قصة الحاج شمس الدين أحمد بن عواض والقاضي الهادي بن عبد الله بن أبي الرجال والشيخ المجاهد عبد الله بن سعيد الطير رحمهم الله.
وذلك أنهم بعد هدم الرجو أمرهم الإمام عليه السلام بالتقدم لفتح بلاد الحيمة وما إليها فأخذوا دليلاً هو الفقيه عبد الله بن صلاح الجائفي الهمداني وكان قد تاب وصار إلى الإمام عليه السلام، وله في مصيره إلى الإمام خبر طويل، خلاصته: أنه كان رهينة مع دعاة همدان وصار معهم في طَيْبة معقل ضلالهم فرأى منهم ما يكتمونه من عقائدهم الكفرية وتدريجهم إليه المروية، ففر بدينه إلى الإمام عليه السلام وساروا ليلاً وطريقهم بلاد همدان وهي دهساء سوداء طريقها شاقة نهاراً فضلاً عن الليل، فضل بهم الدليل الطريق فتقحموا أوعاراً شديدة إنما هي محرقة فأصبح عليهم في موضع يسمى الأحرقي فتواروا في بعض كهوفها وهي كثيرة موجودة، وهم جماعة نحو عشرين نفراً من أعيان الأنصار واختفوا نهارهم، وكان أمير همدان محطاً في قرية قريباً منهم.

قال الفقيه عبد الله المذكور: فأكثرت في الدخول والخروج التمس معرفة الطريق لليلة القابلة فرآه راع فحصل أصوات، فكان أول من وصل إلى ذلك المكان رجل من أقرب بيت إلينا يسمى سعيد بن عيني الذيب من الراقي فما زال حتى وقف على المذكورين وما يعرفهم بل قال: كيف تختفون في بلاد همدان وهي كما عرفتم لو يدخلها الإمام ما اعترضه أحد، وكان لهمدان مع العجم هذه الجلالة حتى لا يتعرض من مضى بلادهم ليلاً أو نهاراً، ثم رد الغارة ودفعها وعلم همدان وأميرهم أيضاً أنهم من أصحاب الإمام عليه السلام بل أعيانهم وبعث لهم بضيافة على صفة ووفى لهم، ثم ساروا ليلتهم الأخرى إلى بلاد الحيمة فأصبحوا في أعلاها وانتشر ذكرهم وطردوا من فيها من العجم وفي جانب حضور، وكان في الحيمة الأمير أحمد الأخرم في العر وكانت إليه كما أخبرني الفقيه صلاح بن علي البريشي عافاه الله، قال: وكنت في شهارة المحروسة بالله لطلب العلم فرجح الإمام عليه السلام أن الحاج شمس الدين أحمد بن عواض رحمه الله يكتب عن أمر مولانا الإمام عليه السلام إلى مشائخ الحيمة وهم ستة عشر [ق/345] نفراً أنهم يحتالون بحصار هذا الأمير حتى يصل الحاج وأصحابه إليهم، قال فحذر هذا الأمير وطلع قبل وصولهم، وأمر الحاج شمس الدين أن ينصب راية بيضاء لهمدان، وانتشرت هذه القضية وعظمها الإمام عليه السلام ولأجلها كان كل من أسر من همدان كما سيأتي فله سلاحه ويعظم ويكرم حتى يعود بلاده، وعرفها لهم الإمام عليه السلام وأصحابه ويريدون بإظهارها أقتداء غيرهم بهم وليتهمهم العجم فيصيرون من الأنصار وهم لم يفعلوها ديناً ولا صنيعة

إنما أرادوا أن تبقى علي بلادهم هيبتها وجلالتها المرسومة لهم من الملوك فإنهم يرون معهم في هذه القاعدة خطأ من ملوك الروم وصل به أميرهم المسمى عبد الله بن محمد مع أنهم جميعاً لم يعرفوا القصة، وكذا أميرهم لم يعرف أنه الحاج شمس الدين ومن معه، فكانت هذه الأسباب مما حفظهم الله وإلا فإنماهم طعمة وصلت يد مستطعم، فسبحان الله من حفظهم ونجاهم والحمد لله رب العالمين، وخرج الحاج شمس الدين رحمه الله بأهل الحيمة جهات جبل تيس، ووقع فيها حروب كثيرة اليد فيها لجنود الحق، وغزا بهم إلى جهات الأهجر ونواحي كوكبان فما حمد طريقتهم ولا قبل صنيعتهم، فوجه أعمالهم إلى الشيخ عبد الله الطير وتصدر لأعمالهم وعاد إلى الإمام عليه السلام وجهات القبلة، والقاضي الهادي بقي بعده ليالي، وعاد إلى جهات حاشد وبكيل، وجعل الإمام عليه السلام ولايتها إليه، وفيها يعني بعد رجوعه من الحيمة أرسل الإمام عليه السلام إليه السيد العلامة شمس الدين أحمد بن محمد القطابري عافاه الله تعالى لفتح بلاد نهم ثم خولان فوصلا إلى أودية نهم واختلفوا عليهم، وعادوا من غير ما أرادوا وأمدهم العجم ووقع مراكزة وحروب وعادوا من غير غرض، ثم الفقيه عز الدين بن علي دخل بلاد مرهبة نهم وأجلبوا عليه كذلك، وكان الإمام عليه السلام قد أمده أيضاً بالسيد العالم ناصر بن محمد صبح.

[خراب حجر ظفار داود ومدينة ظفار]
وفي هذه النهضة ترجيح الإمام عليه السلام عن رأي الحاج شمس الدين خراب حجر ظفار داود ومدينة ظفار بعد الاستيلاء على الحصن المذكور فإنه كان لا يزال فيه الرتبة من العجم، وكان أهله يداً للظالمين.
أول أسباب ذلك كما أخبرني القاضي الأعلم بدر الدين أحمد بن محمد بن يحيى بن حنش عن حي صنوه القاضي شمس الدين أحمد بن يحيى رحمه الله تعالى أنه لما اتفق ما سيأتي من الأسر لمولانا الحسن رضوان الله عليه ووحم المسلمون لذلك وحزنوا كثيراً فرأى من حوالي ظفار من حاشد وبكيل من أهل مدينة ظفار فرحاً بما ساء المسلمين [ق/346] وأظهروا سروراً، ثم خرجوا إلى أعلى من ذيبين إلى الجبل المسمى قدارة وكان يوم سوق المنقضة، وعشروا من هنالك مع رتبة الحصن المذكور من العجم وهمدان، فعظم موقع ذلك وأظهروا العداوة لأهل ظفار، ولما فتح الله بما سيأتي من فتح الترك أخذهم الله في غارب أثلة وما قبلها من الوقعات المذكورة غزاهم الحاج شمس الدين أحمد بن عواض والقاضي العلامة الهادي بن عبد الله بن أبي الرجال، ولما بلغ أهل ظفار الإجماع على اسئصالهم طاروا في البلاد وتفرقوا جيراناً مع القبائل، وأخرب الحاج شمس الدين والقاضي حسام الدين ومن معه ما أمكنهم وتركوا ما غلبهم عليه العجم مما يقرب من الحصن المسمى الحجر فإن العجم وهمدان تحصنوا فيه وحموا ما حوله بالبنادق، وكان في المشهد المنصوري القاضي العلامة عماد الدين وشيخ الشيعة الأكرمين يحيى بن محمد بن حنش هو أحد العيون والمشار إليه في جميع الفنون فأمره الحاج والقاضي بترك المشهد وهبط بمن معه

من الطلبة إلى ذيبين، ثم جعل الحاج شمس الدين على حصار الحصن المذكور الشيخ المجاهد محمد بن صلاح البحش رحمه الله، ولما طال عليهم الحصار وضاقت عليهم الأرض بما رحبت راسلوا إلى الحاج شمس الدين أحمد بن عواض رحمه الله، وكان في غيل مغدف من أعمال الميقاع كما سيأتي إن شاء الله، وبينه وبين شيخ همدان الشيخ مهدي الهمداني مواصلة لأجل ما تقدم منهم من الإحسان إلى الحاج رحمه الله، والقاضي الهادي ومن معهم رحمهم الله تعالى في همدان فأرسل الشيخ محمد البحش أيضاً مع المحاصرين وكان قد لحق بالحاج وبقي عليهم نحو الشهر، ثم وصلت مكاتبتهم أيضاً الحاج شمس الإسلام رحمه الله فأمنهم وأخرجهم وقبض الحصن والسلاح وما أجلبوا به إلا همدان فأكرمهم ولم يأخذ منهم شيئاً لأجل ما تقدم، ثم عاد الحاج لمثاغرة العجم في بلاد الميقاع كما تقدم وترك الشيخ محمد البحر على خراب حصن الحجر بأمر الإمام عليه السلام وراسلوا لأهل ظفار بالأمان أن يعودوا فلم يرجعوا، وأطالوا الخطاب فلم ينجع فيهم، فأمر الإمام عليه السلام بخراب مدينتهم وهي إلى الآن، وقد رجع أكثرهم وعمروا في تاريخ هذه التوقيعات، وذكر القاضي المذكور عن أخيه القاضي شمس الدين رحمه الله أن الإمام عليه السلام مع زيارته كما سيأتي إلى ظفار وذيبين في سنة ست وعشرين وألف [1616م] وقف على خراب البركة العظمى فتبرأ من ذلك وقال: ما أمرت [ق/347] بذلك وكتب معه عليه السلام في ذلك اليوم ولم أسمع أي ذلك كان .والله أعلم.

[قوعة ظفار]
وجمعت أخبار ظفار في سنة أحد وعشرين عقيب ذكر خراب الرجو وما يتصل بها لأجل اجتماع الفائدة وإلا فإن خرابها كان في عام ثلاث وعشرين وألف [1614م] وبسبب حجر ظفار اتفقت حروب شديدة في النهضة الأولى والأخرى، واتفق في بعضها القضيتان المشهورتان قتلة في العجم في عقيب ظفار قتل منهم كثير وهزمهم الله على يد القاضي الهادي رحمه الله والفقيه عز الدين بن علي رحمه الله تعالى، وصفتها أن العجم أرسلوا طاغيتهم درويش لاستدراك رتبة ظفار وقد كادوا يهلكون جوعاً فوصل إلى عمران البون وحمل طعاماً على نحو أربعمائة نفر وقدم إلى مذود وقسم الفلاحين الذين عليهم الطعام من طريقين لأجل الطريق، وكان الحاج شمس الدين والقاضي الهادي، والشيخ صالح بن حمران، والشيخ محمد البحش في جانب بني علي وبعضهم في جانب مرهبة ومواضع، فقدموا للقائهم فاتفق حرب عظيم واتصل بالحصن بعض الطعام على مشقة وانقطع الأكثر، وقتل من القبائل الذين حملوا الطعام مع الترك فوق المائة النفر كما تقدم، وعاد العجم حتى أحطوا مذود فقاتلهم الفقيه المجاهد عز الدين بن علي في جدر من أعمال بني جبر، والقاضي هادي في موضع يسمى خراب واف، وبقي الحرب حتى وصل الشيخ المجاهد صالح بن محمد حمران في غارة من بني علي وذيبان فعاد الحرب ودخل على العجم إلى أطرافهم وانهزم أصحابه وقتل منهم نحو خمسة وثلاثين نفراً ومن غيرهم مثلهم، فكان القتل من جنود الحق فيما بلغ نحو سبعين نفراً، ولولا دفاع الله وثبات الشيخ صالح أبي سرعة المشهور عن الشيخ صالح حمران لكان قد أحيط به، (وعاد أمير العجم درويش) لعنه الله

إلى موضع من الصيد يسمى الحيس وغزا مواضع من بلاد الصيد، وأخرب معاقلهم، وبقي نحو خمسة عشر يوماً وقتل من أصحابه جماعة، وهزم في بعضها من سوات بلد من الصيد وقد غزاها، وكان فيها القاضي الفاضل الهادي رحمه الله وحاصره فيها حتى كاد يستأصله، والإمام عليه السلام في جانب من مرهبة فأغار الإمام عليه السلام للغوث بنفسه فانتهى إلى ذيبين وبلغه هزيمة الطاغي والفرج عن القاضي بكثرة الغارات من القبائل مع حركة الإمام عليه السلام، وقد قتل من الفريقين كثيراً أكثرهم من جنود العجم، ثم رجع أميرهم الطاغي إلى ابن حاجب موضعاً هناك، وقتل من أصحابه نحو أربعين نفراً.
والأخرى القتلة المشهورة من بني جبر فإنهم أغاروا إلى طرف قاع الشمس وصفة ذلك: أن درويش [ق/348] انهزم إلى الماجلين من البون وبقي القاضي الهادي رحمه الله في ابن حاجب فوصلت غارة بني جبر تريد الاتصال به فقطعهم الخيل فقتل منهم أربعين رجلاً، ومن غيرهم ممن كان مختلطاً بهم نحو العشرة في موضع واحد، وهذه في النهضة الأولى والثانية والثالثة، وذكرناها في ذكر خراب ظفار لتعلقها بأسباب كما ترى. والله الموفق.

[استقرار أعمال البلاد المغربية]
فصل: ولما استقر مولانا الحسن بن أمير المؤمنين رضوان الله عليه في بيت علمان وصنوه السيد الفاضل الشهيد علي بن أمير المؤمنين رضوان الله عليه في حضور الشيخ من أعمال بلاد مدع، والسيد الرئيس أحمد بن الإمام الحسن في جانب بيت قدم، واجتمع لهم عسكر كثير، وأرسل الإمام عليه السلام إلى بلاد الشرف مولانا الإمام محمد بن أمير المؤمنين قدس الله روحه والياً ومدداً لإخوته، وانتظمت أعمال البلاد المغربية، وكان الفقيه الرئيس علي بن محمد الشهاري من عمدة أهل الجهاد، وله رئاسة وشهامة خلا أنه يرى له من الحق ما لا يحتمله الإنصاف، ويرى تقديمه على كبراء الفضلاء من الأشراف.
أخبرني القاضي العلامة شمس الإسلام والمسلمين أحمد بن سعد الدين المسوري أطال الله بقاه وقد جرى ذكر طلحة والزبير وما روى كثير من أئمتنا عليهم السلام أنهما قد جاء على أمير المؤمنين سلام الله عليه أنه سوى بينهما وبين خادميهما أو أبنائهما، وأن ظاهر الرواية تفهم أنه فات أمير المؤمنين سلام الله عليه حسن السياسة وكذا، فقال رضي الله عنه: وروى الإمام المنصور بالله سلام الله عليه في تفسير ذلك ما يشفي الغلة ويزيح العلة، من ذلك أنهما طمعا في الإمارة وقد عرف الإمام صلوات الله عليه أنما للتأليف فيهما أثر وأنهما لا يقبلان إلا مسير الأمر إليهما، وأتى بما شهد بذلك من الدلائل التي لا ينكرها حتى قال: ويرى الفقيه علي الشهاري هل كان مطلبه العطاء، وما يلحق به هذا كان على الإمام هين غير عسير ولكن مطلوبه الاستيلاء على الأمر أو كما قال.

تمام ما أمكن من أخباره فإنه تقدم بعسكر أعظمهم من الأهنوم وصار إلى بلاد شظب وكان ممن استفتحها ثم بلاد عيال يزيد حتى استقر في الخدرة ثم المضلعة وبقي أياماً، وحصل بينه وبين العجم حرب قتل من أصحابه جماعة ورجع إلى جانب بلاد السودة وكاتب العجم، وكان نظر بلاد شظب إليه وقد يتعدى إلى غيرها[ق/349]، وعلى الحصن في مدينة السودة من عند الإمام عليه السلام من هو محاصر للحصن المذكور وأخرجوا السوق من المدينة إلى الضلعة ليبعد من الرمي من أهل الحصن، فاحتاج الإمام عليه السلام منافع ذلك السوق من القانون لمن في السودة، وذلك المنع والمصير على يد مولانا الحسن بن أمير المؤمنين رحمه الله، ولما رجع رسله بلا شيء وذكروا أموراً من الاختلاف بينهم وبين الذين منعوهم، أضمر السوء وكاتب العجم ووالاهم وتلقاهم الأمير درويش إلى بلاد بني قطيل.

ومنها دخل صنعاء وصار إلى عبد الله شلبي فعظموه ولم يبلغوا ما يأملوا من تعظيمهم، وبقي عندهم حتى قتله جعفر باشا في ذمار كما سيأتي إن شاء الله تعالى، فلما بلغ الإمام عليه السلام شق به وأمر بخراب داره التي تسمى دار المحطة وهي دار عظيمة عمرها الأمير عبد الله بن المعافا والترك أخذهم الله، ولما بشر الإمام عليه السلام بعمارة شهارة وقال: عمروها لنا، وهو في برط طلبها من الإمام عليه السلام فصارت له، ولما هدمها الإمام عليه السلام بعد أيام من هربه لم تطب نفسه بعمارتها ولا السكون فيها بل جعل مكانها أماكن أخدام المرافع، ولما هرب إلى العجم كان لذلك موقع، وكان قد خرج رضوان الله عليه للجهاد وتقدم إلى بلاد كحلان وقد هو شيخ كبير لا يكاد يقدر على المشي الكثير فكان لمخرجه موقع عظيم، وازداد جنود الحق قوة في عزائمهم لما يعرفون من كبر سنه ومحله العظيم في الفضل والجهاد، وعادت جنود الحق مرة أخرى إلى عمران حتى طلع جعفر باشا صنعاء وقتل عبد الله شلبي ومن سيأتي ذكره كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
قال السيد أحمد نفع الله به: واشتغل الترك بعضهم ببعض، وكتب عبد الله شلبي إلى الإمام عليه السلام بهدنة وأن يقتصر على ما قد ملك من البلاد، فكان من أمرهم ما سيأتي إن شاء الله.

82 / 109
ع
En
A+
A-