرب وأن يلقى صديقاً مواتياً
ويغشى المنايا راغباً غير راهب .... أكان يرى أن المنايا أمانياً
بعزم به لو يطلب الشهب نالها .... وألقت إلى كفيه منها النواصيا
أقاتله تبت يداك لقد غدرت .... بقتلك إياه المعالي عواريا
وعطل جيد المجد من جوهر الوفاء .... وأصبح دوح الفضل ظمآن ذاويا
جمال الهدى بوساً ليومك إنه .... ليوم أرانا زند بلواه واريا
وأدنى إلينا الحزن بعد انتزاحه .... وقربه منا وقد صار قاصيا
وقرح أكباداً وروع أنفساً .... وصعد أنفاساً وهاج بواكيا
وأسبل دمعاً ما جرى قط قبله .... ومن بعده قد أحجل الغيث ساريا
أناعيه إن كنت لم تدر من له .... نعيت فيا قبحاً لمثلك ناعيا
وإن كنت قد حققت من هو فما الذي .... أتيت به قل لي وقبحت آتيا
أتيت إلينا ناعياً لمكارم .... هوت وغدى منهن ذي الدهر خاليا
لبأس يقود الأسد وهي خوادر .... ويجري على هام السماك المذاكيا
وجود لو أن الغيث ساواه واكفاً .... لأصبح وجه الأرض كالبحر طاميا
وسلك حلت من الشريعة جيدها .... وشادت به بعد انهدام مبانيا
[ق/391]
وصبر إليه الصبر يعزى وهمة .... تسهل للراقي المعالي المراقيا
فيا دهر لا تشمت بنا فلنا بمن .... تقدم منا أسوة فهي ماهيا
أليس علي ذاق بالسيف حتفه .... وكم مرة روى السيوف المواضيا
كذاك ابنه السبط الحسين وأهله .... مضوا ولعاب السيف يقطر قانيا
كذا زيد البحر الخضم سقى الثرى .... دم منه إذ أمسى إلى الله داعيا
وهل كابنه يحيى بن زيد وقد غدى .... دم منه في أرض الأعاجم جاريا
ونفس ابن عبد الله نفس زكية .... أعد لها الدهر الخؤون الدواهيا
فسالت على حد الحسام ولم يزل .... كذا الدهر للآل الكرام معاديا
وإخوته ذاقوا الذي ذاق بعدها .... رمى بهم ريب الزمان المراميا
وفي فخ قد ضاقت من الآل أنفس .... سقى دمها ترباً هنالك ضاحيا
وما زال من أولاد أحمد قائم .... يرى الموت من داء المذلة شافيا
يجاهد في الرحمن حق جهاده .... فيهلك جبار ويردع عاصيا
ويرفع من دين الإله منارة .... ويظهر نور منه قد كان خافيا
ويطلب ما عند الإله ببذل ما .... يعز فيفني نفسه والذراريا
وثوقاً بوعد الله جل جلاله .... لمن كان عن دين الإله محاميا
وعزة نفس لا ترى الذل مذهباً .... ولو نال من يمسي عليه الدراريا
وصوناً لأصل لو يحل رداه .... على الليل عاد الليل بالصبح زاريا
فصبراً أمير المؤمنين فإنه .... الزمان على الأحرار ما زال باغيا
ومثل من لقى الخطوب بهمة .... وصبراً يهد الشامخات الرواسيا
ألست على رزء الأسير أريتنا .... احتمالاً وصبراً باذخاً متعاليا
وألهمتنا يا ابن الكرام إلى التي .... هي التي ترد بها ناب المكاره نابيا
إلى حلة الصبر التي من سمى لها .... وألهمها لم يلق للدهر شاكيا
وأن ابنك الماضي وإن حل رزؤه .... لأغبط ممن صار في السجن عانيا
وأشرف إن لم يدفع الموت دافع .... لدى الفضل أن يلقى إلى القتل ساعيا
فموت الفتى بالسيف غنم وهل ترى .... من الناس من أمسى على الدهر باقيا
وأبشر أمير المؤمنين بنصرة .... بها الملك القهار يفني الأعاديا
[ق/392]
ويمكن منهم عاجلاً ويذيقهم .... بواراً ويفنيهم قريباً ونائيا
ففوض إليه الأمر في كل حالة .... تجده تعالى منهم لك كافيا
وأرسل إليهم من دعاتك عسكراً .... تهد به أمصارهم والصياصيا
فيغدوا وإن شادوا الحصون عليهم .... فيترك ما شادوه منهن خاويا
ولا زلت منصوراً معاناً مؤيداً .... مسدد آراء كريماً مساعيا