قال: ولما رأيت ما يدل على ذلك أيام الأمير عبد الرب بن علي بن شمس الدين أخبرته بالرؤيا وروايتها فصدقها وقرأ: {وَكَانَ أَمْرُ الله قَدَرًا مَقْدُورًا}، نعم فخاضوا مع مولانا محمد عليه السلام وطلبوا أن يبايعونه ويظهر نفسه على أمره، والأمير إسماعيل إذذاك مكتوم أمر موته على العامة ولم يوقف السادة الكرام رضوان الله عليهم على ما هو فيه من الأمر أن لا يصوبوه وأن يخوفوه العواقب.
وأخبرني القاضي الأعلم شمس الدين أحمد بن محمد [ق/318] السلفي رحمه الله قال: كان السيد محمد بن صالح بن عبد الله فيه حدة وقد يخالط عيال الدولة فوقف على صحة موت إسماعيل وما هم فيه من الاضطراب وشدة النظر فيمن يقيموه، قال فما راعنا إلا به يصيح في ابن الإمام: يا هذا العاجز الذي كذا صرت كالفرخ يلعب به الصبيان من يد إلى أخرى هذا إسماعيل مات ولا لهم أحد فقم واقبض الحصن واطلب العسكر وافتح الخزائن وهم إليك طاعة أو كما قال، قال القاضي أحمد: ولا علم لنا ما بينه وبينهم فطلب عيال السادة والفقهاء وخرج وخرجنا معه وفتح لنا مخزان السلاح ولزمنا باب الحد ما بين الميدان والدار واتصل بنا بعض من وعده ونصروا للإمام، والشيوخ من العلماء في أماكنهم لا علم لهم، قال فأخلفنا العبيد وأرسلوا للأمير علي بن شمس الدين إلى شبام وكان طريداً من عيال إخوته لا يكاد يلتفتون إليه ولا على أولاده، وبعض منهم أرسل للأمير محمد بن عز الدين بن الإمام شرف الدين وتكاثروا وقصدوا مولانا بالسيوف فدافع عنه بعضهم بدفاع الله سبحانه حتى عاد مكانه وتناوله بعضهم بسيف أصاب وجهه وكانت الشجة التي
فيه، ولما وصل الأمير علي بن شمس الدين أمر بإغلاق الباب على ابن عمه الأمير محمد بن عز الدين، فلما رأى محمد بن عز الدين الباب دونه واستيلاء ابن عمه على كوكبان مات فجأة، وقيل: إنه أراد الدخول فصك الباب على رأسه فهلك ثم اتسق الأمر للأمير علي بن شمس الدين، قال القاضي رحمه الله: واشتغل عنا بتدبير أمره وطلب الكبراء والعسكر للحلف وقد أرجعونا مواضعنا بعنف ثم قيدونا وقيدوا مولانا عليه السلام ودافع الله عنا شرهم، قال وأكثر السادة الملامة لمولانا محمد على التعزير بنفسه وأنبوه، وكان أشدهم عليه السيد العلامة الحسن بن شرف الدين عليه السلام حتى تكلم بما لا ينبغي من شدة ما وجد، ثم بعد أن تقرر الأمر للأمير علي بن شمس الدين وكاتب العجم إلى صنعاء وكتب إلى الإمام عليه السلام واعتذر لولده بأنه ما كان منه ما كان إلا من ضنك الحبس وإنما في نفسه عليه شيء، والإمام عليه السلام يتوسل بالأمير عبد الله بن المعافا لمكان حبس ولده الأمير إبراهيم عنده.
[استقرار قواعد الصلح بين الإمام وجعفر باشا]
وأرسل عليه السلام سفيراً إلى صنعاء القاضي العالم الكامل مجد الدين سعد الدين بن الحسين المسوري رحمه الله لتحليف الباشا في صلح العشر السنين وإطلاق الرهائن التي من بلاد بني عبيد ووادعة وعذر والأهنوم ثم إطلاق بعض رهائن الحيمة، [ق/319] وكان قد قبض منها جملة رهائن وأبقى من كل قبيلة رهينة فقط، وأن سلاح أهل الحيمة يبقى لهم لمكان جهادهم مع الإمام عليه السلام وعليهم المال المعتاد ولا يطالبون بالماضي كغيرهم من البلاد التي صارت إليهم، وكان المتوسط في الصلح من الأمراء الأمير عبد الله بن يحيى بن المعافا والسفير الحاج أحمد بن سعد الله الوادي، وكان جعفر باشا يسارع إلى إجابة الإمام عليه السلام ويروي أن سنان لعنه الله نصح جعفر باشا بأنه يصلح الإمام ويتوجه على عبد الرحيم فمن ذلك أن الحيمة اضطربت كما تقدم وأن الإمام عليه السلام أرسل الفقيه المجاهد ضياء الدين عز الدين علي بن الأكوع كما سبق وطلب الإمام عليه السلام من الباشا أن أهل الحيمة يسلموا رأس المال كما تقدم، وأن الفقيه عز الدين يبقى لقبض الواجبات وإنما للوالي إلا نفس المال المعتاد يقبضه من المشائخ بضمانة الإمام، فلما وصل واليهم أهمله أهل الحيمة وأقبلوا على الفقيه عز الدين بالتعظيم كما أخبرني ولده الفقيه المجاهد عبد الله بن عز الدين فعظم على الباشا ذلك وأمر ببقاء عيال الإمام والسادة في كوكبان وكثر الخطاب وعجل الحاج أحمد الوادي بالمسير قبل إبرام القول، ورأيت مسودة بخط الإمام عليه السلام إلى الأمير علي بن شمس الدين صاحب كوكبان
ما لفظه: ولقد علمنا علماً يقيناً محبتكم لنا وصلاح طويتكم والعناية التامة فيما يحبه الله ويرضاه فالله سبحانه وتعالى يمدكم بمدده الرباني، ويقرن أعمالكم بالتسديد والصلاح والفلاح والتأييد، وقد انبرم الصلح الذي هو ثمرة سعايتكم المحمودة وضالة الصلاح المنشودة بيننا وبين جعفر باشا بلغه الله في الخير ما يرجوه، وكان مما رأى تأخير أولادنا وأصحابنا لديكم فأحببنا حقن الدماء وتسكين الدهماء، وهم ضيف الله سبحانه ووفده وجيران ولد كريم، وهم يخرجون إن شاء الله بعد طيبة النفوس ولكل أجل كتاب، ولا تزال المراجعة لجعفر باشا قرن الله أعماله بالصلاح المرة بعد المرة ولعله إن شاء الله لا يفاوت ما نهواه من الخير إن شاء الله والسلام.
واستقرت قواعد الصلح وكتب في تلك الشروط المكاتب وعبد الرحيم حرب للترك إذذاك كما تقدم، ثم يسر الله سبحانه وتعالى الخوض في خروج أولاد الإمام عليه السلام من كوكبان والسادة الفضلاء جميعاً وأولادهم، وكان قد توفي السيد العلامة صارم الدين إبراهيم بن المهدي رحمه الله في كوكبان، وولي القضاء ولده السيد الأعلم وجيه الدين المهدي بن إبراهيم فبقي مدة في كوكبان بعد خروج أولاد الإمام [ق/320] عليهم السلام والسادة والشيعة وأولادهم إلى شهارة المحروسة بالله، وكان لهم عند الإمام جلالة كمهاجرة الحبشة عند قدومهم على النبي عليه أفضل الصلاة والتسليم، ووصل ولده مولانا أمير المؤمنين المؤيد بالله سلام الله عليه وقد بلغ في العلم درجة الكمال، وكان العين في علماء الآل مع الزهادة في هذه الفانية والكمال في أمور العاجلة والآجلة حتى كان يضرب به المثل، وتلقاهم الإمام عليه السلام إلى المدائر من ظليمة ثم كان معهم إلى حبور، ثم شهارة المحروسة بالله، ووردت إلى مولانا عليه السلام التهاني، ونظمت في معناها الأشعار الرائقة المعاني، منها ما قاله السيد العلامة جمال الإسلام علي بن صلاح العبالي القاسمي رحمه الله:
تجلت نجوم في البلاد وأسفرت .... كما الصبح يبدو عن ظلام ويسفر
أتا عزنا من بعده شرف لنا .... وصالحنا والفخر فالله نشكر
هم السادة الأعلام والقادة الأولى .... هم يهتدى سبل الرشاد ويبصر
فبشرى لكل العالمين بهذه .... لأمور ما كادت على القلب تخطر
لسعدإمام من سلالة أحمد .... كراماته فيما أرى ليس تحصر
هو العالم المفضال والماجد الذي .... تناقض من يبغي مداه ويقصر
إمام هدى من الإله به لنا .... يؤمننا مما نخاف ونقهر
رحيب جناب للموالين مفضل .... هزبر على الأعداء كمي مظفر
أياسيدي قلبي لديك مخيم .... وشخصي في هذه الديار محير
تشبث بي أهل وصحب ومكلف .... وما كدت فيما قد مضى قط أنفر
وماغاب عني ذكركم كل ساعة .... وإن شمت ناساً غيركم لست أنظر
وإني لأرجو جمع شملي بسرعة .... وأشفى فؤادي والإله المقدر
فيا رب يسر بغيتي أنت قادر .... وأنت رؤوف بالعباد مدبر
وصل على المختار والآل إنهم .... غياثي في نومي وفي يوم أحشر
[أخبار النهضة الثانية]
وهذه أخبار النهضة الثانية والله الموفق:
تنبيه: وأما أخبار بلاد صعدة ونواحيها في النهضة الأخرى فإنه كان عليها الأمير محمد المسمى قرا محمد من الترك، وكان عظيم السلطان من أهل الحزم والتدبير ومعرفة أمور العرب فغلب على بلاد صعدة واستفحل أمره، وعظم خطره، وهو الذي كان يبعث المغازي إلى برط، وكان لأهل بلاد صعدة ميل إليه [ق/321] شديد، فلهذه الأسباب قلت الفتوح لبلاد صعدة في هذه النهضة وإنما كان يناوش في أطراف الشام السادة ولا يؤثرون كثيراً، ولا أعلم في أيامه على بلاد صعدة ما يذكر من الوقائع، وسمعت حي سيدنا الفقيه العدل المجاهد عماد الدين يحيى بن صلاح الثلائي رحمه الله وقد ذكر البطون التي [تتهم] ببغض أهل البيت من أرض اليمن حتى ذكر أن الإمام عليه السلام حدثه أنه كان يسمع هذا الخبر عن جده الإمام ترجمان الدين نجم آل الرسول القاسم بن إبراهيم عليه السلام وعدد سبع بطون منهم بنو الحرث بن كعب من نجران والحدادون بصعدة، والسليمان في عيان، والحواليون في ثلاء، والكباريون بتافث، واللعويون بريدة، والأبارة بظهر، قال فلما وصلنا إلى بلاد يام أو بادية نجران نزلنا على رجل منهم يسمى أحمد فلان -الشك مني- وقد سماه فقابلنا بالإكرام والإحسان وبقينا عنده ليال فقلت له نخفف عنك يا شيخ فلان وننتقل إلى مكان آخر، فقال مقسماً: والله يا مولانا إنك عندي مثل هؤلاء وأشار إلى أولاده لولا شيء أجده في صدري عليك وأشار بيده إلى صدره في أوقات لغير سبب فأبغضك حتى أكاد آكل لحمك أو كما قال، قال الإمام: فعرفت صدق الخبر والرجل من بني
الحرث، قال ففارقناه ولا أعرف متى وصل الإمام عليه السلام نجران ولا سألت المذكور، وسمعت من حدث من الأصحاب ونحن جماعة من السادة والفقهاء في مرتبة الحمراء من أعمال مرقص وبني حجاج شظب رتبة في عام سبع وعشرين وألف، وأظن أن سيدنا يحيى يسمع الحديث بوقعه في جانب نجران وكان مع الإمام عليه السلام من أشراف الجوف الأمير الشهيد المجاهد أحمد بن محمد الأخرم الجوفي وعدة من أصحاب الإمام عليه السلام منهم الفقيه عماد الدين يحيى بن صلاح الثلائي رحمه الله وأن جنود العجم قصدوهم إلى ذلك الموضع فأبلى الأمير المذكور حتى نجا الإمام عليه السلام وتعلق الجبل ورمى بالبندق، وقتل جماعة الفقيه المذكور وآخرين من عيال أسد أظنهم بني العبسي علي بن صالح وصنوه الهادي بن صالح حتى قال الإمام عليه السلام: هذا اليوم للأمير أحمد بن محمد في الخيل، والفقيه يحيى في الرحالة، ولم أتحقق التفصيل ولا الوقت فأشرت لحفظ هذه الجملة. والله الموفق والهادي.
قال السيد العلامة أحمد بن محمد الشرفي نفع الله به: هذه القضية والإمام عليه السلام في برط وأنه خرج إلى نجران وقد تقدم ذكرها من رواية السيد نفع الله به آمين.
[الإمام يأسس مسجده الجامع في شهارة]
[ق/322] فصل: ولما انبرم الصلح وكان نفعه ظاهراً للإسلام وحسن عائدته على الخاص والعام، وقبله أسس الإمام عليه السلام مسجده الجامع في محروس شهارة في رابع شهر محرم الحرام عام خمسة عشر وألف [مايو 1606م] وتمامه في العشر الأواخر، وكان موضعه يحط فيه أهل شهارة ثمرة الزبيب، ويروى عن كثير من أصحابه رحمهم الله وأطال بقاء من هو في الحياة أنهم سمعوا من الإمام عليه السلام أنه ابتدأ عمارته ولا يجد من أجرته إلا خمسة كبار تأتي درهماً إسلامياً، فحصل الإمداد من فضل الله سبحانه بكثرة النذور وكانت نذوره عليه السلام مما لا يعلم مثلها من نذور الأئمة الأطهار، وساق معظم حجارته من خارج الباب، وكان فيما ذكر أن في الناس قلة حتى إن كثيراً ممن وقف على أساسه المقدس استبعد حاجة الناس إليه.
قال الفقيه ناصر بن عابد الشهاري: شهدت عليه السلام بعد العشاء الآخرة وهو يستقيم على تأسيس المحراب لأجل القبلة وتحقيق أماراتها المعروفة وعنده عدة من الفضلاء، فتكلم القاضي العالم الورع وجيه الدين عبد الوهاب الصنعاني ثم الحجي رحمه الله، وقال: هذا المسجد كبير يا مولانا ومن ذا يملأه للصلاة فلا حاجة إليه أو كما قال، وأكثر من ذلك القول مع ما سمع الإمام عليه السلام من غيره، قال: فرأيت ذلك أغاضه، وقال: يا فقيه فلان إذا لم نجد من يملؤه كان هذا المسجد في هذا الموضع مثل علمك لا تنتفع به فسكت القاضي وذلك من الإمام عليه السلام تنبيه للمذكور بما قد سبق من الإمام ذكره فإن المسموع أن العلماء كانوا يطعنون على الفقيه عبد الوهاب المذكور مع زهده وورعه وعلمه النافع عدم الصبر على التدريس والإكباب عليه، وكان غالب أوقاته السياحة رحمه الله فأراد الإمام عليه السلام تعريفه بذلك، ثم أصلح مع المسجد المناهل والمنازل للقراءة وبعد تمامه كان غالب أوقاته التدريس فيه، وكان يحضر مجلسه الشريف عيون هم خير أهل الأرض في زمنهم رضوان الله عليهم كولده الإمام محمد عليه السلام، والسيد الحسن بن شرف الدين، والسيد صلاح الدين صالح بن عبد الله الغرباني القاسمي، والسيد الأفضل علي بن صلاح العبالي، ومثل شيخ العترة السيد أمير الدين بن عبد الله، والسيد الحبر أحمد بن محمد الشرفي، والسيد محمد بن علي بن عشيش الحوثي الحسيني، والسيد علي بن إبراهيم الحيداني، والسيد الحسين بن علي الجحافي، والسيد الأديب العلامة صلاح بن عبد الخالق الجحافي القاسمي، والسيد العلامة