عليه السلام في الأثر، وكان الإمام عليه السلام في ذيبين فإنه تقدم إليه وبقي نحواً من عشرين يوماً وقد انحاز ابن المعافا في شهارة في جميع العجم الذين معه فكان سبب سرعة أخذها لأنه اجتمع على شحنتها أهلها ومن انضاف إليهم مع ابن المعافا [ق/289] حتى لقد أكلوا الكلاب ولحوم الدواب، وبلغت الأوقية الملح ثلاثة كبار، والإمام عليه السلام يتردد في حواز الأهنوم والخطاب بينه وبينهم حتى تسلم من فيها في شهر شعبان من عام خمس عشرة وألف [ديسمبر 1606م] كما ذكره السيد عيسى، وكان حصارها أكثر من سنة وكانت أيام الخريف، فأخبرني الوالد السيد جمال الدين علي بن المهدي رحمه الله أنه رأى كثيراً من العجم ومعهم بقية من لحم الكلاب يأكلونها وقد تغيرت صورتهم إلى الغاية وأن الخمور باقية فأمرهم الإمام عليه السلام بإراقتها، قال: فأراقوها ظاهراً حتى لقد سمعوا لجريها حساً، والإمام عليه السلام يتمثل بقول الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام:
لا نعرف الخمر إلا حين نهرقها .... ولا الفواحس إلا حين ننفيها
قال: وأمن من كان فيها وسرحهم إلى مأمنهم إلا الأمير إبراهيم بن المعافا فجعله في أيدي أهل شهارة في الاعتقال وتشدد عليهم في حفظه، ومما قيل في فتح شهارة من الشعر قول السيد العلامة البحر الفهامة علي بن صلاح العبالي رحمه الله:
هنيئاً بهذا الفتح يا ابن محمد .... وحمداً لمن أولاك سؤلي ومقصدي
على بعد عهد في الزمان وموعداً .... وبعد إياس من ولي ومعتدي
وثبت إلى العليا بصدق عزيمة .... فنلت الثناء والنصر والفتح عن يد
ورام جميع الناس صدك دونها .... فلم تستمع أقوالهم في التردد
وكان جواب الكل منك عليهم .... دعوني لأني بالحوادث مرتدي
وقلت لهم بالأمس كلمة جازم .... فلا تيأسوا قد يحدث الله في غد
على أنني فيما مضى كنت راجياً .... لنيلك هذا في مغيب ومشهد
وصدق ربي قولك الحق إنه .... يجيب دعاء العالم المتهجد
سقى الجبل المسطور جنبي شهارة .... شآبيب جود مصلح غير مفسد
لقد جاءهم نيل المنى يوم جاءهم .... غياث الورى ورد لهم أي مورد
إمام هدى منَّ الإله لنا به .... نفى كل ذي جور وذى مذهب ردي
هو القاسم المنصور من آل حيدر .... هو العالم الفياض من آل أحمد
نشأ في التقى والفضل والعلم والنهى .... وأغنى اليتامى من ندى كفه الندي
لهن جميع العالمين ظهوره .... على رغم قوم من آعاد وحسد
[ق/290]
هو الحجة الكبرى على أهل عصره .... حليف الوفاء والصدق في كل موعد
أيا سيدي لا تنس لي فيك صحبة .... ووداً قديماً خاصين التردد
فإني وأولادي وأهلي ووالدي .... فداك من الأسواء ما مكلت يدي
بحقك والسبطين منك وصحبتي .... أغثني فإني هاهنا كالمقيد
وحق سليل منك في الحبس موثق .... وآخر في بحر العدا متجلد
وبادر بوال للبلاد معجلاً .... ولا تتركني كالبعير المقيد
لقد كنت في الماضي على الضر صابراً .... رجاء رضى الواحد المتفرد
وبعد زوال الخوف إني لعاطش .... إلى الشراب من حوض لديك مصمد
بقيت بقاء الدهر يا غوث عصره .... وهذا دعاء للبرية عن يد
[أوضاع شهارة]
قال وكان الطعام قليل الوجود مرتفع السعر، قال: ما كان غالب قوت الناس إلا العنب حتى أنه وصل للإمام عليه السلام جفنة مملوءة لحيحاً ونشوفاً من حق الأهنوم من بعض الخواص، قال: وبنا من الحاجة إليه ما شاء الله، فلما رآه الإمام عليه السلام قال لمن عنده ما معناه: يا قوم هاهنا بقية هرر من سناجيب العجم قد تلفت من الجوع، ولا تأكل العنب تأذنون نفرق هذه لها؟ فقلنا: الخير فيما رأيت، فقال عليه السلام: أعينوني بأن يقبض كل واحد منكم واحدة حتىلا تهلك بعضها بعضاً وقد هي ضعيفة ففعلنا وجعل يقسم ذلك فيها، وأمسينا من غير شيء إلا العنب، قال: وخرج بنا إلى جانب الميدان وإذا بالأمير مطهر بن عبد الرحمن يعشر في المسارحة وقد دبر أمراً وإخوته أمراً، وأراد الله سبحانه غير ما دبروه، وذلك أن عبد الرحيم مشدد عليه في لزم شهارة ولا يتعداها وعين حصار السودة على آخرين وأن يحفظ شهارة لا تكون للإمام عليه السلام وهو مضمر في الإمام عليه السلام وفي صنوه السوء، ومطهر هذا قد عرف حال أخيه فأخذ في تقويته ويكاتب الترك سراً أنهم إذا جعلوا له شهارة وبلاد الشرف وسنجقاً كان منهم وهم يعدونه حتى خاف منهم لا يغدرون به قبل أن يستوثق فأرسل جمهور عسكره إلى بيت ابن علاء يمنع اتصالهم بشظب، وخاف أيضاً من أخيه لكثرة العيون عليه فأرسل من يحرس طريق حجة مخافة أن يغزوه منها فما بقي معه من يكمل من حصار شهارة فكانت هذه الأسباب من المعين للإمام عليه السلام على حصول شهارة مع ثقته بالله سبحانه، ولقد أخبر الثقات من أصحابه عليه السلام [ق/291] كسى وبشير وهو إذ
ذاك في برط لما أعلموه بما عمر فيه الظالمون وقال: عمروها لنا إن شاء الله حتى أن بعض أصحابه كان يهزأ استبعاداً وبعضهم أخذ خطاً في بعض دورها فلما استعاد شهارة عليه السلام وصار فيها خاف الأمير مطهر من أخيه وأنه لا يهمله لعدم حفظها من الإمام وعرف أن الترك لا يوفون له بما شرطوه وقد أخذت شهارة ومن فيها فإنها أعظم مقصدهم لحفظها واستنقاذ من فيها من الأمراء صار إلى المسارحة، وأرسل لجميع عسكره خواتم أمارة في ترك القتال وتعطيلها للترك ووصولهم إليه يحفظ نفسه من الجميع، وأقرب من يرجو نفعه ولايخاف ضره الإمام عليه السلام، قال ولما رأينا التعاشير في المسارحة والأخرى في السودة وقد اتصل ابن المعافا والجنود السلطانية بالسودة حتى لقد صكت المسامع تعاشيرهم وما عند الإمام عليه السلام بالكثير لأن القبائل تفرقوا لعدم وجود ما يأكلون بعد دخول شهارة ولا فيها شيء كما تقدم.
قال الوالد جمال الدين علي بن المهدي: فتقدمت إليه وهو ينظر إلى السودة ونواحيها ويسمع ما تقدم، وقلت له: يا سبحان الله تسكن وتستقر على هذا الحال وهذه شهارة ما فيها قوت ليلة واحدة لئن أقبل العدو ليأخذها من أيدينا وما ذا نفعل فسر بنا على هذا الذي في المسارحة إن هو منا وصلنا وكذا، وإن هو علينا ناجزناه وكذا، قال: فقال وهو ضاحك: لا تخف وأقسم بالله ما يدخلها الظالمون بعدها أبداً، وأخبرني رحمه الله أيضاً أن الإمام عليه السلام في هذه أو وهو في المدائر من ظليمة وقد سمعت ما تقدم من العجم وتعظيمهم لوصول الأمير درويش المشهور من أمرائهم فكتب في قرطاس شيئاً وتركه في الدواة وقام إلى مكان غير مجلسه الأول فقرأناه، أو قال اقرأوه فإذا هو قوله:
إن النواصب من شقاوة جدهم .... نصروا العلوج وأهل كل قبيح
طاح الخباث وطاح من والاهم .... النازلون بساحة المنطيح
القائلين لغيرهم مولاهم .... وهو الحقيق بقولهم حي حي حي
أراد الإمام عليه السلام بقوله: حي حي حي التعريض بأميرهم درويش المذكور والمنطيح قرية غربي السودة نزل فيها محاطهم.
قال السيد عيسى: إن الأمير درويش لا رحمه الله وجهه سنان لعنه الله أيام فتح شهارة المحروسة بالله بعد هزيمة أصحاب [ق/292]الأمير عبد الرحيم.
قال الفقيه الفاضل صلاح بن علي البريشي: لم أر مثل فرح عامة الأهنوم بقدوم الإمام عليه السلام إلى شهارة من الخوف من عبد الرحيم والترك.
وأخبرني القاضي العالم جمال الدين علي بن أحمد بن أبي الرجال رحمه الله قال: إن الإمام جمع مشائخ الأهنوم وقال: نحتاج ما فتح الله طعاماً لمن يحفظ شهارة، قال: ففرقوا نحواً من ثلاثين زبدياً من الناس من يسلم المد حتى اجتمع وكنت الرسول لها فاجتمع إلى شهارة ذلك القدر أو دونه فجعله قوتاً لمن حفظها وتأكد عليهم بحفظ ابن المعافا وهو طامع في حفظه ليستخرج به ولده من كوكبان كما تقدم، فإن ابن المعافا عند الترك بمكان، ثم خرج إلى ظليمة وولى عليها وأقام المراتب بحفظ الأطراف ممن في السودة، ووكل حرب ابن المعافا إلى الأمير عبد الرحيم، وأبقى ولده الحسن رحمه الله في ظليمة وجعل البلاد إليه وقواه وعاد وادعة وهو مع ذلك يجهز السرايا إلى الشام والمشارق والحيمة وجهات اليمن كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وبقي في وادعة [.........] وبلغه أن بعض أهل شهارة وغيرهم ممن صانع الأمير ابن المعافا أعملوا في إطلاق الأمير إبراهيم فأخرجوه من شهارة على صفة فصاح الأولياء ممن في شهارة بمثل ذلك، ثم إن أهل البلاد من الأهنوم وعظم عليهم فأخفاه الذين عاملوا في خروجه في بعض أودية شهارة مما يلي وادي العق وغارب رجح، فأغار الإمام عليه السلام مبادراً إلى استدراك ذلك فوصل إلى صور من أعمال شهارة الفيش وصح له تحقيق الواقع وبشره بعض الخواص أن الرجل محفوظ وأنه لا يكشف أحد فأظهر الإمام عليه السلام أن هذا الرجل هرب بنفسه من غير عمل أحد، فقد أنتم تفرقوا يا أصحاب وأمر الناس بالتفتيش في تلك الأودية والشواهق على أنه لا يعرف له خبراً ومعه الحقيقة وإنما أراد الإمام عليه
السلام بالتورية إبقاء على ما هذا فعله، ولما رأى من الصلاح العام وعهد إلى المفتشين أنهم إذا وجدوه عظموه كذا، فلما وجدوه أخذه وطلع به شهارة واستقر في الهجر أياماً وفي غيره من بلاد الأهنوم، ولما عرف أهل شهارة وفيهم أهل النصيحة وفيهم المتهم شق عليه اسم العيب فقتلوا من الرسم واحداً عن رأي الفقيه علي الشهاري وأمره وهو ابن عمه يسمى منصور بن سعيد وعادت أمورهم إلى السداد.
[أخبار الحيمة في النهضة الثانية]
[ق/293] فصل: وأما أخبار الحيمة في النهضة الأخرى وقد تقدم طرف في مصير مسار وأهله وحلفائهم من الزيدية والشافعية إلى موالاة جانب الحق وأنهم استنجدوا القاضي جمال الدين علي بن يوسف رحمة الله عليه لما خافوا من الباطنية لدخول وإحن بينهم يطول شرحها، وأن العجم أمدوهم بمواد وجنود كثيرة، ثم أرسلوا النقيب الشقي سعدان العبدلي الزهيري لعنه الله بمحطة هائلة، وكان قد تقدم قبله محاط كثيرة كما تقدم على مسار جمل من العرب والعجم من جنود صنعاء وكوكبان حتى من يافع وكان أهل حصن مسار ليسوا بالكثير، والخواص من الزيدية مع القاضي نحو من ثلاثين نفراً وقد يزيد وينقص الخاصة من الملازمين وتأتي إليهم عند الشدائد غوائر من بلد ثلث الزيدية ومن إليهم من الشافعية ومن جهات حصبان ومثل عر حجاج وعراس مواضع فيها بشر من الخلق، ولما وصل الشقي تكلم على أمراء العجم والعرب وتوعدهم وكان مقبولاً عليهم عند سنان لعنهم الله تعالى، ولا كلام لهم معه وقال: أتلفتم خزائن السلطنة على دائر غنم وأخذ يحفر الحصن والمحطة المخذولة في عبري سهام موضعاً مقابلاً للدائر الحطب المعروف وهو يراه وغيره سهلاً وقد تأملته فهو يرى من بعيد سهلاً فإذا قرب منه الرائي ارتفع لأن الطريق إليه من أسفل والمحطة مقابلة له، فعبأ المحاط للحمل وقد أرعد وأبرق وأمر بالحملة من جميع جوانب الحصن والمراتب، وكان القاضي جمال الدين رحمة الله عليه قد قسم من عنده من الخواص مع أهل البلاد لحفظ مواضع معروفة، ويخافها وقال لهم: كونوا مكانكم إن لنا وإن علينا كما أخبرني الوالد جمال الدين علي بن المهدي رحمه الله وإخوته وبنو عمه كذلك وأنهم رأوا سرعان عسكر الظالمين يتعلقون بالسور ويقبضون الزرب بالأيدي ويكادون يحملون الدائر وقد صب عليهم المجاهدون الرصاص والحجارة وكادوا يتكادمون بالأفواه من شدة التلاحم.
[قتل الأمير سعدان]
قال رحمه الله: وكنا أيأس ما كنا نرجوا وإذا بجموع تقهقر ولا يلوي أحد على أحد حتى انكفوا راجعين وخرج من خرج من المجاهدين أخذوا رؤوساً ممن قتل على الدائر فما كان بأسرع من وصول الخبر بقتل اللعين سعدان [ق/294] لا رحمه الله وكفى الله المؤمنين شر القتال وشره، واختلفت الروايات في قتله فظهر لنا أن الذي رماه الشريف محمد الكشري من أعمال حضور فإنه أمدحه بذلك حال الواقعة وكان هذا الشريف محمد في ديوان العجم وملازمي سعدان فقطعوا جامكيته لبعض الأسباب فلحق بالحماطي، واشتهر أنه قاتله وهرب إلى مكة من خوف التبعة.
وأما رواية الوالد علي بن المهدي وابن عمه السيد ناصر بن أحمد فقالا: إن قاتله الفقيه عبد الله من فقهاء عيان حراز، وجعل الذكر للشريف خوفاً من العواقب.
وأما جمهور الباطنية من همدان فإنهم يمتدحون أن قاتله فلان منهم عن أمر أميرهم لأنه تكلم عليه وعليهم وخافوا لا يأخذ الحصن عنوة في حرب واحدة وليلة واحدة فيهلك سنان لا رحمه الله أميرهم وأنه اغتاله- والله أعلم أي ذلك كان-، وقتل معه عالم من جنود العجم، ولما أهلكه الله اضطربت جنود الظالمين وذلوا وتوقى جانب الحق فوصل من العجم مدداً وزير الباشا سنان ذو الفقار كما تقدم، وطال الحرب على مسار مدة.
ومما أخبرني الشيخ صلاح بن مفضل المعمري الحيمي قال: إنهم سمعوا الحرب على مسار وهو في جانب بني مهلهل في الحيمة على مسافة البريد المسرع وأنه ومن معه ضيف عند صديق فتغدوا وعزموا فيها اتصلوا بالحدب يريدون القاضي محمد بن عبد الله بن درة رحمه الله وإذا برجل لا يعرفونه ولا رأوه بعدها يقول: قتل سعدان ثم غاب، قال: ولما وصلنا إلى القاضي أخبرناه فلما كان أول المغرب من الليل طلعت النار في مسار وغيره وانتشر ذلك وعجبنا من المخبر لنا، فقال القاضي: الله أعلم إنه من الجن، ثم إن الباطنية دخلوا مواضع من صعفان فدافعهم المجاهدون ووقعت قضايا حتى اتصلوا ببلاد صعفان.