[ق/334] في البقاع الشريفة طهرها الله وحرسها من المآثر والأفعال، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تعلمون هجرته من أفضل بقاع الأرض وهي مكة المشرفة لما كان فيها من المآثر والأفعال المخالفة لدين الله فلو كان ما فعل هناك حجة ودين لكان ما تقدمه حجة، ولكن الدين ما شرع الله سبحانه وتعالى وافترضه عليكم وأحبه منكم من الصلاة في أوقاتها من فرض ونافلة مع تمام الطهارة والزكاة الواجبة والصدقات، وصلات الأرحام، والصيام الواجب والمستحب، والحج إلى بيت الله الحرام، وذكر الله في السر والعلن، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، والتجنب لما حرم الله، وما أشبه ذلك مما ذكره الله في كتابه وأمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بتبليغه إلى أمته، وتلقته الأمة بالقبول مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى)) رواه جماعة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رواية تفيد السامع منهم علماً بصحتها كقوله صلى الله عليه وآله وسلم في غدير خم: ((من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله)) أو كان بصحته شاهد في كتاب الله كرده صلى الله عليه وآله وسلم لبيضة الذهب على من أعطاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه لا يملك غيرها، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا صدقة إلا عن ظهر غنى)) فإن الشاهد بصحة هذا الخبر قوله تعالى: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ}، أي لا تبخل ولا تعط

مالك كله {فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا}، ومما افترض الله الإقتداء بالصالحين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً كما حكاه الله تعالى حيث قال: {إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، وقال فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى، ومن قاتلنا آخر الزمان فكأنما قاتل مع الدجال)) وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((من أحب أن يحيا حياتي ويموت ميتتي ويدخل الجنة التي وعد ربي فليتول علي بن أبي طالب وذريته الطاهرين أئمة الهدى ومصابيح الدجى من بعده فإنهم لن يخرجوكم من بابا الهدى إلى باب الضلالة)) وقال صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن أخبرهم أن أمته صلى الله عليه وآله [ق/335] وسلم ستفترق إلى ثلاثة وسبعين فرقة كلها هالكة إلا واحدة كما بلغنا عنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً كتاب الله وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)) وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (( إن عند كل بدعة يكاد بها الإسلام ولياً من أهل بيتي موكلاً يذب عنه يعلن الحق وينوره ويرد كيد الكائدين فاعتبروا يا أولي الأبصار وتوكلوا على الله)) فإن قيل: إن أتباع آل محمد قليل. قلنا لهم إن الفرقة الناجية هي أقل من اثنتين وسبعين فرقة ولأن الله سبحانه وتعالى يقول: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ

يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}،وبقوله سبحانه: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}، ومما حرم الله سبحانه اتباع ملة كفرية أصلها الذي ينتمى إليه دين المجوس الذين ينكحون أمهاتهم وبناتهم وأخواتهم فإنه فيما بلغنا من العلم ورواه الثقات أنه بقي من المجوس بقية عجزوا عن حرب المسلمين فأظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر وتزيوا بزي المسلمين، ودخلوا في ضعفاء هذه الأمة من الروافض وتسموا الإسماعيلية، وفيه صفة السنية ويسموا بالصوفية، فأما الإسماعيلية فقد تجنبهم أكثر الأمة في زماننا هذا، وأما الصوفية فإنهم قد استنزلوا الناس وسلخوهم عن الإسلام إلا من عصم الله لأنهم يقولون أن الله سبحانه وتعالى حل في النساء الحسان وفيمن أشبهها من المرادن، فاتحد بها فليس ربهم إلا الصور الحسان، تعالى عن ذلك علواً كبيراً، فصاروا يتغنون بالأشعار من الغزل وذكر العشق والفسق، ثم إنهم يخلطونه بشيء من التهليل وذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليقبل قولهم الجهلة وتحقن دماؤهم فلو أن الناس علموا ما هم عليه لتجنبهم كل من يعتزي إلى الإسلام، ولسارع إلى قتلهم جميع العلماء بالحلال والحرام، فمن أعانهم على تقرير دينهم كان حكمه حكمهم في الكفر لأنه قد أعان على هدم الإسلام وطمس شريعة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، قال الله سبحانه: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}، وقال سبحانه وتعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((من أعان بباطل

[ليدحض] بباطله حقاً فقد برئ من ذمة الله وذمة رسوله)) ومن المعاونة له التشبه بهم في الحضرات ولو بالتهليل الذي يخالطه شيء من المنكرات لأنه يكون ذريعة لهم إلى التمادي في باطلهم وإلى انتشار كفرهم، وكل طاعة يكون سببها طمس [ق/336] الإسلام فلا شك أنه يجب تجنبها، ألا ترى أن عمارة المساجد من القرب المقربة إلى الله سبحانه وتعالى، ثم لما عمر المنافقون مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله وكان ذلك عند الله وعند رسوله معصية كما هو معلوم من الدين ضرورة، وعند أهل الورع من علماء الإسلام لأن المصلحة إذا قارنتها مفسدة [مساوية أو راجحة أن المصلحة تنتقل مفسدة] وقد حذر منهم صلى الله عليه وآله وسلم فيما بلغنا عنه وكذلك حذر منهم كثير من علماء فرق الإسلام، ثم اسألوا رحمكم الله هل كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو أحد من أصحابه أو أحد من صلحاء هذه الأمة يأتون بطارٍ ومزمار ومغن ويصفحون ويرقصون، لا والله ما ذلك دينهم وإنما هو دين هؤلاء الكفار الذين قال الله تعالى فيهم: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ الله وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ}، وقال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ الله أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ}.

أيها الناس انتبهوا من غفلتكم وانصروا دين نبيكم ولا تكونوا من الذين قال الله فيهم: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا، أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا، ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا}.

[بعض عمائر الإمام]
رجعنا إلى ما كان بعد عمارة الجامع المبارك، ثم ابتدأ عليه السلام بعده بيوته الشريفة وما يتعلق بمرافق وفوده وجنوده، ثم أسس عقيب ذلك السمسرة في الهجر قل مثلها في العمائر ووقفها على الجامع وهي معلومة فإن أهل النظر في العمائر يقولون إن هذه السمسرة وأساطين جامع شهارة من عجائب اليمن، ثم أسس جامع الهجر وهو قريب من جامع شهارة المحروسة بالله، ثم ابتدأ في إحياء وادي صومل وهو وادٍ معروف في جانب عذر الغربي مما يقرب من ساحل الأهنوم فإنه استقر عليه مدة وتردد كثيراً حتى أحياه وغرس فيه البن والقند والأرز، ثم غيره من وادي وعر وأعمال بطنة حجور حتى كان الإنفاق من أملاكه المباركة أكثر من بيت المال، ولقد كان أكثر [ق/337] قوت الوافدين والقاصدين والملازمين الأرز الكثير، ولأهل المدرسة المنصورية كذلك، ولقد كان يعطى الأرز أكثر من الذرة في كثير من الأوقات، وماهي إلا بركة ظاهرة وإلا فإن ذلك انقطع بعد موته أوبقى منه مالا يذكر.

[رؤية الإمام]
قال الفقيه ناصر بن عابد الشهاري: إنه كان للإمام عليه السلام أراك استغلت بعمارة هذا المال في صومل وغيره وكنت فيما سبق لا نلتفت إليه فقال: لي الأمر كذلك ولكني رأيت في هذه الأيام أمير المؤمنين علياً -كرم الله وجهه في الجنة- وشكوت عليه قال فوضع كفه الطاهرة عليّ، وقال: أقر الله قرارك مرتين أو ثلاثاً فقد آنا إن شاء الله واثق بقبول دعوته أو كما قال، وكان في أيام الصلح يتردد في جبال الأهنوم وظليمة وبلاد عذر ووادعة إذا كثر عليه الوفد صيانة لشهارة وشحنتها، ثم حدث في ابتداء عمارة الجامع المقدس في عام ثمان عشرة وألف الحطمة الشديدة المسماة مع أهل مشارق شهارة وبلاد صعدة الساجية وعمت حتى هلك كثير من الخلق، ولاذ بشهارة عالم من الناس، فآواهم حتى كادوا يصلون آخر الطعام.

[قلة المؤنة في حصن شهارة]
أخبرني الفقيه الفاضل علي بن غبيس البرطي أنه أخبره الشيخ محمد بن فلان من أصهار الإمام عليه السلام من أهل برط أنه وصل إلى الإمام في تلك الأيام وكان الإمام عليه السلام في بعض منازل داره السعيد ممتداً على سريره وسألني عن أخبار المشرق وأنا أخبره وهو يستزيدني، وإذا سيدي محمد يعني الإمام المؤيد عليه السلام دخل وقام قريباً من باب المنزل، ثم دخل السيد الحسن ثم السيد صالح ثم عيون السادة والفضلاء، والفقيه يحيى بن محمد بن حنش واقف على الباب أيضاً من خارج المنزل، ولما رآهم الإمام عليه السلام استوى جالساً وقال لهم: مرحباً بكم يا أصحاب ما اجتمعتم إلا لأمر، قال فنظر بعضهم بعضاً واستحيوا من الإمام عليه السلام حتى أعاد عليهم وتبسم إليهم فعلى ذهني أن المتكلم السيد صالح بن عبد الله الغرباني رحمه الله فقال: يا مولانا الأصحاب تذاكروا نصيحة يلقونها إليك ومرادهم تسمعها، قال فتبسم الإمام أخرى وهش إليهم وقال: هم أهل النصيحة للإسلام وكذا ومقبول نصيحتهم ولا نتهمهم في نيصحة هذه الأمة أو كما قال، فقالوا للسيد صالح تكلم، فقال: ذكر الأصحاب أن هذا الحصن قد فتح الله به وتفضل على الإسلام والأعداء محيطة ولا لهم إلا الوفاء ورعاية الصلح إرادة، وقد صار الطعام فيه قليلاً ونخاف كرة العدو إذا عرف ذلك فأول ما [ق/338] تنظر فيمن ألم من الضعفاء وأهل الحاجة فتردهم إلى المواضع التي ينالون بها القوت حتى يقل المخروج، ثم أصحابك ومن تعلق بهذا الحصن منهم من يخاف العاقبة ولا يأمن من بلاد الظلمة، فهذا عليك كفايته وحفظه، ومنهم من

يأمن على نفسه وتأمن عليه وفي بلاده ما يقوم به فتعطيه ما يوصله ويذهب حتى يعيد الله سبحانه عائدته ويعود إن شاء الله تعالى، ومنهم من لا عذر عنه فيتحتم القيام به، قال فلما سمع ذلك منه رأيت وجهه تقطب وبدا من لحظاته وقال: ما ترون يا أصحاب؟ فقالوا كلهم: صدق هذه النصيحة التي رأيناها، قال فرأيته يتلون ثم استرجع وأكثر، وقال: يا سبحان الله كنا نعتقد أن معنا علماء هداة في الدين وكذا، فإذا هم قد نفوا خزانة الله سبحانه وتعالى وهي التوكل عليه وألجونا إلى حجرة سوداء وحبة بيضاء، ثم قال: فمن لنا قبل حصول شهارة وما فيها ويقول فيما بين ذلك: أين تروني أذهب بالرحمات، ثم أقسم بالله لا كان إلا أقاسمهم ما معي حتى لا يبقى شيء ثم أحمل عصاي وأخرج معهم يصيبني ما أصابهم أو كما قال، وسمعت هذه الرواية من غير واحد من أصحابه عليه السلام ففرج الله تلك الغمة وأبدل الله العسر باليسر والحمد لله رب العالمين.

[ذكر قضايا حدثت أثناء الصلح]
وفي أيام الصلح الكبير قضايا نذكر ما أمكن، منها أنه كان في الفراع من أعلى المير وما يقرب من شام مور شجرة عظيمة من أجناس شجر مجموعة من ثلاثة أنواع أو أكثر فكان يقصدها البدوان من الشام واليمن البلاد المقاربة لها للزيارة والذبائح من الإبل والبقر والغنم وحولها كما أخبرني من شاهدها حجارة ملس توضع فيها لحوم الجزائر، ويطرح أسلابها على الشجرة، ويجتمع على ذلك عوالم بحيث لا ينقطع زائرها ويعتقدون فيها ما تعتقد هوازن في ذات أنواط ويتحدث غوغاؤهم أنهم سمعوا منها أصواتاً وغير ذلك فجمع عليه السلام كثيراً من العسكر وأعطى القبائل الذين حولها ما ألفهم به، ثم قصدها فقطعها بعد الإقامة عليها ثلاثة أيام وجمع حطباً وأحرقها.
وفيها أقام وهو في الهجر حداً على امرأة اعترفت عنده بالزنا ورجمها، وأقام الحدود والتعزيرات.
أخبرني بعض مشائخ الأهنوم قال: كان الخمر ظاهراً قبل استقرار يده الطاهرة على الأهنوم فجلد فيه وعزر ونفى بعضهم حتى أنه لم يعد في البلاد إلا بعد وفاته صلوات الله عليه، ووصل بيته ومات في ليلته وهو من بني حمزة، وكذا في سائر البلاد التي ظهر عليها.

80 / 109
ع
En
A+
A-