نفارقه وكذا خادمه معوضة السويد المذكور آنفاً، وقال الشيخ الملعون: مرادنا القاضي، فالتفت القاضي إلينا وكره دخولنا معه وقال: تعودون موافقة لغرض الشيخ وما يريد القاضي رحمه الله إلا تقريب الشيخ وعلى أنه آمن له وإذا في صدره شيء زال، قال: فلما دخل المنزل الذي أعلى من الباب وله كوة واسعة مما يلي شاهقة الحيد مشرفة على قاع الصيد، قال الوالد مطهر بن المهدي رحمه الله: فرأى اللعين الصنو علي بن المهدي وقد أقبل من القاع وقرب من المكان فقال: يا سيدنا هذا السيد علي وصل من كوكبان فأخرج القاضي رأسه من الكوة يريد النظر وقد انحط عليه عدو الله يطعنه في ظهره حتى خرجت من صدره ومال عليه [ق/301] أصحابه من عنده، قال: فسمعت شهقة القاضي رحمه الله شهقة هائلة ويقول: العيب العيب، قال فأقبلت على أصحابي وهم من وراء المسجد وأنا أصيح: قتل القاضي وكذا فما كادوا يصدقون حتى رأيناهم طرحوه من الشاهق ويقولون: كلوا لحم صاحبكم وكذا لعنهم الله، قال: ورموا بالبنادق فسلمنا الله سبحانه وانحدرت إلى السهل من أسفل الموضع الذي فيه شخص القاضي رحمه الله لأدرك الصنو علي أرده لا يقتلونه بالبنادق ثم تفرقنا وضربت الأصوات قال: فتلقانا الشيخ عبيد الصوبات لا رحمه الله هو وأصحابه فانتهبونا وما جاء به الصنو علي وسلاحه وسلاحنا ولم يتركوا لنا غير اللبس ثم حبسونا في بيته حتى استنقذنا القبائل وهموا بهذا الشيخ عبيد وأولاده وبلده وأرجعوا علينا سلاحنا وما ظهر من أمتعتنا، ولقينا الشيخ صالح حمران وكنا معه كما سيأتي إن شاء الله تعالى وقد أقبل من صنعاء محطة ومن كوكبان أخرى

على ما بينه وبين الشقي من المكاتبة، ثم إن الحيمة كلها أجفلت وضربت الطبول وتبرأوا من العيب ولعنوا فاعله حتى اجتمع من لا يحصيه إلا الله سبحانه وتعالى فلم يقدر الذين أغاروا من صنعاء وكوكبان على نزول الحيمة ولا وثقوا بأحد، ثم إن القبائل كلهم التقوا ولعنوا العيب وتبرأوا منه وكتبوا مسارعين إلى الإمام عليه السلام يمدهم بوال وينتقمون من العائب وأصحابه في حصنه، فبادر الإمام بإرسال الشيخ صالح بن محمد حمران النهمي.

قال السيد أحمد نفع الله به: إن الإمام عليه السلام كان قد أرسل الشيخ صالح حمران والياً لجهة من الحيمة بسؤال القاضي رحمه الله أنه شكا وحدته وقل المعين، فتراخى الشيخ صالح رحمه الله لاشتغاله بما لا بد منه فوافق وصوله جانب الحيمة قضية القاضي رحمه الله، وأخبرني بعض أهل الحيمة وقد أحاطت القبائل بهذا الحصن إحاطة الهالة بالقمر والأكمام بالثمر، ووصل الشيخ صالح بن محمد فتشدد في المحارس وابتاع له نفران من أصحاب اللعين ومن الذين قتلوا القاضي معه فغزاهم إلى موضع وضرب أعناقهم وشدد على الآخرين فبقوا محصورين فوق شهرين، ثم إن كبراء الحيمة أحبوا أن يرأسوا القاضي عماد الدين يحيى بن أحمد المخلافي وعرفوا الإمام عليه السلام فأجابهم إلى ذلك، وكان الشيخ صالح عوناً له والحرب عليهم ليلاً ونهاراً ولا يزال القتل من خارج وداخل فعظم على بني عمرو أن الأعداء يدخلون بلادهم ويقتلون رجالهم، وعظم عليهم أيضاً اسم العيب والمخزية هذه فإن يظهروا لنصر صاحبهم كانوا كلهم عيبة []ق:302] ويحملون المذمة معه ولا ينضم إليهم قبيلي من مخالفهم، فاجتمعوا يتشاورون وقد سمعوا من خصومهم من القبائل نسبتهم إلى العيب، فقال لهم الشيخ قاسم الشعوبي من بلاد نعام بني عمرو كما سمعت ذلك منه وهو يفتخر بذلك الرأي: يا بني عمرو قد وجدت لكم رأياً تنتفعون به، قالوا: وما هو؟ فقال: نطلب أهل الحيمة كلهم يعني وجوههم ونشكو عليهم من جهالهم أنهم دعونا بالعيب وكذا، والآن فتختاروا يا أهل الحيمة أحد أمرين إما وتركتم حصار صاحبنا علينا ونصبر عليه حتى نأخذه إن شاء الله تعالى وترون بقاءنا

وأنتم تعزمونا بلادكم لا تأكلونا وكذا، وإن لم تركناكم وإياه، وإذا لم تفعلوا أحد الأمرين وترفعوا منا هذا الاسم الشنيع كنتم الشهداء لنا وصرنا إلى صاحبنا ولبسنا معه لباس العيب، قال وأنا أعلم أنهم لا يرضون يقلدونا حصاره فإذا كان ما علينا عهدة احتلنا في خروجه لمعرفتنا للبلد وطرقها، فكان كما دبره هذا المغرور، واحتال أشرار بني عمرو على إخراج المذكور فأصبح في بلاد مهلهل، ثم تلقاه أشرار من بلاد المخلاف، ثم إلى حضور إلى الشيخ صالح بن أحمد ومن عنده من العسكر، ثم إلى صنعاء لعنهم الله فهدم القبائل بيته وبيت من أعانه كذلك، وكذلك مسجده.

وأما قبره رضوان الله عليه فإن الشيخ الرئيس صلاح بن مفضل المقدم ذكره أغار عقيب القضية هو وأصحابه نحو مائة نفر فدخل إلى موضع شخصه المتقدم على مخاطرة فاحتمله إلى بلده وقبره عند مسجدها المسمى مسجد محرم، وكفنه وصلى عليه وابتنى عليه مشهداً وهو مزور مشهور رحمة الله عليه، وظهر له كرامات منها أن قاتليه ومن أعان عليه صب الله عليهم أنواع المصائب وقتل أكثرهم، وأما الشيخ الشقي قاسم الجرمي لعنه الله فقدم إلى سنان لا رحمهما الله فأعطاه ولم يكد يأمنه ولا يقربه، ولقد روي أنه دخل عليه يوماً مسلماً فأعطاه ذهباً بمشهد الراوي كثيراً وسأله عن حاجته ولم يتركه يقف عنده، فلما خرج لعنه وسبه وقال الذي يفعل في ضيفه ورفيقه وصاحب أمره هذا لا يؤمن يبقى في مكاننا ثم يسلط عليه اليأس من رحمة الله، هتك المحارم، وعكف على الخمور والمآثم وكان يتحدث أنه لو يعلم أن عليه شعرة تدخل الجنة ليحرقنها، وبقي على ذلك حتى توفي لا رحمه الله وهو على تلك الحال في زبيد طريداً شريداً، وحق ما روي أن بسر بن أرطأة لعنه الله قاتل الشهيدين دعا عليه أمير المؤمنين علي عليه السلام بأن يطيل الله عمره، ويبتر رزقه، ويسلبه التوفيق [ق/303] فلا يؤمن حتى يرى العذاب الأليم، واحتال أبناء عم القاضي رحمه الله وقتلا نفرين من قاتليه والمعينين عليه، ثم إن الإمام عليه السلام لا زال يطلب المذكور في محاط العجم وقتل في مرقده ونفران لأن اللعين كان يظهر أنه ينام في موضع فإذا هجع من عنده وطفى المصباح مال إلى مكان آخر والله أشد انتقاماً، ولقد كانت هذه الغدرة حديثاً عند الولي والعدو.

وأخبرني جماعة من تلامذة سيدنا القاضي الزاهد عز الدين محمد بن عبد الله الغشم نفع الله به وأظن أني سمعت منه معنى ذلك أنه في أيام تردده للتدريس في الحيمة وصله أخ لهذا الشقي يسمى صالح وكان يروي عنه التبري من أخيه وأنه لا يواكله ولا يواصله أنه وصل إلى القاضي وعول عليه وشكا هجران الناس لمكانهم وأنه يصل بالفقهاء ضيفاً إلى بيته وكذا وأكثر عليه، فأجابه القاضي إلى ذلك وتلقاهم بالعقائر والإكرام.
قال القاضي: فلزمتني وحشة من المساء فخرجت إلى موضع خارج البلد وبقي الفقهاء، قال ونام فرأى حي القاضي الشهيد رضوان الله عليه في المنام معرضاً عنه ساخطاً عليه ولم يكلمه، قال: فعرفت أنه كره ما كان من تأنيس قرابة هذا الشقي فما أصبح القاضي إلا في مكان آخر ولم يعد إلى ذلك.
ويروى عن القاضي الشهيد رحمه الله أنه كان كثيراً إذا وصل قرية محرم بلد الشيخ صلاح يستحسن موضع قبره ويطيل البقاء فيه، ولذلك اختاره له الشيخ صلاح.
ومنها أن الشيخ صلاح هذا مذ كان ما كان من القيام بحق هذا الشهيد رضوان الله عليه هطلت عليه البركات، وعظم قدره وانتشر ذكره حتى لقد يعجز أن يعرف ماله وقدره، ولقد أعد للضيوف بيتاً كاملاً بجميع ما يحتاجون إليه ولا يغلق أبداً والقهوة والماء كلها لمن وصله من كبير وصغير ومعروف وغير معروف ببركات القاضي رحمه الله تعالى.
ومن كرامات القاضي رحمه الله ما سمعت من غير واحد من أهل محرم أن قد رأوا على قبره نوراً.

ومنها أن الشيخ صالح بن أحمد الشهابي له رئاسة ومجد مذكور يضرب به المثل مع القبائل ومع العجم يلحقونه بأمرائهم وكان كريماً ممدوحاً، فلما كان منه ما كان بتر الله رزقه وأقل في الناس حظه وقدره، وأخذته الحاجة بعد سقوطه من مرتبته، ولقد روى القاضي الرئيس عماد الدين يحيى بن أحمد المخلافي رحمه الله إلى أنه بلغ به الحال إلى أن التقط الحب في سوق صنعاء وأكل ما وجده في السوق، قال وأخبره من رأى أهل السوق يضربونه على تهمة أنه [ق/304] يأخذ عليهم طعاماً اختلاساً والله أشد انتقاماً، نسأله حسن الخاتمة والتوفيق، ونستكفيه الخذلان والتعويق.

[الفقيه عز الدين بن علي الأكوع والياً على الحيمة]
فصل: ولما استشهد القاضي رحمه الله واضطربت أمور الحيمة فما استقاموا للشيخ صالح بن محمد حمران فعاد جهات القبلة ولمقارنة مولانا الإمام عليه السلام كما تقدم من حروب الرجو، ثم إن الإمام عليه السلام استرجح إرسال الفقيه المجاهد عز الدين بن علي الأكوع رحمه الله، كما أخبرني الفقيه الفاضل صلاح بن علي البريشي أنه لما بلغه خروج جعفر باشا كما سيأتي دويلاً لسنان لعنهما الله تعالى وغالب أهل الحيمة المحبة، ولهم جهاد كما تكرر ذكره وإنما حصل ما كان من بعض أشرار كبرائهم، وكتب له ولاية سمعت من تحدث بما تضمنته من البلاغة التي يليق بمثله والحكم والأحكام والآداب النبوية، وبقي فيها مدة وليست بالكثير ثم اختل الأكثر وقل الناصر، وكثرت مواصلة الترك أخذهم الله من أهل الحيمة ثم استدعوا أميراً من العجم واستولى عليها ذلك الأمير، فعاد الفقيه المذكور إلى الإمام عليه السلام فكان ما سيأتي إن شاء الله تعالى من الصلح وأن أهل الحيمة يكونون إلى الترك لما صار إلى الترك أكثرهم وأخرجوا الفقيه عزالدين وضمن عليهم الإمام عليه السلام وتداركهم بما سيأتي من الشروط كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.

[ذكر تمام أخبار الرجو]
على سبيل الاختصار، حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء، وحصل في أيامها استيلاء الظالمين على قرية مدر وأحاطوا بجميع جوانبها ثم دخلوا بعض بيوتها ثم قسم البيت نصفين وحصل بلاء وتمحيص حتى أخذوها عنوة، وقتل من أهلها وممن فيها نحو مائتي نفر، واستقام بعد ذلك حروب وملاحم على غيرها كثيرة، وفي بقاء الشيخ المجاهد عبد الله بن سعيد الطيب رحمه الله في بلاد السر اتفقت قضية المحابيس في حصن ذي مرمر وذلك أنه كان فيه أربعة عشر رجلاً كلهم من أهل الشجاعة والقوة منهم السيد عبد الله بن هادي الرجي، والسيد محمد أبو عساج الغرباني وجعفر بن جميل الهمداني، والشيخ غانم السياغي الحيمي وأربعة من كبار الترك كان عليهم القتل وآخرين خفي علي أسماءهم فتبايعوا وقتلوا الرسم وأخذو المفاتيح التي للحصن، ثم قتلو آغا الحصن والشاوش والكاتب وأعوانهم وملكوا الجميمة أعلى الحصن، وفتحوا المخازين وأخذوا السلاح، وفتحوا الأبوب إلا الباب الأسفل وهزموا [ق/305] من لقوه، وكان أكثر العسكر للباب الأسفل للخوف عليه من الشيخ عبدالله الطير والمحاصرين للحصن فاجتمع أهل الباب الأسفل وحفظوه وهزموا المحابيس وقد أرسلوا بعد العشاء إلى صنعاء فأرسل سنان جميع محطته مع وزيره والأمير حسن بن ناصر الجوفي فخاف المحابيس فقطعوا مع الحبال بسط الجامع ودلوا أنفسهم بها، ثم خرجوا جهات نهم ونجاهم الله، ثم لحقوا بالإمام عليه السلام إلا الشريف محمد أبو عساج فقتل، وبعد قضية مدر عظم الأمر على المسلمين واختلت بلاد نهم وبلاد خولان بعد حروب شديدة سيما على بلاد نهم ومعاري ثم سرى إلى

بلاد حاشد وبكيل فوالى أكثر البلاد وانحاز أصحاب الإمام عليه السلام إلى بلاد وادعة وما إليها من بلاد شهارة، وذلك في آخر أيام سنان لعنه الله كما أخبرني بذلك الأمير الهادي بن المطهر بن الشويع رحمه الله وكذا غيره أن سنان لا رحمه الله جعل بعد طول الحرب على بلاد نهم محطة في ثومة من أعمال عيال صياد من نهم مع الأمير درويش وغيره وأنه شق بسنان كثرة الحروب مع قرب بلاد نهم من صنعاء، وكان حي الأمير علي بن المطهر بن الشويع صنو الأمير المذكور في صنعاء خائفاً من سنان وقد اتهم فلا يظن أنه يسلم من شره إلا ظناً فأشفق عليه بعض مشائخ نهم وقال لسنان: لا يفتح نهم غير الأمير علي فإنه وإنه، وله فيهم اختصاص ولهم فيه محبة وما غرضه إلا سلامته، فطلبه في الليل وجهزه وأمر الأمراء بالطاعة له فجعل من المشائخ الذين ظاهروا من أعانه وشرط لهم شروطاً، فدخلوا قرية الحرث وأخربوها وقطعوا أعنابها وقد حذرهم الأمير ينجوا بأنفسهم، ثم دخل بلاد نهم بعدها وبقى في موضع منها يسمى لصف كما سيأتي، وعاد الشيخ عبدالله الطير وأصحابه إلى الإمام عليه السلام جهات وادعة كما تقدم وبعد احتلال نهم وبلاد بني زهير والصيد ونواحيها تقدم الإمام عليه السلام إلى جانب من شاظب بلاد عيال أسد وبقي أياماً وجمع على ظفار وشوابة وهران ووصلهما مراراً، وقد عظم الأمر وقل الأنصار والمواد التي تقوم بالإمام وأصحابه، وسمعت من كثير من أصحابه عليه السلام يذكرون المشقة والجهد الذي لحقهم في هذا المحط، ولعل ذلك في عام ست عشرة وألف كما رأيت في تأريخ الرسالة التي أنشأها إلى بلاد حاشد وبكيل

74 / 109
ع
En
A+
A-