وثاروا إلى بعضهم بعضاً وكان ذلك آخر النهار، وقام عسكر كل مع صاحبه حتى قتل من الفريقين نحو سبعة أنفار، واختلطت المحاط واشتغلوا ببعضهم بعضاً، قال: وأنا مربوط في جانب ذاهل، فخرجت من بينهم على حالة شديدة وكان الليل قد غطاه فتوارى عند بدوي بالقرب من المحطة وعرفني فأعتقني ونجوت والأجل من حصن حصين، والحمد لله رب العالمين.
ولما قبض على الحسن سلام الله عليه انهزمت الجنود الإمامية والمراتب جميعها وارتجفت المشارق [ق/356] والمغارب، وأما السيد أحمد بن الإمام الحسن فعاد إلى نواحي حجة وكانت إليه فلم يقم فيها غير ليلة أو ليلتين، ثم انهزم إلى الأمرور من بلاد الشرف، وكانت هزيمة يضرب بها المثل وأتاهم السيد أحمد كما سبق بهذه الهزيمة لما يعرف من بسالته وشجاعته والله أعلم أي ذلك كان.
وأخبرني الولد الحسن عافاه الله أنه وجد مع رجل من بلاد حجة قطفة صغيرة بخط مولانا الإمام عليه السلام: يا ولد تخبرنا عن حالك ومكانك، وكيف أنت وعلم في ظهر القرطاس والده موسى بن علي، قال: وروَّاه قطفة أخرى بخط مولانا الحسن رحمه الله فيها أخبار بسلامته جملة من غير ذكر المكان، وعلامته: عبد الله بن موسى، قال: وأخبره أن الإمام عليه السلام قلق كثيراً وطلب من يأتيه بخبر ولده، قال فأرسلني فدخلت صنعاء وكنت مع مقهوي أشقى بحمل القهوة حتى اتصلت بدار الحمزي وجعلت تلك القطفة في جمنة لا قهوة فيها ودفعتها من طاقة إلى الحسن سلام الله عليه وعرف ذلك وقال: تردد حتى آخذ المداد أجوب عليك فأجاب بهذه وطلبتهما يبقيان [معي] بركة بخطهما، وفي العلامة باسم موسى بن علي لطيفة وهي أن لكل فرعون موسى فإن موسى الترك وابن علي يريد جده علياً عليه السلام وعبد الله في اسم الحسن طاهر بن موسى كذلك قال وأوقفت الإمام عليه السلام على ذلك فهان عليه بعض شيء، ووقفت على لفظ خط الإمام عليه السلام بأوضح من ذلك من خط القاضي الأعلم شمس الدين أحمد بن سعد الدين ما لفظه:
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، أتحف الله الولد أحمد بن موسى بشريف السلام ورحمته وببركاته وبعد:
فثق بالله وفوض أمرك إليه {وَمَنْ يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ}، ووالدك بالغ جهده فيما يستطيع ولله ألطاف خفية، ومن جهة ما وقع بسبب داود الحالط وأهل العرب هل يمكن أن يصلحوا بما أمر الله سبحانه فالخاسر كل الخاسر من وكله الله إلى نفسه ومن كان معه الله فإن الله لا يضيعه إن شاء الله إنه على كل شيء قدير. انتهى بحروفه، وكتب علامته في ظهرها: موسى بن علي لاطفه الله.
وكتب إليه مرة أخرى توقيعاً ولم يذكر اسمه ولا اسم ولده سلام الله عليهما ما لفظه: الدين عليك في الماضي اجعل تذاكر في ذلك [ق/357] لأهله ونحن نقضيه إن شاء الله تعالى، وأما في المستقبل فأقلل من الشهوات يسهل عليك الفقر من طلب الدنيا فوق ما يكفيك فكل ما فيها لا يكفيه، الزكاة لا تحل لبني هاشم والمصرف قد صار عندنا فلا خير في مصير شيء من ذلك إليك الذي تحتاج إليه من النفقة أنت وأربعة نفر يسره الله سبحانه من ذلك، أربعون حرفاً من عندي ومن عند محمد ومن عند عبد الله بن أحمد أربعون، وذلك في كل شهر إن شاء الله تعالى، ومنه ما يسره الله من النذور والأخماس من الحيمة وما يليها إن شاء الله المسجون إذا تكلف العطايا ولا مادة له فتكليفه شعبة من الجنون، المسجون محكوم عليه فلا تتعرض لسخط الحاكم بأي أمر من الأمور حتى يفرج الله عنه. انتهى بحروفه من خطه أيضاً.
نعم وسألت القاضي أيده الله عن قضية الحالط فقال: إنه وقع بين أهل حبور وبين الحالط وأصحابه شيء على قتل جار فاتهموا مولانا الحسن رحمه الله أنه لم ينصف من أهل حبور لاختصاصهم بقرب جواره، وطال الكلام في ذلك وسيأتي ما أخبرني به رحمه الله في قضية الرؤيا إن شاء الله تعالى.
[أخبار علي بن الإمام القاسم]
وأما مولانا علي بن محمد بن أمير المؤمنين عليه السلام فاجتمع إليه عالم من العسكر الإمامي فوق الألفين وعيون السادة كالسيد المجاهد جمال الدين علي بن الحسن بن شرف الدين رحمه الله وغيره من السادة الكرام والعيون ممن يطول ذكرهم فصاروا إلى بني حيش، ثم منه إلى جبل بني حجاج شظب، وحفظوا أعلى شظب كنشمة وشعر والنوبتين، وجعلوا فيها رتباً، وأقام عليه السلام في الظهراوين ليال فما شعر إلا وقد دلت شظب على عورات الجبل، وأدخلوا محاط العجم إلى السودة وأحاطوا بالجبل، فأراد عليه السلام الثبات فوجد الجند قد فشل، وأهل البلاد قد أدخلوا عليه جنود الظالمين، وخاف أن يقطعوه فاجتمع عليه السادة والعلماء ولم يروا لهم غير الانحدار فانحدروا من الجبل على حالة من غير موافقة، والقتل من المراتب قليل لأن كل مرتبة ما عرفوا إلا وقد أدخلوا عليها، وكانت طريقه مرقص ثم عصمان ما بين شظب وغربان حتى خلص إلى المدائر من بلاد ظليمة، ويروى مع انحداره من الجبل أنه أغضب وأوجع شيئاً من أعضائه مع النزول، فقال: سمعت من غير واحد من شظب أيام إقامتنا عندهم في مرتبة الحمراء كما سيأتي إن شاء الله تعالى هد الله هذا الجبل كما هدنا أو كذا، فماد ذلك الموضع من تلك الساعة، ورأيته أنا وغيري وهو يسير حتى ذهبت أموال وبيوت أعرف أهلها لا شيء [ق/358] لهم، وسمعتهم يقولون أنهم بعدها ذهبوا إلى الإمام عليه السلام يستعطفونه ويطلبون منه الدعاء، وآثاره باقية إلى الآن، والله ولي العفو عن المقصرين في حق الله سبحانه وحق رسوله وأهل بيته، واستولى العجم على البلاد لم يبق إلا ظليمة والأهنوم.
[أخبار أحمد بن الإمام القاسم]
وأما مولانا أمير المؤمنين المؤيد بالله سلام الله عليه فإنه بقي في الشرف الأسفل في الوعيلة وحفظ البلاد وأقام أحكامها ونفع المسلمين بأموالها، وجعل من يحاصر كحلان الشرف، وفيه رتب من العجم كما تقدم في أخبار عبد الرحيم فاختلفت عليه البلاد وشرعت له جنود الظالمين، ودخل عدة أمراء من جوانب كما أخبرني من فيه عليه السلام مراراً وهو يرسل رتباً إلى مواضع فمن انهزم منهم لم يعد إليه حتى لم يشعر إلا بهم في البلد، فخرج قبل الفجر وقد أخرج من خاف عليه من الصغار وسبحان الله، وكان قد أرهق، قال عليه السلام: إنه أرسل الفقيه محمد بن عبد الله العلفي الكاتب مع الأمير محمد المتقدم ذكره في أخبار الشام وصعدة لكونه نقيلاً مع إخوته وأولاده، قال: فعظم ما رأيته أنا خرجنا جانباً ونظن أنما وراءنا أحد من الظلمة، ونقول نصلي في تلك المواضع ونحن على وضوء وإذا بأولاده يعني الفقيه وأصحابه قد جردوه عن ثيابه وصار مخلوساً، وذلك بأمره لهم لأنه يقول قد هو للقتل فلا يقتلون معه ولا يأخذ ما عليه الظالمون، قال: فلما رأيت بياض جسده، وعرفت صوته أقبلت عليه وأنا على البغل فأخبرني بذلك فنزلت من على البغل وحملته إياه، ومشيت خلفه حتى نجونا جميعاً، وذكر كثيراً من ألطاف الله وحمايته حتى تعلق الأهنوم من طريق ظليمة، واتفق بأخيه جمال الإسلام والسادة في ظليمة وقد كان أحيط به.
[رسالة من الإمام إلى الشيخ المجاهد هادي بن ذياب الرغافي]
ونقل القاضي أحمد بن سعد الدين أطال الله بقاه من خط الإمام عليه السلام ما لفظه إلى الشيخ المجاهد هادي بن ذياب الرغافي صاحب جبر الشرف بخط يده عليه السلام وألفاظه:
وصلت كتبكم وتحققناها، وما ذكرتم من أحوال فلان فقد عرفنا ما ذكرتم وليس ذلك بخفي علينا، وما ذكرتم من أمر فلان وفلان فإن الله يصيب كل خادع ومكار {وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} وما ذكرتم من ضبط بلاد الجبر فنحن راكنون على الله وعليكم في ذلك، فمن رأيتموه يميل أو يختل أو يقع منه خلل فأرسلوا به إلى الجميمة من غير لا هوى ولا غرض، وأنتم المقلدون في ذلك الأمانة التي فرضها الله [ق/359] علينا وعلى كافة المسلمين.
واعلم أن لك سابقة وفعل حسن ولا نرجوا أن يجزيك من الخير والإحسان إلا الله سبحانه لأنك أحييت الولد محمد وطائفة من المسلمين والله يقول: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}، وأما مكافأتك منا فلا نقدر عليها، بلى إنا ما دمنا ودمت فإنك لا ترى منا إلا كل خير وفعل جميل، وليس من شيمتنا أن نسيئ إلى من أحسن إلينا، تلك سجية من ليس منا أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنما تلك سجية أهل الحسد وقلة الخير ممن ليس له أصل منيع، وأما من جنح إلى الظالمين ويريد العز عندهم كفلان فإن الله سيريك إن مد الله لك في العمر كيف تكون غايتهم في الدنيا، ولا يبعد أن يسلط الله بعض الظالمين على بعض، فلا يغررك تقلبهم في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد، هذا وذكرتم قرضة الطعام إلى بيتنا حرسه الله فقد فوضناكم في ذلك ونحن نقضيه في الصراب إن شاء الله، ويكون في ذلك همة ومبادرة حسبما نؤمل فيك، وهدية العنب وصلت، الله يكثر خيركم. انتهى من خط يده وألفاظه إلا فلان وفلان فكناية.
[خروج الإمام من الهجر]
نعم، وأشار مولانا الإمام عليه السلام إلى قضية مولانا محمد في القضية المذكورة، فإن هذا الشيخ آواهم وقاتل دونهم، وله أثر حسن في ذلك، وصار إلى الإمام عليه السلام وأمره الإمام بحفظ شهارة وأهلها، ثم تقدم الإمام عليه السلام إلى الهجر من الأهنوم، ومولانا علي بن أمير المؤمنين بمن صح معه من العسكر في ظليمة، وقد انتفضت العزائم وارتجفت الأهنوم وعذر، وكان مولانا الحسين رحمه الله أرسل مدداً من صعدة خيلاً ورجلاً إلى خمر، فلما بلغهم ما وقع وتقدم محطة للترك إلى خمر، عادوا إلى جهات وادعة، ثم ارتجفت وادعة كغيرها بعد أن أحربوا يوماً على العجم إلى بهمان، ثم مالوا إلى الدعة وتفرق من عندهم من أصحاب الإمام عليه السلام، والإمام عليه السلام يشدد الناس وعازم على لقاء العدو إلى المحراب، كما أخبرني الشيخ واصل بن علي السيراني، قال: وكتب الكتب عليه السلام إلى ولده جمال الإسلام أيده الله تعالى، ومن عنده من العلماء يتولون الكتب ويصوبون هذا الرأي، وقد أخذوا يستحثونه يرتفع بنفسه من الهجر مخافة عليه من الجنود الظالمة، وقد صار الأمير حيدر وعدة من أمرائهم في غربان ووادعة وأسفالها، قال: فقلت له يقبل مني نصيحة ولا يتهمني وحلفت له أيماناً لو تنتهي إلى أطراف الأرض أو البحر لا فارقتك ولا خدمت غيرك كائناً من كان، فقال: هات [ق/360]، فقلت: اعلم أن الناس قد اختلوا وفشلوا وقد هنا إقبال مع الخصم تصير عليه حتى ينتهي إن شاء الله وتخرج الشام تحفظ البلاد وتترك لهم صعدة وكذا وإذا فتح الله بوقعة فيهم ترد قلوب الناس فالله الكريم وما
الفائدة بالمراكزة حتى يجتمعوا ويحصروك في شهارة مثل المرة الأولى، قال: ففكر قليلاً ثم استعاد الكتب وكتب إلى ولده جمال الدين رحمه الله أنه يطلع إلى حوالي نجد بني حمزة حتى يتقرر أعمال شهارة ويعرف من ينصح ويستقر مع مولانا محمد عليه السلام ويلحق به، وخرج مولانا علي بن أمير المؤمنين رحمه الله إلى الشاهل من الأهنوم وقد قل عليه العسكر ما يجاوزون الخمس المائة إلا بقليل، والإمام عليه السلام توجه الشام.
قال السيد أحمد نفع الله به: خرج من الهجر ثامن شهر الحجة عام اثنين وعشرين وألف [19يناير 1614م] فأدركه عيد الأضحى وهو في مور ما بين بلاد عذر وبلاد صعدة، ووقع مع الناس عموماً من الفترة والفشل والإياس من النصر ما لا يمكن شرحه والإمام عليه السلام صابر متجلد محتسب لله سبحانه.
[وصول الإمام إلى صعدة]
أخبرني السيد العالم الكبير صالح بن عبد الله الغرباني رحمه الله قال: كنا مع الإمام عليه السلام في نواحي مور فانفرد الإمام موضعاً خالياً ولحقه الحاج الفاضل علي بن محمد الذماري، فرده الإمام، وتوارى الإمام في بعض تلك الشعاب ثم كشف رأسه ودعا إلى الله سبحانه وتعالى [بدعاء وتضرع] وبكى بكاء كثيراً حتى سمعه الفقيه المذكور وهو بالبعد منه والإمام يعتقد أنه لا يسمعه، قال السيد حسام الدين صالح بن عبد الله: فلما أخبرني الحاج بذلك أيقنت بإجابة الدعوة وحصول النصر والظفر من ذلك الوقت، وكانت طريقه بلاد حيدان ثم بني عويرة، وولده الحسين عليه السلام في صعدة وعنده الشريف الفارس المشهور الأمير أحمد الأخرم وجماعة من إخوته، ومن بني الهادي ومن مشائخ الشام وقحطان ما يقرب من خمسين فارساً أو أكثر وعسكراً ليسوا بالكثير ومشائخ الشام، فلما استقر الإمام عليه السلام في بلاد الشام تقدم إلى صعدة المحروسة بالله وقد اجتمع له عسكر من خولان وغيرهم، وفرح الشام بقدومه فرحاً شديداً لأنهم يظنون أنه محتاز في شهارة، وقد صار إليه السيد شمس الدين أحمد بن الإمام الحسن عليه السلام في عسكره وكانوا قريباً من خمسمائة نفر، وأرسل الإمام عليه السلام الخيل التي عنده وعسكراً يحفطون طريق عيان، فأقاموا هنالك نحو عشرين يوماً، وتقدمت لهم جنود العجم بما لا قدرة لهم على دفاعه وانكفوا، والإمام عليه السلام أقام في صعدة قريباً من عشرين يوماً، ثم خرج إلى ساقين وأقام [ق/361] هنالك، ومولانا الحسين في صعدة وقد علم أن الأمير حيدر وجمهور عسكره في الهجر وقد صار إليهم مشائخ عذر وبعض الأهنوم.