،وفي أيام بقائه في شاظب أرسل الحاج المجاهد شمس الدين رحمة الله عليه وجماعة كميناً لقتل الفقيه أحمد بن حسن بن حنش وكان ظاهره [ق/306] السلامة فأكثر التردد إلى الأمير حسن بن ناصر الجوفي إلى ذيبين للفساد على الإمام فقتله الحاج شمس الدين ومن معه منهم جماعة من الفقهاء بني حنش فإنهم اعتنوا في إزاحة شره لما هم عليه من محبة الحق وأهله، والميل مع الشرع النبوي وآله.
[رسالة الإمام إلى قبائل حاشد وبكيل]
وهذه الرسالة:
الحمدلله وسلام على عباده الذين اصطفى، كتابنا هذا إلى حي حاشد وبكيل أرشدهم الله سبحانه وتعالى إلى سواء السبيل، وأتحفهم بالسلام الأفخر الجزيل، ورحمة الله سرمداً في البكرة والأصيل، حتى تتصل بنعيم الآخرة الدائم العريض الطويل، وبعد: فإن لكم سوابق في الأولين، ولواحق في الآخرين، سوابق أرضت رب العالمين، وسر بها سيد المرسلين، لواحق مطابقة للكتاب المبين، وسنة خاتم النبيين، فرجت الكرب عن سيد الوصيين، وأبنائه الأئمة الهادين، فنحب منكم أبقاكم الله أن تعودوا لعاداتكم، وتقتدوا بأسلافكم، فو الله إن إجابتنا عليكم لفريضة واجبة لا نجاة لأحد من المسلمين إلا إذا قاموا بها ورعوها حق رعايتها، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((من سمع واعيتنا أهل البيت فلم يجبها أكبه الله على منخريه في النار)) والواعية: هو داعي الحق من آل محمد صلى الله عليه وآله، وقد قلت في ذلك المعنى أبياتاً:
يا عالماً بحديث الأولين ألا .... بالله أخبره عن همدان من سالا
أمل الحديث عن القوم الكرام على .... أغصان دوحتهم فرعاً نمى وعلى
أعني الذين لهم عند النبي قدم .... إذ أسلموا طمعاً في الدين لا وجلا
وانشر فضائلهم للسامعين وقل .... سائل مواطنهم يا من له جهلا
صفين سل وبقاع النهروان وسل .... أيام عقرهم في المارق الجملا
عن حاشد وبكيل إذا أتوا سرعاً .... أعني وصي رسول الله لا مهلا
تعلم فضائل همدان وسبقهم .... كم فرجوا كرباً كم جدلوا بطلا
نصروا إمامهم الهادي وما خذلوا .... أرووا بتحديهم السمر والأسلا
من بعد ذا نصروا آل النبي قدماً .... كم سيرة ضمنت من فضلهم جملا
الله يشكر من همدان ما صنعوا .... الله يكسوهم في الجنة الحللا
يا حاشداً وبكيلاً إن عادتكم .... نصر الأئمة لا تبغوا به بدلا
آباؤكم نصروا آباءنا وسقوا .... أسيافهم نهلاً من بعده عللا
[ق/307]]
لا تطمعوا طمعاً من فاسق خبيث .... أعماله ولكم قد أعمل الحيلا
لا تيأسوا وثقوا بالله وارتقبوا .... نصراً فيا ربنا تأتي به عجلا
قال النبي لكم لا تخذلوا ولدي .... فالنار مصرع من ناوى ومن خذلا
والله ناصرنا نصراً يبلغنا .... قهر الطغاة ومن ناوى فقد سعلا
ثم الصلاة على المختار دائمة .... والآل صلى عليهم بعد واكتملا
ورأيت بخط القاضي الشهيد العالم عبد الله بن الهادي بن عبد الله بن أبي الرجال رحمه الله عقيب هذه الرسالة القصيدة الحائية للإمام عليه السلام، قال: أنشأها في شهر شوال سنة ثلاث عشرة وألف، فألحقناها هنا لمناسبتها حكاية الشدة المذكورة في شاظب وإن كانت قبلها ولتكثير الفائدة وفيها ما هو في حكم الجواب على السيد عبد الله بن علي المؤيدي المتقدم وهي هذه:
سفحت مدامع مقلة المجروح .... لدم لآل المصطفى مسفوح
ولشيعة بذلوا النفوس لربهم .... الكاسرين قرون كل نطوح
فالدمع منسجم على الخدين من .... حرقات قلب محرق مقروح
مثل الطغاة بنسل أحمد عامر .... سامي الأصول سنامها الأطريح
واحتز رأس السيدين بمسور .... في الله ذاك وبذلهم للروح
واسأل بحرم عن الشهيد من الذي .... أفتى بسفك دمٍ له في السوح
إن يفرح العادي بقتلك يا علي .... فعيوننا ترقص من تبريح
وعلى الحبر الشهيد ويوسف .... فخر الآواخر كالبوح
ومن العناية عابد متبتل .... ومن المحيرس باذل لنصيح
العاملين العالمين لربهم .... والمخلص لمالك سبوح
وعصابة زيدية كم أروع .... أسد هزبر في الثرى مطروح
هذا نكاية قاسطين وقد رموا .... بمصائب كم فاسق مبطوح
أسلافكم يا قاسطين أمية .... الناصبون عداوة التبريح
سنوا لكم لسقائكم وبر النبي .... لضغائن بصدورهم وأجنح
ليس العدو سواكم لمحمد .... ولعصبة التوحيد والتسبيح
والشامتون بعامر بحريمهم .... في العالمين ثراثر التبجيح
[ق/308]
خير الممات شهادة البطل الذي .... يردى الطغاة بهائل مطيح
لولا ذكرت إذ الجبا يأتيكم .... لكن جزيت مليحنا بقبيح
ليست بنكر تلك من عاداته .... عون وأبكار وبنت لقوح
عادى الإمام إمامنا الحسن الذي .... هو للخلافة مأمل الترشيح
واسأل علاف وحربها وأسيرها .... وفتاوى الأذهان والتنطيح
لا تشمتن بعامر فلقد فأى .... هام العدى بصوارم البطريح
ليس الشهيد بناقص في قومه .... إن المناقص فعله المفضوح
كم سيد رزق الشهادة في الورى .... بل أنبياء الله فيما أوحي
ولهم من الله الكريم كرامة .... في جنة موصولة ٍالتفريح
صلى الإله عليهم من معشر .... فازوا بخير مثقل الترجيح
إن الشهادة من سعادة أهلها .... والمنكرين لكافر التصريح
إن تمدحوا أحباركم في نظمكم .... بمرصح التجنيس والتلميح
فمصابنا الملأ الذين استشهدوا .... فوزاً لنا ومديحة لمديح
لا تحسبونا واهنين لما جرى .... والله مصرخنا ونعم الموحي
لا تحسبونا تاركين لحقنا .... فالله ليس لحقنا بمبيح
فلئن بقيت لآمرن عساكراً .... ترمي الطغاة لقاصم وقدوح
ولأجدحن شاربهم بمنغص .... وليهلكن بذلك المجدوح
وليشربن كأساتهم من منقع .... كأس الغبوق بعيد كأس صبوح
وليعقبن شرابهم لعقارهم .... عقارهم يردونهم بالجوح
ولأفتحن بإذن ربي أرضهم .... ولأنفينهم عن البحبوح
ولأهرقن دماهم وخمورهم .... ولأذبحن سراتهم بذبيح
وجهادنا لله جل جلاله .... ولدينه بأسنة وصفيح
وبنصرنا لا لا هنا يقضي لنا .... سبحانه بمرادنا والريح
ثم الصلاة على النبي محمد .... خير الورى من أعجم وفصيح
وعلى الكرام أولي النهى من آله .... ما شن غيث من ثعاع دلوح
[سنان باشا يطلب الصلح مع الإمام]
وكانت المراتب والحروب في كل جهة وعظم الأمر مع اضطراب الأمير المحروم [ق/309] عبد الرحيم على الإمام كما سيأتي إن شاء الله تعالى، فبينا الإمام عليه السلام في ذلك وإذا بالحاج التاجر المسمى أحمد الوادي، وكان من المعظمين في ذلك الزمان وكان يروى من سعة ماله مالا يحتمله الإختصار، وكان محبباً إلى الناس ويروى عنه صدقات وسماحة نفس وافداً على الإمام عليه السلام من عند الباشا سنان لا رحمه الله مخاطباً بصلح سنة أوأكثر، فعظم على الإمام عليه السلام الأمر وظن الظنون في الحاج المذكور لما عليه الترك أخذهم الله من الاستظهار والقوة وما في سنان لعنه الله من الشدة والسطوة وما هو عليه من القوة والبغضاء للعرب فضلاً عن أهل البيت عليهم السلام.
[ذكر الولاة الذين تولوا اليمن]
وحيث قد جرى ذكر اللعين، فلنذكر مصير الأمر إليه وعزل الوزير حسن لا رحمه الله كما أخبرني غير واحد من خواصهم وكتابهم بعد ظهور الحق عليهم كما سيأتي والحمد لله رب العالمين أن أول من خرج على الإمام الأعظم شرف الدين عليه السلام من ملوك الروم الباشا حسن ومراد وهو ومن معه الذين قتلوا اللوند اللذين خرجوا إلى الهند مع الباشا سلمان، ثم أخذوا اليمن على عامر بن عبد الوهاب الطاهري الناصبي لعنه الله، وفي أيام المتوكل على الله شرف الدين تتابع ملوك اليمن من وزراء ملك الروم فكان بعد [فرهاد باشا] إزدمر باشا وهو الذي بلي به المطهر بن الإمام شرف الدين عليه السلام، ثم مراد باشا كور وهو المقتول، ثم الذي خرج على المطهر المسمى مصطفى نشار سموه لما كان ينشر من غضب عليه بالمناشير لعنه الله، ثم خرج الوزير الأعظم المسمى سنان المحط في قاع حوشان ولم يدخل صنعاء لعظم جيوشه وحصر كوكبان وثلاء وصالح أولاد الإمام شرف الدين عليه السلام وولي على اليمن وعاد الروم على وزارته، ثم ولى بعده محمود باشا وهو الذي أخذ النظاري من ملوك اليمن بالغدر المعروف، ثم بهرام باشا وولي على صنعاء وبقي في ذمار الصغرى وأقطع كبار العجم البلاد فغلبوه عليها وعتوا عتواً كبيراً،وفي أيامه مات المطهر بن الإمام شرف الدين رحمه الله، ثم عزل بمراد باشا فقتل كثير من الأمراء ووضع الخراجات على اليمن وبقي في تعز العدينة وولى على صنعاء وغيرها، وأولاد المطهر وبنو شمس الدين في بلادهم وحصونهم والاختلاف بينهم، ثم عزل بالباشا حسن ووصل من الروم ووزيره هذا
الباشا سنان لا رحمهما الله فوليا اليمن قريباً [ق/310] من ثلاثين سنة، وعظم أمرهما وفتحا اليمن وحصروا أولاد الإمام شرف الدين عليه السلام وقتلوا بعضاً وأدخلوا بعضاً الروم أسرى، وكذلك الإمام الحسن عليه السلام وكذلك الأمراء من أشراف الجوف ثم الأمراء من بني المؤيد حتى لم يتركوا في بلاد الزيدية إلا من دخل تحت طاعتهم ومد يده لصلتهم بيد المسكنة إلا صاحب كوكبان الأمير محمد بن شمس الدين فإنه ظاهرهم ووالاهم وضرب السكة باسم سلطانهم وخطب لهم وباين إخوته وحاربهم، وكذا تصدر لحروب الإمام الحسن عليه السلام كما تصدر ولده الأمير أحمد بن محمد لمحاربة مولانا الإمام عليه السلام وكذا قطع الله دابره كما تقدم، ولما صفي لهم ملك اليمن وأخذوا معاقله وأمواله من مكة إلى عدن إلى حضرموت جعلوا عليه ضريبة تدخل إلى أبواب سلطان الروم في كل عام مائتا ألف حرف من غير الهدايا والتفاريق، وأخبارهم وأخبار أعوانهم طويلة تستغرق مجلدات وفراغ وأوقات، يروى أن الوزير حسن لا رحمه الله قال لبعض الأمراء من أولاد المطهر بن شرف الدين عليه السلام: أترى أنا أحسن تدبيراً أم أبوك يعني المطهر بن شرف الدين، وكان هذا الأمير أظنه إبراهيم بن مطهر يكره الشيخ ابن حميد السنحاني؟ فقال: إلا والدي أكمل بعد أن اعتذر من الجواب عليه، فقال: لم، فقال: كان ابن حميد مع أبي يلبس ثوبين صفتهما كذا ويركب حماراً ويخدم وهو الآن معكم يلبس مثل لباسك ويركب مثل مركوبك، وله ثمانون فرساً وغيره قريب منه أو مثله، فقال وقد ضحك: إنك لم تعرف حال والدك ولا حالي، أما والدك فمن العرب والبلد بلده
هو أولى بالرعية من ابن حميد، وأما نحن فعجم من كذا وكذا بر وبحر مالنا صديق فنجعل مثل المذكور مثلنا، ونخلطهم بنفوسنا ليحرسوا سلطاننا في اليمن لبقاء نعمتهم لا لبقائنا أو كما قال، والعاقبة للمتقين، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين، ثم لما قام الإمام عليه السلام كان هذا سنان لا رحمه الله صارمه الذي لا ينبو، وجواده الذي لا يكبو، وعظم عند ملوك الروم كبر اسمه وعظمت نفسه فخان صاحب أمره وكاتب حسدة مخدومه حتى عزلوه بحيلة أنهم يولونه مصر مع اليمن وأنه يستكفي بوزيره سنان على اليمن ويتقدم على مصر وكذا، فلما وصلت له يعني سنان على اليمن اسم الباشوية بعد عنها وأغلق على نفسه وعاقب من خاطبه بها أياماً توصلاً إلى ما سيأتي من مكره قريباً إن شاء الله، [ق/311] فلا زال كبراء العجم يتوسطون بينه وبين مخدومه أنه والٍ من تحت يده وخليفة له أياماً حتى يستقر في مصر ويستخلف غيره وهو يحلف بأن نفسه لا تطيب بعدم رؤيته أو تفارق خدمته أو كما قال.
وتجهز الباشا حسن فشد أثقاله هذا سنان لا رحمه الله وتولى تجهيزه وتباكى لعزمه مع ذلك، ثم إنه دس من حسن للوزير حسن أن طريق اليمن بعيدة وفيها أوخام وكذا فيعزم بالخزائن والأثقال أمناؤك وزوجتك المسماة السلطانة، وكانت غالية على الباشا حسن، ويروى أنها سبب ولايته وأنها من خواص السلطان، فتجهزت الأثقال وتوجهت إلى اليمن وسنان لا رحمه الله يصحبها خواصه للخدمة ، ثم وجه هو والمشيرون أن الباشا يلقي أثقاله وعياله من طريق كوكبان ثم جبل تيس ثم بلاد المحويت ويخرج تهامة، فلما انفصل عنه وقد شيعه جميع أعوانه وعظماء الروم أوقفهم على أمره وأن له الولاية حتى صح له من عنده رهبة ورغبة وأرسل من قبض الخزائن التي مع المراتب والأعوان وترك لهم ما لا بد منه، وقال: قد قلت لصاحب السعادة أسير معه فلم يقبل، وهذه الفتن في اليمن محيطة وكذا من الإمام وعبد الرحيم ويذهب بالمال، فعزم الوزير حسن باشا باكياً شاكياً، وهذه كلها والإمام عليه السلام في برط ولضعف حاله أقام في مكة عاماً واحداً حتى صح للسلطنة ضعف حاله ثم ولوه مصر عاماً واحداً، وتقدم إلى الروم وشكا من سنان وأنه قتل الناس ولم يقف على أمره وغلب على العساكر وقتل من كبراء السلطنة، ثم ظلم اليمن فخرجوا علينا وكذا فعولوا على عزله من اليمن وقد عظمت هيبته لم يكد يقم بذلك أحد، فانتدب الباشا جعفر وكان من خواص السلطان، ولما صح للمخذول لعنه الله خروجه خاف أنه إذا سار مع حروب الإمام عليه السلام وعبد الرحيم فما يأمن على صنعاء ولا يأمن على نفسه من السلطان إذا حصل خلل فأرسل الحاج المذكور كما تقدم، والحديث ذو شجون، ولكن لا يخلو من فائدة والله الموفق.