[وصول الإمام إلى وادعة]
ويروى أن الشيخ حسن بن علي بن وهان لقي حيدر بألف كبش من كبار الغنم ضيافة وكان وعد الإمام عليه السلام اللحوق به وقد اتهمه الإمام واستحلفه على ذلك فأخلفه، وكان من أمره ما سيأتي إن شاء الله، وكان الظالمون قسموا محاطهم بعضاً من طريق الشرف فصاروا في جانب الغربي وطائفة من طريق السودة فصاروا في المسارحة، وطائفة من طريق غربان وهو طاغيتهم حيدر ومن إليه وطائفة وادعة، ثم هبطوا إلى قرن الوعر والحدبة في الهجر، ثم خرج الإمام عليه السلام أخرى إلى جبل بني عوير كما أخبرني سيدنا الفقيه العالم المجاهد يحيى بن صلاح الثلائي رحمه الله أنه جمع في بني عوير أهل الرأي ومشائخ وادعة وكانوا كلهم معه وحي الشيخ المجاهد صالح بن محمد حمران فإن له في وادعة نسباً وبيته وأولاده فكان حديثه مع وادعة ولم يصر إلى الظالمين شيخ من وادعة وإنما قابلهم مشائخ آخرون غير معروفين برضى المشائخ الكبار أهل البيوت لحفظ البلاد من الخراب، وقنع الترك منهم بذلك ورهنوا، فقال سيدنا: قال الإمام عليه السلام: هذا طاغية الروم في الهجر والمحاط إليه وبيننا وبينه ليلتين -أو كما قال- أترون من الصواب أنهم جميعاً يأمنون من اليمن ويدخلون جميعاً الشام فكم يحتمل الشام منهم ولا يقدر يحفظ مع اجتماعهم شيئاً من الشام بل ولا غيره لأنهم إذا أمنوا من ورائهم دخلوا جميعاً وتركوا على حصار شهارة الكفاية أو كما قال، فماذا ترون؟ قال: فنظر بعضهم بعضاً وقلنا: يا مولانا الأمر كما وصفت فهل من تدبير؟ قال: نعم لو لي طريق إلى خولان الطيال لصرت إليهم وكذا فإن صنعاء وما

حولها وما وراءها آمنون ولا شاغل لهم وإذا أمنوا ما قدرنا نقاومهم في أطراف البلاد وكذا أو كما قال، ثم قال: فما ترون في إرسال الولد علي حفظه الله والولد أحمد بن الحسن بن علي بن داود إلى وادعة يدخلونها يقلقلون الترك من الهجر فيردون عنا محطة إلى وادعة وإلى خمر، ثم لا يزالون يخافون من عودنا اليمن فيبقى في اليمن منهم من يبقى ولا يجتمعون علينا في الشام، قال: فتكلم الشيخ صالح بن محمد حمران وبعض المشائخ وقالوا: لا إله إلا الله يا مولانا وادعة هجرتك وأول أهل نصرتك وقد استأمنوا وحفظوا بلادهم من الخراب وكذا وهي لك إن شاء الله أو كما قالوا فما من حقهم أن يعيد عليهم المحاط من الهجر وصنعاء، قال: فغضب [ق/362] وقال: هذا التدبير الذي ذكرته هو العام للإسلام من الشام واليمن ورجاء عائدته للمسلمين، وهذا يا شيخ صالح ووجه الخطاب إلى الشيخ صالح حمران لأجل بيتك إذا أخربوه عمرناه إن شاء الله تعالى، قال فسكت القوم، ثم قال: يسير الولد علي والولد أحمد بن الحسن ونظر في ذلك، ثم قال ما لها إلا الله سبحانه وأنا وعدس يعني بغله المعروف فإنه قل مثله وهو من هدايا عبد الرحيم ثم ضحك وطلب السيدين وتوجه بنفسه الشريفة وكانت طريقه آل عمار، والسيدان بعسكرهما في جانب وهو وملازموه في جانب مع المشائخ والمتطوعة لا زال حتى دخل وادعة وصار الإمام عليه السلام إلى ما بين الصبيحات والمقابلة، ومولانا علي بن أمير المؤمنين في النجيد قرية كبيرة معروفة وأجابهم وادعة وألصوا النار.

وأما أحمد بن الإمام الحسن وعسكره فتخلفوا من الطريق فكان ذلك مما وقع في نفس الإمام عليه السلام على السيد أحمد واتهمه كما سيأتي إن شاء الله تعالى، ولما صح للعجم دخول الإمام عليه السلام وادعة اضطربت محاطهم وخافوه، ثم توجه من عند الأمير حيدر الأمير رستام وغيره من الأمراء في محطتين ومن خمر أخرى، فلما عظم الأمر عليه السلام انكفى راجعاً والحرب في أثره ومعظمه على ولده جمال الإسلام رضوان الله عليه، وقتل من العجم وجنودهم كثرة ولمولانا علي بن أمير المؤمنين رحمه الله في هذه الوقعة ثبات ورمى بالبندق وقتل جماعة، ولما خرج الإمام عليه السلام وكانت طريقه الشرزى وقرن المصنعة من أسفل الصبيحات والعدو في أثره، وخلص من شرهم وصار بإزائه مولانا علي بن أمير المؤمنين مما يلي حواز المقابلة ولا يرى الإمام إلا بالرسل أن الإمام قد خرج فيخرج.

[قدوم الإمام إلى ساقين]
قال الفقيه الفاضل الصالح الكامل جابر بن فتح الله الغفاري رحمه الله وهو خادم الإمام عليه السلام وملازمه: فكنا مع الإمام قريب الأربعين النفر فقط خلاصة أصحابه ونحن في غاية الإشفاق على الإمام عليه السلام وإذا بالبيارق والعسكر لا زمون لنا أعلى جبل أمامنا مما يقرب من أوطان حوث ولا طريق لنا غيره، فسقط في أيدينا وأيسنا أعظم ذلك على الإسلام، قال: فلما رآهم أقبل إلينا وتكلم بكلام مواعظ لم أضبطها، ثم تناول الترس واعتجر في وسطه وتقدم وقد كبر في أعيننا وتفرق شعره وهو يقول: الجهاد والجلاد هاضرب من على الركبة، فقوت قلوبنا لما رأينا منه عليه السلام وتقدمنا وقد برد العدو [ق/363] من خلفنا وإذا بأولئك ينصرون للإمام عليه السلام وإذا هم عسكر السيد أحمد بن الحسن وقد ندموا على التخلف عن الإمام عليه السلام ثم لحقوا إلى قريب صيدان أسفل بلاد العصيمات، وقد ستروا أنفسهم بأن غزوا بدواناً ممن قد والى الظلمة وأخذوا بقراً، ثم طلعوا إلى ذلك المحل ينتظرون الإمام عليه السلام فلما رأوه نصروا، ولام الإمام عليه السلام السيد أحمد على التأخر عنه فاعتذر بأنهم العسكر لم يساعدوه فلم يكشف الإمام له ولا لهم حال، ثم عاد إلى جبل بني عوير وقد خلط على العجم تدبيرهم، ثم عاد كما أخبرني الشيخ قاسم القاسمي لزيارة الهادي عليه السلام فدخل المدينة ليلاً ووكل بالأبواب ثقاته حتى زار الهادي عليه السلام والأئمة، وكنا نسمع أنه عليه السلام يعرف موضع ذي الفقار في بعض مسجد الهادي عليه السلام قال: فقطعنا أنما دخل في الليل إلا له، فلما فرغ من

الزيارة تقدمت إليه وقلت له: يا مولانا تحتاج شيئاً من الحديد مثل مفرس أو معول أو كذا، فقال: لا، وعرف المراد وتبسم ثم خرج حتى طلع ساقين.
وأما العجم فإنهم أكثروا من الرتب مع ابن المعافا على شهارة ثم أرجعوا عسكراً إلى وادعة وخمر والصرارة وذيبين، وتجرد حيدر بنحو أربعة آلاف وخمسمائة نفر كما أخبرني بعض أصحاب الإمام عليه السلام في أنه لما صح له دخول الأمير حيدر صعدة وهو في ساقين وقد خرج مولانا الحسين رحمه الله هو ومن معه صبيحة دخولهم صعدة فإنهم حفظوا المدينة حتى قيل: إن الأول يدخل الخانق وخرجوا على أنهم يلقونهم، وسلكوا وادي عرار غرباً حتى اتصلوا بالإمام عليه السلام فقال: إن الإمام عليه السلام جمع وجوه خولان وأعيان من عنده من أهل الشام، ثم قال لهم من مكان مرتفع: وصل صعدة في هذا اليوم [أربعة آلاف وخمسمائة] من جنود الظلمة وهم إن شاء الله غنيمة لكم تعرفون ذلك فلا ترتجفوا وكذا، فإن كثروا كثرت لكم الغنائم إن شاء الله، وإن قلوا قلت الغنائم أو كما قال، وأراد عليه السلام تقوية قلوبهم، فأرسل ولده مولانا جمال الإسلام بعسكره ووجهه من خولان إلى جبل عرو من أعلى جبال خولان مما يلي هجرة فللة، وجعل السيد أحمد بن الإمام الحسن وعسكره في الحضائر، وجعل ولده الحسين رضوان الله عليه في ساقين.

قال الشيخ واصل بن علي السيراني عافاه الله: إنه وصل رسول من حيدر إلى ذلك الموضع إلى مشائخ خولان وعيون منهم للفساد، وكان الإمام عليه السلام قد فرق عسكره وولده الحسين رضوان الله عليه في بعض المواضع خفي علي [ق/364] أسماؤها وفي أصحابه قلة فأرسل لذلك المكتب الساعي في الفساد وكان يوم سوق ساقين والرسول هذا من خولان أيضاً، وأمرني وثلاثة أنفار نكتفه ففعلنا، ثم أخذ السيف وأعطاه ريحان العبد المعروف بالحاج ريحان، وقال: أخرجوا هذا إلى وسط السوق واضربوا عنقه ويكون الضارب أنت يا ريحان، قال: فقلت له سراً: نحن قليلون وهذا من قوم أكثرهم في السوق فلا يكاد يحدث منهم ما يحدث لكن يحبس إلى الليل ويقتل سراً إذ لا بد من قتله، قال فانتهرني وغضب، قال: فلما صرنا به في السوق رأيته عليه السلام وقد صعد ذلك الدائر ليراه الناس مخافة علينا من نحو ما قلناه له، فقتلناه وعلقنا رأسه، قال: فحصل في ذلك من المصلحة كثير وعرف الناس قوته.

[وقعة حواز بلاد رازح]
قال السيد أحمد نفع الله به في صفة قدومه إلى صعدة: ثم ساروا والتيه أمامهم والبطر سائقهم، والتكبر سلطانهم، وقد جمعوا أجماعاً كثيراً خيلاً ورجلاً وجمالاً وأميرهم جميعاً الأمير حيدر، ثم إنه عليه السلام أرسل ولده الحسين رضوان الله عليه لغزو السيد يحيى بن الهادي المؤيدي المعروف بأبي ست من قرابة الأمير صلاح بن أحمد وكان قد وصل إلى حواز بلاد رازح من جهات تهامة في عسكر من الترك وكاد، أهل تلك الجهات يميلون إليه فأوقع به وقتل من أصحابه أنفاراً وهزمه مع ذلك هزيمة عظيمة، وغنم جميع ما أجلب به، وكانت غنيمة من الغنائم النافعة وانهزم منفرداً من حيث جاء، ومما وجد مع هذا السيد اصطرلاب الذي يعرفون به الفلك والحساب والتنجيم، فلما رآه الإمام عليه السلام أخذ دبوساً من يد بعض المهاجرين وضربه فكسره وهو يقرأ: {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ} وعاد مولانا الحسين رحمه الله إلى الإمام عليه السلام وكان حصل من بعض العسكر فيما أخبرني الشيخ واصل السيراني والشيخ فارع بن خيران كاتب مولانا الحسين رحمه الله خيانة في الغنيمة غير ما أذن لهم فيه فتشدد عليهم الإمام عليه السلام واستعاد ذلك وغيرها، ولا أدري هل بلغ في هذه المرة أو في غيرها إلى بني جماعة وآل الخطاب.

[أخبار شهارة]
فصل: ولنرجع إلى أخبار شهارة المحروسة بالله فإن حيدر ترك الأمير عبد الله بن المعافا وغيره من عيون العجم في الهجر فوصله [ق/365] قبائل الأهنوم من غير المشائخ ورهنوا على نحو ما تقدم من وادعة، ووالى على عذر والأهنوم وظليمة، وانضم إلى شهارة من حولها من بني حمزة وبني نعمان، وبني أبي الحكم والسادة والمهاجرون، وأهل شهارة، وعمروا ما يحتاج إليه وقد فشل الأهنوم ومن حوله.
أخبرني السيد العلامة ناصر بن محمد الغرباني المعروف بصبح أنه قدم إلى شهارة من جانب ظليمة بعد الكسيرة من بني حجاج وأنه رأى أهل جبل سيران أهل الجبال يهربون الأودية، وأهل الأودية يهربون الجبال ويلتقون فلا يسأل بعضهم بعضاً كأنهم ذاهبون إلى غير مقصد، ومولانا محمد عليه السلام يقرر الناس ويتفقد شحنة الحصن وأهله ومن فيه، وأخرج منه من لا نفع فيه من أهل الحلل ولم يجعل شيئاً من الرتب خارج شهارة، وأحسن جوار من بقي من الأهنوم قريباً منه، ولا أظهر لهم وحشة وإن كانوا قد والوا العجم، وابن المعافا لم يطمع في طلوع نجد بني حمزة بل رغب القبائل وقنع من كل جبل برهينة إلى حصن عفار والسودة، ثم إن الإمام محمد عليه السلام رأى أنه يشوش على من في الصرارة بلد ابن وهان وقرن الوعر بأن أخرج عسكراً من شهارة المحروسة بالله وطمعوا من البطنة بقراً وغنماً وقسمها في العسكر المنصور.

[موالاة الحيمة للأتراك]
وأما جهات الحيمة فبقي فيها الشيخ فخر الدين عبد الله بن سعيد الطير رحمه الله ظاهراً أياماً، ثم إنه أحوج إلى الإنفراد من غير أن تخرج إليهم محطة وخفف من أصحابه وفرقهم وخاف وقد والى أكثر الحيمة العجم من غير أن تخرج إليهم محطة منصورة إلا صفة ولاة ومشائخ وهم بالرجوع إلى الشام، وكان القاضي العلامة الهادي عبد الله بن أبي الرجال قد وصل إلى الحيمة أيضاً لما كان من اختلال حاشد وبكيل ودخول الإمام عليه السلام الشام وحوزة شهارة وبقي منفرداً في جانب منها، وتزوج هنالك وهو مختف.

[غزو مشارق عيال أسد]
وأما الحاج شمس الدين أحمد بن عواض والفقيه عز الدين ومن إليهم فهاجروا إلى جهات مشارق عيال أسد ونواحيها وغزاهم العجم إليها، وقتلوا جماعة، وأسروا ابن القاضي هادي صغيراً وتخفوا في جهات المشرق؛ لأن العجم بعدما تقدم من عود الإمام عليه السلام لم يتركوا موضعاً من الظواهر يعتادوا المحط إلا وجعلوا فيه محطة، فكان في خمر الأمير عبد الله بن مطهر وأمراء من العجم في ذيبين والأمير علي بن مطهر في بعض بلاد الكلبيين، وأمير من العجم والأمير محمد بن عبد الله بن المؤيد في الصرارة، والأمير [ق/366] صلاح بن أحمد بن المؤيد في العرة من الأشمور التي تقدم ذكرها، وفي جانب ظليمة حسين بن الأمير عبد الله بن المعافا وأمير من العجم في سوق الثلاثاء من المسارحة.

85 / 109
ع
En
A+
A-