[أخبار صعدة وبلاد الشام]
ولنرجع إلى أخبار صعدة وبلادها قد ذكرنا تقرر السيد الفاضل علي بن أمير المؤمنين قدس الله روحه في سودة عرو والسيد شمس الدين أحمد بن الإمام الحسن في الحضائر وأن الإمام عليه السلام يتردد في جانب بلاد خولان وقد كادت بلاد المغارب تختل كما أخبرني الفقيه الكاتب ناصر بن صلاح الحاصبي وغيره ممن كان مع العجم في صعدة أنهم وسطوا من يريد خذلان الحق وأهله على موالاة كثير من عيون الشام منهم السيد أحمد بن الإمام الحسن عليه السلام وأنه ممن اختل وكاتب، فقال قائل لحيدر: إذا أنت تدخل الشام بهذه العساكر والخزائن وكذا ثم تعطي وتداري إنك لعاجز ما هو إلا هزيمة المركزين عرو والحضائر وأخذهما وإذا أهل الشام يعطونك الإتاوة ما أنت الذي تعطيهم أو كما قالوا، لما يريد الله نصرة دينه وخذلان الباطل وشياطينه، وكانت محطة عرو قد تفاوت منها كثير فما يجاوز من فيها ثلاثمائة إلا بالقليل.
قال السيد أحمد نفع الله به: إن عسكر علي بن الإمام عليه السلام نحو المائتين، فتجهز عليهما الأمير رستام الرومي وكان من شياطينهم، وجعلوا معه نحو الألف من حماتهم وشجعانهم فيهم سبعمائة بندق من عيون عسكرهم، هكذا أخبرني من شهد الوقعة.
قال السيد أحمد بن محمد نفع الله به: إنماهم أربعمائة نفر أصحاب رستام وأرسلوا على محطة الحضائر الأمير أحمد الأخرم التركي وكان من دهاة حربهم المعروفين بالشجاعة والتدبير في مثلهم، وكانت طريق الأخرم وأصحابه أقرب لكونها أسهل فأصبحوا على السيد شمس الدين ومن معه فأحاطوا بهم في القرية ولزموا أطرافها فانهزم لما يريد الله ودخلت القرية وارتفع فيمن معه فرضى الأخرم بإستيلائه على البلد وقد نجا أهلها بنفوسهم، وكان مولانا علي بن أمير المؤمنين رحمة الله عليه قد عرف من عيونه أنهم قد خرجوا من صعدة غازين له فانتظرهم من قبل طلوع الفجر فأرسل من يحفظ الطريق بمعنى يعرف طريقهم فإن لهم طريقين، وأمر المقدم على الطريق أن يرمي ببندق إعلاماً أنهم سلكوا تلك الطريق ففعل، وتأهب ابن الإمام عليه السلام وكان أرسل جمهور عسكره مع السيد عبد الله السويدي لحفظ الطريق الأخرى فكانوا فيها حتى سمعوا [ق/367] الحرب على ابن الإمام فلحقوا به كما سيأتي قريباً إن شاء الله، ولما انفصل أصحاب مولانا علي وهم السيد عبد الله ومن معه كما أخبرني الفقيه علي بن قاسم البرطي وبعض أصحابه عليه السلام وغابوا عنه وانتشر الفجر وحصل الضياء وإذا بأول العجم أصحاب رستام في أطرافهم ثم نظروا المحطة في أثرهم بما لا قبل لهم به فعزموا على الهزيمة، فلاحمهم من أول جنود الظالمين النقيب أحمد الأسد اليافعي وكان من المشهورين في جندهم بالشجاعة فصاح بمولانا علي بن أمير المؤمنين عليه السلام وقال له: إذا كنت ابن الإمام المنصور فاثبت لنا هذه الساعة الله المستعان إن كان لم يكن ابن الإمام
الحسن فما استقمتم لنا بعده يريد لعنه الله تحريضه على الاستقامة للطمع الذي قد داخله فيه لأنه لم ير معه إلا عصابة يسيرة نحو أربعين نفراً، قال: فلما سمعه عاد على كره من أصحابه وأطلع حصانه أعلى أكمة وبغلة وكذا ثقله، وجعلوا على ذلك المكان مترساً مستطيلاً ومن تحته مثله، وانقسموا فيهما وظهرهم وعر فلا يخافون من ورائهم ويتصل بهم المدد من قبائل خولان، وأحاط بهم جنود الظالمين حتى كادوا يأخذونهم قبضاً بالأيدي وهم يدافعونهم حتى كادوا يهلكون، وقد قتلوا من العجم كثيراً وقتل منهم أيضاً.
وأما أصحاب مولانا علي عليه السلام وهم السيد عبد الله وأصحابه فإنهم لما سمعوا الحرب عادوا ناشرين رايتهم يضربون مرفعهم مجدين وقد خالطهم الشجن على مولانا علي رحمه الله فوصلوا والحرب قائمة فكانوا في ناحية المشرق في غير جهة ابن الإمام والعجم في ناحية المغرب فكانت الشمس إلى وجوه الظالمين فلا يستطيعون للرمي، ثم وصل السيد المقام شمس الدين أحمد بن الإمام الحسن فضايقوهم وصاروا إلى أكمة سوداء أعلى عرو وقد كثرت المواد لجنود الحق، وفي كل حين يزيد عددهم وينقص من عدد العجم لكثرة من قتل منهم حتى ضايقوه وجعلوا على نفوسهم مثل ما فعل مولانا علي عليه السلام أول النهار ولا شيء عندهم من الماء حتى عظم عليهم الأمر وكثرت الغوائر والأمداد حتى إن من قبائل خولان من كان ينهب البندق من يد العجمي وقد أسقط الفتيلة في الباروت فيضرب البندق بين أيديهما وقد يقتل أحدهما أو من حاذاهما حتى عظم الأمر على العجم وهم في انتظار غارة لهم، فخاطبوا فأجابهم للخطاب الشيخ الشجاع المجاهد محمد بن صلاح البحش الأسدي وقال، لا أجب إلا أميركم فأروني هو فأروه فقتله، وقد كان هذا الأمير عرف أنه مأخوذ فجمع ما معهم من الباروت [ق/368]والرصاص والنقد والسلاح والأثاث وحرقها بالنار لئلا تصير غنيمة للمجاهدين، ولما قتل أميرهم فشلوا وطلع عليهم جنود الحق فقتلوهم على آخرهم وغنموا الغنائم الواسعة، وأصدق الله كلام الإمام عليه السلام في قوله: هم لكم قلوا أو كثروا، وكانت هذه الوقعة يوم الأربعاء لأيام مضت من ربيع الأول من عام ثلاث وعشرين وألف [يونيو 1614م]، واستشهد من عموم
المجاهدين نحو سبعين نفراً، ولما انقضت الوقعة سار مولانا علي رحمه الله من ساعته فصلى العصر فوق الحضائر من جهة الشام، وأحمد بن الإمام الحسن استقر على الحضائر فحاصروا الأخرم تلك الليلة وهي ليلة الخميس ويومها وليلة الجمعة، وكان الإمام عليه السلام في ذلك اليوم في جانب بني ذؤيب فأغار من هناك حتى عاد جهات حيدان وسارعت من عنده المواد وقد غنم الناس الغنائم التي لا تخطر ببال من السلاح الحسن وغيرها من الآلات والنقود الواسعة حتى يروى أن بعض من غنم قروشاً كثيرة وقد أحرقها الباروت كما تقدم ظنها رصاصاً فباعها رخيصاً من سعر الرصاص ولا علم للبائع ولا للمشتري أنها فضة إلا بعد أن عرفها غيرهما، وقضايا من ذلك كثيرة والحمد لله رب العالمين.
[الأمير حيدر يغير لنجدة أصحابه]
وأما الأمير حيدر لعنه الله فإنه لما بلغه قتل العسكر في عرو وحصارهم في الحضائر نحر وتجبر وركب من حينه إلى علاف، ولما كان اليوم الثاني وزهو صبح يوم الجمعة وقد وصلت أمداد الإمام عليه السلام كما تقدم وصل طاغيتهم الأمير حيدر بجموع هائلة فوق جنود الحق أعلى الجبل وأفرجوا عن الأخرم والمحصورين وحصل معهم بعض فشل لما رأوا من كثرة جنوده، ومولانا علي يشددهم ويقول فيما بين ذلك: ما همهم إلا استخراج أصحابهم، ولما اتصلوا ببعضهم بعضاً انحدروا في وادي الذواهب فلاحمهم المجاهدون من بعيد، ولما صار حيدر في وسط الوادي قيل له قد صار الحرب أول القوم فحمل بحصانه قاصداً للغارة فتوهم أصحابه أنه منهزم يريد النجاة بنفسه فقط فهرب كل منهم لوجهه فحينئذ ألحم فيهم السيف أجناد الحق ضر باً وطعناً، وكانوا يعمدون إلى آخر القوم فيقتطعون منهم ثلاثين أربعين نفراً فيقتلونهم، ثم كذلك حتى قتل منهم زهاء ألف وثلاثمائة نفر من غير الخيل والجمال، وقتل من أمرائهم الأمير هادي بن حميضة الجوفي.
قال الصنو السيد الفاضل المجاهد أحمد بن هادي بن هارون أطال الله بقاه: إنها وصلت غارة نافعة من جهة بني جماعة في آخر وادي علاف [ق/369] فكان حيدر يتضرب يجتمع إليه عسكره ويضرب فيمن أدبر منهم بالسيف، وكلما رأوه يدبر ظنوه منهزماً حتى أن العجم التزموا الأمير هادي بن جمعان على أنه عربي وشريف يستجيرون به فقتل وهم يتعلقون به، وطار طاغيتهم لوجهه وقد قتل من جنوده بيده لما انهزموا وقد أصابهم الذل والفشل عقيب ذلك حتى عاد إلى محطته الخبيثة وقتل من أصحابه ألف وسبعمائة نفر، ومن المجاهدين جماعة، ثم تقدمت جنود الحق لحصاره إلى صعدة كما سيأتي.
[قتل الأمير الأخرم]
وأما الأمير أحمد الأخرم فإنه لما تكلم عليه حيدر وهم بقتله بقي في جنودهم إلى الليل وأخذ له دليلاً إلى الإمام عليه السلام فوصل موضعاً يسمى الركوب فتلقاه بعض المجاهدين ولم يعرفوا أنه هارب، وعرفهم أنه الأمير أحمد الأخرم فعاجلوه بالقتل واحتزوا رأسه وحملوه إلى الإمام عليه السلام.
أخبرني الصنو السيد الفاضل أحمد بن الهادي بن هارون قال: كنت صغيراً في سطح في بيتنا في الحبحب ورأيت الأخرم وفارساً معه ورجلاً من أهل صعدة سماه وهو منغمس دم وسيفه في يده جرده فأرسل صاحبيه لجهاتهما وأنا أنظر، ثم عاد الطريق بعد أن شرب وأكل شيئاً من القات وأوهم صاحبيه أنهما يقدما ببشرى بسلامته فعادا فلم يجداه، قال: وأكثرا علينا السؤال حتى خفناهم وهم يبكون عليه، وكانت قضيته ما تقدم فأخذه الإمام عليه السلام ورأس رستام وبعث بهما مع البريد إلى شهارة حرسها الله، وكان لوصلهما موقع فأمر محمد ابن الإمام عليه السلام بنصبهما وأن يطاف بهما على شهارة ليرى ذلك الأهنوم وغيرهم ويبلغ ابن المعافا، ثم احتال مولانا محمد عليه السلام بإرسال الرأسين إلى الهجر، وقيل: إنما أرسل الإمام عليه السلام برأس الأخرم ليعرفونه بالتجديع لأنه مجدع الأنف والأذن وأرسل بهما إلى هنالك وقد أطلع ابن المعافا رتبة من الهجر إلى جبل ذري ثم إلى بيت بني مياح من أعمال بني حمزة، وحصل لوصولهما شهارة البشرى العظيمة والمسرة الفخيمة وقل إرجاف المرجفين.
قال القاضي العلامة أحمد بن سعد الدين أطال الله بقاه: إنه كان في أيام هذه الوقعة في جهة الشرف وأنه سمع من يخبر بالقضية على ما كانت قبل كونها بخمسة عشر يوماً. قال لي بذلك شفاهاً ونقلت معناها من كتابه أيضاً.
[حصار ابن المعافا]
قال السيد أحمد نفع الله به: وكان جعفر باشا قد ندم على نقض الصلح فأمر الشيخ ناصر بن علي المحبشي أن يستوقف الإمام في الشام ويسعى في الصلح الأول فلم يجبه الإمام لأنه قد لزمه لخولان الشام [ق/370] حق فلا يسلمه للعجم لأنهم شرطوا على ما كان عليه من البلاد الأولى، فكانت هذه الوقعة ورسولهم عنده ثم إن الإمام محمد عليه السلام أرسل إلى أهل سيران أن طريقنا عليكم لقتال العدو وإياكم أن تعرضونا أو تحذروه، واستوثق ثم خرج منفرداً، وتلاحق السادة والعسكر المنصورة وكانوا قد أطلعوا رتبة إلى موضع أعلى من المسارحة يسمى الكراع فأرسل عليها من حاصرها، وتقدم وفرق السادة فريقين فكان السيد علي بن الحسن وجماعة في جانب، والسيد ناصر بن محمد صبح وجماعة في جانب فما كان بأسرع من هزيمة المحطة واستئصالها حتى هزموهم إلى قريب من وادي أخرف وقتلوا منهم مقتلة عظيمة نحو ثلاثمائة، وأخذوا الغنائم الواسعة والرتبة الذين في الكراع وهم نحو عشرين نفراً، ثم عادوا شهارة وناوشوا في آخر يومهم رتبة في جانب النجد فهزموهم إلى جبل ذري، وواجه الأهنوم وهزموا الرتبة التي في جبل ذري حتى عادوا إلى الهجر، واجتمع الأهنوم جميعاً إلى مولانا الإمام محمد عليه السلام وصار إلى القدوم من أقرب قرى جبل الأهنوم المتصلة بالهجر وعسكر هنالك، ولا يعلم للأهنوم ولا لغيرهم مثل ما في هذه المراكزة من النصيحة والاجتهاد، وكان الحصار على الأمير عبد الله بن المعافا والذين معه من جنود العجم وأمرائهم من الثلاث الجهات من جهة المشرق واليمن والمغرب، وفي الليل تقدم جنود الحق
يقطعون طريق القبلة وفي النهار يرتفعون من مخافة الخيل، وكانت مواقف محمودة ووقائع مشهودة، اليد في أكثرها لجنود الحق، واستقام الحصار لهذا الأمير عبد الله بن المعافا حتى كاد يهلك هو ومن معه من جنود العجم، وقد اجتمع إلى مولانا محمد عليه السلام هو ومن معه من المتطوعة للجهاد جملة وافرة وتوسعت النفقات، وأنفق أهل الخير كل مما في يده وتبلغ إليه قدرته، وكانت مدة الحصار فوق ثلاثة أشهر.