ومنها [ق/339] أن امرأة من بلد يسمى عوان حاشف من بطن يسمون أيلة يوس خافت من أهلها لشيء اتهموها به فهربت إلى قوم منهم يسمون أيلة أحمد فأجاروها فأغار قومها فقبضوا امرأة من أولئك، وقالوا: هذه بتلك وتصاف الفريقان للحرب وقد جعل أيلة يوس الإمرأة التي قبضوها في بيت في صفهم، ثم أخذوا يدخلون عليها واحداً واحداً ويظهرون لأهلها أنهم فعلوا فيها العظيم وربما لم يكن شيء من ذلك إنما يقصدون بجهلهم تقليل أولئك، بلغ الإمام عليه السلام فأنكره ونهض بنفسه من شهارة حتى صار إلى الحبس من الحار وقدم عليهم ولده مولانا علي عليه السلام فانتهبوا مواشيهم وقبضوا على من قدروا عليه وأكلها الناس وكانت كثيرة، ووجدوا فيها غنماً لرجل منهم يسمى مسعود كان غائباً في طريق الحج، وقد وصل ذلك اليوم أو يوم ثاني إلى الإمام عليه السلام فأعاد له قيمة ما فاته، فكان من أهل اليسار بعدها.
(وفيها أن بدواً من العصيمات أغاروا على ماء يلي بلاد صدان من عذر الشرقي وصرخ الصريخ فركب الشيخ الرئيس المجاهد علي بن وهان بن علي رحمه الله فوجد العصيمات قد أوقعوا في أصحابه فأغار عليهم ليصيب منهم غرة، وكان فارساً فرماه بعضهم وقتل شهيداً رحمه الله، فوقع مع الإمام عليه السلام والمسلمين غم وترك الإمام الفتح عليهم كما ترك ذلك في قتل القاضي الشهيد الهادي بن عبد الله بن أبي الرجال رحمه الله.

وفيها أرسل الإمام عليه السلام سعيد بن طاهر الأسدي وسعيد بن طاهر الروني كلاهما من أصحاب المجاهد شمس الدين أحمد بن عواض رحمه الله، وأخبرني عبد الله بن حديث أنه ثالثهما لقتل الشريف عبد الله بن علي الحجي العبادي، وكان هذا الشريف مع الترك أخذهم الله على طريقة التصوف في زماننا ثم استرسل في سب الإمام عليه السلام والعلماء والنقص لهم، وكان مجلسه مع الباشا جعفر وأصحابه إنما هو كذلك فتلقوه فيما بين صنعاء والروضة وطريق الحشيشية فخرجوا عليهم من بين شجر الأثل المعروف هناك وصافحه بعضهم حتى استمكن منه ثم أنزله بقوته عن ظهر بغلته وقتلوه وتفرقوا، وقبض على سعيد بن طاهر الأسدي فقتله جعفر باشا وجزأه في أبواب المدينة ونجا الآخران.
وفيها وصل إلى شهارة امرأة من خولان العالية لم يكن فيها شيء من شبه النساء في الصورة ولها اللحية والشارب والمشي والقوة والسطوة، وعرفت نفسها أنها امرأة، وغلب الظن أنها كاذبة، فأمر الإمام عليه السلام الحاج الفاضل التقي علي بن محمد [ق/340] الذماري أن يلمسها بحائل فوجدها امرأة، وذكرت هذه العبرة ولحفظ المسألة يجوز مثل ذلك مع الظن الغالب فإن الظاهر ممن حاله كذلك الذكورة فأمر عليه السلام أن يكشف لبسها ذكراً، وأن لو ظهرت على هذا النظر أمارة المرأة في رجل وادعى أنه رجل كان الأولى أن يكشفها عدلة. والله أعلم) .

[الصراع بين الأمير محمد التركي والوالي العثماني جعفر باشا]
فصل: في ذكر نقض الصلح وما اتفق لذلك من الأسباب فكان الصلح في سنة سبع عشرة وألف فأول الأسباب أن في صعدة المحروسة بالله الأمير محمد التركي كما تقدم من قوة سلطانه وتغلبه على بلاد صعدة، ثم ساس مشارق قحطان ونجران حتى كانوا له من الأعوان ويقال إنه امتد عطاه وصنائعه إلى بوادي البصرة فطمع في ملك صعدة من غير واسطة الباشا صاحب صنعاء، ثم طمع في ولاية أرض اليمن، وكان له رسل يدخلون بتجارة إلى مصر ونواحيها، وكان بينه وبين الشريف إدريس بن حسن صاحب مكة اتصال وتعاون، فحصل من هذا أنه كاتب إلى أبواب سلطان الروم فبلغ جعفر باشا، فراسل إلى الإمام عليه السلام في أمره وأن هذا عصانا وكذا، وصعدة وبلادها ولايتنا فنحب منكم أن تكونوا عوننا عليه وتفتحوا لنا الطريق إليه، والإمام عليه السلام يجيبه: إن بيننا وبينكم عقداً لا نحله وعدهاً لا ننقضه، وهذا صاحبكم لا نعينكم عليه ولا نعينه عليكم، ثم كاتب الباشا بعد ذلك الأمراء من أصحاب الأمير محمد ووعدهم وأوعدهم حتى أطمعهم في ولاية صعدة ولا علم لهم بما في ضمير صاحبهم، والباشا يريد المعاجلة قبل وصول الكتب ويتم له المراد، فلما عرف الباشا أن الإمام عليه السلام لا ينقض عهداً ولا يخلف وعداً وقد أكثر من المواصلة والمكاتبة جهز عليه ثمانية عشر أميراً وجنوداً كثرة مما يكون كفؤاً له، وقد وثق أيضاً بالأمراء الذين في صعدة، فلما وصلت محاطهم إلى خمر من بني صريم أرسل الإمام عليه السلام ولده الحسن رضوان الله عليه في جماعة لحفظ الأطراف وحفظ الطريق لا

يحصل في جنود العجم غائلة؛ رعاية لحق الله سبحانه بالوفاء بالذمة فاستبقاهم هناك حتى وصلوا خيوان وقد تعبى جنود صعدة في العمشية، وكان هذا الأمير قد أكثر على الإمام عليه السلام أنه يصير في جملته ويعينه وكذا حيث لم تصله الكتب بالولاية فإنها لو وصلته لا ستظهر بها على الإمام من عنده [ق/341]، ولما خالفوه والإمام عليه السلام لا يجبه إلا بكلمة الصواب وإني لا أنقض عهداً ولا أخلف وعداً، ولما أيس من نصرة الإمام عليه السلام أطمعه السيد شمس الدين أحمد بن الإمام الحسن وكان قد أحسن إليه وأعلى قدره في صعدة فإنه صار إليهم في أيام قضية السيد محمد بن عبد الله، وكان مع الظالمين في صعدة على يد شريف من أشراف الجوف يسمى الأمير فارع بن حميضة فجعله الأمير محمد من أمرائه لحرب جنود صنعاء وقد توسم فيه أنه مجاب وأنه ابن الإمام الحسن وصهر الإمام عليه السلام وأن الإمام تلحقه عليه الشفقة والمصير إلى رأيه في نصرة المذكور، فحصل من ذلك توجيهه للحرب وأعطاه ما لا يحتسب، فلما تقابلت الجنود خالطهم أهل صنعاء بأنكم عسكر للسلطان وهذا صاحبكم خائن أو كما قالوا، وناوشوهم ساعة ثم اختلطوا وصاروا جميعاً في طاعة صاحب صنعاء، وأما الأمير محمد فلما صح له ذلك وكان قد دفن كثيراً من أمواله وسلاحه وذخائره تحت الأرض لمثل ما اتفق عليه خرج مع الأمير هادي بن جمعان الجوفي والشيخ علي بن مشعل النجراني حتى دخلوا نجران، ثم كذلك حتى دخل البصرة، ثم عاد إلى مكة المشرفة ووصلته الولاية وقد تعطلت يده من خزائنه، فأشار عليه كما أخبرني بعض كتابه وأصحابه ممن صار في جانب الحق الشريف إدريس وقال وما نفعل بخط من غير مال وجنود ثم كاتبوا إلى بعض الوزراء وأعطوه ولاية لحبشة، و الحديث ذو شجون.

[عزل الوالي جعفر باشا]
ولما كان من جنود صعدة المصير إلى جنود صنعاء انحزل السيد أحمد بن الإمام الحسن بمن معه إلى الإمام عليه السلام فحصلت التهمة إلى جانب الإمام عليه السلام ،ثم إن الأمير صفر المتولي صعدة بعد الأمير محمد صادر الشيخ قاسم بن محمد الحطروم المعروف بالقاسم شيخ صعدة بمال وعذبه عليه وأراد قتله، فصار إلى الإمام عليه السلام وجرى في أمره مكاتبة أيضاً كما أخبرني من فيه، وكذا أخبرني الشيخ أحمد بن سعيد العبادي الآنسي وكان كاتباً للأمير محمد، ويختلف لحوائجه إلى مكة المشرفة وإلى مصر أنه حصل بين جعفر باشا والوزير الأعظم المسمى مراد باشا وهو الذي تقدم ذكره في ولاية اليمن بسبب هذا الأمير محمد عداوة وأنه ممن مماليكه فعزل عقيبها جعفر باشا، وخرج اليمن إبراهيم باشا متولياً وخرج معه جنود كثيرة من خواص جنود ملك الروم فحصل مع أهل اليمن الخوف الشديد من هذا الشر وكذا مع جنود العجم وأمرائهم، وكان يوصف بجور مخالف لهم وإن كان الجور لهم صفة لازمة.

[عودة جعفر باشا وصراعه مع عبد الله شلبي]
ولما صار جعفر باشا في زبيد وأخذ في تجهيز أثقاله وقد جعل واحتال في سم المذكور، فمات هذا الباشا المسمى إبراهيم في منقذة من بلاد ذمار وأعادوه ذمار، وكان وزير جعفر باشا الأمير المسمى عبد الله شلبي غالباً على أمر الباشا جعفر، وكان من عظمائهم وملوكهم وقد صار إلى إبراهيم باشا وغدر بمخدومه فقدمه إلى صنعاء وكان هو ملكها مع الباشا جعفر ثم مع إبراهيم، فلما مات إبراهيم باشا جمع جنود صنعاء والأمراء وكانوا كثرة وقال: هذا جعفر باشا معزول والولاية لإبراهيم باشا وأنا وكليه أحفظ ملك اليمن حتى يأتي أمر السلطان، واستحلفهم على طرد جعفر باشا إن عاد فحلفوا له، وكاتب الإمام عليه السلام في الصلح وكان الإمام عليه السلام ينتظر وصول كتب إبراهيم باشا بتجديد الصلح فلم تأت ولا وثق بكتب عبد الله شلبي وخاف إن انتظم لهم أمرهم ثاروا عليه جميعاً كما وقع، فنبذ إليهم عهدهم واستعان بالله سبحانه وتعالى وشن عليهم الغارات، فأول من تجهز سرية إلى بلاد عفار عليها الفقيه الفاضل المجاهد علي بن حميد السيراني رحمه الله وعادوا من غير فتح فأمرهم مولانا الحسن رحمه الله أن يفتحوا بلاد شظب ففتحوها وحصروا حصن السودة.

[نقض الصلح]
قال السيد أحمد نفع الله به: ولما عرف الإمام عليه السلام أنهم يعني الظلمة بعد مصير جعفر باشا ساعون فيما يكره شرع في تدبير ما عزم عليه من الحرب وجمع عيون أصحابه الذين يباشرون الحرب وأمر كلاً منهم إلى جهة وجعل أمر الناس من الأمراء والأجناد إلى ولده السيد الأجل والعلم الأطول، شرف الإسلام الرفيع، ومعقله المنيع، الحسن بن أمير المؤمنين أيده الله وأطلع في سماء محبيه بدره، بمنه وطوله، وكان هذا السيد إذذاك عين أولاد الإمام حفظهم الله في حسن السياسة ونظم الأمور، وتدبيرها والصبرعلى مباشرتها.

نعم ثم بعد فتح شظب بعث مولانا الحسن إلى بلاد حنب وبني حيش السادة الفضلاء الكماة النبلاء سيف الإسلام علي بن الحسن بن شرف الدين ونصير الدين محمد بن صالح بن عبد الله وحسام الدين الهادي بن محمد الحبسي العلوي ففتحوها ثم أمر الإمام عليه السلام ولده السيد الفاضل الشهيد جمال الدين علي بن أمير المؤمنين قدس الله روحه ففتح الشرفين جميعاً وطرد من فيها وأسر جماعة وقتل الشيخ جراد بن عثمان الضاعني وكذا من جنود الظالمين، وأخاه مولانا الحسين رضوان الله عليه والسيد شمس الدين [ق/343] أحمد بن الإمام الحسن عليه السلام في أثره وفتحوا حجة وأسروا بعض ولاتها وجنودها ووجهوهم إلى الإمام عليه السلام وكذا أخذوا جبل وضرة من أعمال خبت حجة وقتلوا من جنود الظالمين هنالك مقتلة عظيمة وكذا في الدامي، وكانت المقتلة التي في الدامي من خبوت حجة وما يقرب من مبين على يد مولانا الحسين رحمه الله فإنه غزاهم من جانب الشرف والتي في جبل وضرة على يد السيد الضرغام الليث الهمام أحمد بن الإمام الحسن عادت بركاته، ثم مولانا الحسين بن أمير المؤمنين رحمه الله تعالى فإنه قد تقدم أنه أرسل إلى بلاد عفار ثم عظم الأمر وطلع من حجة والشرف مولانا علي بن أمير المؤمنين والسيد أحمد بن الإمام الحسن فإنهم هزموا جنود العجم من بلاد عفار واستعادوها عليهم ووقعت قضية شعبان.

[صفة قضية شعبان]
وصفتها أنه دخل السيد الفاضل صلاح بن ناصر الغرباني وجماعة من المجاهدين حصن شعبان وهو خراب ما بين صبرة وعفار ولا عمارة فيه ولا شحنة فاجتمع عليهم الظالمين فحاصروهم وقتلوا من المجاهدين كثيراً، وأسروا السيد المذكور في نحو خمسين نفراً وأطلعوهم صنعاء، وكان وجه مولانا الحسن السيد العلامة عبد الله بن عامر والسيد الضرغام عز الدين محمد بن عامر لفتح بلاد خمر وما إليها وبلغه أيضاً نكث الشهاري كما سيأتي إن شاء الله، ثم طلع غربان ثم طلع الظواهر وملكها وطرد العجم ومن فيها من أعوان الظالمين وصار إليه جماعة من عسكرهم وصار إلى نواحي بلاد الطرف وكان قد سبق إليها مولانا السيد الحسن بن شرف الدين أعاد الله بركاته، وكان في خمر الأمير صلاح بن أحمد المؤيدي فقدموا عليه وحاصروه في خمر، ثم استأمن ورفقوه إلى بلاد عيال يزيد ثم تقدموا، وكان قد انظم إليه السادة الذين تقدم ذكرهم في بني جيش والسيد محمد بن أحمد المؤيدي والسيد العلامة علي بن إبراهيم الحيداني والسيد العالم ناصر بن محمد صبيح وغيرهم وقد وقع بينهم وبين جنود الظالمين وقعات في بلاد عفار، فلما طلع الحسن رحمه الله انهزم جنود الأتراك إلى عمران واستقر في بيت علمان من بلاد المصانع وفتح بلاد لاعة وبلاد جبل تيس، ووقع (فيما بينهم) حروب وغلظ حنود الحق وصار العجم إلى عمران البون، واحتاز كوكبان من جهة المغارب.

وأما جهات المشارق وبلاد حاشد وبكيل فتوجه إليه الحاج الفاضل شمس الدين أحمد بن عواض الأسدي والقاضي [ق/344] جمال الدين الهادي بن عبد الله بن أبي الرجال، والشيخ عبد الله الطير والشيخ صالح بن حمران، والفقيه عز الدين بن علي الأكوع فاجتمعت لهم حاشد وبكيل وسبقوا إلى الرجو من بلاد بني زهير لئلا يقدم إليه جنود العجم، ثم أمرهم الإمام عليه السلام بهدمها فهي على ذلك إلى الآن.

81 / 109
ع
En
A+
A-